رواية نسخة من روحي الفصل السادس عشر 16 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( السادس عشر)
" حلا "
لم أعرف يوماً لماذا أحببتُ رهف منذ اللحظة الأولى حين تعرّفتُ إليها .. لم تكن بيننا قرابة ولا معرفة سابقة ولا سببٌ واضح يدفعني للتعلّق بها .. كانت فقط رهف بهدوئها الغامض وعينيها اللتين تحملان حزناً خفيفاً حتى وهي تبتسم وبالطريقة التي كانت تناديني بها كأنني شيءٌ تخشى فقدانه.
وجدتُ نفسي أقترب منها بلا وعي و أبحث عنها في الغرفة إن غابت وأشعر بالطمأنينة إن جلستُ بقربها
كانت بالنسبة لي أكثر من أخت وأكثر من صديقة .. كانت ملجأً صغيراً في عالمٍ لم يكن لطيفاً معي يوماً.
في ذلك الوقت .. أذكر أننا كنا نرقص فرحاً وكأن لا همّ على قلبنا .. لقد شاركتني سرها اللطيف وأخبرتني أنها تلقت اعترافاً صادقاً بالحب .. كم فرحت لها .. وخاصةً أنها كانت تبدو سعيدة ومتفاجأة بذات اللحظة .. فجأة عاد أدهم .. لم يكن على ما يرام .. فقد نظر بي نظرة جعلت قلبي يخفق بشدّة من القلق ثم دخل إلى الحمام من دون أن يعطينا أيّ تفسير ..
حين خرج طلب مني أن نتحدث على انفراد .. شعرتُ بانقباضٍ غامض في صدري .. جلسنا وحدنا .. كان صوته مختلفاً .. منخفضاً أكثر من المعتاد وعيناه جادتان على نحوٍ أخافني قبل أن ينطق.
سألته بحذر:
- ما الأمر؟
رد بهدوءٍ ثقيل:
- مؤيد .. لقد خرج من السجن.
تجمّد الهواء في رئتيّ .. لم أستوعب الجملة فوراً ولكن جسدي استوعبها قبلي .. بدأ قلبي يخفق بعنفٍ مفاجئ كطبولٍ تُقرَع داخل صدري بلا رحمة .. شعرتُ بالبرد يتسلل إلى أطرافي رغم دفء الغرفة.
- مـ مؤيد.
همست باسمه بخفوت .. عاد الاسم ليصفع ذاكرتي .. رأيته أمامي كما لو كان وحشاً عاد مجدداً من الجحيم .. يحمل في قلبه حقداً جديداً وأساليب تعذيبٍ متطورة ليمارسها عليّ ..
رفعتُ نظري إلى أدهم وقلت:
- وكيف عرفت؟
- منذ أيام رأيت امرأة في هذا البناء بدت مألوفةً لي .. تذكرتها على الفور .. لقد كانت إحدى جارات مؤيد
انتفض قلبي داخلي بعد أن لاحت بذاكرتي صورة ذات المرأة التي رأيتها في الحارة وأنا عائدة مع رهف إلى البناء بينما تابع بهدوء:
- بقي بالي مشغولاً منذ ذلك اليوم .. وطلبت من أحد أصدقائي السؤال عن مؤيد وعاد ليخبرني أنه تم إطلاق سراحه وهو الآن يبحث عنا
بلعت ريقي وقلت:
- ألم تقل أن طلاقي منه هو نهاية قصتي معه؟
- بلى ولكن يبدو أنها لم تكن نهاية القصة بالنسبة له
بصوتٍ مرتجف:
- هو لا يعرف أين نحن صحيح ؟
هزّ رأسه ببطء.
- لا و لكن علينا أن نكون حذرين .. قد تخبره تلك المرأة عن مكاننا
ازداد خفقان قلبي .. ولما لا تخبره .. إنهم لم يكونوا يأبهون لي وربما يشتاقون لصراخي وعذابي .. فجأة قال ة بنبرةٍ حاسمة:
- أريدك أن تذهبي مع رهف.
حدّقتُ به وكأنّه طلب مني المستحيل و قلت من دون استيعاب:
- أذهب إلى أين؟
- إلى بيت خالتي ليلى .. سيكون أكثر أماناً لكِ هناك.
هززتُ رأسي بعناد :
- لا .. لن أذهب .. لن أتركك
جثيت على قدمي امامه وأمسكت يديه وقلت:
- لا أريد الابتعاد عنك
- ولكن هذا الحل الوحيد يا حلا
لم تكن المسألة عناداً فقط .. كان خوفاً خالصاً .. شعرتُ أنني إن غادرتُ سأفقد آخر خيطٍ يربطني بالأمان وبـه .. اقترب مني أكثر ورفعني من كتفي لنقف معاً .. صوته أكثر ليناً هذه المرة عندما قال :
- حلا .. صدقيني هذا لأجلكِ .. هناك سأطمئن عليكِ أكثر.
اختنق صوتي وأنا أقاوم دموعي:
- وماذا لو عرف؟ ماذا لو جاء إلى هناك أيضاً .. إنه ليس زوجي الآن .. لا يحق له أخذي
- لن يأخذكِ ولكنه لن يهدأ قبل أن يؤذيكِ ..
ضغط على كتفيّ وأكمل:
- أنا لست مستعداً أن أفرط بكِ مرةً أخرى
كنت ابكي بشدة وأنا ارجوه بنظراتي ان يعدل عن هذا القرار ليمسح دموعي بكلتا يديه وهو يقول :
- لن أتركك أعدكِ بذلك .. أينما كنتِ سأكون قريباً.
انهارت دموعي أخيراً كما الشلال ورميت رأسي بصدره .. لم أكن أبكي ضعفاً بل خوفاً من شبح فقدانه الذي بقي يلاحقني منذ زمن .. كنت أريد أن أصدّق وعده أن أتشبث بكلماته كما يتشبث الغريق بلوح خشب و لكن قلبي ظلّ يخفق بعنف يذكّرني بأن الماضي لا يختفي بسهولة .. وأن بعض الأسماء ما إن تُذكر تعيدكِ إلى كل ما حاولت نسيانه.
وافقت أن أذهب مع رهف وبقيت طول الطريق جالسة في السيارة بصمت .. أنظر من خلال النافذة إلى المنطقة التي تبعد شيئاً فشيئاً عني .. بعد أن أوصلنا .. سمعته يوصي رهف بي ثم تراجع وهو بنظر بعينيّ .. بدا لي وكأنه مجبر على تركي .. عاد ليندفع اتجاهي ويضمني بقوة لأنهار في أحضانه باكية
- أرجوك عد لتأخذني
- أعدكِ لن أتخلى عنكِ يا حلا
ابتعد عني وغمر وجهي بيديه الحنونتين وهو يمسح دموعي وقال:
- لا تبكي .. أحب أن ضاحكة لا باكية
- كيف تطلب مني الضحك وأنا سأفارقك ؟
- حتى يطمئن قلبي وأقنع نفسي أنكِ ستكونين بخير .. اضحكي من أجلي
لم أستطع رد طلبه ضحكت من بين دموعي ليقترب ويقبل جبيني بحنان ثم ابتعد عني لتقول رهف :
- هذا يكفي .. الذي يراكما سيقول أنكما ستفترقان للأبد .. صدقني لن نأكل أختك هذه .. كن مطمئناً
ضحكنا سوياً ثم تراجع وركب سيارته وذهب وأنا واقفة أراقبه يبتعد حتى اختفى عن ناظري .. قالت رهف بأمرٍ واضح:
- هيا حلا دعينا نذهب
هززت رأسي إيجاباً وحملت حقيبتي ولحقت بها .. كان المنطقة راقية وجميلة جداً .. البيوت الفخمة متوزعة على الطرفين ببساطة وأناقة .. عكس المنقة التي ترعرعت بها .. وصلنا أمام بيتٍ فخم ودخلنا من البوابة الرئيسية وبقينا نمشي حتى وصلنا إلى باب المنزل الكبير .. رأيت رهف مترددة .. لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وطرقت الباب حتى فتحت لها امرأة رغم جمالها بدت لي حزينة شاحبة وعيناها منتفختان من شدة البكاء وربما من قلة النوم .. فجأة اندفعت إلى رهف وضمتها بقوة وارتفع صوت بكاءها
كنتُ أقف على بُعد خطواتٍ منهما وأنا أراقب .. لم أكن جزءاً من المشهد بل كنتُ شاهدةً عليه فقط.
حين فتحت أمها الباب واندفعت تبكي وهي تحتضن رهف شعرتُ بشيءٍ ينغرز في صدري .. لم يكن ألماً واضحاً .. كان شيئاً أعمق و أهدأ ولكنه أشدّ قسوة .. كانت تبكيها كأنها عادت من الموت .. تردد اسمها بصوتٍ مرتجف تقبّل شعرها و تضغطها إلى صدرها وكأنها تخشى أن تختفي ثانيةً.
ثم رأيتُ رجلاً يقف خلفهما ينظر بعينيه الحزينتين إلى رهف .. يبدو أنه والدها .. اندفع نحوهما وضمهما معاً ليتشكل أمامي مشهداً عائلياً مؤثراً
وقفتُ هناك ويدي باردة لم أبكِ .. لكنني كنتُ أرتجف من الداخل سألتُ نفسي بهدوءٍ جارح .. كيف يكون شكل الحياة حين يكون هناك من يخاف عليك إلى هذا الحد؟
رهف كانت غاضبة منهم ومتألمة .. ربما شعرت بالخيانة ومع ذلك عادت فوجدت حضناً ينتظرها.
أما أنا .. حين ماتت أمي كنتُ في الرابعة عشرة .. لم يمضِ أسبوعٌ واحد حتى زوّجني أبي لـ مؤيد .. لم يبكِ عليّ .. لم يقل أنني صغيرة .. لم يحتضنني ليلةً واحدة خوفاً عليّ من الدنيا .. أسبوعٌ واحد فقط .. ثم سلّمني لرجلٍ لم أختره .. وبعدها ذهب ولم يعد
رهف حتى في هروبها كانت ابنةً يُخشى عليها .. أما أنا ففي بقائي أو رحيلي .. لم أكن فرقاً.
كنتُ أراقب والدتتها وهي تقبّل رأسها وأشعر بغيرةٍ صغيرة و خجولة .. تكبر داخلي رغم محاولتي كبتها .. ليت أمي عاشت .. ليت أحداً ركض نحوي هكذا يوماً .. ليت أحداً قال لي "البيت من دونكِ أظلم ."
لم أكره رهف في تلك اللحظة بل أحببتها أكثر و لكنني أدركتُ الفارق بيننا .. هي تعرف معنى أن يُشتاق إليها .. وأنا أعرف معنى أن يستغنى عني
وقفتُ أبتسم لهما بصمت .. أخفي ارتجاف قلبي وأقنع نفسي أنني سعيدة لأجلها .. ولكنني كنتُ سعيدة حقاً لكن شيئاً في داخلي كان يهمس بحزنٍ طفولي لماذا لم يحدث هذا معي أنا أيضاً؟
كنتُ أعلم أنني أقف على حافة لحظةٍ ليست لي .. رهف بين ذراعي أمها وأبيها يضمّهما معاً وبكاؤهما يمتزج كأن البيت يستعيد روحه الضائعة .. شعرتُ أن أي صوتٍ مني سيكون اقتحاماً غير لائق وأن حزني الشخصي يجب أن ينتظر.
لم أرد أن أقطع تلك اللحظة .. حقاً لم أرد.
لكنني كنت أعلم أيضاً أن وجودي خلف رهف وأنا صامتةً عند العتبة سيُلاحظ عاجلاً أم آجلاً
ابتلعتُ ريقي وتقدّمتُ خطوةً صغيرة وناديت بصوت متردد:
- رهف
خرج صوتي خافتاً أكثر مما توقعت .. ابتعدت رهف قليلاً عن حضن أمها و التفتت نحوي بسرعة وكأنها تذكّرت فجأة أنني ما زلت هنا .. مسحت دموعها بطرف كمّها ثم اقتربت مني بخطواتٍ سريعة .. وضعت يدها على ذراعي بحركةٍ عفوية وكأنها تطمئنني
ثم التفتت إلى والديها لتسألها والدتها:
- من تكون
هنا… شعرتُ بالنظرات .. كانت متفحّصة ومترددة .. نظروا إليّ باستغرابٍ واضح و كأنهما يحاولان أن يفهما من أكون ولماذا أقف خلف ابنتهما في لحظةٍ كهذه.
لم تتردد رهف .. شدّت على يدي برفق وتقدّمت نصف خطوة أمامي وكأنها تضع نفسها حاجزاً وردت:
- هذه حلا .. صديقتي.
ابتسمت ابتسامةً خفيفة ثم تابعت بصوتٍ هادئ :
- تعرّفتُ إليها منذ فترة وهي .. كانت تمرّ بظروفٍ صعبة. كانت تعيش مع أخيها و لكنه اضطر للسفر فجأة بسبب عمله وتركها وحدها هنا ولم أشأ أن تبقى بمفردها.
نظرت إليّ سريعاً نظرةً خاطفة تطلب مني الصمت ثم عادت بعينيها إلى أمها:
- لذلك جاءت معي اليوم في الحقيقة هي لا تملك مكاناً تقيم فيه حالياً وكنت أفكر أن تمكث معنا بضعة أيام فقط ريثما تستقر أمورها
كان صوتها ثابتاً و مقنعاً و خالياً من الارتباك .. حتى تفاصيل الكذبة بدت طبيعية لدرجة أنني كدت أصدقها انا أيضاً
شعرتُ بامتنانٍ حار يغمرني .. لقد صنعت لي حياةً بديلة في جملٍ قليلة دون أت تدري
كانت أمها ما زالت تنظر إليّ لكن حدّة الاستغراب خفّت قليلاً. ابتسمت ابتسامةً صغيرة دافئة هذه المرة وقالت بلطف:
- ولما لا .. أهلاً وسهلاً بكِ يا ابنتي .. بيتنا مفتوح لأصدقاء رهف .. وسيكون من دواع سرورنا مكوثكِ معنا هذه الفترة
تقدمت مني وقال:
- أنا ليلى .. والدة رهف
تقدم الرجل مني بدوره وقال بلطف :
- يسعدنا حقاً أن تبقي معنا .. أنرت المكان يا ابنتي
كلمة يسعدنا علقت في صدري .. لا أتذكر أن أحداً قال لي يوماً أن وجودي يسعده
أشارت ليلى بيدها نحو الداخل:
- تفضّلي يا حلا .. لا تقفي هكذا عند الباب.
شعرتُ بتردّدٍ قصير ثم عبرتُ العتبة ودخلتُ البيت الذي قبل لحظاتٍ فقط كنتُ أراقبه كغريبة والآن يُفتح لي بترحيب.
بقيت رهف إلى جانبي يدها لم تفلت يدي إلا حين اضطرّت. ثم همست لي بصوتٍ لا يسمعه سواي:
- أنتِ معي .. لا تخافي.
نظرتُ إليها وابتسمت .. دخلتُ خلفهم بخطواتٍ مترددة و لكن عينيّ لم تعرفا التردد .. ما إن عبرتُ العتبة حتى شعرتُ أنني انتقلتُ إلى عالمٍ آخر.
الأرضية لامعة تعكس الضوء القادم من نوافذٍ واسعة تمتد من الأرض حتى السقف .. ستائر بيضاء خفيفة تتحرّك مع النسيم وكأنها تتنفس بهدوء .. الأثاث متناسق وفخم دون مبالغة؛ كنبات بلونٍ هادئ وطاولة زجاجية تتوسط المكان تعلوها مزهرية بزهورٍ نضرة .. حتى النباتات لم تكن موضوعة عبثاً .. كانت موزعة بعناية كأن لكل نبتة مكانها مدروس .. لوحات فنية تزيّن الجدران .. ألوانها دافئة .. وإضاءات خافتة تمنح المكان سكينة غريبة .. شعرتُ بأنني أخطو داخل صورةٍ في مجلة.
تعلّقت عيناي فجأة بصورةٍ عائلية كبيرة معلّقة على الحائط المقابل .. رهف بين أبيها وأمها .. كانت تضحك والدها يضع يده على كتفها بفخر وليلى تميل نحوها بمحبةٍ واضحة. كانوا متقاربين جداً .. كانت صورة مليئة بالدفء
انتبهتُ إلى نفسي حين جلست رهف على الكنبة .. أسرعت وجلستُ بقربها مباشرة حتى كدت ألتصق بها دون وعي .. كنتُ ما أزال ألتفت حولي بإعجابٍ صريح لم أستطع إخفاءه .. بينما ابتسمت رهف وربما قرأت الدهشة في وجهي.
- هل اعجبكِ البيت ؟
نظرتُ إليها ثم عدتُ أُدير بصري في المكان وقلتُ بصوتٍ مسموع صادق حدّ العفوية:
- أعجبني؟! بل أخذ العقل .. حقاً هذا بيتكِ؟
لم أكن أقصد شيئاً سيئاً و لكن دهشتي خرجت كما هي.
رأيتُ والداها يتبادلان نظرةً سريعة ثم ضحكا بخفة ضحكةً ودودة لا سخرية فيها .. شعرتُ بالإحراج وتنحنحتُ سريعاً وخفضتُ نظري:
- آسفة .. لكن هذه أول مرة لي أزخل على منزلٍ كهذا
ساد صمتٌ قصير كنتُ أخشى فيه أن أكون قد قلتُ ما لا ينبغي .. لكن ام رهف نظرت إليّ بنظرة لينة وقالت:
- اعتبري البيت بيتكِ يا ابنتي
ثم أضافت بابتسامةٍ :
- أنا أضع كل صديقات رهف في عينيّ.
تلك الجملة لم تكن مجرد مجاملة .. كان في صوتها شيءٌ دافئ .. شيءٌ يشبه حنان الأم .. نظرتُ إليها للحظةٍ أطول مما يجب .. في ملامحها رأيتُ حناناً غير اعتيادي .. شعرتُ بشيءٍ داخلي يهدأ .. هززتُ رأسي بخجل وهمستُ:
- شكراً لكِ يا خالة
لأول مرة منذ دخلتُ هذا البيت لم أشعر بأنني دخيلة تماماً.
كان في المكان دفءٌ مختلف .. ليس بسبب الأثاث الفخم ولا النوافذ الكبيرة ولا اللوحات المرتبة بعناية بل بسبب الطريقة التي يُقال فيها لشخصٍ غريب " أنت مرحّبٌ بك هنا."
ظلّ الدفء الذي غمرني قبل قليل يتسرّب بهدوء إلى داخلي إلى أن تغيّرت ملامح ليلى فجأة وكأن فكرةً ما لمحت في ذهنها .. تأملت وجهي بتمعّن وقالت برفق:
- حلا ..هذه الندوب في وجهكِ .. منذ متى ؟
شعرتُ وكأن أحدهم سحب الغطاء عن شيءٍ أحاول دائماً إخفاءه أنزلتُ رأسي فوراً .. لم أحب يوماً أن يُسلَّط الضوء على وجهي بهذه الطريقة .. ترددتُ في الإجابة و لكن رهف سبقتني .. أمسكت بيدي بقوةٍ خفيفة وقالت:
- لقد تعرضت لحادث سير منذ عدة أشهر .. وتأثر وجهها فيه.
كان صوتها ثابتاً و حامياً رفع والدها رأسه بأسف وقال :
- الحمد لله على سلامتكِ يا ابنتي.
ثم أضافت امها :
- الجمال لا يدوم .. لكن سلامتكِ أهم من أي شيء.
اكتفيتُ بابتسامةٍ صغيرة وقلت:
- شكراً لكم
صمتت ليلى لحظة ثم قالت فجأة :
- ألم تجربي الذهاب إلى طبيب تجميل؟ الآن الطب تطور كثيراً وهذه الندوب يمكن أن تختفي تقريباً .. أنا لا أقول هذا انتقاداً .. فهي ليست واضحة كثيراً على كل حال ولكن من يتمعن بوجهك يلاحظها
- لم يخطر لي.
لم يكن السبب قلة مال فقط .. بل لأنني اعتدتُ النظر إلى المرآة بهذه الصورة وكأنها أصبحت جزءاً مني .. ثم جاء ذلك السؤال .. سؤالٌ لم يكن عابراً ولا بريئاً .. نظرت ليلى إليّ نظرة مختلفة .. أعمق و أدق… وقالت:
- ما اسم والدكِ يا حلا؟
ارتفع قلبي فجأة لم تكن نبرتها عادية .. كان في صوتها شيء يشبه الشك أو التحقق أو البحث عن رابطٍ خفي .. رفعتُ عينيّ إليها ببطء وشعرتُ بأن الكلمات علقت في حلقي.
لكن رهف سبقتني بسرعة غير طبيعية و ردت :
- أحمد .. لكن متوفى وهي كما أخبرتكم تعيش مع أخيها الأكبر منها وقد سافر قبل أيام وتركها بعهدتي.
نظرتُ إلى رهف بدهشة خفية .. لماذا شعرتُ أنها تعجّلت؟
راقبتُ ليلى لم تبتسم هذه المرة بل تبادلت نظرة سريعة مع زوجها .. سأل راجي موجهاً كلامه إلى رهف:
- ومن أين تعرفين أخاها؟
أجابت رهف فوراً:
- تعرّفتُ عليه عن طريق حلا وسافر بعد يومٍ من جلوسي عندهم
تدخلت ليلى بسؤالٍ آخر:
- وكيف كنتم تدبرون أموركم؟
- كان يرسل مصروفاً لحلا .. هكذا كنا ندبر أمورنا.
هزّت ليلى رأسها ببطء ثم قالت بنبرةٍ خفيفة لكنها تحمل عتاباً:
- أليس من الأفضل لو أحضرتها منذ البداية؟
ساد الصمت فجأة .. التفتُّ إلى رهف ورأيتُ ارتباكاً يمرّ في عينيها .. تغيّر في ملامحها لم يكن بسيطاً وكأن سؤال ليلى أصاب مكاناً حساساً .. نهضت ليلى فجأة واتجهت نحو رهف . جلست إلى جانبها ومسحت على شعرها بحنانٍ واضح ثم ضمّت وجهها بين كفيها وقالت بصوتٍ بدا لي مكسور:
- أنا آسفة
اهتزّت رهف ورأيتُ الدموع تملأ عينيها ثم همست بصوتٍ مرتجف:
- أنا سامحتكم .. لو لم أفعل .. لما عدت.
ثم ألقت بنفسها في حضن أمها التي احتضنتها بقوة .. ثم اقترب والدها ووضع يده على كتفهما بصمت.
كنتُ ما أزال جالسة في مكاني مجرد متفرجة .. مشهدٌ دافئ .. عائلي حميم .. لكن داخلي لم يكن هادئاً.
لم أستطع أن أُبعد السؤال عن رأسي .. لماذا سألتني عن اسم والدي؟ ولماذا بدا الاسم مهماً إلى هذا الحد؟
كان في نظرتها حين نطقت السؤال شيءٌ لم أفهمه .. لكنني شعرتُ به .. شيءٌ جعل قلبي يرتجف
في ذلك اليوم بدا البيت وكأنه يستعيد نبضه بعد غياب طويل .. لم تهدأ الحركة في أرجائه .. أصوات الضحكات تختلط برنين الأطباق ورائحة الطعام تملأ المكان بدفء .. أدركتُ أن عودة رهف لم تكن حدثاً عابراً بل كانت عودة روحٍ إلى جسد.
كان والدها يتنقل بين الغرف مبتسمًا يربت على كتف رهف كلما مرّ بقربها وكأنه يتأكد أنها ما زالت هنا فعلًا .. أما ليلى فكانت تلمس وجهها بين حين وآخر .. تمسح على شعرها و تُصلح ياقة قميصها وتغالب دموعاً تفضحها كلما ظنت أن أحداً لا يراها.
جلستُ أراقبهم بصمت .. أشعر أنني شاهدة على مشهد لا يخصني .. قبيل العصر أمسكت ليلى هاتفها وقالت بصوتٍ مشرق:
- لا يمكن أن أبقي الخبر لنفسي… يجب أن تأتي أختي رويدا لترى رهف بعينيها فهي أكثر من قلق عليها
لم تمضِ ساعة حتى قُرع جرس الباب وارتفعت أصواتٌ أنثوية مرحة تسبق أصحابها إلى الداخل .. دخلت امرأة تشبه ليلى .. لكن الزمن رسم حول عينيها خطوطًا أكثر وضوحاً كانت ملامحها هادئة .. وفي ابتسامتها شيءٌ مألوف جعل قلبي يخفق دون سبب .. عرفت فورًا أنها أمّ أدهم .
وخلفها دخلت فتاتان .. إحداهما كانت طويلة القامة ذات شعرٍ داكن منسدل بعفوية وعينين واسعتين تشبهان عينَي أمها .. أدهم يشبهها كثيرًا أدركت ذلك فورًا .. أما الصغرى ..كانت أكثر حيوية .. تتكلم قبل أن تكتمل خطواتها وتضحك بصوتٍ صافٍ يملأ المكان.
- رهف
اندفعت تعانقها باشتياق وشقاوة واضحة بينما اقتربت الأخرى وضمتها بدورها .. اما خالتها اقترتبت وبدأت تقبلها وتمسح على شعرها ثم بدأت توبخها وتعاتبها على ما فعلته .. بدت لي أماً حقيقية عكس والدة رهف .. كانت الأخرى أكثر حزم وصرامة .. ليلى لم تعاتب ولم توبخ رهف على غيابها بينما الأخرى كانت حازمة وصارمة أكثر من اللازم
بعد أن انتهوا من الاستقبال عرفتني رهف على بنات خالتها او بالأحرى أخوات أدهم لأبتسم لهما بخجل و يردا عليّ بابتسامة دافئة.
جلستُ معهن في الصالة وبدأت الأحاديث تتشابك كخيوط ملونة .. كانت سندس لا تكفّ عن الكلام تروي مواقف مضحكة وتقلّد أصواتاً حتى أن العم راجي ضحك بصوتٍ عالٍ وهو مستمتع بأحاديثها
فجأة نظرت سندس إليّ بتدقيق ثم قالت وهي تشير إلى ثيابي:
- لحظة هذا الطقم ليس غريباً عليّ
شعرتُ بحرارةٍ تصعد إلى وجهي .. تدخلت نور بهدوء:
- صحيح .. كان لدي طقم مثله تمامًا .. ولكنني أعطيته لأخت صديق أخي ..لأني لم أعد بحاجة إليه.
تمنيت لو تنشق الأرض وتبتلعني .. لم أعرف لماذا شعرتُ أنني أصغر من مقعدي و لكن رهف اعتدلت في جلستها وقالت بنبرةٍ واثقة:
- وماذا يعني ذلك ؟ ألم يشتري من هذا الطقم غيرك آنسة نور؟ ثم إن حلا أنيقة من يومها وتحب أن تهتم بمظهرها.
نظرتُ إليها بدهشةٍ امتزجت بالامتنان لم تكن تدافع عن قطعة قماش بل عن كرامتي .. ضحكت سندس وقالت:
- فعلاً إن الطقم عليكِ أجمل يا حلا
ردت نور باستياء:
- ماذا تقصدين يا سندس .. عليّ لم يكن جميلاً؟
- لم يكن يليق بك لهذا تبرعتِ به لا تنكري ذلك
تكتفت وقالت:
- يا لكِ من فتاةٍ جاحدة .. كم مرّة طلبته مني ها
تنفستُ أخيراً وقلت بخفةٍ محاولةً تغيير الموضوع:
-أنا أحب البساطة لا بحب الشيء المبالغ به.
سألتني نور بلطف:
- وتهتمّي بالموضة؟
- قليلاً يعني أحب متابعة الموضة .. واكنني أختار الذي يناسبني.
قاطعتنا سندس بحماس:
- أنا أحب تجربة كل شي غريب .. مرة من المرات لبست سترة لونه أخضر فوسفوري وتحتها قميص لونه برتقالي بينما التنورة كانت حمراء فاقعة وكنت سعيدة بمظهري حتى جاءت أمي ونسفت لي سعادتي كلها عندما قالت لي أن شكلي وكأنني إشارة مرور
ضحكنا جميعًا حتى ليلى التي كانت تمرّ بالقرب منا توقفت وقالت:
- إشارة مرور؟ معك حق يا رويدا… ابنتك بحاجة لإعادة تأهيل في أساليب الموضة
ردّت رويدا بابتسامة هادئة:
- المهم أن تكون سعيدة
ردّت سندس:
- وهل تدعين أحداً سعيداً أنتِ
- يالك من شقية
تعالت الضحكات من جديد .. راقبتُ رهف وهي تبتسم بين أهلها وأهل أدهم وعرفتُ من نظرات رويدا ونور وسندس أن محبتهم لها حقيقية .. وفي وسط كل هذا الفرح كنتُ أنا الغريبة التي تجلس بينهم .. لكن الغرابة في تلك اللحظة كانت أشبه ببابٍ يُفتح ببطء وأنا أخطو نحوه بحذر وقلبٍ أقل خوفًا مما كان عليه بالأمس.
حلّ المساء وانتهت زيارة الخالة رويدا وابنتيها سندس ونور وذهبوا مع أنني كنت أتمنى لو تطول جلستهم أكثر .. فقد كانوا لطاف لحد كبير .. سندس لم تكن تشبه أدهم فهو قليل الكلام عكسها .. لكن نور كانت أقرب له بشكلها وتصرفاتها وحركاتها .. كنت أسترق النظر إليها فقط لأشبع عينيّ بذلك الشبه الذي يربطها بـ أدهم
كانت ليلى ترغب بإيصالي لغرفة حتى أنام بها ولكن رهف رفضت وقالت أنها ستستضيفني في غرفتها .. لم أستغرب فقد اعتدنا أن نتشارك ذات الغرفة في الفترة الأخيرة
ذهبنا إلى الغرفة وما إن دخلت حتى وقفت مكان أحاول استيعاب مساحتها
كان السرير عريضًا إلى حدٍّ يُشبه منصّةً ملوكيّة تتدلّى فوقه ستائر خفيفة بلونٍ عاجيّ وكأنها غيمة استقرّت لتستريح .. إلى اليمين غرفة ملابس كاملة بأبواب زجاجيّة لامعة تعكس صورتي المرتبكة .. وعلى اليسار بابٌ يؤدي إلى حمّامٍ خاص يفيض بالرخام الأبيض ولمساتٍ ذهبيةٍ خافتة.
الجدران امتلأت بصور رهف في مراحل عمرها المختلفة؛ رهف ..طفلة تضحك بين ذراعي والديها و مراهقةً ترفع كأسًا في مسابقةٍ مدرسيّة .. و شابّةً تتوسّط الصورة بثقةٍ لا تخطئها العين .. أمام النافذة مكتبةٌ كبيرة تصطفّ فيها الكتب بعناية يتقدّمها مكتب دراسةٍ أنيق يعلوه مصباحٌ نحاسيّ.
اقتربتُ من النافذة .. كانت الشرفة خلفها مزروعةً بأصيصاتٍ صغيرة من الزهور البنفسجيّة تتمايل برفقٍ مع نسمة المساء. شعرتُ كأنني دخلت عالماً لا يمتّ إلى عالمي بصلة.
لم أعرف ماذا أقول .. الكلمات خانتني واكتفيتُ بالدوران حول نفسي ببطء وأنا أُمعن النظر في كل تفصيل وكأنني أخشى أن أستيقظ من حلمٍ عابر .. أمسكت رهف بيدي فجأة وقالت بابتسامةٍ واسعة:
- هل أعجبتكِ غرفتي.
ضحكتُ بعفويّةٍ لم أستطع كبحها وقلت من دون استيعاب:
- هل تمزحين معي .. إنها تبدو بحجم منزلنا كلّه
انفجرنا ضاحكتين وتردّد صدى ضحكاتنا في أرجاء الغرفة الواسعة .. ثم قالت وهي تشير حولها:
- من اليوم فصاعدًا ستصبح غرفتنا.
توقّفتُ عن الضحك وهززت رأسي بالنفي :
- لا يا رهف أنا لم آتِ لأشاركك شيئًا .. ثم أنني سأعود إلى أدهم.
ارتسمت على وجهها ملامح اندفاعٍ مفاجئ وقالت بحدّةٍ لم أعهدها فيها:
- لا .. لم تُحزري .. لن أسمح لكِ بالعودة إلى تلك الشقّة .. أنتِ ستسكنين معي فهمتِ؟
ثم تركت يدي وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها دون أن تنتظر ردّي.
وقفتُ في مكاني وقلبي يطرق صدري بارتباك .. شعرتُ بأن الأرض تميد بي قليلًا .. أخرجتُ هاتفي بيدٍ مرتجفة وضغطتُ على اسم أدهم .. لم يطل الرنين .. جاء صوته سريعاً لاهثاً بشيءٍ من القلق والحنين:
- حلا .. كيف حالك ؟ طمّئنيني عليكِ .. هل أنتِ مرتاحة؟
أغمضتُ عينيّ وابتسمتُ رغم كل شيء واجبته :
- أنا بخير ولكن ....
سكتُّ ليقول بقلق :
- لكن ماذا؟
ابتلعتُ تردّدي وهمست:
- لكن .. اشتقتُ إليك.
حلّ صمتٌ قصير بيننا .. صمتٌ ثقيلٌ وممتلئ بكل ما لم يُقل .. كنتُ أسمع أنفاسه وأشعر بقربه رغم المسافة.
قال أخيراً بصوتٍ حاول أن يجعله مطمئناً :
- لن تطول إقامتك هناك .. ما إن أنتهي من أموري سأعود إليك وآخذكِ
ابتسمتُ ومسحتُ بطرف إصبعي دمعةً خفيّة:
- وأنا بانتظارك.
انتهت المكالمة وبقي الهاتف بين يديّ لحظةً أطول مما ينبغي .. وضعتُ كفّي على صدري .. أشعر بخفقانه المتسارع وهمستُ بعد ان ابتلعت غصّتي:
- كم أنا أحبك يا أدهم
…………………………………………………………………
"ادهم "
دفعتُ باب الشقّة بهدوءٍ كما لو أنني أخشى أن أوقظ أحداً رغم يقيني بأنها خالية
أغلقتُه خلفي فارتدّ صوت الإغلاق في أرجاء المكان أوسع مما ينبغي .. كان الصدى وحده يجيبني.
خلعتُ معطفي ووضعته على الكرسي القريب من المدخل ثم رفعتُ بصري أتأمّل الشقّة .. رغم أن كلّ شيءٍ كان موجوداً في مكانه .. لكن كان هناك شيئاً ناقص.
سرتُ ببطءٍ نحو غرفة الجلوس .. هنا كانت تجلس تثرثر بلا توقّف .. تنتقل من موضوعٍ إلى آخر دون أن تنتبه لضيق الوقت .. هناك قرب النافذة كانت تقف لتسقي النباتات .. تكلّمها كما لو كانت كائناتٍ حيّة تفهمها.
مررتُ بكفّي على ظهر الأريكة فخُيّل إليّ أن دفء جلوسها ما زال عالقًا بالقماش .. شكلها وهي متمددة عليه .. تسترق النظر إليّ بعد إزعاجي في منتصف الليل
دخلتُ المطبخ و توقّفتُ عند العتبة .. كم مرّةٍ كنتُ أجدها هنا بشعرٍ مرفوعٍ بعفويّة ووجنتين مورّدتين من حرارة البخار .. تغني بصوتها الأخّاذ من دون ان تنتبه لوجودي وهي تُعدّ طبقًا جديداً تصرّ أن أتذوّقه فوراً
أغمضتُ عينيّ .. كأنّ رائحة طهوها ما زالت تسكن الجدران .. مزيجٌ من البهارات الدافئة والخبز الطازج ولمسةٍ لا أستطيع وصفها إلا بأنها رائحتها
فتحتُ عينيّ سريعًا كأنني أهرب من ضعفٍ مفاجئ انتقلتُ إلى الغرفة .. السرير كان مرتباً كما تركناه صباحاً .. وسادتها صامتة .. مددتُ يدي ولمستُها ثم سحبتها بسرعة ..
الحقيقة أنني لا أخشاها .. بل أخشى الفراغ الذي تركته.
صوتها كان يملأ هذا المكان .. ضحكتها العالية اعتراضاتها الطفوليّة حتى عتبها حين أغرق في صمتي.
كانت تقول إن الشقّة صغيرة .. لكنني اليوم أدركتُ أنها كانت واسعةً بها وضيّقةً بدونها.
جلستُ على طرف السرير وأسندتُ مرفقيّ إلى ركبتيّ.
شعرتُ بثقلٍ غريبٍ على صدري.
لكن لا يجوز أن أستسلم لهذا الإحساس.
هي بخير. في بيتٍ آمن. مع عائلةٍ تهتمّ بها.
وهذه مجرّد فترةٍ مؤقّتة.
رفعتُ رأسي ونظرتُ حولي من جديد و كأنني أُعيد تعريف المكان .. سأعتاد .. يجب أن أعتاد.
سأتعلم كيف أعود من جامعتي لا أبحث عنها في المطبخ. كيف أتناول طعامي دون أن أسمع أسئلتها عني وكيف قضيت يومي .. كيف أنام دون أن أسمع همستها قبل أن تغفو.
إن كان عليّ أن أعيش من دونها لبعض الوقت .. فسأفعل لأنني مضطر .. تنفّستُ بعمق ونهضتُ واقفاً
ربما تبدو الشقّة فارغة الآن ولكنها تنتظر عودتها كما أنتظرها أنا .. أطفأتُ الأنوار وأغلقتُ الباب خلفي بإحكام
نزلتُ الدرج بخطواتٍ سريعة .. لم أكن أحتمل البقاء هناك أكثر .. كان الهواء في الخارج سيخفّف عنّي وطأة ذلك الفراغ .. وضعتُ قدمي على أولى الدرجات المؤدّية إلى الأسفل حين لمحتهما.
رولا برفقة امرأة تصعدان ببطء ..كتمتُ أنفاسي لحظة.
إنها .. نعم .. تلك المرأة .. جارة مؤيّد.
هممتُ أن أتابع النزول متجاهلًا وجودهما و لكن صوت رولا أوقفني:
- سيّد أدهم
التفتُّ ببطء.
- نعم؟
اقتربتا منّي .. بينما رولا ابتسمت ابتسامةً واسعة .. قالت بنبرةٍ ملساء:
- كيف حال أختك .. حلا؟
تجمّدتُ في مكاني .. لم تكن الكلمة عابرة .. شدّدت عليها قليلًا وكأنها تتعمّد أن تغرسها في أذني.
رفعتُ نظري إليها ثم إلى المرأة التي تقف بجانبها .. كانت تبتسم ابتسامةً باردة تحمل شيئًا من الشماتة .. شعرتُ بانقباضٍ خفيّ في صدري و قلتُ بجمود:
- بخير.
ثم سألتُ وأنا أمعن النظر في المرأة:
- ومن تكون؟
رفعت رولا حاجبيها بدهشةٍ مصطنعة.
- هل من المعقول أنكَ لم تذكرها يا سيّد أدهم؟
اقتربت خطوةً وهمست بصوتٍ أخفض:
- هذه تكون عمتي أم سمير .. لقد كانت جارتك وجارة حلا وزوجها مؤيد في البناء الذي كنت تسكن به
شعرتُ كأن أحدهم سحب الهواء من رئتيّ دفعةً واحدة.
انتقل بصري بين رولا وعمّتها .. مؤيد .. الاسم وحده كان كفيلًا بأن يعيد إلى ذهني تفاصيل لم أكن أرغب باستعادتها.
قالت أم سمير بنبرةٍ بطيئة تتفحّص وجهي كما لو كانت تقرأ ردّ فعلي:
- كم أن الدنيا صغيرة يا بنيّ .. صدفة لطيفة أن نلتقي مجدّداً
لم تعجبني كلمة مجدّداً .. أحسستُ بأن نظراتهما لا تبحث عن مجرّد تحيّة عابرة .. بل عن شيءٍ آخر وكأنهما تمتحنان اضطرابي.
شدَدتُ على فكّيّ محاولًا ضبط انفعالي.
- نعم… صدفة
لكنها لم تكن تبدو صدفة أبداً .. رولا مالت برأسها قليلاً وقالت بخفوتٍ يحمل خبثاً واضحاً :
- إبعث تحياتي لـ أختك وأخبرها أن الجيران لا ينسون بسهولة
تبادلتا نظرةً سريعة .. نظرة تفاهمٍ صامت ثم تابعتا الصعود. بينما بقيتُ واقفًا مكاني أتابع خطواتهما حتى اختفتا عند المنعطف.
قلبي كان يخفق بعنفٍ لم أعهده في نفسي منذ زمن .. ماذا تقصدان بكلامهما؟
مرّرتُ يدي في شعري بعصبية وأكملتُ نزولي أخيراً
كان إحساسي واضحاً كالشمس .. هذا اللقاء لم يكن عابراً
ولم يعجبني على الإطلاق .. وهناك شيءٌ ما يُدبَّر بالتأكيد
" حلا "
لم أعرف يوماً لماذا أحببتُ رهف منذ اللحظة الأولى حين تعرّفتُ إليها .. لم تكن بيننا قرابة ولا معرفة سابقة ولا سببٌ واضح يدفعني للتعلّق بها .. كانت فقط رهف بهدوئها الغامض وعينيها اللتين تحملان حزناً خفيفاً حتى وهي تبتسم وبالطريقة التي كانت تناديني بها كأنني شيءٌ تخشى فقدانه.
وجدتُ نفسي أقترب منها بلا وعي و أبحث عنها في الغرفة إن غابت وأشعر بالطمأنينة إن جلستُ بقربها
كانت بالنسبة لي أكثر من أخت وأكثر من صديقة .. كانت ملجأً صغيراً في عالمٍ لم يكن لطيفاً معي يوماً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حين خرج طلب مني أن نتحدث على انفراد .. شعرتُ بانقباضٍ غامض في صدري .. جلسنا وحدنا .. كان صوته مختلفاً .. منخفضاً أكثر من المعتاد وعيناه جادتان على نحوٍ أخافني قبل أن ينطق.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ما الأمر؟
رد بهدوءٍ ثقيل:
- مؤيد .. لقد خرج من السجن.
تجمّد الهواء في رئتيّ .. لم أستوعب الجملة فوراً ولكن جسدي استوعبها قبلي .. بدأ قلبي يخفق بعنفٍ مفاجئ كطبولٍ تُقرَع داخل صدري بلا رحمة .. شعرتُ بالبرد يتسلل إلى أطرافي رغم دفء الغرفة.
- مـ مؤيد.
همست باسمه بخفوت .. عاد الاسم ليصفع ذاكرتي .. رأيته أمامي كما لو كان وحشاً عاد مجدداً من الجحيم .. يحمل في قلبه حقداً جديداً وأساليب تعذيبٍ متطورة ليمارسها عليّ ..
رفعتُ نظري إلى أدهم وقلت:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- منذ أيام رأيت امرأة في هذا البناء بدت مألوفةً لي .. تذكرتها على الفور .. لقد كانت إحدى جارات مؤيد
انتفض قلبي داخلي بعد أن لاحت بذاكرتي صورة ذات المرأة التي رأيتها في الحارة وأنا عائدة مع رهف إلى البناء بينما تابع بهدوء:
- بقي بالي مشغولاً منذ ذلك اليوم .. وطلبت من أحد أصدقائي السؤال عن مؤيد وعاد ليخبرني أنه تم إطلاق سراحه وهو الآن يبحث عنا
بلعت ريقي وقلت:
- ألم تقل أن طلاقي منه هو نهاية قصتي معه؟
- بلى ولكن يبدو أنها لم تكن نهاية القصة بالنسبة له
بصوتٍ مرتجف:
- هو لا يعرف أين نحن صحيح ؟
هزّ رأسه ببطء.
- لا و لكن علينا أن نكون حذرين .. قد تخبره تلك المرأة عن مكاننا
ازداد خفقان قلبي .. ولما لا تخبره .. إنهم لم يكونوا يأبهون لي وربما يشتاقون لصراخي وعذابي .. فجأة قال ة بنبرةٍ حاسمة:
- أريدك أن تذهبي مع رهف.
حدّقتُ به وكأنّه طلب مني المستحيل و قلت من دون استيعاب:
- أذهب إلى أين؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
هززتُ رأسي بعناد :
- لا .. لن أذهب .. لن أتركك
جثيت على قدمي امامه وأمسكت يديه وقلت:
- لا أريد الابتعاد عنك
- ولكن هذا الحل الوحيد يا حلا
لم تكن المسألة عناداً فقط .. كان خوفاً خالصاً .. شعرتُ أنني إن غادرتُ سأفقد آخر خيطٍ يربطني بالأمان وبـه .. اقترب مني أكثر ورفعني من كتفي لنقف معاً .. صوته أكثر ليناً هذه المرة عندما قال :
- حلا .. صدقيني هذا لأجلكِ .. هناك سأطمئن عليكِ أكثر.
اختنق صوتي وأنا أقاوم دموعي:
- وماذا لو عرف؟ ماذا لو جاء إلى هناك أيضاً .. إنه ليس زوجي الآن .. لا يحق له أخذي
- لن يأخذكِ ولكنه لن يهدأ قبل أن يؤذيكِ ..
ضغط على كتفيّ وأكمل:
- أنا لست مستعداً أن أفرط بكِ مرةً أخرى
كنت ابكي بشدة وأنا ارجوه بنظراتي ان يعدل عن هذا القرار ليمسح دموعي بكلتا يديه وهو يقول :
- لن أتركك أعدكِ بذلك .. أينما كنتِ سأكون قريباً.
انهارت دموعي أخيراً كما الشلال ورميت رأسي بصدره .. لم أكن أبكي ضعفاً بل خوفاً من شبح فقدانه الذي بقي يلاحقني منذ زمن .. كنت أريد أن أصدّق وعده أن أتشبث بكلماته كما يتشبث الغريق بلوح خشب و لكن قلبي ظلّ يخفق بعنف يذكّرني بأن الماضي لا يختفي بسهولة .. وأن بعض الأسماء ما إن تُذكر تعيدكِ إلى كل ما حاولت نسيانه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أرجوك عد لتأخذني
- أعدكِ لن أتخلى عنكِ يا حلا
ابتعد عني وغمر وجهي بيديه الحنونتين وهو يمسح دموعي وقال:
- لا تبكي .. أحب أن ضاحكة لا باكية
- كيف تطلب مني الضحك وأنا سأفارقك ؟
- حتى يطمئن قلبي وأقنع نفسي أنكِ ستكونين بخير .. اضحكي من أجلي
لم أستطع رد طلبه ضحكت من بين دموعي ليقترب ويقبل جبيني بحنان ثم ابتعد عني لتقول رهف :
- هذا يكفي .. الذي يراكما سيقول أنكما ستفترقان للأبد .. صدقني لن نأكل أختك هذه .. كن مطمئناً
ضحكنا سوياً ثم تراجع وركب سيارته وذهب وأنا واقفة أراقبه يبتعد حتى اختفى عن ناظري .. قالت رهف بأمرٍ واضح:
- هيا حلا دعينا نذهب
هززت رأسي إيجاباً وحملت حقيبتي ولحقت بها .. كان المنطقة راقية وجميلة جداً .. البيوت الفخمة متوزعة على الطرفين ببساطة وأناقة .. عكس المنقة التي ترعرعت بها .. وصلنا أمام بيتٍ فخم ودخلنا من البوابة الرئيسية وبقينا نمشي حتى وصلنا إلى باب المنزل الكبير .. رأيت رهف مترددة .. لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وطرقت الباب حتى فتحت لها امرأة رغم جمالها بدت لي حزينة شاحبة وعيناها منتفختان من شدة البكاء وربما من قلة النوم .. فجأة اندفعت إلى رهف وضمتها بقوة وارتفع صوت بكاءها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حين فتحت أمها الباب واندفعت تبكي وهي تحتضن رهف شعرتُ بشيءٍ ينغرز في صدري .. لم يكن ألماً واضحاً .. كان شيئاً أعمق و أهدأ ولكنه أشدّ قسوة .. كانت تبكيها كأنها عادت من الموت .. تردد اسمها بصوتٍ مرتجف تقبّل شعرها و تضغطها إلى صدرها وكأنها تخشى أن تختفي ثانيةً.
ثم رأيتُ رجلاً يقف خلفهما ينظر بعينيه الحزينتين إلى رهف .. يبدو أنه والدها .. اندفع نحوهما وضمهما معاً ليتشكل أمامي مشهداً عائلياً مؤثراً
وقفتُ هناك ويدي باردة لم أبكِ .. لكنني كنتُ أرتجف من الداخل سألتُ نفسي بهدوءٍ جارح .. كيف يكون شكل الحياة حين يكون هناك من يخاف عليك إلى هذا الحد؟
رهف كانت غاضبة منهم ومتألمة .. ربما شعرت بالخيانة ومع ذلك عادت فوجدت حضناً ينتظرها.
أما أنا .. حين ماتت أمي كنتُ في الرابعة عشرة .. لم يمضِ أسبوعٌ واحد حتى زوّجني أبي لـ مؤيد .. لم يبكِ عليّ .. لم يقل أنني صغيرة .. لم يحتضنني ليلةً واحدة خوفاً عليّ من الدنيا .. أسبوعٌ واحد فقط .. ثم سلّمني لرجلٍ لم أختره .. وبعدها ذهب ولم يعد
رهف حتى في هروبها كانت ابنةً يُخشى عليها .. أما أنا ففي بقائي أو رحيلي .. لم أكن فرقاً.
كنتُ أراقب والدتتها وهي تقبّل رأسها وأشعر بغيرةٍ صغيرة و خجولة .. تكبر داخلي رغم محاولتي كبتها .. ليت أمي عاشت .. ليت أحداً ركض نحوي هكذا يوماً .. ليت أحداً قال لي "البيت من دونكِ أظلم ."
لم أكره رهف في تلك اللحظة بل أحببتها أكثر و لكنني أدركتُ الفارق بيننا .. هي تعرف معنى أن يُشتاق إليها .. وأنا أعرف معنى أن يستغنى عني
وقفتُ أبتسم لهما بصمت .. أخفي ارتجاف قلبي وأقنع نفسي أنني سعيدة لأجلها .. ولكنني كنتُ سعيدة حقاً لكن شيئاً في داخلي كان يهمس بحزنٍ طفولي لماذا لم يحدث هذا معي أنا أيضاً؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم أرد أن أقطع تلك اللحظة .. حقاً لم أرد.
لكنني كنت أعلم أيضاً أن وجودي خلف رهف وأنا صامتةً عند العتبة سيُلاحظ عاجلاً أم آجلاً
ابتلعتُ ريقي وتقدّمتُ خطوةً صغيرة وناديت بصوت متردد:
- رهف
خرج صوتي خافتاً أكثر مما توقعت .. ابتعدت رهف قليلاً عن حضن أمها و التفتت نحوي بسرعة وكأنها تذكّرت فجأة أنني ما زلت هنا .. مسحت دموعها بطرف كمّها ثم اقتربت مني بخطواتٍ سريعة .. وضعت يدها على ذراعي بحركةٍ عفوية وكأنها تطمئنني
ثم التفتت إلى والديها لتسألها والدتها:
- من تكون
هنا… شعرتُ بالنظرات .. كانت متفحّصة ومترددة .. نظروا إليّ باستغرابٍ واضح و كأنهما يحاولان أن يفهما من أكون ولماذا أقف خلف ابنتهما في لحظةٍ كهذه.
لم تتردد رهف .. شدّت على يدي برفق وتقدّمت نصف خطوة أمامي وكأنها تضع نفسها حاجزاً وردت:
- هذه حلا .. صديقتي.
ابتسمت ابتسامةً خفيفة ثم تابعت بصوتٍ هادئ :
- تعرّفتُ إليها منذ فترة وهي .. كانت تمرّ بظروفٍ صعبة. كانت تعيش مع أخيها و لكنه اضطر للسفر فجأة بسبب عمله وتركها وحدها هنا ولم أشأ أن تبقى بمفردها.
نظرت إليّ سريعاً نظرةً خاطفة تطلب مني الصمت ثم عادت بعينيها إلى أمها:
- لذلك جاءت معي اليوم في الحقيقة هي لا تملك مكاناً تقيم فيه حالياً وكنت أفكر أن تمكث معنا بضعة أيام فقط ريثما تستقر أمورها
كان صوتها ثابتاً و مقنعاً و خالياً من الارتباك .. حتى تفاصيل الكذبة بدت طبيعية لدرجة أنني كدت أصدقها انا أيضاً
شعرتُ بامتنانٍ حار يغمرني .. لقد صنعت لي حياةً بديلة في جملٍ قليلة دون أت تدري
كانت أمها ما زالت تنظر إليّ لكن حدّة الاستغراب خفّت قليلاً. ابتسمت ابتسامةً صغيرة دافئة هذه المرة وقالت بلطف:
- ولما لا .. أهلاً وسهلاً بكِ يا ابنتي .. بيتنا مفتوح لأصدقاء رهف .. وسيكون من دواع سرورنا مكوثكِ معنا هذه الفترة
تقدمت مني وقال:
- أنا ليلى .. والدة رهف
تقدم الرجل مني بدوره وقال بلطف :
- يسعدنا حقاً أن تبقي معنا .. أنرت المكان يا ابنتي
كلمة يسعدنا علقت في صدري .. لا أتذكر أن أحداً قال لي يوماً أن وجودي يسعده
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- تفضّلي يا حلا .. لا تقفي هكذا عند الباب.
شعرتُ بتردّدٍ قصير ثم عبرتُ العتبة ودخلتُ البيت الذي قبل لحظاتٍ فقط كنتُ أراقبه كغريبة والآن يُفتح لي بترحيب.
بقيت رهف إلى جانبي يدها لم تفلت يدي إلا حين اضطرّت. ثم همست لي بصوتٍ لا يسمعه سواي:
- أنتِ معي .. لا تخافي.
نظرتُ إليها وابتسمت .. دخلتُ خلفهم بخطواتٍ مترددة و لكن عينيّ لم تعرفا التردد .. ما إن عبرتُ العتبة حتى شعرتُ أنني انتقلتُ إلى عالمٍ آخر.
الأرضية لامعة تعكس الضوء القادم من نوافذٍ واسعة تمتد من الأرض حتى السقف .. ستائر بيضاء خفيفة تتحرّك مع النسيم وكأنها تتنفس بهدوء .. الأثاث متناسق وفخم دون مبالغة؛ كنبات بلونٍ هادئ وطاولة زجاجية تتوسط المكان تعلوها مزهرية بزهورٍ نضرة .. حتى النباتات لم تكن موضوعة عبثاً .. كانت موزعة بعناية كأن لكل نبتة مكانها مدروس .. لوحات فنية تزيّن الجدران .. ألوانها دافئة .. وإضاءات خافتة تمنح المكان سكينة غريبة .. شعرتُ بأنني أخطو داخل صورةٍ في مجلة.
تعلّقت عيناي فجأة بصورةٍ عائلية كبيرة معلّقة على الحائط المقابل .. رهف بين أبيها وأمها .. كانت تضحك والدها يضع يده على كتفها بفخر وليلى تميل نحوها بمحبةٍ واضحة. كانوا متقاربين جداً .. كانت صورة مليئة بالدفء
انتبهتُ إلى نفسي حين جلست رهف على الكنبة .. أسرعت وجلستُ بقربها مباشرة حتى كدت ألتصق بها دون وعي .. كنتُ ما أزال ألتفت حولي بإعجابٍ صريح لم أستطع إخفاءه .. بينما ابتسمت رهف وربما قرأت الدهشة في وجهي.
- هل اعجبكِ البيت ؟
نظرتُ إليها ثم عدتُ أُدير بصري في المكان وقلتُ بصوتٍ مسموع صادق حدّ العفوية:
- أعجبني؟! بل أخذ العقل .. حقاً هذا بيتكِ؟
لم أكن أقصد شيئاً سيئاً و لكن دهشتي خرجت كما هي.
رأيتُ والداها يتبادلان نظرةً سريعة ثم ضحكا بخفة ضحكةً ودودة لا سخرية فيها .. شعرتُ بالإحراج وتنحنحتُ سريعاً وخفضتُ نظري:
- آسفة .. لكن هذه أول مرة لي أزخل على منزلٍ كهذا
ساد صمتٌ قصير كنتُ أخشى فيه أن أكون قد قلتُ ما لا ينبغي .. لكن ام رهف نظرت إليّ بنظرة لينة وقالت:
- اعتبري البيت بيتكِ يا ابنتي
ثم أضافت بابتسامةٍ :
- أنا أضع كل صديقات رهف في عينيّ.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- شكراً لكِ يا خالة
لأول مرة منذ دخلتُ هذا البيت لم أشعر بأنني دخيلة تماماً.
كان في المكان دفءٌ مختلف .. ليس بسبب الأثاث الفخم ولا النوافذ الكبيرة ولا اللوحات المرتبة بعناية بل بسبب الطريقة التي يُقال فيها لشخصٍ غريب " أنت مرحّبٌ بك هنا."
ظلّ الدفء الذي غمرني قبل قليل يتسرّب بهدوء إلى داخلي إلى أن تغيّرت ملامح ليلى فجأة وكأن فكرةً ما لمحت في ذهنها .. تأملت وجهي بتمعّن وقالت برفق:
- حلا ..هذه الندوب في وجهكِ .. منذ متى ؟
شعرتُ وكأن أحدهم سحب الغطاء عن شيءٍ أحاول دائماً إخفاءه أنزلتُ رأسي فوراً .. لم أحب يوماً أن يُسلَّط الضوء على وجهي بهذه الطريقة .. ترددتُ في الإجابة و لكن رهف سبقتني .. أمسكت بيدي بقوةٍ خفيفة وقالت:
- لقد تعرضت لحادث سير منذ عدة أشهر .. وتأثر وجهها فيه.
كان صوتها ثابتاً و حامياً رفع والدها رأسه بأسف وقال :
- الحمد لله على سلامتكِ يا ابنتي.
ثم أضافت امها :
- الجمال لا يدوم .. لكن سلامتكِ أهم من أي شيء.
اكتفيتُ بابتسامةٍ صغيرة وقلت:
- شكراً لكم
صمتت ليلى لحظة ثم قالت فجأة :
- ألم تجربي الذهاب إلى طبيب تجميل؟ الآن الطب تطور كثيراً وهذه الندوب يمكن أن تختفي تقريباً .. أنا لا أقول هذا انتقاداً .. فهي ليست واضحة كثيراً على كل حال ولكن من يتمعن بوجهك يلاحظها
- لم يخطر لي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ما اسم والدكِ يا حلا؟
ارتفع قلبي فجأة لم تكن نبرتها عادية .. كان في صوتها شيء يشبه الشك أو التحقق أو البحث عن رابطٍ خفي .. رفعتُ عينيّ إليها ببطء وشعرتُ بأن الكلمات علقت في حلقي.
لكن رهف سبقتني بسرعة غير طبيعية و ردت :
- أحمد .. لكن متوفى وهي كما أخبرتكم تعيش مع أخيها الأكبر منها وقد سافر قبل أيام وتركها بعهدتي.
نظرتُ إلى رهف بدهشة خفية .. لماذا شعرتُ أنها تعجّلت؟
راقبتُ ليلى لم تبتسم هذه المرة بل تبادلت نظرة سريعة مع زوجها .. سأل راجي موجهاً كلامه إلى رهف:
- ومن أين تعرفين أخاها؟
أجابت رهف فوراً:
- تعرّفتُ عليه عن طريق حلا وسافر بعد يومٍ من جلوسي عندهم
تدخلت ليلى بسؤالٍ آخر:
- وكيف كنتم تدبرون أموركم؟
- كان يرسل مصروفاً لحلا .. هكذا كنا ندبر أمورنا.
هزّت ليلى رأسها ببطء ثم قالت بنبرةٍ خفيفة لكنها تحمل عتاباً:
- أليس من الأفضل لو أحضرتها منذ البداية؟
ساد الصمت فجأة .. التفتُّ إلى رهف ورأيتُ ارتباكاً يمرّ في عينيها .. تغيّر في ملامحها لم يكن بسيطاً وكأن سؤال ليلى أصاب مكاناً حساساً .. نهضت ليلى فجأة واتجهت نحو رهف . جلست إلى جانبها ومسحت على شعرها بحنانٍ واضح ثم ضمّت وجهها بين كفيها وقالت بصوتٍ بدا لي مكسور:
- أنا آسفة
اهتزّت رهف ورأيتُ الدموع تملأ عينيها ثم همست بصوتٍ مرتجف:
- أنا سامحتكم .. لو لم أفعل .. لما عدت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كنتُ ما أزال جالسة في مكاني مجرد متفرجة .. مشهدٌ دافئ .. عائلي حميم .. لكن داخلي لم يكن هادئاً.
لم أستطع أن أُبعد السؤال عن رأسي .. لماذا سألتني عن اسم والدي؟ ولماذا بدا الاسم مهماً إلى هذا الحد؟
كان في نظرتها حين نطقت السؤال شيءٌ لم أفهمه .. لكنني شعرتُ به .. شيءٌ جعل قلبي يرتجف
في ذلك اليوم بدا البيت وكأنه يستعيد نبضه بعد غياب طويل .. لم تهدأ الحركة في أرجائه .. أصوات الضحكات تختلط برنين الأطباق ورائحة الطعام تملأ المكان بدفء .. أدركتُ أن عودة رهف لم تكن حدثاً عابراً بل كانت عودة روحٍ إلى جسد.
كان والدها يتنقل بين الغرف مبتسمًا يربت على كتف رهف كلما مرّ بقربها وكأنه يتأكد أنها ما زالت هنا فعلًا .. أما ليلى فكانت تلمس وجهها بين حين وآخر .. تمسح على شعرها و تُصلح ياقة قميصها وتغالب دموعاً تفضحها كلما ظنت أن أحداً لا يراها.
جلستُ أراقبهم بصمت .. أشعر أنني شاهدة على مشهد لا يخصني .. قبيل العصر أمسكت ليلى هاتفها وقالت بصوتٍ مشرق:
- لا يمكن أن أبقي الخبر لنفسي… يجب أن تأتي أختي رويدا لترى رهف بعينيها فهي أكثر من قلق عليها
لم تمضِ ساعة حتى قُرع جرس الباب وارتفعت أصواتٌ أنثوية مرحة تسبق أصحابها إلى الداخل .. دخلت امرأة تشبه ليلى .. لكن الزمن رسم حول عينيها خطوطًا أكثر وضوحاً كانت ملامحها هادئة .. وفي ابتسامتها شيءٌ مألوف جعل قلبي يخفق دون سبب .. عرفت فورًا أنها أمّ أدهم .
وخلفها دخلت فتاتان .. إحداهما كانت طويلة القامة ذات شعرٍ داكن منسدل بعفوية وعينين واسعتين تشبهان عينَي أمها .. أدهم يشبهها كثيرًا أدركت ذلك فورًا .. أما الصغرى ..كانت أكثر حيوية .. تتكلم قبل أن تكتمل خطواتها وتضحك بصوتٍ صافٍ يملأ المكان.
- رهف
اندفعت تعانقها باشتياق وشقاوة واضحة بينما اقتربت الأخرى وضمتها بدورها .. اما خالتها اقترتبت وبدأت تقبلها وتمسح على شعرها ثم بدأت توبخها وتعاتبها على ما فعلته .. بدت لي أماً حقيقية عكس والدة رهف .. كانت الأخرى أكثر حزم وصرامة .. ليلى لم تعاتب ولم توبخ رهف على غيابها بينما الأخرى كانت حازمة وصارمة أكثر من اللازم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
جلستُ معهن في الصالة وبدأت الأحاديث تتشابك كخيوط ملونة .. كانت سندس لا تكفّ عن الكلام تروي مواقف مضحكة وتقلّد أصواتاً حتى أن العم راجي ضحك بصوتٍ عالٍ وهو مستمتع بأحاديثها
فجأة نظرت سندس إليّ بتدقيق ثم قالت وهي تشير إلى ثيابي:
- لحظة هذا الطقم ليس غريباً عليّ
شعرتُ بحرارةٍ تصعد إلى وجهي .. تدخلت نور بهدوء:
- صحيح .. كان لدي طقم مثله تمامًا .. ولكنني أعطيته لأخت صديق أخي ..لأني لم أعد بحاجة إليه.
تمنيت لو تنشق الأرض وتبتلعني .. لم أعرف لماذا شعرتُ أنني أصغر من مقعدي و لكن رهف اعتدلت في جلستها وقالت بنبرةٍ واثقة:
- وماذا يعني ذلك ؟ ألم يشتري من هذا الطقم غيرك آنسة نور؟ ثم إن حلا أنيقة من يومها وتحب أن تهتم بمظهرها.
نظرتُ إليها بدهشةٍ امتزجت بالامتنان لم تكن تدافع عن قطعة قماش بل عن كرامتي .. ضحكت سندس وقالت:
- فعلاً إن الطقم عليكِ أجمل يا حلا
ردت نور باستياء:
- ماذا تقصدين يا سندس .. عليّ لم يكن جميلاً؟
- لم يكن يليق بك لهذا تبرعتِ به لا تنكري ذلك
تكتفت وقالت:
- يا لكِ من فتاةٍ جاحدة .. كم مرّة طلبته مني ها
تنفستُ أخيراً وقلت بخفةٍ محاولةً تغيير الموضوع:
-أنا أحب البساطة لا بحب الشيء المبالغ به.
سألتني نور بلطف:
- وتهتمّي بالموضة؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قاطعتنا سندس بحماس:
- أنا أحب تجربة كل شي غريب .. مرة من المرات لبست سترة لونه أخضر فوسفوري وتحتها قميص لونه برتقالي بينما التنورة كانت حمراء فاقعة وكنت سعيدة بمظهري حتى جاءت أمي ونسفت لي سعادتي كلها عندما قالت لي أن شكلي وكأنني إشارة مرور
ضحكنا جميعًا حتى ليلى التي كانت تمرّ بالقرب منا توقفت وقالت:
- إشارة مرور؟ معك حق يا رويدا… ابنتك بحاجة لإعادة تأهيل في أساليب الموضة
ردّت رويدا بابتسامة هادئة:
- المهم أن تكون سعيدة
ردّت سندس:
- وهل تدعين أحداً سعيداً أنتِ
- يالك من شقية
تعالت الضحكات من جديد .. راقبتُ رهف وهي تبتسم بين أهلها وأهل أدهم وعرفتُ من نظرات رويدا ونور وسندس أن محبتهم لها حقيقية .. وفي وسط كل هذا الفرح كنتُ أنا الغريبة التي تجلس بينهم .. لكن الغرابة في تلك اللحظة كانت أشبه ببابٍ يُفتح ببطء وأنا أخطو نحوه بحذر وقلبٍ أقل خوفًا مما كان عليه بالأمس.
حلّ المساء وانتهت زيارة الخالة رويدا وابنتيها سندس ونور وذهبوا مع أنني كنت أتمنى لو تطول جلستهم أكثر .. فقد كانوا لطاف لحد كبير .. سندس لم تكن تشبه أدهم فهو قليل الكلام عكسها .. لكن نور كانت أقرب له بشكلها وتصرفاتها وحركاتها .. كنت أسترق النظر إليها فقط لأشبع عينيّ بذلك الشبه الذي يربطها بـ أدهم
كانت ليلى ترغب بإيصالي لغرفة حتى أنام بها ولكن رهف رفضت وقالت أنها ستستضيفني في غرفتها .. لم أستغرب فقد اعتدنا أن نتشارك ذات الغرفة في الفترة الأخيرة
ذهبنا إلى الغرفة وما إن دخلت حتى وقفت مكان أحاول استيعاب مساحتها
كان السرير عريضًا إلى حدٍّ يُشبه منصّةً ملوكيّة تتدلّى فوقه ستائر خفيفة بلونٍ عاجيّ وكأنها غيمة استقرّت لتستريح .. إلى اليمين غرفة ملابس كاملة بأبواب زجاجيّة لامعة تعكس صورتي المرتبكة .. وعلى اليسار بابٌ يؤدي إلى حمّامٍ خاص يفيض بالرخام الأبيض ولمساتٍ ذهبيةٍ خافتة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اقتربتُ من النافذة .. كانت الشرفة خلفها مزروعةً بأصيصاتٍ صغيرة من الزهور البنفسجيّة تتمايل برفقٍ مع نسمة المساء. شعرتُ كأنني دخلت عالماً لا يمتّ إلى عالمي بصلة.
لم أعرف ماذا أقول .. الكلمات خانتني واكتفيتُ بالدوران حول نفسي ببطء وأنا أُمعن النظر في كل تفصيل وكأنني أخشى أن أستيقظ من حلمٍ عابر .. أمسكت رهف بيدي فجأة وقالت بابتسامةٍ واسعة:
- هل أعجبتكِ غرفتي.
ضحكتُ بعفويّةٍ لم أستطع كبحها وقلت من دون استيعاب:
- هل تمزحين معي .. إنها تبدو بحجم منزلنا كلّه
انفجرنا ضاحكتين وتردّد صدى ضحكاتنا في أرجاء الغرفة الواسعة .. ثم قالت وهي تشير حولها:
- من اليوم فصاعدًا ستصبح غرفتنا.
توقّفتُ عن الضحك وهززت رأسي بالنفي :
- لا يا رهف أنا لم آتِ لأشاركك شيئًا .. ثم أنني سأعود إلى أدهم.
ارتسمت على وجهها ملامح اندفاعٍ مفاجئ وقالت بحدّةٍ لم أعهدها فيها:
- لا .. لم تُحزري .. لن أسمح لكِ بالعودة إلى تلك الشقّة .. أنتِ ستسكنين معي فهمتِ؟
ثم تركت يدي وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها دون أن تنتظر ردّي.
وقفتُ في مكاني وقلبي يطرق صدري بارتباك .. شعرتُ بأن الأرض تميد بي قليلًا .. أخرجتُ هاتفي بيدٍ مرتجفة وضغطتُ على اسم أدهم .. لم يطل الرنين .. جاء صوته سريعاً لاهثاً بشيءٍ من القلق والحنين:
- حلا .. كيف حالك ؟ طمّئنيني عليكِ .. هل أنتِ مرتاحة؟
أغمضتُ عينيّ وابتسمتُ رغم كل شيء واجبته :
- أنا بخير ولكن ....
سكتُّ ليقول بقلق :
- لكن ماذا؟
ابتلعتُ تردّدي وهمست:
- لكن .. اشتقتُ إليك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قال أخيراً بصوتٍ حاول أن يجعله مطمئناً :
- لن تطول إقامتك هناك .. ما إن أنتهي من أموري سأعود إليك وآخذكِ
ابتسمتُ ومسحتُ بطرف إصبعي دمعةً خفيّة:
- وأنا بانتظارك.
انتهت المكالمة وبقي الهاتف بين يديّ لحظةً أطول مما ينبغي .. وضعتُ كفّي على صدري .. أشعر بخفقانه المتسارع وهمستُ بعد ان ابتلعت غصّتي:
- كم أنا أحبك يا أدهم
…………………………………………………………………
"ادهم "
دفعتُ باب الشقّة بهدوءٍ كما لو أنني أخشى أن أوقظ أحداً رغم يقيني بأنها خالية
أغلقتُه خلفي فارتدّ صوت الإغلاق في أرجاء المكان أوسع مما ينبغي .. كان الصدى وحده يجيبني.
خلعتُ معطفي ووضعته على الكرسي القريب من المدخل ثم رفعتُ بصري أتأمّل الشقّة .. رغم أن كلّ شيءٍ كان موجوداً في مكانه .. لكن كان هناك شيئاً ناقص.
سرتُ ببطءٍ نحو غرفة الجلوس .. هنا كانت تجلس تثرثر بلا توقّف .. تنتقل من موضوعٍ إلى آخر دون أن تنتبه لضيق الوقت .. هناك قرب النافذة كانت تقف لتسقي النباتات .. تكلّمها كما لو كانت كائناتٍ حيّة تفهمها.
مررتُ بكفّي على ظهر الأريكة فخُيّل إليّ أن دفء جلوسها ما زال عالقًا بالقماش .. شكلها وهي متمددة عليه .. تسترق النظر إليّ بعد إزعاجي في منتصف الليل
دخلتُ المطبخ و توقّفتُ عند العتبة .. كم مرّةٍ كنتُ أجدها هنا بشعرٍ مرفوعٍ بعفويّة ووجنتين مورّدتين من حرارة البخار .. تغني بصوتها الأخّاذ من دون ان تنتبه لوجودي وهي تُعدّ طبقًا جديداً تصرّ أن أتذوّقه فوراً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فتحتُ عينيّ سريعًا كأنني أهرب من ضعفٍ مفاجئ انتقلتُ إلى الغرفة .. السرير كان مرتباً كما تركناه صباحاً .. وسادتها صامتة .. مددتُ يدي ولمستُها ثم سحبتها بسرعة ..
الحقيقة أنني لا أخشاها .. بل أخشى الفراغ الذي تركته.
صوتها كان يملأ هذا المكان .. ضحكتها العالية اعتراضاتها الطفوليّة حتى عتبها حين أغرق في صمتي.
كانت تقول إن الشقّة صغيرة .. لكنني اليوم أدركتُ أنها كانت واسعةً بها وضيّقةً بدونها.
جلستُ على طرف السرير وأسندتُ مرفقيّ إلى ركبتيّ.
شعرتُ بثقلٍ غريبٍ على صدري.
لكن لا يجوز أن أستسلم لهذا الإحساس.
هي بخير. في بيتٍ آمن. مع عائلةٍ تهتمّ بها.
وهذه مجرّد فترةٍ مؤقّتة.
رفعتُ رأسي ونظرتُ حولي من جديد و كأنني أُعيد تعريف المكان .. سأعتاد .. يجب أن أعتاد.
سأتعلم كيف أعود من جامعتي لا أبحث عنها في المطبخ. كيف أتناول طعامي دون أن أسمع أسئلتها عني وكيف قضيت يومي .. كيف أنام دون أن أسمع همستها قبل أن تغفو.
إن كان عليّ أن أعيش من دونها لبعض الوقت .. فسأفعل لأنني مضطر .. تنفّستُ بعمق ونهضتُ واقفاً
ربما تبدو الشقّة فارغة الآن ولكنها تنتظر عودتها كما أنتظرها أنا .. أطفأتُ الأنوار وأغلقتُ الباب خلفي بإحكام
نزلتُ الدرج بخطواتٍ سريعة .. لم أكن أحتمل البقاء هناك أكثر .. كان الهواء في الخارج سيخفّف عنّي وطأة ذلك الفراغ .. وضعتُ قدمي على أولى الدرجات المؤدّية إلى الأسفل حين لمحتهما.
رولا برفقة امرأة تصعدان ببطء ..كتمتُ أنفاسي لحظة.
إنها .. نعم .. تلك المرأة .. جارة مؤيّد.
هممتُ أن أتابع النزول متجاهلًا وجودهما و لكن صوت رولا أوقفني:
- سيّد أدهم
التفتُّ ببطء.
- نعم؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كيف حال أختك .. حلا؟
تجمّدتُ في مكاني .. لم تكن الكلمة عابرة .. شدّدت عليها قليلًا وكأنها تتعمّد أن تغرسها في أذني.
رفعتُ نظري إليها ثم إلى المرأة التي تقف بجانبها .. كانت تبتسم ابتسامةً باردة تحمل شيئًا من الشماتة .. شعرتُ بانقباضٍ خفيّ في صدري و قلتُ بجمود:
- بخير.
ثم سألتُ وأنا أمعن النظر في المرأة:
- ومن تكون؟
رفعت رولا حاجبيها بدهشةٍ مصطنعة.
- هل من المعقول أنكَ لم تذكرها يا سيّد أدهم؟
اقتربت خطوةً وهمست بصوتٍ أخفض:
- هذه تكون عمتي أم سمير .. لقد كانت جارتك وجارة حلا وزوجها مؤيد في البناء الذي كنت تسكن به
شعرتُ كأن أحدهم سحب الهواء من رئتيّ دفعةً واحدة.
انتقل بصري بين رولا وعمّتها .. مؤيد .. الاسم وحده كان كفيلًا بأن يعيد إلى ذهني تفاصيل لم أكن أرغب باستعادتها.
قالت أم سمير بنبرةٍ بطيئة تتفحّص وجهي كما لو كانت تقرأ ردّ فعلي:
- كم أن الدنيا صغيرة يا بنيّ .. صدفة لطيفة أن نلتقي مجدّداً
لم تعجبني كلمة مجدّداً .. أحسستُ بأن نظراتهما لا تبحث عن مجرّد تحيّة عابرة .. بل عن شيءٍ آخر وكأنهما تمتحنان اضطرابي.
شدَدتُ على فكّيّ محاولًا ضبط انفعالي.
- نعم… صدفة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إبعث تحياتي لـ أختك وأخبرها أن الجيران لا ينسون بسهولة
تبادلتا نظرةً سريعة .. نظرة تفاهمٍ صامت ثم تابعتا الصعود. بينما بقيتُ واقفًا مكاني أتابع خطواتهما حتى اختفتا عند المنعطف.
قلبي كان يخفق بعنفٍ لم أعهده في نفسي منذ زمن .. ماذا تقصدان بكلامهما؟
مرّرتُ يدي في شعري بعصبية وأكملتُ نزولي أخيراً
كان إحساسي واضحاً كالشمس .. هذا اللقاء لم يكن عابراً
ولم يعجبني على الإطلاق .. وهناك شيءٌ ما يُدبَّر بالتأكيد