رواية احفاد الثعلب الفصل السادس عشر 16 بقلم شريهان سماحة
الحلقة السادسة عشر
- يا ويلي هذا مكان ينقصني ! إرهابية في بيتي !
علي اثر سماع جملته الساخرة تسرب كل شىء من جسدها ..
سعادتها لرؤية طيف الجد !
وذلك الشوق الذي يدفعها بلا ادنى تروي للإرتماء في أحضانه !
كل شىء !!
كل شيء أثناء نظراته القاتلة لها ، كمتهم أدين الأن بجريمة لا تغفر ، والكارثة أن الجاني يجهل ما هي !!
كل ذلك من أجل أحتشام امرأة !
اه يا عقول بلهاء تتقدم في العلم ومازال يرهبها غطاء وجه و لحية !!
ازدات صدمتها بتخطيه لها بتجاهل ساخر مهين لكبريائها .. وعدم أعطائها أي أهمية .. كأنها لاشىء أمامه .. مغادرا المكان برمته في ضيق وعدم تصديق ...
حينها تسربت حالتها المتيبسة في خبر كان .. بل ورفعت راسها شامخًا ناهضة من مكانها وهي تهتف بقوة لم تعهدها من قبل :
- نعم أنا المسلمة الإرهابية التي تتخذ الأسود وغطاء الوجة زيًا لها ليزيديها عفة .. أنا الأرهابية التي لم تتخذ الخمر مشربها ، و بين زجاجتهُ مسكن لها ، وتستبيح أجساد نساء لا تحل ، انا الإرهابية التي أحتفظت بكتاب علي غير ديانتها كمسلمة .. انا كل هذا وأنت الملاك البرىء !!
لم تدرك أنها مع كل كلمة تنطق بها بلغته تزيدهُ ثورة غاضبة ، وتساعد ذلك الشيطان المتواري علي الخروج حقاً من مخبأهُ !
لتتحول مقلتاه الخضراء لجمرتي لهب يتأجج لهيبها في تصاعد ، مما دفعه دون أن يشعر للقبض بشدة علي ذراعيها في غفلةٍ منها ، جعلت قلبها ينتفض بعنف دون حسبان وهي تشعر بأظافره تغرز بقوة في لحميهما من شدة القبضة ، مما جعل جسدها يرتفع عن الارض بعض الشئ لتكون في مرمي بصره الناري ، في حين خرج صوته من بين أسنانه يحمل كل شعور الغضب في العالم أجمع ليلهف أنفاسه كزئير الأسد وجهها بقوة :
- كل ما أفعله لا صله بينك وبينه ، وسأتي بالنساء في كل ليلة ، بل وسأتجرع الخمر كما يحلو لي ، وسأتخذ التوراة ديانتي مثلما أريد ، ولم ولن يكن بيننا قصة عشق تسمح لكِ بمحادثتي هكذا ، وتذكري دائما لأنه يبدو لي أنكِ نسيتي ذلك .. وهو أنني لم أتي اليك راكعاً حتي تكوني لي زوجة !!!
أنهي حديثه وهو يضغط بمهانة أكثر علي جملته الأخيرة ، ليتركها بعدها بنفور تام لشخصها وهيئتها علي حين غفلةٍ منها .. مما جعلها تترنح للخلف متفادية السقوط ليسترسل حديثه من بين اسنانه بتحذير صارم :
- ولا أريد أن أشاهدك خارج غرفتكِ اللعينة ! ولا تدفعيني بأن أقضي علي الذكري الجيدة لأبي ومن يتبعه وتشاهدي وجهي الأخر !!
أنهي جملته بصياح مفزع جعلها ترجع للخلف بريبة شديدة لكي تتفادي أي رد فعل خارج من حالته تلك ، ولا تدرك برجوعها هذا أنها قد أبتلعت كل الخطوات المتبقية بينها وبين حوض السباحة من خلفها .. لتتفاجأ بسقوطها به دون أدني سيطرة علي جسدها !
شهقت بفزع جليل حين شعرت بإحاطة جسدها بالماء البارد في ذلك الحوض الذي يعكس درجة مياههُ الكترونيًا مع درجة الحرارة في الجو المحيط به ..
ظلت تصرخ وتستنجد به عند مغادرته للمكان بلامبالاة لحالتها .. ظلت تهتف له وهو يبتعد بكلمات متقطعة بأنها لا تعرف السباحة ولكن علي ما يبدوا ان قلبهُ بلا ذرة رحمة حقًا !
ذرفت دمعاتها العزيزة من عينيها عند محاولتها تصديق موقفها التي لا تحسد عليه ، استغفرت ربها مراراً وتكراراً يقيناً ليأتيها الفرج وهي تحرك يدها بغير هدي علي سطح الماء حتي تحافظ علي رفع جسدها العلوي خارجه ، فالمياة تعلو لتغمرها وغرقها بات محتوما بعد ثواني معدودة ..
ظلت تعافر وتعافر إلا أنها شعرت بفشل محاولاتها حين بقي وجهها هو فقط خارج الماء مما ترتب عليه أبتلال غطاء الوجه وبالتالي شعورها بضيق التنفس ، فأندفعت تزيحه للخلف وهي تحاول بشتي الطرق الصمود حين يسحب جسدها للأسفل من أجل المحافظة علي أجهزة تنفسها خارجه ..
إلا أنها لمحت في ظل معافرتها بقربها نوعا ما من الدرج الحديدي للحوض .. شعرت أنها رحمة الله وفرجه دفعت جسدها بأتجاهه وهي تضرب سطح الماء بيداها بكل طاقتها .. وبالفعل بعد عناء جسدي وذهني وصلت له بأطراف يديها ..متشبسة به بقوة وهي تلتقط أنفاسها بمشاقة .. وما أن استوعبت نجاتها من موت بات وشيكاً ظلت تحمد ربها كثيراً .. استجمعت قواها المجهدة وبدأت بأسقاط الغطاء علي وجهها مرة ثانية ومن ثم تثبيت ملحفتها حولها في ظل ارتفاعها مع الماء ..
ووضعت قدميها المرتجفة علي بدايات الدرج وهمت صاعدة للأعلي ببطئ يناسب حالة ذعرها من ذلك الموقف الذي يشيب له الرأس !
وقفت ترتجف بالملابس المبتلة والملصقة لهيكلها خارج الحوض رافضة المرور بتلك الهيئة أمام عاملين القصر من الرجال ..
مر عليها نصف ساعة بهذه الحالة حتي شعرت بتحرر ملابسها عن جسدها .. فاسرعت تهرول صاعدة بخزي للأعلى من فعل ذلك الاجنبي القاسي ...
ما أن دخلت غرفتها حتي استبدلت ملابسها في الحال ، واندفعت تسقطت فوق الفراش تبكي وجعاً وقهراً مما فعله القريب الذي يسمي بزوجها ..
لا !
ليس زوجها !
فهو بديانته تلك لم يعد زوجاً لها بل وأصبح غريباً عنها !
فلا يجوز لمسلمة أن تتجوز برجل علي غير ديانتها مهما حلل المكذبون ..
علي هذه الحقيقة المسلم بها في الأسلام والتي تؤمن بها هي كلياً غفت في سبات عميق علي أمراً بات محتوماً إلا وهو مغادرة ذلك القصر والعودة للديار المصرية !!
------------------
- جدي ! ليه عملت كده ! حرام !… حررررام ..
كانت تلك الكلمات التي ظلت تهذي بها " هنا " مع ارتجاف جسدها دون أدراك ذهني طوال السبات العميق حتي استمر الحال للرابعة مساءٍ ..
ذلك الوقت الذي أرتفع فيه حرارة الجسد للقصوي ، مما جعلها تفيق من سباتها بوهن شديد يكاد يشعرها بمن حولها .. مع تزايد ارتجاف جسدها بشدة فاقدة السيطرة عليه ..
تشعر ببرودة عجيبة لم تشعر بها من قبل !
والأسوء أن الجهاز المركزي لضبط درجة حرارة القصر في وضع البرودة فعلي ما يبدو أن ارتفاع الحرارة في الخارج ما زال مستمرا !
جاءت علي نفسها واستحملت ألمها لكي تغادر الفراش وجلب الكثير من ملابسها حتي تدفئ .. حامده الله أن ما أتت به كله لباسٍ شتوي ..
أرتدت بغير هدي جميع الملابس التي أمامها وما زال ارتجافها ينفضها نفضاً من ثباتها ..
صدمت حين أدركت أرتفاع درجة حرارتها عندما لمست جبينها مصادفةً ..
جلست بوهن علي الفراش فقدرتها علي الصمود تكاد تنتهي ليتملكها الحيرة فيما تفعل وكيف تتصرف ..
فبعد موقف الحوض تشك به باسعافها بل وتكاد تجزم بأنه تمني حينها الموت المؤكد لها !!
إذًا ماذا تفعل ؟!
جاءها شئ في خاطرها جعلها تقاوم حتي أنتصب جسدها متجه بخطوات مثقلة لباب الغرفة ..
ما أن وصلت اليه حتي تشبثت بمقبضه براحة كفها جيداً ، وظلت تطرق بالأخرى بعدم أدراك متستغيثه بذلك العجوز ..
والذي أتي بعد محاولات متكررة من جانبها ..
مردداً من خلف الباب باضطراب وقلق :
- سيدتي ما الأمر .. هل أنتِ بخير !
أجابته بتماسك مصطنع :
- أجل أنا بخير .. فقط أريد الخروج من ذلك القصر لشراء بعض الأشياء ..
- لا يجوز سيدتي ، سيدي لا يسمح لكِ بذلك ..
- أرجوك !
- أسف سيدتي .. ولكن الأمر ليس بيدي ..
أنهي جملته وسمعت خطوات أقدامه تتحرك لتبتعد ، فاسرعت تناديه بجملتها التي خرجت كمحاولة أخيرة ..
- أرجوك أستأذنه وأخبره أني أحتاج لأشياء خاصة وهامة ولا يفصح بها في العلانية .. أرجوك !
حينها توقفت قدماه وهو يستوعب جملتها جيداً ، فخرجا صوته مرددا بتفهم :
- أمهليني بعض اللحظات للاتصال به !
غاب عنها لدقائق معدودة ثم عاد يخبرها بضرورة الاستعداد فالسيارة قادمة في الطريق ..
كأن ما قاله طوق نجاة ، حامده الله علي لين قلب الأجنبي في ذلك الوقت تحديدًا ..
فارتفاع درجة حرارة الجسد الموت بعينه !
احتسبت أجرها لله !
وتحاملات حتي تتهيئ للخروج قبل وصول تلك السيارة ..
-------------------
هبطت للأسفل بأعجوبة فخارجياً تحاول جاهدة التماسك أمام من يراها ، وداخليًا تكاد تشعر بجمر حي يشتعل بكل جزء بها …
علي هذا الحال هبطت للأسفل حين أخبرها ذلك العجوز بوصل تلك السيارة ..
وما هي إلا خطوات قليلة حتي استقلت المقعد الخلفي لها وألقت السلام وخرجت بها خارج من ذلك القصر نهائيًا ...
رغم عدم أدراكها بعض الشئ ، إلا أنها شعرت حين خطت بوابته الحديدية بنشوة وراحة تستحق الأحتفال بها ..
- إلي أين سيدتي ؟!
فاقت من شرودها المحاط بشدّّة تعبها ، والذي دفعها لراحة مؤخرة رأسها علي المقعد من خلفها علي ذلك الصوت الذي تميزه بعض الشئ مما دفعها للأعتدال والنظر لظهره قليلا إلي أن استوعبت بعد عناء بأنه ذلك السائق الذي أقلها من المطار لذلك القصر البغيض !!
فأجابته بنبرة منخفضة تحاول جاهدة أخراجها دون أثارة الشك :
- إلي أي مركز طبي تراه قريب !!
اندهش قليلا ثم عاد لطبيعته فهذا لا يعنيه ومهامة ابلاغ " علي " بكافة تحركتها كما أمرهُ وفقط ..
خرجت منه إيماءة صامته ، ثم توجه بها في الحال لأقرب مشفى قريبة والتي أتت على بعد مضي ثلث الساعة ..
توقف أمامها وأخبرها بوصلهما للمكان المحدد فهزت رأسها بالأيجاب قائلة بثبات مصتنع :
- أنتظرني هنا بعض الوقت ..
بدأ يراوده الشكوك المحيره وهو يشاهد بتمعن مغادرتها البطيئة ، رغم محاولاتها الفاشلة لعدم أظهار ما بها ..
هيئتها دفعته للمغادرة خلفها ومعرفة وجهتها جيدًا ، ولما تحتاج المشفى تحديداً ...
دلفا يسأل الاستعلامات عنها فأجابه أحد الرجال به بأنها في قسم الحُميات .. اندهاش كثيراً بداخله متحركاً بأضطراب وقلق لذلك القسم المنشود ..
وقف أمامه بعض الدقائق التي لا بأس بها منتظراً خروج أحدي الممرضات لمعرفة ما بها دون أثارة الشك ..
فما هي إلا دقائق أخرى وخرجت ممرضة بالفعل فأندفع باتجاهها يستفسر منها عن اسمها الذي يحفظه منذ أصطحابها من المطار والتي صدمته عند قولها :
- تلك المريضة لديها نزلة برد شديدة مصاحبه بارتفاع في درجة الحرارة تصل 5 : 39° مما دفعهم لعمل الإسعافات اللازمة لها وخفض درجة حرارتها في الحال ، وتركيب لها محلول وريدي به أدوية لمعالجة البرد وفيتامينات تقوية وما هي إلا بعض الدقائق وسينتهي ذلك المحلول وتشعر بتحسن جيد وتخرج في الحال ...
رغم اندهاشه من محاولات أخفائها للمرض ومما تفوهت به تلك الممرضة إلا انه أنتبه لنهاية حديثها فاسرع يشكرها بامتنان مغادرا المكان قبل أن تخرج وتلمح طيفه ..
----------------
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
تحدثت بها رقية حين فزعت من نومها علي أثر رؤية شئٌ أقلقها علي أبنتها الصغري مسترسله حديثها برجاء لربها ..
- يا حي يا قيوم نجيها واسترها معها ووقف لها ولاد الحلال ورجعهالي بالسلامة يا رب العالمين ..
ثم استعاذت من الشيطان مرة أخرى وهمت من الفراش تصلي ركعتين في جوف الليل ..
---------------
بعينان مشتتة بين الطريق وبينها ظل يراقبها من مرآة السيارة منذ عودتها من المشفى وركوبها بها ..
فعلي ما يبدوا أمامه أنها تحسنت كثيراً فالأن ترفع رأسها بتوازن ثابت بل وتتطلع بهدوء من الزجاج المجاور لها علي اماكن المدينة وشوارعها والمارة بهم علي عكس قدومهما ..
- توقف هنا معذرةٍ !
علي أثر جملتها المفاجأة توقف بهلع جلي علي معالم وجهه وهو يهتف أثناء التفاته لمكان جلوسها خلفه :
- ما الأمر ؟!
أجابته متطلعه للخارج وهي تستعد لمغادرة السيارة بحزن شعر به :
- فقط أرجوك بعض الدقائق !
لم تنتظره حتي يعطيها الموافقة أثناء رؤيتها مصادفة للمنطقة الشهيرة في لوس أنجلوس لغروب الشمس من فوق المحيط الهادي ..
وهبطت بالفعل تسير دون وعي إلي أن جلست بأستسلام فوق أحد المقاعد الرخامية الموجودة علي بعد معين من الماء تتفحص هذا السحر العجيب !
الغروب ، البحر ، وهي فقط !!
معادلة تستحق الفوز بها في هذا الوقت تحديداًً لأخراج ما يحزنها والتنفس عن ما يعتلي قلبها حتي لو بعض الشئ …
علي أثر هذا المنظر جلست شاردة في حالها و ما ممر عليها داخل تلك الارض ..
وعلي أثر هذا المشهد أيضًا ظل يتطلع هو من خلف ظهرها علي ما يشاهده من سحر أشد !!
جلوسها بهدوء وسكينة يحوطها سلامًا غريبًا ، وغياب الشمس بأشعتها البرتقالية من أمامها ومن بينهما الموج الهائج تعويذة خطيرة ألقت بظلالها علي قلبه الخاوي !!
- يا ويلي هذا مكان ينقصني ! إرهابية في بيتي !
علي اثر سماع جملته الساخرة تسرب كل شىء من جسدها ..
سعادتها لرؤية طيف الجد !
وذلك الشوق الذي يدفعها بلا ادنى تروي للإرتماء في أحضانه !
كل شىء !!
كل شيء أثناء نظراته القاتلة لها ، كمتهم أدين الأن بجريمة لا تغفر ، والكارثة أن الجاني يجهل ما هي !!
كل ذلك من أجل أحتشام امرأة !
اه يا عقول بلهاء تتقدم في العلم ومازال يرهبها غطاء وجه و لحية !!
ازدات صدمتها بتخطيه لها بتجاهل ساخر مهين لكبريائها .. وعدم أعطائها أي أهمية .. كأنها لاشىء أمامه .. مغادرا المكان برمته في ضيق وعدم تصديق ...
حينها تسربت حالتها المتيبسة في خبر كان .. بل ورفعت راسها شامخًا ناهضة من مكانها وهي تهتف بقوة لم تعهدها من قبل :
- نعم أنا المسلمة الإرهابية التي تتخذ الأسود وغطاء الوجة زيًا لها ليزيديها عفة .. أنا الأرهابية التي لم تتخذ الخمر مشربها ، و بين زجاجتهُ مسكن لها ، وتستبيح أجساد نساء لا تحل ، انا الإرهابية التي أحتفظت بكتاب علي غير ديانتها كمسلمة .. انا كل هذا وأنت الملاك البرىء !!
لم تدرك أنها مع كل كلمة تنطق بها بلغته تزيدهُ ثورة غاضبة ، وتساعد ذلك الشيطان المتواري علي الخروج حقاً من مخبأهُ !
لتتحول مقلتاه الخضراء لجمرتي لهب يتأجج لهيبها في تصاعد ، مما دفعه دون أن يشعر للقبض بشدة علي ذراعيها في غفلةٍ منها ، جعلت قلبها ينتفض بعنف دون حسبان وهي تشعر بأظافره تغرز بقوة في لحميهما من شدة القبضة ، مما جعل جسدها يرتفع عن الارض بعض الشئ لتكون في مرمي بصره الناري ، في حين خرج صوته من بين أسنانه يحمل كل شعور الغضب في العالم أجمع ليلهف أنفاسه كزئير الأسد وجهها بقوة :
- كل ما أفعله لا صله بينك وبينه ، وسأتي بالنساء في كل ليلة ، بل وسأتجرع الخمر كما يحلو لي ، وسأتخذ التوراة ديانتي مثلما أريد ، ولم ولن يكن بيننا قصة عشق تسمح لكِ بمحادثتي هكذا ، وتذكري دائما لأنه يبدو لي أنكِ نسيتي ذلك .. وهو أنني لم أتي اليك راكعاً حتي تكوني لي زوجة !!!
أنهي حديثه وهو يضغط بمهانة أكثر علي جملته الأخيرة ، ليتركها بعدها بنفور تام لشخصها وهيئتها علي حين غفلةٍ منها .. مما جعلها تترنح للخلف متفادية السقوط ليسترسل حديثه من بين اسنانه بتحذير صارم :
- ولا أريد أن أشاهدك خارج غرفتكِ اللعينة ! ولا تدفعيني بأن أقضي علي الذكري الجيدة لأبي ومن يتبعه وتشاهدي وجهي الأخر !!
أنهي جملته بصياح مفزع جعلها ترجع للخلف بريبة شديدة لكي تتفادي أي رد فعل خارج من حالته تلك ، ولا تدرك برجوعها هذا أنها قد أبتلعت كل الخطوات المتبقية بينها وبين حوض السباحة من خلفها .. لتتفاجأ بسقوطها به دون أدني سيطرة علي جسدها !
شهقت بفزع جليل حين شعرت بإحاطة جسدها بالماء البارد في ذلك الحوض الذي يعكس درجة مياههُ الكترونيًا مع درجة الحرارة في الجو المحيط به ..
ظلت تصرخ وتستنجد به عند مغادرته للمكان بلامبالاة لحالتها .. ظلت تهتف له وهو يبتعد بكلمات متقطعة بأنها لا تعرف السباحة ولكن علي ما يبدوا ان قلبهُ بلا ذرة رحمة حقًا !
ذرفت دمعاتها العزيزة من عينيها عند محاولتها تصديق موقفها التي لا تحسد عليه ، استغفرت ربها مراراً وتكراراً يقيناً ليأتيها الفرج وهي تحرك يدها بغير هدي علي سطح الماء حتي تحافظ علي رفع جسدها العلوي خارجه ، فالمياة تعلو لتغمرها وغرقها بات محتوما بعد ثواني معدودة ..
ظلت تعافر وتعافر إلا أنها شعرت بفشل محاولاتها حين بقي وجهها هو فقط خارج الماء مما ترتب عليه أبتلال غطاء الوجه وبالتالي شعورها بضيق التنفس ، فأندفعت تزيحه للخلف وهي تحاول بشتي الطرق الصمود حين يسحب جسدها للأسفل من أجل المحافظة علي أجهزة تنفسها خارجه ..
إلا أنها لمحت في ظل معافرتها بقربها نوعا ما من الدرج الحديدي للحوض .. شعرت أنها رحمة الله وفرجه دفعت جسدها بأتجاهه وهي تضرب سطح الماء بيداها بكل طاقتها .. وبالفعل بعد عناء جسدي وذهني وصلت له بأطراف يديها ..متشبسة به بقوة وهي تلتقط أنفاسها بمشاقة .. وما أن استوعبت نجاتها من موت بات وشيكاً ظلت تحمد ربها كثيراً .. استجمعت قواها المجهدة وبدأت بأسقاط الغطاء علي وجهها مرة ثانية ومن ثم تثبيت ملحفتها حولها في ظل ارتفاعها مع الماء ..
ووضعت قدميها المرتجفة علي بدايات الدرج وهمت صاعدة للأعلي ببطئ يناسب حالة ذعرها من ذلك الموقف الذي يشيب له الرأس !
وقفت ترتجف بالملابس المبتلة والملصقة لهيكلها خارج الحوض رافضة المرور بتلك الهيئة أمام عاملين القصر من الرجال ..
مر عليها نصف ساعة بهذه الحالة حتي شعرت بتحرر ملابسها عن جسدها .. فاسرعت تهرول صاعدة بخزي للأعلى من فعل ذلك الاجنبي القاسي ...
ما أن دخلت غرفتها حتي استبدلت ملابسها في الحال ، واندفعت تسقطت فوق الفراش تبكي وجعاً وقهراً مما فعله القريب الذي يسمي بزوجها ..
لا !
ليس زوجها !
فهو بديانته تلك لم يعد زوجاً لها بل وأصبح غريباً عنها !
فلا يجوز لمسلمة أن تتجوز برجل علي غير ديانتها مهما حلل المكذبون ..
علي هذه الحقيقة المسلم بها في الأسلام والتي تؤمن بها هي كلياً غفت في سبات عميق علي أمراً بات محتوماً إلا وهو مغادرة ذلك القصر والعودة للديار المصرية !!
------------------
- جدي ! ليه عملت كده ! حرام !… حررررام ..
كانت تلك الكلمات التي ظلت تهذي بها " هنا " مع ارتجاف جسدها دون أدراك ذهني طوال السبات العميق حتي استمر الحال للرابعة مساءٍ ..
ذلك الوقت الذي أرتفع فيه حرارة الجسد للقصوي ، مما جعلها تفيق من سباتها بوهن شديد يكاد يشعرها بمن حولها .. مع تزايد ارتجاف جسدها بشدة فاقدة السيطرة عليه ..
تشعر ببرودة عجيبة لم تشعر بها من قبل !
والأسوء أن الجهاز المركزي لضبط درجة حرارة القصر في وضع البرودة فعلي ما يبدو أن ارتفاع الحرارة في الخارج ما زال مستمرا !
جاءت علي نفسها واستحملت ألمها لكي تغادر الفراش وجلب الكثير من ملابسها حتي تدفئ .. حامده الله أن ما أتت به كله لباسٍ شتوي ..
أرتدت بغير هدي جميع الملابس التي أمامها وما زال ارتجافها ينفضها نفضاً من ثباتها ..
صدمت حين أدركت أرتفاع درجة حرارتها عندما لمست جبينها مصادفةً ..
جلست بوهن علي الفراش فقدرتها علي الصمود تكاد تنتهي ليتملكها الحيرة فيما تفعل وكيف تتصرف ..
فبعد موقف الحوض تشك به باسعافها بل وتكاد تجزم بأنه تمني حينها الموت المؤكد لها !!
إذًا ماذا تفعل ؟!
جاءها شئ في خاطرها جعلها تقاوم حتي أنتصب جسدها متجه بخطوات مثقلة لباب الغرفة ..
ما أن وصلت اليه حتي تشبثت بمقبضه براحة كفها جيداً ، وظلت تطرق بالأخرى بعدم أدراك متستغيثه بذلك العجوز ..
والذي أتي بعد محاولات متكررة من جانبها ..
مردداً من خلف الباب باضطراب وقلق :
- سيدتي ما الأمر .. هل أنتِ بخير !
أجابته بتماسك مصطنع :
- أجل أنا بخير .. فقط أريد الخروج من ذلك القصر لشراء بعض الأشياء ..
- لا يجوز سيدتي ، سيدي لا يسمح لكِ بذلك ..
- أرجوك !
- أسف سيدتي .. ولكن الأمر ليس بيدي ..
أنهي جملته وسمعت خطوات أقدامه تتحرك لتبتعد ، فاسرعت تناديه بجملتها التي خرجت كمحاولة أخيرة ..
- أرجوك أستأذنه وأخبره أني أحتاج لأشياء خاصة وهامة ولا يفصح بها في العلانية .. أرجوك !
حينها توقفت قدماه وهو يستوعب جملتها جيداً ، فخرجا صوته مرددا بتفهم :
- أمهليني بعض اللحظات للاتصال به !
غاب عنها لدقائق معدودة ثم عاد يخبرها بضرورة الاستعداد فالسيارة قادمة في الطريق ..
كأن ما قاله طوق نجاة ، حامده الله علي لين قلب الأجنبي في ذلك الوقت تحديدًا ..
فارتفاع درجة حرارة الجسد الموت بعينه !
احتسبت أجرها لله !
وتحاملات حتي تتهيئ للخروج قبل وصول تلك السيارة ..
-------------------
هبطت للأسفل بأعجوبة فخارجياً تحاول جاهدة التماسك أمام من يراها ، وداخليًا تكاد تشعر بجمر حي يشتعل بكل جزء بها …
علي هذا الحال هبطت للأسفل حين أخبرها ذلك العجوز بوصل تلك السيارة ..
وما هي إلا خطوات قليلة حتي استقلت المقعد الخلفي لها وألقت السلام وخرجت بها خارج من ذلك القصر نهائيًا ...
رغم عدم أدراكها بعض الشئ ، إلا أنها شعرت حين خطت بوابته الحديدية بنشوة وراحة تستحق الأحتفال بها ..
- إلي أين سيدتي ؟!
فاقت من شرودها المحاط بشدّّة تعبها ، والذي دفعها لراحة مؤخرة رأسها علي المقعد من خلفها علي ذلك الصوت الذي تميزه بعض الشئ مما دفعها للأعتدال والنظر لظهره قليلا إلي أن استوعبت بعد عناء بأنه ذلك السائق الذي أقلها من المطار لذلك القصر البغيض !!
فأجابته بنبرة منخفضة تحاول جاهدة أخراجها دون أثارة الشك :
- إلي أي مركز طبي تراه قريب !!
اندهش قليلا ثم عاد لطبيعته فهذا لا يعنيه ومهامة ابلاغ " علي " بكافة تحركتها كما أمرهُ وفقط ..
خرجت منه إيماءة صامته ، ثم توجه بها في الحال لأقرب مشفى قريبة والتي أتت على بعد مضي ثلث الساعة ..
توقف أمامها وأخبرها بوصلهما للمكان المحدد فهزت رأسها بالأيجاب قائلة بثبات مصتنع :
- أنتظرني هنا بعض الوقت ..
بدأ يراوده الشكوك المحيره وهو يشاهد بتمعن مغادرتها البطيئة ، رغم محاولاتها الفاشلة لعدم أظهار ما بها ..
هيئتها دفعته للمغادرة خلفها ومعرفة وجهتها جيدًا ، ولما تحتاج المشفى تحديداً ...
دلفا يسأل الاستعلامات عنها فأجابه أحد الرجال به بأنها في قسم الحُميات .. اندهاش كثيراً بداخله متحركاً بأضطراب وقلق لذلك القسم المنشود ..
وقف أمامه بعض الدقائق التي لا بأس بها منتظراً خروج أحدي الممرضات لمعرفة ما بها دون أثارة الشك ..
فما هي إلا دقائق أخرى وخرجت ممرضة بالفعل فأندفع باتجاهها يستفسر منها عن اسمها الذي يحفظه منذ أصطحابها من المطار والتي صدمته عند قولها :
- تلك المريضة لديها نزلة برد شديدة مصاحبه بارتفاع في درجة الحرارة تصل 5 : 39° مما دفعهم لعمل الإسعافات اللازمة لها وخفض درجة حرارتها في الحال ، وتركيب لها محلول وريدي به أدوية لمعالجة البرد وفيتامينات تقوية وما هي إلا بعض الدقائق وسينتهي ذلك المحلول وتشعر بتحسن جيد وتخرج في الحال ...
رغم اندهاشه من محاولات أخفائها للمرض ومما تفوهت به تلك الممرضة إلا انه أنتبه لنهاية حديثها فاسرع يشكرها بامتنان مغادرا المكان قبل أن تخرج وتلمح طيفه ..
----------------
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
تحدثت بها رقية حين فزعت من نومها علي أثر رؤية شئٌ أقلقها علي أبنتها الصغري مسترسله حديثها برجاء لربها ..
- يا حي يا قيوم نجيها واسترها معها ووقف لها ولاد الحلال ورجعهالي بالسلامة يا رب العالمين ..
ثم استعاذت من الشيطان مرة أخرى وهمت من الفراش تصلي ركعتين في جوف الليل ..
---------------
بعينان مشتتة بين الطريق وبينها ظل يراقبها من مرآة السيارة منذ عودتها من المشفى وركوبها بها ..
فعلي ما يبدوا أمامه أنها تحسنت كثيراً فالأن ترفع رأسها بتوازن ثابت بل وتتطلع بهدوء من الزجاج المجاور لها علي اماكن المدينة وشوارعها والمارة بهم علي عكس قدومهما ..
- توقف هنا معذرةٍ !
علي أثر جملتها المفاجأة توقف بهلع جلي علي معالم وجهه وهو يهتف أثناء التفاته لمكان جلوسها خلفه :
- ما الأمر ؟!
أجابته متطلعه للخارج وهي تستعد لمغادرة السيارة بحزن شعر به :
- فقط أرجوك بعض الدقائق !
لم تنتظره حتي يعطيها الموافقة أثناء رؤيتها مصادفة للمنطقة الشهيرة في لوس أنجلوس لغروب الشمس من فوق المحيط الهادي ..
وهبطت بالفعل تسير دون وعي إلي أن جلست بأستسلام فوق أحد المقاعد الرخامية الموجودة علي بعد معين من الماء تتفحص هذا السحر العجيب !
الغروب ، البحر ، وهي فقط !!
معادلة تستحق الفوز بها في هذا الوقت تحديداًً لأخراج ما يحزنها والتنفس عن ما يعتلي قلبها حتي لو بعض الشئ …
علي أثر هذا المنظر جلست شاردة في حالها و ما ممر عليها داخل تلك الارض ..
وعلي أثر هذا المشهد أيضًا ظل يتطلع هو من خلف ظهرها علي ما يشاهده من سحر أشد !!
جلوسها بهدوء وسكينة يحوطها سلامًا غريبًا ، وغياب الشمس بأشعتها البرتقالية من أمامها ومن بينهما الموج الهائج تعويذة خطيرة ألقت بظلالها علي قلبه الخاوي !!