📁 آخر الروايات

رواية سحر الراوي الفصل الخامس عشر 15 بقلم الثناء ضاحي

رواية سحر الراوي الفصل الخامس عشر 15 بقلم الثناء ضاحي 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

البارت الخامس عشر
الصعيد — الجبل الغربي — الثانية وخمس وأربعون دقيقة بعد منتصف الليل
اندفع الرجل داخل القاعة الحجرية بأنفاس متقطعة، والغبار يغطي جلبابه الداكن، بينما التوتر يسبق كلماته كريح باردة دخلت المكان دفعة واحدة.
أما عامر الراوي…
فلم يتحرك.
ظل جالسًا فوق مقعده الجلدي، السيجارة بين أصابعه، وعيناه السوداوان ثابتتان فوق الشاشة التي تعرض الطريق الصحراوي.
قال الرجل بسرعة:
"العربية وقفت يا باشا."
ساد الصمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حتى الرجال المسلحون الواقفون قرب الجدران تبادلوا نظرات قصيرة حذرة.
أما عامر…
فأخذ نفسًا بطيئًا من سيجارته.
ثم قال بهدوء أخطر من الصراخ:
"وقفت… ليه؟"
ابتلع الرجل ريقه.
"واضح إنهم كشفوا العبوة."
للحظة قصيرة جدًا…
توقف إصبع عامر عن الطرق فوق ذراع المقعد.
شيء صغير جدًا.
لكن أمير لاحظه.
وذلك وحده كان كافيًا ليشعر بالبرد يمر داخله.
اقترب الرجل أكثر وقال بتوتر:
"وفي اشتباك حصل… العربية السودا اتقلبت في الرمل."
رفع عامر عينيه ببطء.
أما عزيزة…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فشعرت لأول مرة أن قلبها عاد ينبض.
لكن الأمل لم يعش طويلًا.
لأن عامر ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
باردة جدًا.
ثم قال:
"يبقى شريف العامري أذكى مما توقعت."
اقترب أمير بعصبية:
"يعني إيه؟! هما لسه عايشين؟!"
رفع عامر عينيه نحوه.
وكان في تلك النظرة ما جعل الكلمات تموت داخل حلقه فورًا.
ثم قال بهدوء:
"إنت متوتر أوي يا أمير."
صمت لحظة.
ثم أضاف بابتسامة باهتة:
"وده لأنك عمرك ما فهمت اللعبة."
تحرك ببطء حتى وقف أمام الشاشة.
صورة السيارة المتوقفة ظهرت للحظة وسط التشويش.
ثم انقطع البث فجأة.
لكن عامر ظل يحدق فيها كأنها ما تزال تعمل.
وقال بصوت منخفض:
"الناس نوعين…"
التفتت الأنظار نحوه.
"ناس أول ما تشوف الموت… تنهار."
ثم ظهرت ابتسامته مجددًا.
"وناس… تبدأ تفكر بوضوح لأول مرة."
ساد الصمت داخل القاعة.
أما عزيزة…
فكانت تشعر أن الهواء يزداد اختناقًا كلما تكلم الرجل.
ثم فجأة…
رفع عامر يده.
فدخل رجل آخر يحمل ملفًا قديمًا سميكًا.
ألقاه فوق الطاولة.
فتح عامر الملف بهدوء شديد.
صور قديمة.
أوراق.
تقارير.
ثم توقف عند صورة واحدة.
طفل صغير…
بعينين سوداويتين حادتين.
ابنه.
مرر إصبعه فوق الصورة ببطء.
ولأول مرة منذ بداية الليلة…
تغير شيء داخل عينيه.
شيء غامض جدًا.
ليس حبًا.
ولا حنينًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

بل إحساس رجل يرى نسخة أخرى منه تتحرك في العالم دون سيطرته الكاملة.
ثم أغلق الملف فجأة.
وقال دون أن ينظر لأحد:
"دوروا عليه."
تجمد أمير.
"مين؟"
رفع عامر رأسه ببطء.
"ابني."
حتى الرجال المسلحون تبادلوا النظرات هذه المرة.
لأن الاسم نفسه كان شبه أسطورة بينهم.
الولد المختفي.
الابن الذي اختفى منذ عشرين عامًا.
اقترب أمير ببطء:
"بعد السنين دي كلها؟"
رد عامر بهدوء:
"لأنه قرب."
ضاقت عينا أمير.
"قرب من إيه؟"
لكن عامر لم يرد.
بل عاد للجلوس بهدوئه المرعب.
ثم قال فجأة:
"هاتولي الراجل."
تجمدت ملامح عزيزة.
"مين؟"
لكن الباب الحديدي الضخم انفتح بالفعل.
ودخل رجلان يجران شخصًا مكبل اليدين.
وجهه مغطى بالدماء.
وأنفاسه متقطعة.
أما أمير…
فاتسعت عيناه فورًا.
لأنه عرفه.
سامي.
أحد رجال عبد المنعم الراوي.
الرجل الذي اختفى منذ أسبوعين.
أُلقي فوق الأرض بعنف.
ثم رفع رأسه بصعوبة.
وحين وقعت عيناه على عامر…
ارتجف بالكامل.
ابتسم عامر بهدوء.
ثم قال:
"أهو… الراجل اللي كان بيسربلي أخبار أخويا العزيز."
شعرت عزيزة بالصدمة تضربها.
أما أمير…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فتراجع خطوة دون وعي.
لكن الصدمة الحقيقية…
جاءت بعدها.
لأن عامر أخرج مسدسه بهدوء شديد…
ووضعه فوق الطاولة.
ثم قال لسامي بابتسامة هادئة:
"قولهم."
ارتجف الرجل.
"أنا… أنا عملت اللي طلبته يا باشا… والله."
"عارف."
ثم مال عامر بجسده للأمام قليلًا.
"بس إنت اتكشفت."
شهق الرجل بخوف حقيقي.
أما عامر…
فقال بنفس النبرة الهادئة:
"والعميل اللي بيتكشف… بيبقى عبء."
ثم…
دوى صوت الطلقة داخل الجبل كله.
شهقت عزيزة بعنف.
أما أمير…
فتجمد مكانه بالكامل.
سقط سامي فوق الأرض بلا حركة.
والدم بدأ يمتد ببطء فوق الحجر القديم.
لكن أكثر ما أرعب أمير…
أن عامر أعاد المسدس فوق الطاولة بهدوء…
ثم قال للرجلين الواقفين:
"نضفوا المكان."
كأنه لم يقتل إنسانًا للتو.
بل سكب كوب شاي فوق الأرض.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا…
رن هاتف عامر.
نظر للشاشة.
ثم ابتسم.
ابتسامة بطيئة هذه المرة.
وقال بصوت منخفض جدًا:
"أهلًا يا شريف العامري."
الصعيد — سرايا الراوي — الرابعة عصرًا
كانت السرايا تعيش حالة توتر غريبة…
كأن البيت العتيق يشعر بالخطر قبل البشر.
الحراس يتحركون أكثر من المعتاد.
الخدم يتهامسون داخل الممرات.
والوجوه كلها متحفزة.
أما داخل غرفة الضيوف الكبيرة…
فكان مصطفى مستلقيًا فوق الأريكة بطريقة درامية، بينما يضع كيس ثلج فوق كتفه، ويأكل طبق محشي ضخم وكأنه لم ينجُ من الموت قبل ساعات.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قال وهو يمضغ:
"بصراحة… الموت بيزود الشهية."
جلس قاسم أمامه واضعًا مرفقيه فوق ركبتيه، بينما آثار الإرهاق ما تزال واضحة فوق وجهه.
أما شريف…
فكان واقفًا قرب الشرفة.
صامتًا.
يدخن سيجارته ببطء بينما عقله غارق في شيء أبعد من الغرفة كلها.
قال مصطفى فجأة:
"حضرة الظابط."
لم يرد شريف.
أكمل مصطفى:
"لو حضرتك هتفضل واقف بالطريقة دي كتير… أنا هبدأ أشك إنك بطل مسلسل تركي."
نظر له شريف أخيرًا بطرف عينه.
ثم قال ببرود:
"وإنت هتسكت إمتى؟"
رفع مصطفى إصبعه فورًا:
"دي موهبة يا فندم… الموهبة مبتتوقفش."
ورغم التوتر…
خرجت من قاسم ضحكة خافتة.
لكنها اختفت سريعًا.
لأن شريف استدار فجأة وقال:
"العربية اتزرع فيها جهاز تتبع."
ساد الصمت فورًا.
أما مصطفى…
فأنزل الملعقة ببطء.
"يعني حد هنا فعلًا بيسرب؟"
أومأ شريف بهدوء.
ثم أخرج الشريحة الإلكترونية من جيبه مجددًا.
ووضعها فوق الطاولة.
"ودي مش تكنولوجيا أي حد."
اقترب قاسم ينظر إليها.
ثم قال ببطء:
"تقصد مين؟"
رفع شريف عينيه نحوه.
وكان في نظرته ذلك البريق الذي يظهر حين يقترب المحقق من الحقيقة.
ثم قال:
"أنا مش بدور على خاين."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"أنا بدور على حد عنده إمكانيات تخليه يراقب عيلة كاملة من سنين… بدون ما حد يحس."
شعر قاسم بشيء ثقيل يتحرك داخله.
أما مصطفى…
فقال فجأة وهو يشير لنفسه:
"طب أنا أحب أوضح رسميًا إني أقصى حاجة بعرف أراقبها هي عروض الكشري على الأبلكيشن."
لكن شريف تجاهله.
بل اقترب من قاسم أكثر وقال:
"إنت عمرك شوفت عمك عامر؟"
تجمدت ملامح قاسم.
"لا."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

"ولا حتى صورة واضحة ليه؟"
هز رأسه ببطء.
ثم قال:
"كل الصور القديمة اختفت بعد موته."
ابتسم شريف ابتسامة صغيرة جدًا.
ابتسامة رجل وجد تفصيلة لم تعجبه.
ثم قال:
"ودي لوحدها مشكلة."
وقبل أن يرد أحد…
دق باب الغرفة فجأة.
دخل أحد الخدم بسرعة واضحة التوتر.
"الحاج عبد المنعم طالب حضراتكم تحت حالًا."
تبادل الثلاثة النظرات.
ثم نهض شريف بهدوء.
أما مصطفى…
فأخذ آخر قطعة محشي بسرعة قبل أن يقف.
لاحظ قاسم ذلك فقال بعدم تصديق:
"إنت بتاكل في كل الظروف إزاي؟"
رد مصطفى بجدية تامة:
"يا حبيبي الإنسان ممكن يموت في أي لحظة… إنما المحشي المحترم مش بيتكرر."
سرايا الراوي — المكتب الكبير — الرابعة والنصف عصرًا
دخل الثلاثة الغرفة…
فتوقف مصطفى تلقائيًا.
لأن الجو داخل المكتب كان مختلفًا.
أثقل.
أخطر.
جلس عبد المنعم خلف مكتبه الخشبي الضخم بصمته المعتاد.
لكن عينيه كانتا أكثر ظلمة من أي وقت مضى.
أما المفاجأة…
فكانت فاطمة.
تجلس في الركن البعيد شاحبة الوجه بصورة أقلقت قاسم فورًا.
لكن شريف…
لاحظ شيئًا آخر.
ورقة فوق المكتب.
صورة قديمة بالأبيض والأسود.
اقترب بعينيه قليلًا.
ثم شعر بأن شيئًا داخله توقف للحظة.
الصورة لرجل يقف وسط مجموعة من الرجال أمام الجبل الغربي.
رجل طويل نحيل…
بعينين سوداويتين مخيفتين.
وعلى يمينه…
طفل صغير.
ملامحه غير واضحة بالكامل.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا جدًا.
نفس النظرة.
نفس البرود.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

رفع شريف عينيه فورًا نحو عبد المنعم.
أما الأخير…
فقال بهدوء جعل الغرفة كلها تبرد:
"عامر الراوي… طلع عايش."
سرايا الراوي — المكتب الكبير — الخامسة مساءً
ساد الصمت داخل الغرفة…
ذلك النوع من الصمت الذي لا يشبه الهدوء أبدًا.
بل يشبه اللحظة التي تسبق سقوط شيء ثقيل جدًا… فوق الجميع.
"عامر الراوي… طلع عايش."
خرجت الجملة من عبد المنعم بهدوء قاتل.
لكن أثرها داخل الغرفة كان أشبه برصاصة.
حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف لثانية كاملة.
أما قاسم…
فشعر بشيء بارد ينساب ببطء أسفل عموده الفقري.
عامر.
الاسم الذي ظل يسمعه منذ طفولته كأنه شبح قديم.
الرجل الذي يتحدث عنه الجميع بصوت منخفض… أو لا يتحدثون عنه أصلًا.
الميت الذي لم يمت.
أما مصطفى…
فكان أول من تكلم.
رفع حاجبيه ببطء شديد… ثم قال بصوت مختنق: "أنا آسف… هو إحنا دخلنا رسميًا مرحلة إن الأموات بيعملوا اجتماعات؟"
لم يرد أحد.
نظر مصطفى بين الوجوه بقلق حقيقي هذه المرة. ثم أشار لنفسه: "لا عشان أبقى فاهم بس… أنا كنت فاكر إني جاي الصعيد آكل فتة وأعيش يومين هاديين. دلوقتي في قنابل ومطاردات وواحد ميت رجع بالحلقات الجديدة؟"
ورغم التوتر الخانق…
اهتز طرف فم قاسم رغماً عنه.
لكن شريف…
لم يبتسم.
كان واقفًا قرب المكتب بعينين ثابتتين فوق الصورة القديمة.
يد الضابط داخله بدأت تعمل بكامل سرعتها.
الصورة.
الشريحة الإلكترونية.
الهجوم.
اختفاء الصور القديمة لعامر.
الخوف داخل عيون فاطمة.
كل شيء بدأ يتجمع داخل عقله كقطع أحجية قذرة.
اقترب ببطء من المكتب.
ثم قال: "إنت متأكد؟"
رفع عبد المنعم عينيه نحوه بهدوء. وقال: "الراجل اللي في الصورة دي… متصور من أسبوع."
شعر قاسم بأن قلبه ضرب بعنف داخل صدره.
أما فاطمة…
فأغمضت عينيها للحظة قصيرة جدًا.
وكأنها كانت تتمنى ألا يأتي هذا اليوم أبدًا.
اقترب شريف أكثر. ثم التقط الصورة بين أصابعه ببطء.
كانت قديمة الطباعة حديثة الالتقاط في الوقت نفسه.
صورة ملتقطة بعدسة بعيدة وسط الجبل الغربي.
عامر يقف بملامحه الحادة المرعبة…
أنحف قليلًا.
أقسى كثيرًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

لكن عيناه…
نفس العينين.
العينان اللتان لا تبدوان كعيني إنسان عاش حياة طبيعية يومًا.
قال شريف بهدوء: "مين جاب الصورة؟"
رد عبد المنعم: "واحد من رجالة البلد."
ثم أضاف بعد لحظة: "واختفى بعدها بساعتين."
ساد الصمت مجددًا.
أما مصطفى…
فابتلع قطعة المحشي الأخيرة ببطء شديد. ثم قال: "بصراحة؟ أنا ابتديت أفتقد المشاكل الطبيعية… زي الإيجار والكهربا والقولون."
لكن أحدًا لم يضحك هذه المرة.
لأن الخوف بدأ يأخذ شكله الحقيقي أخيرًا.
اقترب قاسم من المكتب فجأة.
عيناه مثبتتان فوق الصورة كأنهما تحاولان انتزاع الحقيقة منها بالقوة.
ثم قال بصوت منخفض: "ليه؟"
نظر له عبد المنعم.
أكمل قاسم: "لو كان عايش كل السنين دي… ليه رجع دلوقتي؟"
وللمرة الأولى…
تردد عبد المنعم الراوي.
ثانية واحدة فقط.
لكن شريف لاحظها فورًا.
وهذا وحده كان كافيًا ليؤكد شيئًا داخله.
عبد المنعم يعرف أكثر مما يقول.
كثيرًا.
لكن قبل أن يتكلم أحد…
دوى صوت انفجار بالخارج.
اهتز زجاج المكتب بعنف.
شهقت فاطمة فورًا. أما قاسم فتحرك غريزيًا ناحية الباب.
لكن شريف كان الأسرع.
أخرج سلاحه في لحظة واحدة.
عيناه تحولت فورًا إلى عيني ضابط مطاردات لا رجل يقف داخل سرايا.
قال بحدة: "محدش يخرج."
ثم فتح الباب بعنف وانطلق للخارج.
ركض قاسم خلفه فورًا. أما مصطفى…
فوقف مكانه ثانيتين كاملتين.
ينظر للباب المفتوح…
ثم قال بحزن: "أنا تعبت نفسيًا والله."
لكن بعد ثانية: "بس الفضول أقوى."
وانطلق يجري خلفهما.
ساحة السرايا — بعد لحظات
كانت الفوضى تضرب المكان بالكامل.
الحراس يركضون. الخدم يصرخون. الدخان يتصاعد قرب البوابة الحديدية الضخمة.
أما السيارة السوداء المحترقة قرب السور…
فكانت تشتعل ببطء مرعب.
وقف شريف يراقب المكان بعينين ضيقتين.
لا. هذا ليس هجومًا.
بل رسالة.
اقترب أحد الرجال بسرعة: "العربية دخلت بسرعة وضربت البوابة وبعدها انفجرت!"
قال شريف فورًا: "السواق؟"
هز الرجل رأسه. "مفيش جثة."
ضاقت عينا شريف أكثر.
متعمد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

كل شيء هنا متعمد.
أما قاسم… فكان يراقب ألسنة النار بصمت غريب.
لأن شيئًا داخل صدره بدأ يختنق.
الإحساس القديم نفسه.
الإحساس بأن حياته لم تعد تخصه بالكامل.
وكأن أحدًا آخر… يرتب خطواته من بعيد منذ زمن.
وفجأة…
صرخ مصطفى من الخلف: "يا جماعة!"
التفت الجميع له.
كان واقفًا قرب البوابة… يحمل شيئًا صغيرًا بين أصابعه.
اقترب شريف بسرعة.
ثم توقف.
شطرنج.
قطعة شطرنج سوداء محترقة جزئيًا.
ملك أسود.
ناولها مصطفى لشريف بحذر وقال: "لقيتها جوة العربية."
أخذها شريف ببطء.
ثم شعر بشيء ثقيل يتحرك داخل عقله.
رسالة فعلًا.
لكن الرسالة لم تكن تهديدًا.
بل إعلان بداية.
وقف عبد المنعم أعلى الدرج الحجري يراقب المشهد بصمته المعتاد.
لكن داخله…
كان يعرف.
عامر لا يتحرك بعشوائية أبدًا.
إذا بدأ اللعب… فهذا يعني أن النهاية التي انتظرها الجميع لسنوات بدأت تقترب أخيرًا.
داخل السرايا — بعد ساعة
حل الليل تدريجيًا فوق الصعيد.
والسرايا بدت مختلفة ليلًا.
أكبر. أقدم. وأكثر امتلاءً بالأسرار.
أما داخل المطبخ الكبير…
فكان مصطفى يجلس فوق الرخامة يأكل للمرة الرابعة.
حولَه ثلاث خادمات يراقبنه بصدمة حقيقية.
قال وهو يشرب الماء: "أنا جسمي بيحرق توتر يا جماعة… ادعولي."
ثم أشار للطبق: "وبعدين المحشي هنا فيه حاجة غير قانونية… أنا شاكك فيه."
ضحكت إحدى الخادمات رغم خوفها.
أما مصطفى… فأشار لها فورًا: "أهو الضحكة دي بالذات هي اللي مخلية الواحد مستحمل الرعب اللي برا."
وفي اللحظة نفسها…
دخل قاسم.
كان مرهقًا بصورة واضحة. وجهه شاحب. وعيناه غارقتان في التفكير.
لاحظ مصطفى ذلك فورًا.
فنزل من فوق الرخامة ببطء. ثم اقترب منه.
وقال بهدوء نادر: "إنت كويس؟"
رفع قاسم عينيه له.
وظل صامتًا للحظات.
ثم قال: "حاسس إني داخل حاجة أكبر مني."
ابتسم مصطفى ابتسامة صغيرة متعبة.
ثم ربت فوق كتفه: "يا حبيبي… إحنا كلنا أكبر إنجازاتنا في الحياة كانت إننا منضيعش الشاحن."
ضحك قاسم رغماً عنه.
لكن مصطفى أكمل هذه المرة بصوت أهدأ: "الخوف الطبيعي مش وحش."
نظر له قاسم بصمت.
أما مصطفى… فنظر بعيدًا للحظة قصيرة جدًا.
وتغير شيء داخل عينيه.
شيء قديم. ثقيل. وحزين.
ثم قال: "الوحش… إنك تتعود عليه."
شعر قاسم بالقشعريرة.
لأن مصطفى قالها كرجل يعرف المعنى جيدًا.
لكن كعادته…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

قتل اللحظة فورًا وهو يرفع الطبق: "المهم دلوقتي… تيجي ناكل قبل ما نموت تاني."
الطابق العلوي — جناح عبد المنعم — التاسعة مساءً
وقف شريف أمام النافذة المفتوحة.
السيجارة تحترق ببطء بين أصابعه.
أما عقله…
فكان يعمل بصورة مرعبة.
الشريحة. الصورة. الانفجار. الملك الأسود.
كل شيء يحمل طابعًا استعراضيًا متعمدًا.
وعامر…
لا يفعل شيئًا بلا معنى.
وفجأة…
قال عبد المنعم من خلفه: "إنت شاكك في إيه؟"
لم يلتفت شريف.
بل قال: "مش شاكك."
أخذ نفسًا بطيئًا من سيجارته.
ثم استدار أخيرًا.
"أنا متأكد إن عامر عايز حاجة."
ساد الصمت.
أما عبد المنعم… فظل يراقبه بعينيه الزرقاوين الثابتتين.
ثم قال: "كلنا عايزين حاجة يا شريف."
لكن شريف اقترب خطوة.
وقال بهدوء: "بس هو مش بيتحرك عشان السرايا."
صمت لحظة.
ثم أكمل: "هو بيتحرك عشان شخص."
ولأول مرة…
ظهر شيء حقيقي داخل عيني عبد المنعم.
القلق.
أما شريف… فقال الجملة التي جعلت الصمت يهبط فوق الغرفة بالكامل:
"قاسم."
منتصف الليل
كانت السرايا غارقة في هدوء ثقيل.
لكن داخل غرفة قاسم…
لم يكن هناك هدوء.
وقف أمام المرآة.
ينظر لانعكاسه طويلًا.
ملامحه. عيناه. تعبه.
ثم تذكر الصورة القديمة.
الطفل الواقف بجوار عامر.
ذلك الطفل…
لماذا شعر نحوه بشيء غريب؟
كأنه يعرفه.
أو…
كأنه رأى نظرته من قبل.
وفجأة…
دُق الباب.
التفت قاسم.
ثم فتحه ببطء.
وهج كانت تقف بالخارج.
هادئة كعادتها.
لكن عينيها هذه الليلة… كانتا ممتلئتين بشيء مضطرب.
قالت بخفوت: "عمي عايزك تحت."
المكتب الكبير — بعد دقائق
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

دخل قاسم ببطء.
فوجد عبد المنعم وحده.
لا حراس. لا خدم. لا أحد.
فقط الرجل العجوز… والليل الثقيل خلف النوافذ.
أشار له بالجلوس.
جلس قاسم بصمت.
أما عبد المنعم… فظل يراقبه طويلًا جدًا.
كأنه يقيس شيئًا لا يُقال بالكلمات.
ثم قال أخيرًا:
"إنت عارف أكتر حاجة تخوف في الحروب إيه يا قاسم؟"
هز قاسم رأسه ببطء.
قال عبد المنعم: "إن العدو ساعات بيبقى من دمك."
ساد الصمت.
ثم فجأة…
قالها دون مقدمات:
"اتجوز وهج."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات