رواية عشق يزلزل الحصون الفصل الخامس عشر 15 بقلم بسنت محمد
وقف العقيد أدهم الجارحي كالجبل الشامخ الذي لا تزعزعه الرياح، سلاحه الميري موجه بدقة متناهية نحو جبهة "الملكة"، وعيونه السوداء تشتعل بلهيب غضب أعمى لو أحرق المكان لأباده. خلف ظهره العريض، كانت الدكتورة حور الشافعي ممسكة بجاكيت بدلته العسكرية، ورغم دقات قلبها التي كانت تطرق صدرها كطبول الحرب، إلا أن لسانها المبرد وعقلها العبقري كانا في أعلى درجات اليقظة.
الملكة واقفت ببرود مستفز، إصبعها يضغط على زر جهاز التحكم، وضحكتها الباردة كالثلج تملأ أركان مكتب حور:
"الوقت بيجرى يا سيادة العقيد.. غاز (السارين) السام هينتشر في التكييف المركزي للمستشفى خلال ثواني. سيب حور تمشي معايا بهدوء، وإلا قصر العيني كله هيتحول لمقبرة جماعية! اختار حالا.. هيبتك الميري، ولا أرواح الأبرياء وروح إعصارك؟"
لوت حور بوزها بشقاوة مضحكة للغاية رغم الموقف المرعب، ورفعت نظارتها الطبية بإصبعها وقالت بنبرة مستفزة من وراء ظهر أدهم:
"جرى إيه يا عسل؟ والنعمة أنتِ فاكرة نفسك في فيلم هوليوود وجايلنا بالغاز السام في نص الليل! أولاً التكييف المركزي بتاع قصر العيني عطلان وبقاله أسبوع بنشتغل بالمراوح والنعمة! وثانياً بقا.. الشنطة اللي في الممر الخلفي دي مش هتلحق تطلع ريحة، لأن صقور المديرية قفلوا الممر خلاص
تغيرت ملامح الملكة فجأة من البرود التام إلى الصدمة والذهول! وفي نفس اللحظة.. دوى صوت الرائد إياد سليم عبر جهاز اللاسلكي وهو يضحك بنبرة مرحة ممتزجة بالفخر:
"أبو لسان مبرد جاب التايهة والنعمة يا رئيس! الشنطة السوداء بقت في إيدنا، وخبراء المفرقعات والغازات بتوع الكتيبة أبطلوا المفعول في ثانية! الملكة بتاعتك بقت ملكة من غير عرش خلاص.. ائمرني يا عقيد!" 
في جزء من الثانية، استغل أدهم لحظة تشتت الملكة، وهجم عليها كالفهد الجاري السريع. بحركة قتالية خارقة ومحترفة، وجه ضربة قوية ليدها أطارت جهاز التحكم في الهواء، ولفت ذراعها خلف ظهرها وثبتها على الحائط ببرود صخري وقسوة تليق بالحصن المنيع.
ضغط أدهم على فكها وقال بنبرة رخامية حادة تجمّد الدم في العروق:
"اللعب مع أدهم الجارحي نهايته سودة يا ملكة.. التشكيل العصابي بتاعك كله تحت بيادتي حالاً، والشرطة العسكرية مستنياكي برة!"
دخل إياد سليم بسرعة وهو يسحب أصفاد الحديد، ووراءه سلمى التي كانت تبكي من الفرحة. إياد قيد الملكة وظهرت غمازاته الساحرة وقال بدم خفيف:
"اتفضلي معانا يا جلالة الملكة، الزنزانة منورة ومجهزة بأحدث الديكورات الميري اللي تليق بمقامك والنعمة!"
بعد خروج القوة العسكرية بالملكة وتأمين المستشفى بالكامل.. 

هدأت الأجواء تماماً في ممرات قصر العيني. أدهم التفت لحور، ووجدها تجلس على مكتبها وتتنفس الصعداء، لكن الشقاوة عادت لعيونها العسلية فوراً.
قرب أدهم منها بخطوات هادئة، وحاوط وسطها بدارعه القوي ورفع وجهها إليه برقة وتملك زلزل كيانها، وقال بصوت منخفض ودافيء كله مشاعر حقيقية:
"حور.. أنتِ بجد مجنونة! في حد يروح يقول لزعيمة تنظيم إرهابي إن التكييف عطلان في وقت زي ده؟ أنا قلبي كان هيقف من الخوف عليكي."
حور لفت دراعها حوالين رقبته بدلع ومرحها المعتاد وقالت بابتسامة خطفت قلبه:
"جرى إيه يا جبل الصخر ده لقب لقبته حور لادهم ؟ والنعمة أنا قولت أنقذ البرستيج الميري بتاعك! وبعدين إعصار قصر العيني مبيخافش طالما مستخبي جوة الحصن بتاعه.. بحبك يا أدهم." 

أدهم طبع قبلة دافئة على جبهتها وهمس:
"وأنا بعشقك يا إعصاري.. والمرة دي الإجازة هتمشي بقوانيني أنا وبس ومفيش لاسلكي هيشتغل!"
على الجانب الآخر في الممر، كان إياد واقف مع سلمى، وأخذ منها منديل يمسح بيه عرق التعب، وقال بشقاوة وغمازاته منورة وشه:
"بصي يا حورية البحر، المأمورية تمت بنجاح والحمد لله. والنعمة أنا من كتر الأكشن ده حاسس إن ركبي سابت وعايز أروح أكل صينية بسبوسة بالقشطة تعدل الدماغ الميري دي!" 
سلمى ضحكت بصوتها كله وقالت برقة:
"من عيوني يا سيادة المقدم.. أحلى بسبوسة لأقوى بطل في الدنيا."
إياد غمز لها:
"طالما فيها سيادة المقدم وبسبوسة، يبقى إحنا نطلع على الفندق علطول ونقفل التليفونات!" 

بعد مرور أسبوع كامل من العسل الحقيقي والهدوء التام في إحدى القرى السياحية المعزولة..
الخيوط رجعت تتشابك!
أبطالنا رجعوا القاهرة بسلام وأمان، والكل كان حاسس إن الحياة بقت بمبي ومفيش أي تهديد تاني.
في مساء يوم مشمس، قررت حور وسلمى يعملوا عزومة فخمة جداً في شقة أدهم وحور بمناسبة ترقية أدهم لعقيد وإياد لمقدم. حور كانت واقفة في المطبخ، لامة شعرها الكيرلي بطريقة عشوائية مضحكة، ولابسة مريلة مطبخ مرسوم عليها ميكي ماوس، وعمالة تقلب في حلة محشي ورق عنب ضخمة وتغني بصوت عالي:
"يا واد يا تقيل.. يا مجنني.. والنعمة المحشي ده هيخلي الحصن ينهار بجد ويديني تعظيم سلام ميري!"
!
سلمى كانت واقفة جنبها بتعمل سلطة وبتضحك برقة:
"يا حور اتهدي، أدهم وإياد زمانهم على وصول من المديرية، والريحة قالبة العمارة كلها. تفتكري إياد هيعجبه الأكل؟"
حور لوت بوزها بشقاوة:
"يعجبه؟ ده لو معجبهوش هخليه يعمل خدمة 24 ساعة في المطبخ هنا والنعمة! اجهزي بس عشان الصدمة الفخمة."
وفجأة.. انفتح الباب الخارجي للشقة، ودخل أدهم وإياد بكامل أناقتهم بالملابس المدنية الشيك. أدهم شم ريحة المحشي وضيق عيونه السوداء بابتسامة خفيفة وساحرة، ودخل المطبخ ووقف وراء حور وحضنها من ظهرها برقة وقال بصوته الرخامي الدافيء:
"إيه الريحة اللي تفتح النفس دي يا إعصاري؟ الظاهر إن الجراحة سابت مكانها للشيف حور الشافعي الليلة."
حور لفت ليه بدلع وقالت وهي ماسكة الكبشة بفخر مضحك:
"أومال إيه يا سيادة العقيد! ده محشي ورق عنب معمول بخطط واستراتيجيات عسكرية ملوش مثيل! روح غير هدومك وتعالى عشان البوفيه جاهز!" 
إياد دخل وراهم وهو ميت من الجوع، وظهرت غمازاته وقال بدم خفيف ومرح:
"أيوة بقا يا جماعة! والنعمة أنا من الصبح في المديرية براجع قضايا ومخي فصل، وريحة المحشي دي رجعتلي نظام التشغيل.. سلمى يا قمر، فين الأكل أنا ممكن أكل الحلة
جلس الجميع حول طاولة الطعام الضخمة، والضحك والمرح والبهجة كانوا ماليين المكان. حور كانت عمالة تحط لأدهم محشي في طبقه بشقاوة، وإياد بياكل بنهم ويهزر مع سلمى.
وفجأة!! وفي عز الفرحة والضحك الجميل.. رن جرس الباب الخارجي للشقة بدقات متتالية وقوية وسريعة جداً! 

أدهم ضيق عيونه السوداء الحادة، واستقام في وقفته بكامل هيبته وقامته الفارهة، وتحول في ثانية لوضعيته الصارمة. إياد ساب صباع المحشي واختفت غمازاته تماماً وحل مكانها وش الخشب الميري.
أدهم أشار للكل بالهدوء، وتحرك بخطوات صامتة وثابتة نحو الباب، ويده تلقائياً ذهبت نحو سلاحه الميري المخفي تحت قميصه. فتح الباب ببطء وبحذر شديد.. لتظهر المفاجأة الكوميدية والصاعقة في نفس الوقت!!
م كنش في إرهابيين ولا مفرقعات.. بل كان واقف برة اللواء الشافعي (والد حور) واللواء حامد (مدير المديرية) شخصياً! بس الصدمة إنهم كانوا لابسين تيشيرتات كاجوال ملونة وشورتات بحر، وماسكين في إيديهم عوامات بينك على شكل بطة، ونظارات شمسية على راسهم، ووشهم منور بابتسامة عريضة مضحكة جداً لا تليق برتبهم العسكرية الصارمة أبداً!!
!
اللواء حامد دخل الشقة بكل ثقة وهو بيصفر وقال بصوت عالي ومرح:
"مساء الخير يا عرسان! بما إنكم خلصتم على التنظيم والملكة، إحنا قررنا كقيادات عليا إننا نلغي الميري الأسبوع ده، واقتصمنا ميزانية المديرية وجينا نعمل معاكم (كامبينج) ورحلة صيد في الفيوم حالا! الشنط برة في العربية والمحشي ده هيتلف في علب فورا.. التحرك حالا يا سيادة العقيد أنت والمقدم إياد!! ده أمر سيادي ترفيهي!" 
حور فتحت عيونها العسلية على وسعها بصدمة وذهول ملوش مثيل، وسابت الكبشة وقعت على الأرض، ولوت بوزها ببرطمة مضحكة وصوت عالي هز الشقة:
"والنعمة كدة كتير!! محشي ورق العنب بتاعي يسافر الفيوم مع عوامة بطة؟! يا سيادة اللواء حرام عليكم البرستيج ضاع والنعمة!! أنا عايزة أكل في بيتي!!" !
إياد سليم حط إيده على وشه وقعد يضحك بصوت عالي جداً وغمازاته ظهرت لأقصى درجة وقال بدم خفيف:
"يخرب بيت كدة! اللواء حامد بعوامة بطة؟ والنعمة الفيدوهات دي لو تسربت للمديرية بكرة، الرتب بتاعتنا هتنزل للعساكر علطول! يلا بينا على الفيوم يا رئيس!" 
أدهم الجارحي بص للمشهد، وبص لعوامة البطة البينك، وبعدين بص لمنظر حور المنكوش والمحشي، ولأول مرة في كلها تطلع منه ضحكة رجولية عالية جداً وقوية هزت أركان الشقة بالكامل، وسحب حور لحضنه وقال بنبرة مليانة عشق ومرح فخم:
"الظاهر إن الإعصار شقلب قوانين المديرية كلها يا حور.. لمي المحشي، المأمورية المرة دي مفيهاش سلاح، فيها عوامات!" 

