رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الخامس عشر 15 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة.... الفصل الخامس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليست كل الاعترافات تُقال في الوقت الصحيح، فبعض القلوب لا تعترف بالحب إلا بعدما تتورط به حتى النهاية، بعدما يصبح الهروب مستحيلًا والابتعاد أشبه بانتزاع الروح من الجسد.
كان فارس يقف أخيرًا أمام الحقيقة التي حاول الهروب منها طويلًا؛ حقيقة أن يارا لم تعد مجرد فتاة أنقذته من ظلامه، بل أصبحت النور الوحيد الذي يتمسك به كي لا يعود لذلك الرجل الذي يكرهه.
أما يارا... فكانت تسمع اعترافه وقلبها يرتجف بين الخوف والحنين، بين رجل أخافها يومًا ورجل آخر أحبته رغمًا عنها، وكأن القدر قرر أن يمنحها قلبًا جديدًا داخل الجسد ذاته.
وفي الجهة الأخرى، كانت نيرة تجلس وسط حطام حبها، تحاول إقناع نفسها أن ما فعلته كان لأجل المستقبل لكن القلب لا يفهم لغة المبررات، والحب حين يُهان يتحول لجرح لا يشفى بسهولة.
أما يونس... فكان يقف على حدود الكرامة والعشق، يحاول أن يقنع نفسه أن الرحيل هو النجاة الوحيدة، بينما قلبه ما زال متعلقًا بتلك الفتاة التي كسرت ثقته وأحبها رغم ذلك.
لكن أخطر ما في الأمر... أن الماضي لم ينتهي بعد.
فالأسرار التي ظن الجميع أنها دُفنت بدأت تعود واحدة تلو الأخرى والأبواب التي أُغلقت خوفًا من الفضائح توشك أن تُفتح بعنف أمام الجميع.
وفي اللحظة التي ظنت فيها يارا أن قلبها وجد أخيرًا بعض الأمان... دوت طرقات الباب كأنها إنذار ببدء العاصفة.
وها هي نيفين تقف في وجه تلك العاصفة وهي تنظر إلى مؤمن الذي يدخل من الباب محمل بالغضب ويرمقها بنظرات ثاقبة تهز كيانها؛ حين فتح فارس الباب واقتحم مؤمن المنزل وقال: ده بيت أبوكي؟!
نيفين: لأ.
مؤمن: بتكدبي عليا ليه؟
هنا وتدخل فارس وقال: ممكن لو تسمحلي أشرحلك الموقف.
نظر له مؤمن ثم عاد بنظره إلى نيفين وقال: مين ده أصلًا؟
نيفين: طليقي.
فتح مؤمن عينيه مشدوهًا، ثم نظر إلى فارس بغضب فقال: أنا طليقها، أو الحيوان اللي ضحك عليها وسابها تواجه نتيجة غلطته لوحدها، وهي كل غلطتها إنها وثقت في واحد كان كل همه نفسه، بس ربنا أداله فرصة مش عارف عشان يصلح اللي عمله ولا صحى ضميره عشان يقرف من نفسه أكتر وأكتر مع كل نفس يخرج من صدره، بس أنا قررت أصلح اللي عملته في مدام نيفين، والنهاردة جات عشان تاخد عقد الجواز اللي كان بينا واتمنى أنها تقبل إعتذاري.
ثم أخرج العقد من معطفه وقال: وده العقد.
أمسك به مؤمن وقرأه، ونظر إلى تاريخ الزواج وتأكد من حديث نيفين وأنها كانت صادقة، نظر إليها فوجد الدموع تتلألأ داخل عينيها، وارتمت بين أحضان يارا التي ربتت على كتفها وقالت: خلاص يا نيفين، براءتك ظهرت أخيرًا.
اقترب فارس منها قليلًا وقال: أنا أسف، أرجوكي أقبلي إعتذاري ولو عايزاني أعمل أي حاجة تاني أنا مستعد لأي حاجة ترضيكي.
نظرت له نيفين وقالت: ربنا يسامحك على اللي عملته فيا.
ثم تركت المنزل وغادرت ولحق بها مؤمن سريعًا وهو يصيح باسمها كي تتوقف، وحين أبت الوقوف أسرع بخطواته وقبض على ذراعها فالتفتت إليه ورأى دموعها تنساب على وجنتيها بغزارة وقالت بصوت مكسور: أظن كده مبقاش عندك حاجة تذلني بيها، كل اللي طلباه منك تسيبني أمشي، لو سمحت سيبني.
رفع كلتا يديه بحنان وترك العنان لذلك الحب المحبوس بين ثنايا قلبه، أزال دموعها وهو ينظر إلى عمق عينيها والدموع تلمع بين جفنيه وقال: أسيبك إيه! ده أنا روحي ردت في جسمي، ليه مقولتليش هو مين وكان قالي الحقيقة من بدري وارتحت؟
نيفين: كنت خايفة يأذيك، فارس مكنش كده، كان هو والأذية نفس واحد، ولو كنت قولتلك عليه وجيت لحد عنده مكنش هيقولك الحقيقة، هو بقى كده بعد ما فقد الذاكرة والدكتورة اللي كانت واقفة ديه هي اللي طلبت مني أجي عشان أخد العقد وأسامحه.
مؤمن: يعني إنتي مقولتليش هو مين عشان خايفة عليا إنه يأذيني!
أومأت له بالإيجاب فأردف: وأنا أسف إني مصدقتكيش، كان غصب عني، قلبي إتكسر ومبقتش قادر أصدقك.
نيفين: عارفة إنها غلطتي ومش بلوم عليك، بس أنا مش قادرة أستحمل إنك خلاص كرهتني وبقيت لغيري، أرجوك سبني أمشي وعيش حياتك وانساني، أنا مش زعلانة منك خالص بالعكس، أنا عمري ما هنسى اللي إنت عملته عشاني أبدًٰا.
نظر لها بحب وقال: أنا عملت كده عشان عمري ما أقدر أجرحك ولا أحطك في موقف وحش حتى لو قدام أهلك، ولا أسمح لحد يتكلم عليكي نص كلمة، إنتي متعرفيش أنا بحبك أد إيه.
نيفين: طيب إتجوزت عليا ليه؟ ليه كسرتني بالشكل ده؟ أنا مش مستحملة الوجع اللي جوايا.
مؤمن: تفتكري القلب اللي مقدرش يحطك قدام الناس في شكل وحش وفضل يحبك كل يوم وهو مكسور بسببك واستحمل كل الوجع ده في بعدك عنه؛ يقدر يحب غيرك؟!
نيفين: يعني إيه؟
مؤمن: يعني أنا لا إتجوزت ولا هتجوز غيرك، والنهاردة إعتبريه أول يوم في حياتنا سوا، ومن دلوقتي ولحد آخر نفس في صدري أنا هفضل أحبك إنتي وبس... تقبلي تبقي مراتي لآخر العمر؟
بكت نيفين وارتمت بين أحضانه لتنعم بدفء عشقه الذي لم ينتهي، ذلك الصدر الذي ضمها بكل جوارحه ليغمض مؤمن عينيه ليرتاح ذلك القلب بعد عذاب الهجر الذي فرضه على نفسه، وانتهى صراع العقل والقلب وانتصر ذلك الحب الطاهر، واستجاب الله لدعوات نيفين الباكية، فمن يجيب الدعاء سواه.
"اللهم أسعد قلوبنا جميعًا بكل ما نتمناه"
________________
كان فارس يراقبهما عند الباب وحين رأها تغمض عينيها بين أحضان زوجها علم أن مشكلتها قد انتهت، حمد الله أنه قد خطى أول خطوة نحو الإصلاح، شرد قليلًا فاقتربت منه يارا وقالت: إنت بتعمل اللي مش كتير من الناس يقدر يعمله، إنت قوي بقلبك وضميرك اللي بيدور على الصح وبيبعدك عن الغلط حتى لو على حساب نفسك.
فارس: أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان ربنا يرضى عني، لكن من غيرك مش هعمل أي حاجة، ومش هستغنى عنك أبدًا.
يارا: وأنا مش هبعد بس مش على حساب حد تاني.
فارس: فاهمك، وقولتلك هصلح كل حاجة. هو سعد جيه ولا لسه؟
يارا: جيه وماما فوق والخدامة معاها بتساعدها في تنظيم الهدوم، وسعد برا في الجنينة، بيقول إن أوضته برا.
فارس: طيب أنا عندي مشوار مهم، هخلصه وهرجع على طول، ولما ارجع عايز اسمع ردك.
نظرت له بخجل ولم تتحدث. ثم ذهب فارس إلى غرفة سعد وأخذه معه.
______________
كانت نيرة لاتزال في غرفتها لم تخرج منها، أما يونس فخرج من غرفته وتوجه نحو باب المنزل على الفور، لحقت به سهير كي توقفه ولكنه طلب منها أن تمهله بعد الوقت، وحين خرج وأغلق الباب خرجت سماح على الفور من منزلها، فكانت تترقب أن يخرج يونس لتتحدث معه، فلن تترك تلك الفرصة بأن تصبح معه.
نزل يونس ليتفاجأ بسماح تقف أمامه فتنهد وألقى التحية عليها وكاد يهبط الدرج أمامها فقالت سماح: عارفة إنك زعلان، وإني مينفعش استغل الوضع ده، بس لو حسيت بيا هتعرف إن غصب عني بعمل ده، يمكن دلوقتي تحس بوجع القلب لما تتحرم من حد بتحبه، وأنا بقالي سنين ببص عليك من بعيد وبتمنى بس نظرة منك، وعارفة إنك لو قربت مني هتبقى بتقرب عشان تنساها، بس أنا راضية تبقى معايا حتى لو بنص عقل وقلب، وهفضل مستنياك العمر كله.
نظر لها يونس بحزن وقال: وأنا عمري ما أرضى ابقى معاكي كده، أنا مش هرجع لنيرة تاني بس أوعدك لو في يوم فكرت إني أتجوز هتبقي إنتي أول واحدة.
ابتسمت بسعادة وهبط الدرج أمامها وذهب نحو منفذ البيع الخاص به، فتحه ووقف أمامه شاردًا، من كان يحبها ويتمنى أن تكون له كل العمر لم ترى سوى فقره، سمعت كلام والدها وطعنته بالغدر، ومن تتمنى وصله تضع نفسها بين يديه دون مقابل، كم أنت غريب أيها الحب.
قاطع شروده تلك السيارة الفارهة التي اقتحمت الحارة، تابعها بعينيه حتى توقفت أمام منزل نيرة، دقق النظر ليرى من الذي جاء لزيارتهم، ثم تفاجأ بأن فارس يترجل من السيارة ويدخل المنزل. شعر بأن الهواء يختفي من حوله، فأغلق المنفذ الخاص به وترك الحي بأكمله.
صعد فارس وطرق الباب ففتح كمال وحين رأه ابتسم بسعادة وقال: أهلًا ابن أخويا الغالي، تعالى يا حبيبي إتفضل.
دخل فارس وقال: أسف إني جيت من غير معاد.
كمال: وده كلام برده، ده بيتك يا حبيبي وتيجي في أي وقت، ثواني هقول لناهد وجلال، ده هيفرحو أوي.
فارس: لأ، أنا جاي أتكلم معاك في موضوع كده وهبقى أجي تاني زيارة ليكم، بس لو تسمح بلغ نيرة إني عايزها تبقى موجودة.
كمال: اه طبعًا، أتفضل أقعد وأنا هقولها.
جلس فارس بمنتصف المنزل ودخل كمال وبلغ نيرة بأن فارس بالخارج، رفضت أن تقابله بالأول فهي في حالة يرثى لها، وبعد ضغط كمال خرجت وجلست أمام فارس، نظر لها ورأى أثار الدموع وعينيها المكسورة بحزن فقال: أنا مش عايز ألف وأدور في الكلام كتير، بس أنا مش هقدر أتمم جوازي من نيرة، أنا مش حاسس تجاها بأي حاجة، وكل اللي طالبه منكم إن اللي أنا بقوله ده ميأثرش على علاقتنا ببعض كأسرة، وأظن إن ده الأساس والمهم، العيلة، ولا إيه يا عمي.
كمال بتوتر: اه طبعًا، بس يا ابني بعد ما البت استنتك ده كله هتسيبها؟
فارس: أظن ده أحسن من إحنا نتجوز ومنتفقش سوا ونرجع ننفصل، أنا بتمنى تتجوز واحد بتحبه ويحبها وده الأهم.
تذكرت نيرة حبها ليونس الذي ضاع هباءًا بعد أن انهى فارس تلك الخطبة المزيفة، وفي يوم واحد خسرت الحب والمال.
وهذه النتيجة الطبيعية للطمع.
ركضت نحو غرفتها وهي تبكي فنظر فارس إلى أثرها وقال: أنا أسف يا عمي بس صدقني ده أحسنلها.
أومأ له كمال بحزن وغادر فارس المنزل، وجد ناهد تقف أمامه وقالت بسعادة: أهلًا يا فارس، نورت بيت عمك يا حبيبي.
فارس: منور بيكي يا عمتي، عاملة إيه؟
ناهد: الحمد لله، رايح فين ما تيجي تقعد معانا شوية.
فارس: مرة تانية إن شاء الله.
ناهد: لا هزعل لو مشيت كده، تعالى أشرب معانا الشاي أنا وجلال.
وافق فارس ودخل منزلها، ثم خرج جلال من غرفته عندما سمع صوته وقال بدهشة: فارس في بيتنا! إيه المفاجأة ديه.
صافحه وجلس معه ثم دخلت ناهد المطبخ كي تعد الشاي، وجلس جلال مع فارس وقال: هتيجي بكرة الشركة؟
فارس: اه هاجي.
جلال: حمد الله على سلامتك.
كاد فارس يتحدث ولكن انتبه إلى رنين الهاتف الموضع على الطاولة أمامه، ولمح اسم حضري، فقال جلال: ماما، تليفونك بيرن.
خرجت ناهد من المطبخ وأمسكت بهاتفها، وحين رأت الاسم ظهر الارتباك على ملامح وجهها، ورفضت المكالمة وقالت: مش مهم دلوقتي.
نظر لها جلال بتعجب وفارس يتابع نظراتهما، وعادت ناهد إلى المطبخ، عاودت الاتصال بحضري وقالت بهمس: بتتصل ليه يا زفت؟
حضري: محتاج فلوس.
ناهد: إنت خدت حقك وخلصنا، إنت هتفضل كل شوية تقولي عايز فلوس.
حضري: أنا لسه شايف البيه طالع عندكم، أنا ممكن أقوله كل حاجة وهيدفعلي أد اللي دفعتيه مية مرة.
ناهد: وماله، روح قوله واعترف إنك قتلت الراجل الغلبان في بيته، وقوله إن أنا اللي وقعتك وبوظتلك دماغك.
حضري: وهو لما يعرف إن دور الحنية اللي معمول عليه منكم ده هيسمي عليكم!
ناهد: يبقى لا تهددني ولا أهددك، وفلوسك وصلتلك.
حضري: وأنا محتاج فلوس، أي مبلغ معاكي.
ناهد: مش معايا دلوقتي، لما يبقى معايا هقولك، ومتقعدش تتصل هتفضحنا خصوصًا إن جلال ميعرفش حاجة عن الموضوع ده.
حضري: هستنى أسبوع لو متصلتيش بيا هتصل تاني، سلام يا أبلة.
انهت المكالمة وهي تنظر إلى الهاتف باشمئزاز، ثم حملت الأكواب وخرجت من المطبخ.
بعد وقت، غادر فارس منزل ناهد بعد أن أخبرهما أنه انهى خطبته مع نيرة، أما كمال فكان يستشيط غضبًا ويتوعد بداخله ليارا.
_______
عاد فارس إلى منزله محمل بالهموم وعقله لا يتوقف عن التفكير، وحين دخل المنزل نظر إلى يارا ومنال واستقبلته منال بابتسامة مشرقة فابتسم رغمِا عنه ثم اقترب منهما وقال: نورتي البيت يا حبيبتي.
منال: منور بيك، أنا مستنياك عشان ناكل سوا.
فارس: ياريت أنا جعان جدًا.
طلبت يارا من الخادمة أن تعد السفرة، وبعد وقت كانو يجلسون معًا ويتناولون الطعام. شعر بينهما بالدفء الذي جعله ينسى ما يشعر به من قلق.
كانت يارا تنظر إليه وحين تتلاقا أعينهم تشيح بنظرها بعيدًا عنه بخجل.
بعد وقت صعدت منال إلى غرفتها كي ترتاح، وكادت يارا تلحق بها ولكنه أوقفها ليتحدث معها وقال: أنا نهيت الموضوع مع نيرة وعمي كمال.
يارا بدهشة: معقول! مش حاسس إنك اتسرعت.
فارس: أنا بقالي فترة كبيرة بحاول أكمل معاها بس خلاص إتأكدت إن قلبي معاكي إنتي، كل اللي بتمناه أعرف شعورك تجاهي.
يارا: أنا مش هضحك عليك وأقولك إني مش بحبك، أنا فعلًا جوايا شعور قوي من ناحيتك، بس أنا الدكتورة بتاعتك ومينفعش يبقى بينا حاجة.
فارس: أنا محتاجلك كحبيبة أكتر من دكتورة، أنا بحس إني نضيف وإنتي معايا، وعايز أفضل معاكي.
يارا: بس أنا حاسة إنك متسرع أوي.
فارس: عشان متأكد من مشاعري وعارف أنا عايز إيه، إنتي اللي خايفة مني ومش مستغرب، ولا هضغط عليكي، حبك ليا هيغلبك ويجيبيك بين إيديا.
صمتت يارا ولم تجيب. ثم صعدت إلى غرفتها كي ترتاح ولحق بها فارس، بعد أن أخذ حمام دافئ وبدل ثيابه ودخل بالفراش. تفاجأ بأميرة تدخل الغرفة وهي ترتدي ثياب النوم وصعدت بجواره إلى الفراش تحت نظرات الدهشة التي يرمقها بها فارس، ولا يعرف لماذا الخادمة تقتحم غرفة نومه بهذا الشكل، ثم قالت أميرة: وحشتني أوي يا فارس قلبي.
وضعت يدها على جسده فانتفض فارس من الفراش وهو يرمقها بنظرات متعجبة، وشعور الإشمئزاز من نفسه يزداد بداخله، وتردد بعقله سؤال واحد:
ماذا فعلت من معاصي وذنوب يا فارس بعد؟
يتبع..