📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل الخامس عشر 15 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل الخامس عشر 15 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
( الخامس عشر)

" وائل "

منذ تلك الجلسة الأخيرة معها وأنا أعلم أن الأمر لم يُغلق كما أرادت ليلى أن أصدّق .. لقد كانت واضحة أكثر مما ينبغي.
طلبت مني .. بل أصرت أن أبتعد عن رهف وأن أترك كل شيء على حاله .. ولكن فضولي لم يهدأ لمجرد أنني أغلقت باب عيادتي في وجه رهف .. أكاد أراها تقف خلفه وتنتظر مني حلّ لمشكلتها .. كنت أستعيد تفاصيل لقائنا في المقهى مراراً كما لو أنني أعيد مشاهدة تسجيلٍ سرّي .. أبحث فيه عن شرخٍ لم أره حينها .. ابتسامتها لم تكن مطمئنة كما أرادت أن تبدو .. يمينها المتسرّع بأنها لا تتناول أدوية ..خوفها الخاطف حين ذكرتُ الاختفاء المفاجئ لشعورها ذاك .. رهف لم تكن مريضة فقط بل كانت تُخفي شيئاً .. في ذلك المساء جلست في مكتبي بعد انتهاء دوام العيادة .. أطفأت جميع الأنوار إلا مصباح طاولتي وفتحت ملفها .. ظللتُ أحدّق في اسمها المكتوب بخطّي .. رهف .. همستُ لنفسي:
- أخطأتِ حين ظننتِ أنني سأصدّق بسهولة أنكِ تعافيتِ
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم يكن الأمر غيرة كما لمحْتُ لها ولا مجرد فضول مهني .. كان إحساساً لا يخطئه طبيب اعتاد قراءة الوجوه قبل الكلمات .. مازال هناك صدمة لم تُعالج .. بل طُمست .. والصدمة المطموسة أخطر من المعلنة .. فتحت هاتفي النقال بعد أن سمعت رنين نغمة الرسائل .. ونظرت بمحادثة مع شخصٍ ما وفتحت الصور التي بعثها إلي .. كانت صورٌ التقطها لـ ليلى وهي متواجدة في منطقة فقيرة نسبياً .. لم تكن المنطقة تُشبهها فقد كانت تبدو كغريبةٍ سقطت في مكانٍ لا ينتمي إليها .. لقد علمت أنها ذهبت لمنطقتين مختلفتين منذ أن علمت بمرض رهف المزعوم .. ولم يكن ذهابها عشوائياً .. فقد كانت تبحث عن شخصٍ معيّن .. متبرّعٍ لـ رهف وهذا واضح .. لو لم تكن متأكدة أن هذا الشخص الذي يمكن أن ينقذ ابنتها الوحيدة لما كانت ذهبت بنفسها إليه ..
همستُ لنفسي:
- ما الذي تفعلينه هناك يا ليلى؟
قلبتُ الصور واحدةً تلو الأخرى .. بدأت ليلى تتحرك بطريقةٍ مختلفة .. زارت منطقتين متباعدتين كلتاهما فقيرتان .. وكلتاهما بعيدتان عن دائرتها الاجتماعية المعتادة .. ولم تكن تسأل عن مستشفى .. كانت تسأل عن شخص .. اقتربتُ أكثر من الصورة الأخيرة وكبّرتها .. في الصورة كانت تتحدث إلى رجل عجوز .. ملامحه متعبة وثيابه بسيطة .. لم يكن اللقاء عابراً؛ كان يبدو لي أنه دار بينهما حديث طويل وجدية واضحة.
زفرتُ ببطء .. متبرّع .. الكلمة ترددت في رأسي بثقل.
أجل لا شك أنها كانت تبحث عن متبرع .. وفي الصورة الثانية كانت تقف مع فتاة بدت لي في مثل عمر رهف .. ما الذي يحدث ؟ .. تركت الهاتف وعدت لألتقط ملف رهف ثم غرقت في ملامح صورتها .. وجهها هادئ كصباحٍ صافٍ بعد ليلة ممطرة .. وعيناها البنيتان تحملان عمقاً لا يُفصح عن نفسه بسهولة .. ينسدل شعرها الأسود حول ملامحٍ رقيقة تجمع بين القوة والبراءة وكأنها تخبئ حكايةً خلف ذلك السكون ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كنت شارداً في صورتها حين رنّ هاتفي وظهر اسم ليلى على الشاشة .. ترددتُ لحظة قبل أن أجيب :
- مساء الخير
جاءني صوتها متوتراً على نحوٍ لم أعهده فيها .. لم يكن ذاك التوتر المتحفظ الذي يغلّفه الكبرياء بل قلقٌ مكشوف :
- مساء النور .. أعتذر لإزعاجك في هذا الوقت.
جلستُ باستقامة وقلت:
- لا بأس .. خير إن شاء الله؟
سكتت ثانيةً وسمعتُ بوضوح صوت أنفاسها غير المنتظمة ثم قالت بسرعةٍ مترددة:
- أردت فقط أن أسألك .. هل رأيت رهف اليوم؟ هل اتصلت بك؟ أو .. مرت عليك في العيادة؟
توقفتُ عن الحركة تماماً .. ثم أجبتها بهدوء :
- لا .. لم تأتِ .. هل يفترض أن تأتي؟
حل الصمت لحظات بيننا .. كان صمتها أطول مما ينبغي ومن خبرتي .. الصمت أحياناً يعبّر أكثر من الكلام .. تابعتُ بنبرةٍ أخف:
- هل حدث شيء؟
أجابت بسرعةٍ مصطنعة:
- لا .. لا شيء حدث .. فقط خرجت من المنزل ولم تعد بعد .. هاتفها ليس معها و ظننتُ أنها ربما فكرت بزيارتك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم تقل أنها هربت أو تشاجرت معها .. لم تقل شيئاً واضحاً ولكن في صوتها كان شيءٌ منكسر .. سألتها مباشرة:
- هل كانت بينكما مشكلة؟
ترددت ثم قالت:
- الأمور في هذا العمر تتضخم بلا سبب .. لا داعي للقلق.

ارتفعت نبرتها في كلمة “لا داعي” بطريقةٍ أكدت لي أن هناك كل الدواعي .. أغمضتُ عينيّ لحظة وقلت بهدوءٍ أعمق:
- سيدة ليلى .. هل ما جعل رهف تختفي هي مشكلتها ؟
لم تجب مباشرة ولكنني سمعتُ شهيقاً مكتوماً ثم جاءني صوتها أخفض من قبل:
- لا أريد أن أفتح هذا الموضوع الآن .. ثم إن المشكلة بيننا ليست كبيرة
إذن هي تعلم أنني فهمت ما تخفيه .. سحبت نفساً عميقاً وقلت:
- إن كان أحد أسباب اختفاء رهف هي حالتها فالمشكلة لن تكون بسيطة سيدة ليلى .. حالتها النفسية ليست مستقرّة كما تعلمين

جاء ردها مشوباً بالدفاع والخوف معاً:
- قلت لكَ لم تحدث مشكلة كبيرة
هززت رأسي رغم أنها لا تراني وقلت:
- المشكلة في مثل هذه الأمور لا تكون صغيرة
سكتت ثم قالت بصوتٍ بدا أضعف مما بدأت به المكالمة:
- إذا تواصلت معك أرجوك أخبرني فوراً
لم تطلب مني أن أبتعد عنها هذه المرة و لم تذكّرني باتفاقنا .. القلق بدّل أولوياتها .. أجبتها:
- سأفعل
انتهت المكالمة ولكن صدى صوتها بقي عالقاً في أذني.
كان صوت أمّ خائفة ولكن خوفها لم يكن عادياً .. خوف من أن تكون ابنتها قد انكسرت عند النقطة التي ظنّت أنها أخفتها جيداً .. وضعت الهاتف على المكتب ونهضت ببطء .. رهف لم تكن فقط فتاةً تحاول تجاوز نوبةٍ نفسية .. كانت شابةً انهارت أرضها فجأة وإن كانت قد خرجت من المنزل ربما بعد أن عرفت السر الذي تخفيه والدتها عنها .. فهي الآن لن تبحث عن طريقٍ للعودة وإنما عن مكانٍ تنتمي إليه ولستُ واثقاً إن كانت ستختار الطريق الآمن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كان انقباضٍ قلبي يزداد شيئاً فشيئاً .. لم تأخذ هاتفها .. خرجت ولم تعد .. عندما قابلتها في النهار لم تكن حزينة .. وقفت أمام النافذة أحدق في قمر هذا الخريف وأنا أفكر كيف لي أن أصل إليها

مضت تلك الليلة عليّ وانا أفكر بها .. كنت اتقلّب في سريري كطفل .. احاول النوم ولكن لا فائدة .. لقد طار النوم من عيناي .. رننت لـ ليلى عدة مرات حتى أطمئن إن كانت قد عادت أم لا .. ولكنها في كل مرة ترد عليّ بلهفة ولكن سرعان ما تشعر بالخيبة بعدها لهذا توقفت عن سؤالها

في اليوم التالي ذهبت للعيادة تعباً وغير قادرٍ على التفكير بشيء .. أسأل نفسي .. هل ما فعلته كان صواباً أم أنني تماديت ؟

لم يكن لقائي الأخير بـ رهف عادياً .. أتت إلي وحدها .. كنت أظن أنني أعرفها جيداً .. أعرف ارتباكها حين تتوتر .. وانكسار صوتها حين تحاول أن تبدو قوية وطريقتها في إخفاء ألمها خلف سخريةٍ خفيفة .. لكنني يومها فوجئتُ بأمرٍ لم يكن في الحسبان.

كانت هناك فتاة أخرى .. واقفة بالقرب منها .. صامتة على نحوٍ غريب و تراقبني بعينين تحملان شيئاً من الحذر .. للوهلة الأولى حسبتُ أنني أتوهم .. لكن كلما أطلتُ النظر إليها ازددتُ يقيناً بأن ملامحها ليست بعيدة عن رهف .. ذات تقاطيع الوجه الدقيقة .. ذات انحناءة الحاجبين .. غير أن تلك الفتاة كانت أنحف وبشرتها أغمق بدرجةٍ خفيفة وعلى وجهها ندوب صغيرة تشهد على ما مرّت به .. على النقيض من صفاء بشرة رهف وهدوئها .. كانت الأخرى تحمل آثار حياةٍ أقسى.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أربكني الشبه وأربكني أكثر ما عرفتُه لاحقاً .. أن رهف تقيم عند ابن خالتها .. لم يكن شعور الطبيب هو الغالب في تلك اللحظة بل شعور الرجل .. شيءٌ يشبه الغيرة تسلل إلى صدري غير مبررٍ تماماً ولكنه حاضر بقوة

فكرة أن تكون بعيدة عن بيتها في كنف رجلٍ آخر .. حتى وإن كان قريباً لها لم تمر عليّ ببرود كما ينبغي لطبيبٍ محترف أن يتعامل .. حاولتُ أن أقنع نفسي أن قلقي مهني بحت و أن استقرارها النفسي يستوجب معرفة البيئة التي تعيش فيها .. أن عليّ الاطمئنان إلى من يحيط بها .. ولكن الحقيقة أن فضولي لم يكن بريئاً بالكامل لذلك ذهبتُ إليه.

تعمدتُ لقائي بـ أدهم في مكان دراسته .. أردتُ أن أراه في بيئته و بين كتبه ومساحته الخاصة بعيداً عن رهف .. أردتُ أن أقرأه كما أقرأ مرضاي .. أن ألتقط من نظراته ما لا تقوله الكلمات.
كان شاباً متماسكاً وحذراً .. سريع الانتباه فلم تعجبْه أسئلتي ورأيتُ الضيق يتسلل إليه مع كل سؤالٍ شخصي كنت أوجهه له .. تعمّدتُ أن أضغط قليلاً وأن أختبر حدود صبره و أعرف إن كان من النوع الذي يتهرب أو من النوع الذي يواجه.

ولكنه لم يعطني ما أردت فقد أغلق أبوابه سريعاً ورفض أن يسمح لي بالتوغل في تفاصيله .. لم يكن عدائياً إنما كان واضحاً في رسم حدوده .. خرجتُ من لقائنا وأنا أكثر حيرة مما كنت .. لم أرى في عينيه خبثاً ولا استخفافاً ولا تلك اللامبالاة التي أخشاها على رهف .. لكنني رأيت تمسكاً ورأيت دفاعاً صامتاً عنها .. ورغم ذلك لم أستطع أن أتخلص من شعوري بالقلق .. ربما لأنني للمرة الأولى وجدتُ نفسي لا أنظر إلى رهف كمجرد حالةٍ أتابعها .. بل كامرأةٍ أخشى عليها .. وأغار عليها .. وأريد أن أكون الأقرب إلى عالمها.
وهذا تحديداً ما أربكني أكثر من أي شيءٍ آخر .. لم أكتفِ بلقائي معه في الجامعة .. شيءٌ ما في داخلي رفض أن يهدأ. لم يكن الشك صريحاً ولكنه كان حاضراً بما يكفي لأتتبّع أثره .. راقبته أيّاماً قليلة بحذرٍ لا يلفت الانتباه حتى عرفتُ أين يسكن .. كنتُ أُقنع نفسي أنني أفعل ذلك بدافع الاطمئنان غير أنني كنت أعلم في أعماقي أن فضولي قد تجاوز حدوده المهنية منذ زمن.

في أحد الأيام وقفتُ أمام البناء أحدّق في الشرفات الصامتة .. وأنتظر .. دقائق ورأيت أدهم يخرج من البناء قاصداً جامعته .. لم أتراجع .. ما إن رأيته ذهب حتى دخلت البناء وصعدتُ الدرج ببطء .. كل درجةٍ كانت تثقل صدري أكثر .. حين وصلتُ إلى الباب الذي عرفتُ أنه باب شقته رفعتُ يدي وطرقته
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثوانٍ قليلة مرّت من الصمت .. ثم فجأة دوّى خلف الباب صوت ركضٍ خفيف يتبعه همسٌ متداخل ونقارٌ سريع كأن شخصين يتسابقان إلى المقبض.
تجمدتُ مكاني بينما انفتح الباب دفعةً واحدة ووقفتا أمامي… رهف وتلك الفتاة في اللحظة ذاتها.
اتسعت عيناي دون إرادةٍ مني وتراجعتُ خطوةً إلى الخلف كأن المشهد فاجأني أكثر مما ينبغي .. لم أكن مستعداً لأن أراهما هكذا .. جنباً إلى جنب وقريبتين إلى هذا الحد.
كانت رهف تحدّق بي بصدمةٍ واضحة أما الفتاة حدّقت لحظةً ثم لمعت عيناها بدهشةٍ طفولية وهي تقول:
- الطبيب !!

ابتلعت ريقي وابتسمت بتكلّف بينما همست رهف باسمي .. كان صوتها يحمل مزيجاً من الذهول والارتباك :
- وائل !
تلاقت نظراتنا لثوانٍ بدت أطول مما هي عليه .. رأيتُ في عينيها سؤالاً واحداً .. كيف عرفتَ المكان؟

لم أجب فوراً كنتُ ما أزال أستوعب المشهد أمامي .. الشبه بينهما أوضح من أي وقتٍ مضى .. ووقوفهما معاً بهذه العفوية منح الصورة معنى لم أكن أمتلكه سابقاً.
تنفستُ ببطء واستعدتُ شيئاً من اتزاني ثم قلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله هادئاً:
- أتيتُ لأطمئن عليكِ يا رهف.

ولكن الحقيقة كانت أعقد من جملةٍ واحدة .. بقيتُ واقفاً عند العتبة .. بين دوري كطبيبٍ ودوري كرجلٍ لا يريد أن يعترف بما يشعر به .. والباب ما يزال مفتوحاً بيننا.

جلسنا في الحديقة القريبة من البناء .. كانت المقاعد الخشبية مصطفّة على امتداد الممر والناس يعبرون أمامنا بين طفلٍ يركض وعجوزٍ يتكئ على عصاه وامرأةٍ تدفع عربة رضيعها ببطء.

جلست رهف إلى جواري وبيننا مسافة قصيرة لا تكفي لإخفاء توتّرها .. كنت أراقب المارّة و لكنني في الحقيقة كنت أراقبها هي .. أراقب توترها وعدد أنفاسها ونظراتها المشتتة .. كانت صامتة أكثر مما اعتدتُ عليها .. ثم التفتت إليّ فجأة وسألت:
- كيف استدللتَ على البيت؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم أنظر إليها فوراً بل أبقيت بصري على الأشجار المتمايلة وقلت بهدوء :
- سبق وقلت لكِ .. أنا لستُ بحاجةٍ إلى من يدلّني عليكِ.

شعرتُ بنظرتها تشتد .. ردت:
- هذا ليس جواباً يا وائل.

التفتُّ إليها أخيراً ورأيت في عينيها توتّرٌ واضح وشيءٌ من القلق .. قلت :
- بوصفي طبيبك من الطبيعي أن أطمئن عليكِ .. انتقالك المفاجئ من بيت أهلك .. تغيّر بيئتك .. كل ذلك يستوجب متابعة.

قطبت حاجبيها و قالت بشك؟
- متابعة أم ملاحقة؟

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة محاولاً أن أكون طبيعياً و قلت:
- لا تبالغي.
- إذن أخبرني الحقيقة.

صمتُّ لحظة .. كنت أراوغ نعم .. أختبئ خلف دوري المهني و ألوّح به كدرعٍ كلما اقتربت من المنطقة التي أخشاها.

قلت بنبرةٍ ثابتة:
- أنا مسؤول عن استقرارك النفسي وأي تغيّر في حياتك يهمّني أن أفهمه.
- هذا ليس كل شيء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أخفضتُ بصري للحظة .. كانت تُحاصرني بإصرارها ونظرتها التي لا تترك لي منفذاً.
سألت فجأة :
- لماذا يهمّك إلى هذا الحد؟

رفعتُ رأسي ونظرت بعينيها ..في تلك اللحظة أدركتُ أن المراوغة لم تعد ممكنة .. تنفستُ ببطء وشعرتُ بثقلٍ يتراكم في صدري منذ أسابيع .. ثم قلت بصوتٍ لم أعهده في نفسي:
- لأنني أحبكِ يا رهف.

ارتجف الهواء بيننا .. لم أُمهلها فرصة للكلام فقد اندفعت الكلمات منّي كما لو أنها كانت تنتظر هذا الانفلات.
- أحبكِ إلى حدٍّ لم أستطع معه أن أظل طبيباً فقط .. صورتكِ لا تفارقني .. وجهكِ .. طريقتكِ في النظر حين تغضبين .. ارتباككِ حين تحاولين إخفاء ألمك .. كلها تسكنني .. أذهب إلى عملي فأراكِ بين مرضاي و أعود إلى منزلي فأجدكِ في رأسي.
صمتُّ لحظة ثم أضفت بصوتٍ أخفض:
- ومنذ تركتِ بيت أهلكِ وذهبتِ لتقيمي عند أدهم اشتعل في قلبي شيءٌ لم أعرفه من قبل .. نارٌ من الغيرة و القلق .. من الخوف أن أفقدكِ دون أن أكون قد قلتُ لكِ ما أشعر به.

كانت تنظر إليّ بصمت مخيف .. لحظة صمتٍ طويلة سكنت بيننا حتى أصوات الأطفال بدت بعيدة فجأة.

في تلك اللحظة شعرتُ بأنني نزعتُ عن نفسي آخر قناع .. لم أعد الطبيب المتزن ولا الرجل الذي يزن كلماته بدقة .. كنتُ فقط رجلاً يعترف بحبّه ومدركاً أنه قد يخسر كل شيءٍ بعدها .. كان قلبي يخفق بعنفٍ لم أعهده وراحت كلماتي الأخيرة تتردّد في أذني كأنها صدرت من شخصٍ آخر .. شعرتُ بخفّةٍ غريبة ممزوجة بخوفٍ عميق وكأنني وقفتُ على حافة اعترافٍ لا عودة منه .. نظرتُ إليها منتظراً .. لكن لا جواب .. بقيت رهف جالسة أمامي تحدّق بي كما لو أنّها لم تسمع ما قلت أو كما لو أنّها سمعته أكثر مما ينبغي.

لم تنطق او تعترض .. لم تغضب أو تبتسم .. فقط نظرت إليّ بصمتٍ طويل أربكني أكثر من أي ردّ فعل .. مرّت ثوانٍ ثقيلة وأنا أقرأ في عينيها شيئاً لم أستطع تفسيره ذهولاً .. خوفاً؟ أم خيبة ؟

وفجأة .. نهضت من دون كلمة ولا تفسير .. استدارت وركضت بعيداً .. تجمّدتُ في مكاني وأنا أحدّق في ظهرها وهي تبتعد بين الأشجار والمارّة .. لم أتحرّك فوراً وكأنّ قدميّ رفضتا الاستجابة أو كأنّني لم أستوعب بعد ما حدث.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رهف… تهرب مني ! حين اختفت عن نظري .. شعرتُ بأن شيئاً في صدري قد هوى دفعةً واحدة لم أستطع اللحاق بها لأنني لم أعرف ماذا أقول لو لحقت .. اعترافي كان واضحاً وصمتها كان أوضح.
عدتُ إلى منزلي في ذلك اليوم .. وكأنني أهرب من اعترافي .. أغلقتُ الباب خلفي وجلستُ على الأريكة أُحدّق في الفراغ .. أتساءل .. هل أخطأت؟ هل تجاوزتُ حدوداً لم يكن ينبغي لي أن أقترب منها؟ أعدتُ المشهد في رأسي مرةً بعد أخرى نظرتها .. صمتها .. ركضها .. وكل مرةٍ كنت أشعر بوخزةٍ أشدّ .. ثم جائتني لحظة إدراك

رهف قاصر .. عمرها سبعة عشر عاماً فقط .. مرّ الرقم في رأسي كصفعة .. مسحتُ وجهي بكفّيّ بضيقٍ واضح وشعرتُ بحرارة الخجل تتسلّل إلى عنقي .. كيف سمحتُ لنفسي أن أنسى هذا التفصيل المهم !! .. كيف اختلطت عليّ مشاعري إلى حدٍّ أعماني عن وضوح الأمر؟ أنا طبيبها وأنا أكبر منها بأعوام ليست قليلة.
نهضتُ بعصبية وكأنني أحاول الفرار من نفسي وتوجّهتُ إلى الحمّام .. فتحتُ الماء البارد وجلستُ تحته مباشرةً تاركاً إيّاه ينسكب على رأسي ووجهي.

احتجتُ إلى ما يوقظني إلى ما يعيدني إلى رشدي.
كان الماء يضرب جلدي بقسوةٍ منعشة وأنا أغمض عينيّ محاولاً أن أرتّب أفكاري .. لم تكن المشكلة في الحب ذاته .. بل في توقيته و في موقعي منها و هشاشتها التي أعرفها جيداً .. هل أحببتُها حقاً؟ أم تعلّقتُ بها فظننتُه حباً؟

جلستُ هناك طويلاً والماء ينساب من حولي وأنا أواجه أكثر نسخةٍ صادقة من نفسي .. لم يكن في الأمر بطولة ولا رومانسية .. كان ارتباك رجلٍ أدرك متأخراً أنه ربما اندفع أبعد مما ينبغي .. أغلقتُ الماء أخيراً ولكن لم أكن قد وجدتُ جواباً .. انما كنت أعلم شيئاً واحداً .. أنني للمرة الأولى أخشى أن أكون قد جرحتُها باعترافي ذاك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

……………………………………………………………

" رهف "

لم أكن أركض هرباً منه فقط بل هرباً من نفسي .. منذ المرة الأولى التي جلستُ فيها أمامه في العيادة كان في صوته شيءٌ أربكني .. لم يكن مجرد طبيبٍ ينصت إلى أعراضٍ ويكتب وصفة .. كان ينظر إليّ كما لو أنّه يحاول قراءة ما وراء كلماتي وكأنّ صمتي نفسه اعتراف.

كنت أخرج من عنده في كل مرة وأنا أشعر بأن قلبي أخفّ وأثقل في آنٍ معاً .. لم أفهم ذلك الشعور يومها أو ربما تجاهلته ولكن اليوم حين قالها صريحة دون تردد "أحبكِ يا رهف" شعرتُ بأن الوقت توقف عن المضي

وصلتُ إلى البيت وأنا ألهث طرقتُ الباب طرقاً متسارعاً لتفتح لي حلا بسرعة وما إن فُتح الباب حتى اندفعتُ إلى الداخل وأغلقته خلفي بعجلة .. استندتُ إليه بكامل ظهري وكأنني أصدُّ شيئاً يلاحقني.
كانت يدي المرتعشة على صدري .. أتحسس نبضاً متسارعاً يكاد يفضحني .. خدّاي كانا مشتعلين وأنفاسي متقطعة وعيناي معلّقتان في نقطةٍ بعيدة لا أراها.
لوّحت حلا بيدها أمام وجهي باستغراب وقالت:
- رهف ما بكِ؟ ما الذي حدث؟ ماذا قال لكِ ذلك الطبيب لكِ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

صوتها بدا بعيداً وكأنّه يأتي من آخر الغرفة .. لم أجبها أو ربما لساني لم يستطع نطق شيء .. لم يكن في رأسي سوى صوته ونبرته حين نطق فيها باسمي .. تلك اللحظة التي قال فيها أنه يحبني وأن صورتي لا تغيب عن باله وأن قلبه يحترق منذ غادرتُ بيت أهلي.
أغمضتُ عينيّ للحظة ليرتسم المشهد كاملاً أمامي من جديد .. الحديقة .. نظراته .. ارتجافة صوته التي حاول إخفاءها والصدق العاري الذي لم أره فيه من قبل.
لم يكن وقع اعترافه في قلبي عادياً فحسب .. كان جميلاً على نحوٍ مخيف .. وهذا ما أرعبني أكثر من أي شيء.

بعد أن التقطت أنفاسي وهدأ قلبي قليلاً .. جلستُ أنا وحلا على الأريكة .. كانت ما تزال تحدّق بي بعينين متّقدتين بالفضول وكأنّها تنتظر خبراً سيغيّر مجرى العالم.

- ماذا تريدين
- أخبريني ماذا حدث
- لـ لم يحدث شيء
قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بتصنّع:
- حسناً لن أتحرّك من هنا حتى تخبريني بكل شيء .. ماذا قال لكِ ذلك الشاب ؟

تردّدتُ لحظة ثم تنفست بعمق و قلت:
- لقد اعترف لي.
- اعترف؟! اعترف بماذا؟!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

همستُ وكأنني ما زلت أستوعب الأمر:
- قال أنه يحبني وأن صورتي لا تفارق ذهنه .. وأن قلبه يحترق منذ أن تركتُ بيت أهلي وأقمتُ عند أدهم.

اتّسعت عيناها أكثر ثم أشبكت يديها على صدرها وكأنّها بطلة رواية رومانسية .. نهضت فجأة وبدأت تتمايل بخفة وسط الغرفة قائلة بصوتٍ حالِم:
- يا إلهي .. هذا أمرٌ في منتهى الرومنسية .. في حديقةٍ عامة وتحت الأشجار .. وهو ينظر في عينيكِ ويقول " أحبكِ يا رهف "

أخذت تدور حول نفسها وهي مغمضة العينين وكأنها تعيش المشهد بدلاً مني .. نهضتُ بسرعة وأمسكتُ بها قبل أن تصطدم بالطاولة وقلت:
- كفى يا حلا .. أنتِ تبالغين .. يا الهي كم أنتِ حالمة

- أبالغ !! على العكس تماماً .. أخبريني ماذا قلتِ له ؟
صمتت لحظات و عادت لتنطق بلهفة :
- لا لا انتظري أخبريني أولاً .. ماهي مشاعركِ اتجاهه
- لا تحرجيني يا حلا
- ما المحرج في الأمر ؟ .. أخبريني .. هل تبادليه مشاعره؟
هززت رأسي بالإيجاب لتقفز أمامي وكأنها طفلة وقالت:
- هذا يبدو حماسياً .. إذاً ماذا أجبتِ

تنهدت ورفعت كتفي وأنا أتهرب بعينيّ لتقف مستغربة وتقول:
- ماذا يعني ذلك؟
- لم أقل شيئاً
- إذن ماذا فعلتِ
- هربت
- ماذا !!!!

حل الصمت بيننا لحظات وهي تنظر إليّ وبدت لي أنها تحاول استيعاب ما قلته .. لتنطق:
- ماذا قلتِ؟
- لقد هربت
- هربتِ .. يعني تركته وهربتِ !!
- لم أعرف ماذا أقول .. وكأنني فقدت النطق فجأة عندما سمعته يقول أنه يحبني

أطلقت ضحكة مسموعة لتجعلني أضحك رغمًا عني بينما هي أفلتت من يدي وأشارت إليّ بإصبعها:
- لا لا لا… هذا اعتراف تاريخي .. نحن بحاجة إلى الاحتفال فوراً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وقبل أن أستوعب ما تنوي فعله ركضت إلى الهاتف، شغّلت موسيقى صاخبة، وعادت إليّ تمسك يدي بقوة وهي تقول:
- هيا ابتسمي .. هذه مناسبة لا تتكرر

بدأت تتمايل بحركاتٍ مضحكة تشدّني معها وأنا أحاول المقاومة بلا جدوى .. لكن ضحكتي انفلتت من صدري أخيراً .. صافيةً وخفيفة كما لم تكن منذ زمن .. نسيتُ للحظةٍ ارتباكي وخوفي وتركتُ نفسي أتمايل معها.

وفي خضمّ ضحكاتنا فُتح الباب ودخل أدهم تجمّدتُ في مكاني فور أن وقعت عيناي عليه .. لم يكن المشهد عادياً لم يبتسم لرؤيتنا ولم يعلّق على الضجيج كما يفعل عادةً .. كان واقفاً عند المدخل وملامحه جامدة ونظرته شاردة كأنّها لا ترى ما أمامها.
لم تنتبه حلا لتغيّر الجو .. ركضت نحوه بحماسٍ وهي تمسك بذراعه.
- أدهم تعال وشاركنا الاحتفال
شدّته محاولةً سحبه إلى وسط الغرفة و لكنه لم يتحرّك .. كان جسده صلباً و كأنّه تمثال وعيناه معلّقتان في فراغٍ بعيد.
شعرتُ بشيءٍ ينقبض في صدري .. تقدّمتُ بهدوء وأطفأتُ الموسيقى وانقطع الصوت فجأة فازداد الصمت ثقلاً.

اقتربتُ منه أكثر وسألته:
- ما بك يا أدهم؟ لماذا أشعر أنّك لستَ على ما يرام؟

نظر إليّ لحظةٌ قصيرة ثم حوّل نظره إلى حلا وعاد إليّ من جديد .. لكنّه لم يقل شيئاً .. فقط استدار بهدوء، وتوجّه نحو الحمّام .. ودخل وأغلق الباب خلفه دون أن ينطق بحرفٍ واحد.
بينما بقيتُ واقفة في مكاني مع حلا .. نراقب الباب المغلق .. أشعر بأن شيئاً ما قد تبدّل .. وأن احتفالنا الخفيف انطفأ قبل أن يكتمل
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بعد يومين .. وقفتُ أمام باب البيت الذي خرجتُ منه وأنا أظن أنني قادرة على الابتعاد .. رفعتُ يدي وترددتُ لحظة ثم طرقت .. لم أنتظر طويلاً .. فُتح الباب فجأة وخرجت أمي أمامي .. لم تكن كما تركتُها .. كان وجهها شاحباً وعيناها متورمتين بلونٍ أحمر باهت وكأن النوم خاصمها منذ غيابي. خصلات شعرها غير مرتبة وملامحها متعبة على نحوٍ موجع. لم تكن تلك المرأة المتماسكة التي عرفتُها .. بل كانت أمّاً مكسورة.
ما إن رأتني حتى ارتفع بكاؤها دفعةً واحدة صوتٌ خرج من عمق صدرها واندفعت نحوي واحتضنتني بقوةٍ أفقدتني توازني.
- رهف ..رهف
كانت تردد اسمي وكأنها تتحقق من وجودي .. تجمّدتُ في البداية .. قلبي كان لا يزال ممتلئاً بالعتب والغضب .. لكن جسدي خان غضبي .. رفعتُ ذراعيّ ببطء ثم أطبقتُهما حولها .. رائحة بيتنا ورائحة عطرها الخفيف .. دفء كتفيها المرتجفين ..كلّها أشياء لا تُمحى بصدمةٍ واحدة .. كنتُ غاضبة منها .. كنتُ متألّمة بسببها .. ولكنني ما زلت أحبها.
وهذا هو أسوأ أنواع الألم .. شعرتُ بحركةٍ خلفها ثم كان أبي يقف هناك .. لم يكن حاله أفضل منها.
عيناه غارقتان بهالاتٍ داكنة و نظرته متعبة .. كانت عبناه ترتعش رغم محاولته التماسك .. لم أره يوماً بهذا الانكسار .. كان دائماً الرجل الثابت .. السند و الصوت العاقل والآن بدا كأبٍ خائف.

اقترب منا وضمّنا معاً .. يده الكبيرة استقرّت على رأسي كما كان يفعل وأنا طفلة وعندها .. انهرت.
خرج بكائي عالياً بلا محاولةٍ لإخفائه ونطقت وأنا بين أحضانهما
- لم أستطع
شهقتُ وتابعت من بين دموعي :
- لم أستطع الابتعاد عنكم
كنت أقبض على ملابس أمي بيديّ كأنني أخشى أن تتلاشى. وهمست:
- حاولت .. أقسم أنني حاولت ولكني لم أستطع

كان صوتي متكسراً .. طفولياً على نحوٍ لم أعرفه في نفسي من قبل .. شعرتُ بـ أمي تقبّل راسي وهي تبكي:
- سامحيني أرجوكِ

وأبي ضمّني أكثر ونطق بصوتٍ مبحوح:
- لقد أعتم بيتنا في غيابك يا رهف

في تلك اللحظة لم أكن أفكر بالتبني ولا بشقيقتي ولا بالأسرار التي أخفوها عني .. في تلك اللحظة كنت فقط ابنتهم .. ابنتهم التي لم تستطع أن تبتعد رغم كل شيء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قاطع لحظتنا العائلية المؤثرة صوت أتى من خلفي يناديني بتوتر :
- رهف

ابتعدت عنهما والتفت .. ابتسمت من بين دموعي لتسألني أمي باستغراب واضح:
- من تكون ؟
تراجعت وأمسكت بذراع الفتاة و رددت بابتسامةٍ عريضة :
- هذه .. تكون حلا

في تلك اللحظة التي نطقت بها باسم حلا تبدلت ملامح أمي وكأنها تحاول أن تستوعب شيئاً ما ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات