📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل الرابع عشر 14 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل الرابع عشر 14 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
( الجزء الرابع عشر )

" أدهم "

كنت أعرف حلا كما تُعرَف المدن القديمة أزقتها صمتها وارتباكها حين تخاف .. كنت أظنني أفهم هشاشتها وأحفظ تقلباتها .. ثم جاءت رهف .. لا كضيفٍ عابر بل كعاصفةٍ أعادت ترتيب كل شيء لم أكن مستعداً لها .. صدمتني بحدّتها وجرأتها التي تخفي وراءها كسراً عميقاً .. وبمكرٍ لم أتوقعه منها .. لم تكن الفتاة المرتبكة التي عرفتها ؛ كانت واعية تماماً لما تفعل تعرف كيف تحرّك الكلمات وكيف تبتسم في اللحظة التي تربكك فيها أكثر وربما ما أربكني حقاً أنني لم أستطع أن أكره ذلك فيها ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم أكن مرتاحاً منذ الصباح قلقٌ غامض كان يلازمني و يتسلل إلى رأسي بين الحين والآخر وانا في المحاضرة .. حاولتُ أن أُقنع نفسي بأن حلا بخير وبأنها مع رهف وأن الأمر لا يستحق كل هذا التوتر .. لكنني كنت أعرف حلا و أعرف هشاشتها حين تخاف وأعرف أن رهف رغم قوتها تحمل عاصفةً قد تجرف من يقف بقربها .. في نهاية المحاضرة أغلقتُ دفتري .. لا شيء محدد .. فقط ذلك الإحساس الثقيل الذي يخبرك أنه عليك العودة إلى البيت.
قطعتُ ما تبقى من محاضراتي وعدتُ مسرعاً وعندما فتحتُ باب الشقة لم أجد أحداً كما توقعت .. الغرف ساكنة .. المطبخ مرتب كما تركناه صباحاً .. شعرتُ بقلبي يهبط إلى معدتي .. أخرجتُ هاتفي ورننت على هاتف حلا لأفاجئ به مرمي على الأريكة .. يبدو أنها نسيته
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تمتمتُ لنفسي:
- كنت أعلم
لم أدري إن كنتُ أقصد خروجهما أم أنني أقصد رهف تحديداً.
خرجتُ إلى الباب لأتفقد الدرج فوجدتُ رولا تقف أمامي .. تحمل صينيةً عليها حلوى وتبتسم ابتسامتها المعتادة .. اقتربت مني وقالت بلهفة واضحة:
- يا للصدفة .. سيد أدهم .. كنتُ في طريقي إليكم .. لقد أعددتُ حلوى جديدة وقلتُ في نفسي ...

قاطعتُها بفتور:
- اعذريني آنسة رولا .. لستُ في مزاج يسمح لي بالأكل

لم يعجبها ذلك لكنها اقتربت خطوةً أخرى وقالت:
- تبدو متعباً .. هل أدخل وأعدّ لك قهوة؟
- تدخلين إلى أين؟
- لرؤية شقيقتك حلا بالطبع .. أين هي ؟

كنتُ بالكاد أسمعها رأسي مشغول بـ حلا .. أين ذهبت؟ ولماذا لم تخبرني؟
قلتُ بوضوح:
- أنا مشغول قليلاً ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وقبل أن ترد .. سمعتُ صوتاً قادماً من اتجاه السلم:
- كيف حالك يا أدهم؟

لففت رأسي ورأيت رهف وحلا تصعدان الدرج ببطء .. رهف أولاً وخلفها حلا .. تجمدتُ في مكاني .. رأيتُ يد حلا متشبثةً بيد رهف ورأيتُ نظرتها نحو رولا .. تلك النظرة التي أعرفها جيداً نظرة غيرةٍ صريحة لا تُخطئها العين.

ثم نظرتُ إلى رهف .. كانت تسير بثقةٍ غريبة، ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها .. قلتُ بحدةٍ لم أستطع إخفاءها:
- أين ذهبتِ أنتِ وحلا؟
أجابت بدلالٍ واضح:
- ذهبنا في مشوارٍ صغير
ذلك الأسلوب لم يعجبني .. ثم أضافت وهي مبتسمة:
- ما المشكلة إن أخذتُ شقيقتك مشواراً لنستمتع قليلاً؟ أم أنك تبخل بها على خطيبتك أيضاً؟

شعرتُ كأن أحدهم صفعني .. وبقيت متجمّداً أنظر بـ رهف بدهشة واضحة ..
- خطيبتي؟!
التفتُّ إلى رولا التي اتسعت عيناها بدهشةٍ ممتزجة بخيبة صادمة .. أما حلا شهقت بخفة وبقيت تنظر بـ رهف مثلنا
عدتُ بنظري إلى رهف التي اقتربت مني خطوةً أخرى وأمسكت زندي برفقٍ ظاهري ثم قرصتني .. كدتُ أصرخ لولا أنني تمالكت نفسي .. وقالت بابتسامةٍ واسعة:
- لم تخبرني يا عزيزي من هذه؟

شعرتُ بالدم يتصاعد إلى رأسي .. همستُ بين أسناني:
- ماذا تفعلين؟

ابتسمت دون أن تنظر إليّ مباشرة وكأنها تستمتع باللعبة .. نظرتُ إلى حلا ورأيتُ في عينيها نظرة مرتبكة .. عدتُ للنظر إلى رهف .. في تلك اللحظة أدركتُ شيئاً .. هذه ليست صدفة .. هي تعرف تماماً ماذا تفعل .. نظرتها لم تكن بريئة .. كانت محسوبة و تختبرني وتدفع رولا إلى زاويةٍ ضيقة .. فهمت أن ذلك ربما كان اتفاقاً بينها وبين حلا
انقبض صدري لم أتوقع منها هذا القدر من المكر ثم قلتُ بصوتٍ مسموع هذه المرة:
- رولا جارتنا .. لقد جاءت بالحلوى ليس أكثر.

قاطعتني رهف بسرعة:
- يا للطفها .. إذاً لا داعي لكل هذا التوتر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم نظرت إلى رولا مباشرةً وأكملت بنبرةٍ مهذبة مصطنعة:
- شكراً على الحلوى ولكن نحن لا نحب أكلها

رولا تلعثمت:
- أنا… لم أكن ....
تقدمتُ خطوةً إلى الأمام وضعتُ يدي على مقبض الباب وقلتُ بحزم:
- شكراً يا رولا سنأخذ الحلوى لاحقاً.

فهمت الرسالة أخيراً وتراجعت و لكنها رمقت رهف بنظرةٍ لم تعجبني وحين ابتعدت عدتُ ببطءٍ إلى رهف وحلا اللتان كانتا تقفان أمامي وكأنها طفلتان بريئتان لم تفعلا شيء .. دخلتا قبلي بسرعة لألحق بهما وأغلق الباب خلفي
- ما كان ذلك؟
سألتهم بصوتٍ منخفض ومشدود لترفع رهف كتفيها ببراءةٍ مصطنعة.
- ماذا تقصد؟
- تلك الكذبة .. حقاً يا رهف !! خطيبتي !!!!!
- ولماذا أنت مستاء .. يجب أن تشكرني لأنني أنقذتك من سم تلك الأفعى يا ابن خالتي
- أفعى !!!

ضيقت عيناي ونظرت بـ حلا التي كانت تكتم ضحكتها وسألتها:
- هل كان ذلك من ترتيبك؟
اشارت حلا لنفسها ببراءة مصطنعة وقالت:
- أنا .. لا علاقة لي بشيء .. هي من اخترعت تلك الكذبة
- وهل أنا أتعامل مع أطفال الآن ؟

اقتربت رهف مني وربتت على كتفي بخفة عدة مرات وهي تقول بخبث :
- إهدأ أدهم إهدأ .. الأمر لا يستحق غضبك .. أم أنك كنتَ سعيداً بتقرّب تلك المتملّقة منك ؟ اااووو أم أنك من ذلك النوع من الرجال
- نوع ماذا ؟ .. أساساً أنا كنت أتجنّبها وهي التي ...

أخيراً جائتني لحظة إدراك أنها وضعتني في قفص الاتهام بدلاً عنها .. تمالكت نفسي ونظرت بها وقلت:
- هل تريدين أن تُنسيني ذلك الموضوع ؟
- أي موضوع ؟
- أين ذهبتما ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرتا ببعض ثم ردت حلا بعد أن رسمت ضحكتها الساحرة على شفتيها :
- لقد تمشّينا قليلاً هنا في المنطقة

عدت للنظر بـ رهف التي رفعت حاجبيها وقالت وهي مبتسمة :
- كما قالت لك .. تمشّينا قليلاً

كنتُ أنظر إليها كما لو أنني أراها للمرة الأولى .. رهف التي جاءت إلينا مكسورة .. لم تكن هي ذاتها التي وقفت الآن تلعب على الحبال بهذه الجرأة ..

بقيتُ أراقب رهف وهي تتنقل في الشقة وكأنها تعرف المكان منذ سنوات وحلا تنحاز بشكل مريب إلى جانبها لا تفلت يدها إلا حين تضطر وهذا ما أقلقني .. تعلّق حلا الغريب بـ رهف .. لا أنكر أنني لاحظت بعض الشبه بينهما عندما دققت ولكن يمكن أن تكون تلك مصادفةً لا أكثر .. وربما يكون هذا ما جعل حلا تتعلّق بها .. الحقيقة أن المدة التي قضتها رهف عندنا لم تكن طويلة بالمعنى الزمني و لكنها كانت كثيفة.
منذ الليلة الأولى حدث شيء لم أستطع تفسيره .. كنتُ أتوقع توتراً ومسافات وحرجاً وغيرة وكل تصرّفٍ سلبي من حلا

لكنني بتُّ أسمع ضحكهما يمتد من المطبخ إلى الصالة ثم يتحول فجأة إلى جدالٍ حاد حول مسألةٍ دراسية أو رأيٍ تافه ثم يعود ضحكاً كأن شيئاً لم يكن .. حلا لم تعامل رهف كضيفةٍ خجولة بل عاملتها كأخت فعلياً .. كانت رهف تجلس معها بالساعات تشرح لها دروسها .. ترسم لها المخططات و تعيد عليها الفكرة مرةً ومرتين وثلاثاً دون ملل .. وإذا أخطأت حلا .. كانت توبخها بنبرةٍ صارمة:
- كم مرة قلت لكِ انتبهي للتفاصيل؟ الذكاء لا يكفي إن لم تُحسني استخدامه ..
وكنتُ أسمع حلا تتمتم بانزعاج:
- أنتِ لستِ أستاذتي ..

فترد رهف ببرودٍ ساخر:
- للأسف .. أنا كذلك الآن .. عليكِ الكتابة بخطٍ أفضل من هذا .. هذه طلاسم لا أحرف ..
- توقفي أدهم لا يفعل معي هذا ..
- كم أنتِ غبية
- كفِّ عن شتمي قبل أن أقلع شعركِ هذا عن رأسك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كنت أتحاشى الاقتراب منهن حتى لا تأتيني ضربة غير محسوبٍ حسابها .. أحياناً تتشاجران على قطعة شوكولا أو على من سيختار الفيلم .. وترتفع الأصوات أوشك أحياناً أن أتدخل .. لكنني أراهما بعد نصف ساعة تجلسان متجاورتين، تتشاركان البطانية نفسها و تتحدثان كأن الخلاف لم يحدث.
من دون اعتذار ولا مصالحة رسمية .. فقط عودة طبيعية وكأن العلاقة أوسع من أن تهزها مشادّة.
كنتُ أراقبهما من بعيد وأشعر بشيءٍ قديم يتحرك داخلي .. وكأنني أرى أمامي شقيقتاي نور وسندس من جديد.
نور بعنادها وسندس بسخريتها الخفيفة.

الطريقة التي كانت رهف تنظر بها إلى حلا حين تغضب ثم تلين بعد لحظات دون أن تعترف أعادت إليّ مشاهد من بيت أهلي وبين شقيقاتي .. بوجودهما كان هناك حياة وحركة وضحك يتسلل تحت الأبواب .. رهف لم تكن مجرد ضيفة .. كانت تملأ الفراغات دون أن تطلب إذناً .. وهذا ما أربكني .. لأنني كنتُ أراها تنسجم مع حلا بتلك العفوية وأشعر في الوقت نفسه أنني أخسر حلا التي اعتادت على وجود رهف في حياتنا

بعد أيام .. ذهبتُ إلى بيت خالتي ليلى وأنا أحمل في صدري شعوراً ثقيلاً .. كنتُ أريد الاطمئنان عليها فقط أو هذا ما أقنعته به نفسي .. طرقتُ الباب عدة مرات .. لم تفتح بسرعة كما اعتادت وحين فُتح أخيراً لم أتعرف إليها للحظة.
كانت أضعف ووجهها شاحب .. عيناها غائرتان والهالات تحتهما داكنة كأنها لم تذق النوم منذ أيام حتى وقفتها بدت منكسرة نطقت بصوت واهن:
- أدهم…؟
قالت اسمي بصوتٍ مبحوح ثم تنحّت جانباً لتدعني أدخل.
جلستُ أمامها في الصالة و لكنني لم أستطع تجاهل الفوضى الصامتة في المكان .. أكواب قهوة نصف ممتلئة و هاتف ملقى على الطاولة ومصحف مفتوح كأنها كانت تبحث فيه عن طمأنينةٍ عاجلة
سألتها بهدوء:
- ما بكِ يا خالتي؟
نظرت إليّ طويلاً ثم انهار ما كانت تحاول تثبيته.
- رهف لقد اختفت يا أدهم.
تجمّدتُ في مكاني لكنني تمالكت نفسي وقلت:
- أعرف .. لقد أخبرتني أمي عبر الهاتف
- لقد خرجت ولم تعد .. لم تترك رسالة .. لم تخبر أحد أين ستذهب .. لقد بحثتُ في كل مكان واتصلتُ بكل صديقاتها .. ذهبتُ إلى المستشفى .. حتى .. حتى أنني راجعتُ الكاميرات في الشارع.
ارتعش صوتها وتابعت:
- لم أترك مكاناً لم أبحث فيه عنها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

خفضتُ بصري للحظة .. كانت أمّاً تتآكلها فكرة أن ابنتها ربما تأذت أو حصل لها مكروه .. كم آلمني حالها .. يلقسوتك يا رهف .. كيف هانت عليكِ والدتك؟

تابعت بصوتٍ مكسور:
- أعلم أنني أخطأت .. أعلم أنني أخفيتُ عنها أشياء و لكنني لم أرد أن أخسرها هكذا.

وقفت عند كلمة " أخفيتُ عنها" وسألتها:
- لم تقولي لي .. ما المشكلة .. لماذا هربت
نظرت بي لحظات ثم أجابت :
- مشكلةً بسيطة وليست بتلك الأهمية
- إن كانت بسيطة فلماذا هربت؟
- إنه سنّ المراهقة و ..

قاطعتها بحدة:
- كلنا مررنا بذلك السن ولكن لم يخطر ببال أحدنا الهروب يا خالتي .. ألا تذكرين ضرب والدي لي فقط لأنه شكّ بأنني كنت أدخن .. لقد قام بكسر يدي .. ولكنني لم أفكر أن أترك المنزل أو أهرب

- كل شخصٍ لديه شخصيته يا أدهم
- هذا هراء .. لماذا لا تعترفي بأن رهف مدللة وغير مسؤولة

ردت باندفاع وهي تبكي:
- هي ليست كذلك صدقني .. انها فتاة ناضجة وذكية وتعرف ما تفعل

لم أعرف بماذا أجيب .. شعرتُ بشفقةٍ حادةٍ عليها وبذنبٍ ثقيل لأنني أعرف مكان رهف وأخفيه عنها وقفتُ أخيراً وقلت:
- لا تفقدي الأمل يا خالتي .. كما قلتِ رهف ذكية وأنا أضيف أنها قوية .. وستعود.

نظرت إليّ بترجٍ صامت وكأنها تتعلق بكلماتي كغريقٍ بقشّة .. خرجتُ وأنا أشعر بتأنيب الضمير يضغط على قلبي

حين عدتُ إلى الشقة كانت رهف جالسة مع حلا في الشرفة تتكلم وتضحك ولا كأن هناك همٌّ على قلبها .. شعرت بالنار تأكلني وأنا أرى عزم مبالاتها بالذي تفعله مع والدتها

نظرت إليّ فور دخولي وسألت:
- أين كنت؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أجبتُ مباشرةً:
- عند والدتك .

رأيتُ الارتباك يعبر وجهها وقالت:
- لماذا؟
اقتربتُ منها ببطء و رددت:
- ربما لأنها خالتي ومن واجبي زيارتها والاطمئنان عليها بين الحين والآخر

ساد الصمت لحظات قبل أن تقف وتدخل للداخل وتجلس على الأريكة .. أما حلا اقتربت مني وقالت:
- لقد أحزنتها
- لم أفعل .. بل هي الأنانية التي تركت والدتها تتعذب وهي جالسةٌ هنا تضحك وتلعب من دون ذرة تأنيب ضمير
- انك مخطئ .. أنت لم ترى حرنها وبكائها كل يوم على فراق أبويها

نظرت بـ حلا لتبادلني نظراتي بحزن وهي تمسك زندي .. تنهّدت ومشيت اتجاه رهف و جلستُ مقابلها لتسألني بهمس حزين :
- كيف حالها ؟
- إنها بحالةٍ سيئة .. لم تترك مكاناً لم تذهب إليه لتجدكِ .. حتى أنها بدت وكأنها لم تنم منذ أيام
اتسعت عينا رهف قليلاً و لكنها حاولت التماسك وقالت:
- لا تبالغ.
هززتُ رأسي و رددت:
- لستُ أبالغ .. بالكاد تعرفتُ إليها حين فتحت الباب لي .. كانت شاحبة و منهكة وصوتها يرتجف.

خفضت رهف نظرها أما حلا جلست بجانبها وأمسكت يدها وبدأت تمسح عليها برفق .. تابعتُ بهدوءٍ مقصود:
- قالت إنها أخطأت وإنها مستعدة لتحمل أي شيء .. فقط لتراكِ أمامها من جديد
لمحتُ دمعةً لم تسمح لها بالسقوط و قالت:
- لا تستخدمها ضدي يا أدهم .. هذا لن ينفع
- أنا لا أستخدم أحد .. أنا أنقل لكِ الحقيقة .. هذا ولم أرى والدكِ بعد
رفعت رأسها أخيراً وقالت:
- هل كانت بهذا السوء؟

أومأتُ ببطء.
- أسوأ مما تتخيلين.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وضعت يدها على صدرها وكأنها تحاول تهدئة ألمٍ مفاجئ وردت:
- لم أرد أن أؤذيها .. فقط أردتُ فقط أن أبتعد حتى أستطيع استجماع نفسي
- قد ابتعدتِ ولكنكِ لم تختفي من قلبها .. انها تحبك وتخاف عليكِ .. رهف أنا أتكلم معكِ كأخ .. أخاً يريد مصلحة أخته .. لا تجعلي مشكلةً صغيرة تتحكم في مشاعرك اتجاه والدتك
ساد صمت طويل .. غرقنا به نحن الثلاثة قبل أن تنطق فجأة:
- سأعود.

شعرتُ براحةٍ لم أُخفها لكنها أضافت فوراً:
- ولكن بشرط
- ما هو؟
- ستأتي حلا معي

نظرتُ إليها بعدم تصديق وقلت:
— ماذا؟

نظرت بـ حلا التي كانت تنظر بـ رهف بذهول ثم نظرت إلي .. ارتفعت دقات قلبي لتتابع:
- حلا ستعيش معنا فترة .. حتى تجد طريقة لإخبار عائلتكَ بأمرها

ردت حلا أخيراً:
- ولكن يا رهف ..
قاطعتها رهف:
- وجودكِ هنا غير منطقي .. وهذا لن يستطيع الاعتناء بكِ كما يجب
قلت بسرعة:
- هذا غير ممكن.

ارتفع صوتها قليلاً:
- لماذا غير ممكن؟!
رددت بتوتر:
- لأن هذا بيتها .. في بيتك هناك توتر وهناك أمور لم تُحل بعد ثم انها قريبة من منزل أهلي
ردت :
- نهنا أيضاً ليس مكاناً آمناً يا أدهم .. ومع ذلك احتملتَ وجودي هنا .. لا أدري كيف تؤمّن لوجود حلا وحدها في هذا المكان
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ردت حلا:
- أنا مرتاحة هنا
- وأنا لست كذلك .. حلا .. أرجوكِ تعالي معي
نظرت إلي وبادلتني نظراتها عدة لحظات ثم ردت:
- أنا .. لا أرغب بترك أدهم

تنهدت رهف و ردت :
- وأنا سأعود وحدي من جديد ؟
- لا لن تعودي .. يمكنكِ زيارتنا متى شئتِ

نظرت رهف إليّ بعنادٍ واضح:
- ليكن بعلمك .. إن لم تأتِ حلا معي .. فلن أعود للمنزل وسبق أن أخبرتك .. إن تجرأت وأخبرت أحداً عن مكاني فسوف أفضح أمرك وأمر والدك

كانت جادة نظرتُ إلى حلا التي كانت تراقبنا بقلقٍ صامت.
وأدركتُ أنني أمام خيارٍ لا يعجبني أيٌّ منهما.

في اليوم التالي كنتُ في ساحة الجامعة .. أجلس على المقعد الحجري المعتاد قرب المبنى .. أمامي كتابٌ مفتوح و لكن ذهني لم يكن في الصفحة التي أقرأها .. منذ حديثي مع رهف وكل شيء بدا وكأنه يسير نحو منعطفٍ حتمي .. طلبها المفاجئ بأخذ حلا معها صدمني حقاً .. فجأة جائني صوت يناديني:
- سيد أدهم؟
رفعتُ رأسي على أثر الصوت و رأيت شاب يقف أمامي .. ملامحه ليست غريبة بل مألوفة بطريقةٍ أربكتني.

نهضتُ ببطء وقلت:
- نعم
- كيف حالك
- هل التقينا من قبل ؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وأجاب بهدوء:
- نعم .. التقينا في المشفى عندما كنتَ بزيارة رهف.
ثم مدّ يده قائلاً:
- أنا الدكتور وائل .. طبيب الآنسة رهف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

صافحته وشعورٌ غامض بعدم الارتياح تسلل إلى صدري
- صحيح .. تذكرت الآن.
جلسنا وكان ينظر إليّ نظرةً ثابتة .. لم تكن عدائيةو لكنها فاحصة أكثر مما ينبغي.
بدأ الحديث بنبرةٍ عادية:
- كم عمرك يا أدهم؟
رفعتُ حاجبيّ قليلاً.
- اثنان وعشرون.
- وفي أي سنةٍ تدرس؟
- انني في سنة التخرج.

أومأ برأسه ثم تابع:
- وكيف هو مستواك الدراسي؟ متفوق؟ متوسط؟
أجبته باختصار:
- جيد.
ابتسم ابتسامة لم أفهمها.
- ما اهتماماتك خارج الدراسة؟

بدأ الضيق يتسلل إليّ ولكنني جاريته :
- افضل القراءة .. و الرياضة أحياناً.
- وهل لديك أصدقاء مقرّبون؟
نظرتُ إليه مباشرةً هذه المرة.
- المعذرة
توقف لحظة ثم أضاف بنبرةٍ أعمق:
- أعني .. لا يوجد من قد يؤثر عليك سلباً؟ رفاقً مشكوكٌ بأمرهم مثلاً؟
شعرتُ وكأنني في جلسة تحقيق .. أغلقتُ الكتاب أمامي وقلتُ ببرود:
- أعتذر و لكن من أين أعرفك حتى أجيبك عن أسئلةٍ كهذه؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم تتغير ملامحه بل ازداد هدوؤه وقال:
- أنا فقط أحاول أن أفهم البيئة المحيطة برهف

فتحت عينيّ بصدمة وهمست:
- من أين تعرف أن رهف موجودة عندي؟
- لأن رهف لا تخفي عني شيئاً
- المعذرة ولكن بصفتك ماذا ؟

صمت لحظة ثم قال بصراحة:
- بصفتي طبيبها النفسي و من حقي أن أطمئن إلى الأشخاص القريبين منها.

تجمّدت بمكاني وأنا أنظر إليه .. طبيبها النفسي !! لم أتخيل ييوماً أن رهف عندها مشاكل نفسية تستدعي لذهابها إلى طبيب نفسي .. ابتلعت ريقي و قلت:
- لم أكن أعلم .. رهف لم تذكر ذلك صراحةً.
- لاداعي لذكر ذلك .. من المؤكد أنها لن تأتي وتخبرك أنه لديها مشاكل نفسية
شعرتُ بارتباكٍ مفاجئ .. تبعه انزعاج و قلت :
- وما الذي تريد أن تعرفه تحديداً؟

نظر إليّ بثبات و رد:
- عنوان سكنك مثلاً .. طبيعة علاقتك بها .. كم تقضون من الوقت معاً .. إن كانت تتحدث عن مشاكلها في ..

قاطعته بحدةٍ لم أستطع كبحها:
- هذا تجاوز واضح أيها السيد ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

سكنت عيناه للحظة ثم رد:
- أنا أقوم بعملي فقط
- وأنا لا أسمح لأحدٍ أن يحوّل حياتي إلى ملفٍ سرّي
وقفْتُ وحملتُ كتابي ليقول بهدوء وهو ينهض أيضاً:
- لا داعي للحساسية يا أدهم .. الأمر ليس شخصياً.
نظرتُ إليه مباشرةً.
- بدا لي شخصياً جداً.

حاول أن يلين نبرته:
- على الأقل أعطني وسيلة تواصل إن احتجتُ لـ ...

قاطعته مرةً أخرى:
- إن احتجتَ شيئاً يخص رهف تحدث معها لا معي .. فأنا لستُ بومة تنقل لك أخبارها

ثم أضفتُ بوضوح:
- وأنا لا أسمح لأحد أن يجمع معلومات عني دون سببٍ مباشر.
تبادلتُ معه نظرةً أخيرة .. كانت عيناه تحملان شيئاً .. ليس عداءً بل قلقاً حقيقياً ولكن طريقته لم تعجبني .. استدرتُ ومضيت ..وأنا أبتعد شعرتُ بأن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
ذلك الرجل لم يأتِ صدفة وكان واضحاً أنه لن يتوقف عند محاولةٍ واحدة .. خرجتُ من الجامعة باكراً وعدت للبيت ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وحين بدأتُ أصعد الدرج رأيتُ امرأةً تنزل من الأعلى .. تمسك بيد طفلةٍ صغيرة .. رفعت رأسها نحوي وكانت تنظر إليّ وكأنها تعرفني .. ضيّقتُ عينيّ ثم تجمّد الدم في عروقي.
لقد تذكرتها .. إنها إحدى جارات مؤيد كانت من اللواتي شهدن على ضربه لحلا ثم قلبن الرواية ضدي واتهمنني بالتدخل ثم شوهوا سمعتي وسمعة حلا وأساؤوا إلينا .. لكن ما الذي تفعله هنا .. لا بد وأنها كانت بزيارة أحد أقربائها
نظرتها الآن لم تكن عابرة .. كانت فاحصة وحذرة وكأنها تحتفظ بملامحي وجهي في ذاكرتها .. مرّت بقربي ببطء و لم تقل شيئاً .. لكنني رأيت في عينيها ما يكفي .. لم تكن نظرة خير .. وقفتُ في مكاني لحظة وأنا أفكر .. إن علمت تلك المرأة بوجود حلا هنا .. ستبدأ الأحاديث وستعود الإشاعات. وقد يصل الأمر إلى ما هو أسوأ

عندها فقط .. اتخذتُ قراري .. دخلت المنزل وأنا أعرف أنني لن أستطيع إبقاء حلا هنا أكثر .. ربما كانت رهف على حق منذ البداية .. هذا البيت ليس آمناً لـ حلا


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات