رواية فستبقي المحبوب الفصل الرابع عشر 14 بقلم هاجر سلامة
14 قبل الاخير
بعد الشوربة، جاء وقت "الدوا البودرة" المر جداً.
دلال جهزت الكوباية وقربت منه: "يلا يا بطل.. اشرب ده دفعة واحدة عشان مر جداً."
فارس شرب الكوباية ووشه اتكرمش من كتر المرارة: "يععع! مر أوي يا دلال! هاتي مية بسرعة!"
دلال وبدون ما تفكر، وبحركة عفوية مليانة رقة وحب، حطت إيدها ورا راسه وقربت منه وطبعت قبلة دافية ورقيقة جداً على شفايفه، خلت فارس يتسمر مكانه وعينيه تتسع بصدمة وفرحة زلزلت كيانه!
دلال بعدت بسرعة ووجنتيها مشتعلتين نار ونظرت للأرض بكسوف قا.تل وقالت بصوت واطي: "ها.. لسه مر؟"
فارس سحبها فجأة من خصرها الممشوق بإيده السليمة القوية، وضمها لصدوره جامد وهو بيلهث من كتر المشاعر وهمس في أذنها بصوت يذوب الصخر: "مر إيه وبتاع إيه! ده بقا عسل مصفى.. وحياة غلاوتك عندي، أنا مستعد اتضرب بالعربية كل يوم عشان أخد الدوا ده من إيدك!"
دلال ضحكت بدلال ودبته برقة في صدره: "بعد الشر عنك يا فستقي.. ربنا يحفظك ليا."
مرت أيام النقاهة وأصبح فارس بكامل صحته وعافيته، وفك الشاش عن رأسه ليعود بطلته المهيبة ووسامته الطاغية التي لطالما خطفت قلب دلال.
لم يعد في الغرفة جدران تفصل بين قلوبهما؛ فالخوف من الفقد جعل المشاعر تنضج وتشتعل كالجمر.
في تلك الليلة، كان الهدوء يلف الفيلا بأكملها، وكان ضوء القمر يتسلل من الشرفة الزجاجية الكبيرة لينير الجناح بنعومة.
دلال كانت تقف أمام المرآة، ترتدي ثوباً حريرياً ناعماً باللون الأبيض، يبرز تفاصيل جسدها الممشوق وبشرتها البيضاء الناصعة كالحليب، وتركت شعرها البني الفاتح ينسدل بحرية على ظهرها.
انفتح باب غرفة الملابس، وخرج فارس وهو يرتدي بنطالاً قطنياً أسود فقط، عاري الصدر، تظهر عليه العضلات القوية التي فدت دلال من الموت. تقدم بخطوات واثقة وهادئة كالفهد نحوها.
لمحته دلال في المرآة، فالتفتت إليه بابتسامة رقيقة ومرتبكة، لكن فارس لم يعطها فرصة للكلام. بمجرد أن أصبح أمامها، مد يده الكبيرة وقبض برقة وحسم على خصرها النحيل، وسحبها إليه لتلتصق تماماً بصدره العاري الدافئ.
دلال شعرت بأنفاسه الحارة تلامس جبينها، ورفعت عينيها العسلية الواسعة لتتلاقى مع سواد عينيه اللتين تشتعلان بعشق ورغبة جارفة طال انتظارها.
فارس بصوت رخيم وناعم يقطر عشقاً: "مبقاش في وقت للصبر يا دلال.. أنتي بقيتي مراتي قدام ربنا وقدام العالم كله، وحبي ليكي بقا أكبر من إنه يتكتم في صدري ثانية واحدة تانية."
دلال لم تجبه بلغة الكلمات، بل أجابته برعشة جسدها ودموع الفرحة والقبول في عينيها. انحنى فارس ببطء شديد، وأمسك وجهها بيديه بحنان بالغ كأنها قطعة من الألماس يخشى كسرها، وطبع شفتيه فوق شفتيها الكرزية في قبلة دافئة، عميقة، وطويلة للغاية.. قبلة محت كل سنوات الحرمان، والذل، والضرب في دار الأيتام، قبلة أعلنت ملكيته الكاملة لها.
دلال استسلمت تماماً بين يديه، ولفّت ذراعيها الصغيرتين حول عنقه العريض، وبادلته القبلة بشغف وحب حقيقي نابع من أعماق قلبها.
تحرك فارس بخفة وهو ما زال يحتضنها ويقبلها بنعومة جارفة، وحملها برقة بالغة ليتجه بها نحو السرير الفخم.
غرقا معاً في عالم خاص بهما وحدهما، تحت ضوء القمر الخافت، حيث تلاقت الأنفاس واكتملت علاقتهما الزوجية بالكامل في ليلة شهدت على ذوبان الفارس في عشق ملكته، ليلة أصبحت فيها دلال حرم فارس النمرود قولاً وفعلاً وبكل تفاصيل جسدها وروحها.
استيقظت دلال في الصباح الباكر، لتجد نفسها ما زالت متوسدة صدر فارس العريض، وذراعه القوية تحيط بخصرها كالسوار المتين. نظرت إلى وجهه وهو نائم بسلام، وابتسمت بحب لا يوصف.
فجأة، فتح فارس عينيه السوداوين وابتسم بخبث ووسامة هزت كيانها، وغمز لها بطرف عينه: "صباح الورد يا حرم الفارس.. هاه، لسه مكسوفة برضه؟"
دلال غطت وجهها باللحاف بسرعة وهي تصرخ بكوميديا ولماضة: "فارس! بلاش غلاسة على الصبح على فكرة! قوم البس عشان جدي مكرم قالب الدنيا برة وعايزنا في تفاصيل الفرح الأسطوري!"
فارس ضحك بصوت رجولي هز أركان الغرفة، وشدها لحضنه تاني وهو بيبوس رأسها: "يروح الفرح وتتحرق الدنيا.. المهم إنك بقيتي في حضني للأبد يا دلال الفارس."
قبل الفرح الأسطوري بيومين، كانت الفيلا بتغلي من التجهيزات.
ناهد هانم وفايزة قالبين الدنيا على الفستان والمكياج، والجد مكرم والجد عاصم بيشرفوا على القاعة الملكية اللي محجوزة بالكامل. في وسط الهيصة دي، دلال قررت فجأة إنها تعمل "مفاجأة رومانسية" لفارس بمناسبة إنه بقا كويس، وقالت تدخل المطبخ وتعمل له "كيكة شيكولاتة" بإيدها عشان تثبت له إنها ست بيت شاطرة!
ربطت دلال شعرها البني الفاتح لورا، ولفت مريلة المطبخ حوالين وسطها الممشوق، وبدأت تتحرك زي الفراشة وسط المطبخ الفخم وهي مش فاهمة أي حاجة في المقادير.
دلال وهي بتبص في الموبايل بلخبطة: "ممم.. تلت كوبايات دقيق، وخمس بيضات.. طب والبيكنج بودر ده أحطه كله ولا إيه؟ يلا مش مهم كتره بيخليها تنفش!"
وبدأت المعركة الكوميدية! دلال شغلت المضرب الكهربائي على أقصى سرعة من غير ما تاخد بالها، وفي ثانية واحدة، الدقيق طار في الأركان كلها وغطى وشها الأبيض الناصع وهدومها، وبقت شبه العروسة اللعبة اللي لسه خارجة من مصنع بودرة! وشفايفها الكرزية بقت بارزة وسط البياض ده بشكل مضحك جداً ولطيف.
دلال كحت بعطس وهي بتمسح عيونها العسلية: "كحة.. يخرب بيت الكيكة وسنينها! أنا إيه اللي خلاني أعمل شيف شربيني دلوقتي!"
في اللحظة دي، كان فارس داخل الفيلا بكل هيبته ووسامته، ولابس قميص كحلي ضيق مبين عضلات صدره ورافع كمامه. سمع دربكة في المطبخ، فقرب ببطء ووقف ساند ضهره على الباب وحاطط إيديه في جيبه. أول ما شاف منظر دلال والدقيق اللي مغطي وشها وشعرها، اتقسمت ملامحه عن ابتسامة ساحرة وضحكة رجولية دافية هزت المكان لدرجة إن غمازاته بانت بوضوح.
فارس بخبث وكوميديا: "جرى إيه يا مدام؟ أنتي بتعملي كيكة ولا داخلة حرب عالمية بالدقيق؟ إيه المنظر العسل ده!"
دلال لوت بوزها بطفولية وغيظ: "بتضحك يا فارس؟ طب والله كنت عملاها عشانك! بس المضرب الغبي ده هو اللي بوظ الدنيا!"
دلال لفت بظهرها بغيظ عشان تجيب علبة السمنة من فوق الرف العالي، ومخدتش بالها إنها وهي بتتحرك، خبطت إيد صينية حديد ثقيلة جداً كانت محطوطة على حرف الرخامة، والصينية بدأت تميل وكانت هتقع بكل قوتها فوق راس دلال الحساسة!
فارس لمح المشهد في جزء من الثانية. حسه القوي وخوفه عليها خلاه يتحرك أسرع من البرق. وبدون ما يفكر، اندفع بطوله الفارع كالإعصار، وبحركة قوية وسريعة شال دلال من وسطها النحيل ورفعها في الهواء ودار بيها بعيد عن الرخامة، وفي نفس اللحظة سقطت الصينية الحديد على الأرض وعملت صوت ارتطام قوي!