📁 آخر الروايات

رواية احفاد نصار الفصل الرابع عشر 14 بقلم دنيا كريم

رواية احفاد نصار الفصل الرابع عشر 14 بقلم دنيا كريم


14 = أحفاد نصار - الفصل 14 "شتات الماضي" -14 /
للجميع@
الفصل 14 " شتات الماضي "

دلفت الي شقتها بخطوات حذرة وهي تسير على أطراف أصابعها و تنظر حولها تتحقق من عدم وجود أحد ، زفرت براحة عندما لم تجد والدتها في الصالة لتتجه الي غرفتها بهدوء و ما كادت تدلف الي الغرفة حتى سمعت صوت خلفها جعلها تنتفض و تنظر الي الخلف بسرعة :
" أنتِ جيتي يا اسيل ؟ "
كانت والدتها ، و الشخص الوحيد الذي لم تكن ترغب في رؤيته الان لكنها اصطدمت بها و لم تستطع الإفلات ، اومأت لها بتوتر لتسألها بدهشة:
" مالك داخلة عاملة زي الحرامية كده ليه ؟؟؟ "
" ها "
رفعت «مروة» أحد حاجبيها بدهشة وهي ترى ابنتها بهذا الشكل ، متوترة كأنها ارتكبت جريمة للتو و تحاول اخفاء الجثة قبل أن يراها احد !
نفضت تلك الأفكار عن رأسها و قالت بابتسامة :
" كل سنة و انتِ طيبة يا حبيبتي "
ابتسمت لها لتقول وهي تحاول الهرب الي غرفتها في اسرع وقت :
" و انتِ طيبة يا ماما ، عن اذن..."
و قبل أن تستأذن منها للذهاب الي غرفتها قالت والدتها ما جعلها تغمض عيناها بقوة محاولة السيطرة على نفسها :
" بقيتي ٢٦ سنة اهو يا اسيل ، مش ناوية تفرحيني بيكِ بقى ؟ "
فتحت عيناها تطالع والدتها بهدوء ينافي الضجة التي تسببت فيها والدتها بكلماتها ، و ها هي الآن بدأت النقاش الذي حاولت جاهدة تجنبه و الهروب الي غرفتها و لكن كانت والدتها الاقوى و استطاعت محاصرتها و إجبارها على خوض هذا النقاش لكنها لم تستسلم لغضبها حيث قالت بهدوء :
" إن شاء الله يا ماما "
تهكمت ملامح والدتها لتقول بغيظ من أفعال ابنتها :
" ماهو ربنا بيسهل لي الي بيحاول مش واحدة بترفض كل عريس و تيجي تقولي إن شاء الله ، ربنا ممكن يشاء بس أنتِ الي رافضة على فكرة "
زفرت بضيق لتقول باخر ذرة ثبات لديها :
" هو أنتِ شايفة العرسان على باب البيت و انا برفضهم ؟ ، ده هو واحد الي انا رفضته و ماكنش مناسب يا ماما في اي ؟ "
هتفت والدتها بأنفعال من برودة كلمات ابنتها و كأنها لا يعنيها ، وهي لا تدرك كيف تجاهد ابنتها لاظهار هذا الهدوء و لا تغضب و تتشاجر معها كما الحال دائمًا :
" و الي قبل الي رفضيته ده كانوا اي مايتحسبوش ؟ ، اسمعي بقى أنتِ لو فضلتي سايقة العوج كده انا ها اجبلك عريس بمعرفتي و يا انا يا أنتِ يا بنت محمود "
هنا و يكفي لم تستطع التحمل أكثر من هذا لتهتف بأنفعال حاولت كبحه جاهدة و لكن والدتها كانت مُصرة على إخراجها عن كل ذرة تعقل حاولت الاحتفاظ بها ، لتقول بنفاذ صبر دموع لمعت في عيناها :
" ياستي ارحميني بقى انتوا اي حرام عليكوا انا تعبت... اي مش بتزهقي كل شوية من الاسطوانة دي ؟ ، لو انا تقيلة عليكوا اوي كده قولي و انا ها اشوف اي حتة اروحها بدل ما تتعبي نفسك في حرق دمي و تعكنني عليا كل شوية كده "
كانت تطالعها بصدمة لا تتخيل أن تلك التي تقف أمامها هي نفسها «اسيل» ابنتها ، تلك التي تتحدث معها بهذه الطريقة من المستحيل أن تكون ابنتها ، و كل ذرة صدمة لديها الآن تحولت إلي غضب من فكرة أن ابنتها حدثتها بهذه الطريقة لتقول بانفعال مشابه لانفعال ابنتها أو ربما اكبر :
" علشان عايزة اتطمن عليكِ ابقى مش عايزاكِ و بحرق دمك ؟ ، علشان عايزاكِ تفوقي بقى و تفهمي أن كل الرجالة مش زي مُراد ابقى بحرق دمك ؟ ، لامتى ها تفضلي كده ها ، لامتى ها تفضلي شايفة الرجالة كلها زيه ؟ ، لغاية ما تعنسي و تبقي لوحدك و مش لاقيه سند ليكِ و كل ده ليه ... علشان استاذ مُراد بيه عقدك من صنف الرجالة ... فوقي بقى "
تركتها و غادرت وهي تُلقي عليها بنظرات حانقة بينما اتجهت هي الي غرفتها تحتمي بها لتجلس على فراشها و تقوم بضم ركبتيها الي صدرها و تبكي ، تبكي بقهر على كل ما مرت به ، تبكي على كل لحظة كانت مُغفلة بها و ظنت أن الحياة عادلة ... تبكي على فتاة عاشت احلامًا وردية و استيقظت على واقع أليم لا يوجد به اي من ما تخيلته أو ظنت أنها ستعيشه ، كانت طفلة غبية تظن أنهل ستلتقي بفتى أحلامها و سترتدي فستانها الأبيض و تعيش أجواء رومانسية سعيدة بجانبه و لكن كل ما نالته في الحقيقة هو رجل خائن لا يصلح لأن يكون زوجًا أو رجل حتى ، كل ما أعطاه لها هو الالم و الحزن و تركها تغوص في بحر هلاكها و عاد هو يمارس حياته الطبيعية دون الاكتراث لما دمره داخلها... شردت في أحد الذكريات التي تمنت نسيانها ذاك اليوم أحد الأيام القليلة التي جمعتها به....
" هو ليه اونكل ماجاش الخطوبة يا مُراد ؟ "
سألته وهي ترتشف من كوب العصير الخاص بها سامحة لنسمات الهواء بالتخلل الي خصلاتها لتستمتع بكل لحظة في هذه الأجواء الخريفية بجانب خطيبها العزيز و الذي ستكمل معه باقي حياتها... أو هكذا ظنت ، اجاب بهدوء و ابتسامة ارتسمت على ثغره وهو يراقب تمايل خصلات شعرها مع نسمات الخريف :
" مسافر علشان عنده شغل ، لما يرجع ها اخليكِ تقابليه "
ليغمز لها بأحد عيناه وهو يُكمل :
" ها يحبك اوي "
ابتسمت بخجل بنفس اللحظة التي امسك بها كفها لتسحب يدها سريعًا و تسأله بتوتر :
" في اي ؟ "
رفع احد حاجبيه ليسألها بسخرية:
" في اي هو انا كهربتك ؟ "
نفت برأسها لتقول وهي تُعيد إحدى خصلاتها التي طارت على وجهها خلف أذنها :
" لا بس... احنا مخطوبين بس يعني ماينفعش تمسك أيدي "
قلب عيناه بملل لتطلب هي منه برجاء :
" مراد ممكن تخلي في حدود لغاية بعد كتب الكتاب ؟ "
زفر بضيق وهو يومئ لها لتقول بأمتنان :
" شكرًا "
ابتسم لها بمجاملة في تلك اللحظة التي نادت عليهم والدتها قائلة :
" يلا يا اسيل هاتي خطيبك و تعالي الاكل خلص "
نهضت من مقعدها لتقول وهي تتجه الي الداخل :
" جاية اهو ، يلا ماما خلصت "
اومأ لها ليذهبان معًا الي حيث مائدة الطعام و يقومون بتناول الطعام معًا وهم يتناقشون في عدة أمور .
جففت دموعها بكفها بعدما فاقت من شرودها و مع استرجاع كلمات والدتها مرة أخرى ، زاد بكائها مع ذكرى أخرى استجمع عقلها أحداثها و كأنه يُقسم على أن يُخرج جميع ذكرياتها السوداء لها الان ليزيد من عذابها و حزنها أضعاف ، شردت في تلك الذكرى و التي يُمكن القول إنها ذكرى تدمير روحها و توفي «اسيل» تلك الفتاة الخجولة المرحة و ولادة «اسيل» أخرى تلك عاشقة الاسود و الوحدة ...
كانت تقف في منتصف الشركة و قد تجمع عدد من الموظفين ليروا ما يحدث و ما سبب هذه الأصوات المرتفعة و رغم ازدياد عدد من يشاهدون ما يحدث إلا أن تلك الفتاة التي وضعت من مساحيق التجميل ما يكفي لتشبه المهرجين هتفت بغرور :
" اوعي يا ماما شوفي أنتِ رايحة فين بدل ما اخلي مراد يرفدك من المكان كله "
حركت «اسيل» رأسها بعدم تصديق لتقول بغضب و صوت عالٍ :
" يرفدني اي أنتِ اتجننتي ده خطيبي "
ضحكت الفتاة بصخب لتقول وهي تضع يدها على خصرها:
" خطيبك يا قلبي ولو قولتله يسيبك مش ها يبص في وشك تاني مش ها يرفدك بس "
كانت مصدومة ، ترغب في أن يصفعها أحدهم و يخبرها أن كل هذا حلم وليس حقيقيًا ، تُريد من يطمأنها و يخبرها أنه من المستحيل أن يفعل هذا بها ، لا هو يحبها ولن يخذلها بهذه الطريقة ، فاقت من صدمتها على صوته وهو يسألهم :
" في اي الي بيحصل هنا "
نظرت إليه بتيه لا تدرك ما تقوله لكن بالنسبة للواقفة أمامها فقالت بطريقة درامية و دموع استطاعت بها خداع جميع الواقفين ببراعة :
" شوفت يا مراد خطيبتك جاية بقولها عايزة اقابلك قعدت تزعقلي و طردتني قدام الموظفين "
حركت رأسها بعدم تصديق ، هل حقًا تلك الواقفة أمامها الان هي ذات المرأة التي كانت تقف أمامها و تتحداها بكل غرور و ثقة منذ ثوانٍ ؟؟ ، لم تشعر سوى بيده التي سحبت ذراعها و توجه بها الي مكتبه ليغلق الباب تحت نظراتها المصدومة ، اقترب منها يسألها من بين أسنانه :
" اي الي أنتِ عملتيه ده "
حركت رأسها تحاول استيعاب ما يحدث لتسأله بصوت متقطع اثر صدمتها :
" مين دي يا مراد ؟ "
حك ذقنه وهو ينظر إلي عيانها بتفحص ليقول بهدوء لا يناسب الموقف :
" صحبتي "
ارتفعت ضحكاتها لترن في أرجاء المكتب كل هذا وهو يطالعها في صمت ، لتتوقف عن الضحك أخيرًا و تقول بسخرية :
" يا اخي طب قول كده بدل ما انا افتكرتها حبيبتك "
اومأ لها ليقول مؤكدًا :
" هي فعلًا حبيبتي يا اسيل "
تلاشت ابتسامتها لتسأله بنبرة حاقدة :
" ليه ؟ "
" علشان أنا زهقت منك باختصار ، خاطب واحدة تعلمني الشرع ؟ ، ما كنت روحت خدت درس في الأزهر بدل ما اكلف نفسي خطوبة و مصاريف أو كنت شوفت واحدة زي ديما من الاول اهو كانت ها تبسطني من غير ما اكلف نفسي "
مصدومة ؟ ، بل و بشدة لا تتخيل أن هذا هو ما أراده ، أراد الاستمتاع و حسب ، اختار خطبتها ليتجاوز كل حدوده و عندما وضعت هي حصونًا منيعة حول حدودها قرر الذهاب الي أخرى يمكنه معها تجاوز حدوده بدلًا من الانتظار حتى تصبح زوجته ، ابتلعت غصة مريرة في حلقها لتقول بغضب و نبرة طغى عليها الخذلان في من أحبت :
" انت واحد زبالة و الزبالة مش بتتلم غير على زبالة زيها علشان كده حسيت اني كتيرة عليك فا قولت تسترخص "
انهت جملتها لتنزع خاتم الخطبة الذي كانت ترتديه و تُلقيه بوجهه ، كان ينظر إليها بدهشة لا يصدق أن تلك هي نفسها «اسيل» الفتاة الخجولة الرقيقة ، فاق من دهشته ليصك على اسنانه و يقترب منها قائلًا بتوعد :
" انا ها اوريكِ مين الزبالة دلوقتي "
و قبل أن يخطو خطوة أخرى نحوها أشارت له بسبابتها محذرة إياه :
" لو قربت مني مش ها استخسر الجزمة الي في رجلي دي فيك ولو انها ها تتوسخ لو ضربتك بيها "
دفعته بقوة لتخرج من المكان بأكمله متجهة الي منزلها و الخيبة و الخذلان ينهشون في قلبها ، وصلت منزلها لتتلاشى تدريجيًا تلك الشجاعة التي اكتسبتها في لحظات غضب و ما أن أبصرت والدتها بعد أن فتحت لها باب المنزل لتلقي بنفسها داخل أحضانها تبكي بقهر على كل ما مرت به و على خذلانها في أكثر شخص أحبته .
انتفضت بفزع عندما شعرت بمن يمسك بيدها ، نظرت سريعًا جانبها و لم تكن سوى شقيقتها و التي سألتها بقلق عندما رأت حالتها تلك :
" في اي يا اسيل مالك ؟ "
جففت دموع خانتها و تركت مُقلتيها لتشق طريقها الي وجنتيها ، لتقول بصوت مُحشرج اثر بكائها :
" مافيش "
ولم يسع شقيقتها سوى احتضانها و التربيت على ظهرها برفق ، فحتى إذا كانت علاقتهم محصورة بين الشجار و الخلافات إلا أن في وقت ضعف اي منهن لا تجد سوى شقيقتها لترتمي باحضناها و الأخرى لا تبخل ابدًا في مشاركة شقيقتها حزنها و كأنها تُزيحه من عليها و تقوم بأخذه هي ، بعد مدة شعرت «هنا» بأنتظام انفاس شقيقتها لتعلم أنها قد غفت ، عدلت من وضعها على الفراش لتقوم بتغطيتها جيدًا و تقرر الرحيل بعد أن القت عليها نظرة أخيرة حزينة .
________________________________
كان يقف بالشرفة يشعر بالتخبط ، تلك الحالة التي تلبسته منذ مقابلته لتلك الفتاة يعرفها جيدًا ، يبدو و أنه سيعود الي نقطة الصفر مرة أخرى ، تداهمه تلك الذكريات مجددًا ، تلك الذكريات التي قضى أربعة أعوام كي ينساها و برغم أنه لم ينساها يومًا إلا أنه أصبح على الأقل يستطيع التعايش معها ، و ها هو الآن يشعر أنه عاجز مجددًا عاجز عن فعل أي شيء ، لا يسعه سوى التفكير و الندم ، وضع يده بين كفيه ليعود بذاكرته إلي ذاك اليوم الذي توقف فيه قلبها و توقفت معها حياته...
" انت السبب يا اكرم ، انت الي قتلتها... قتلت بنتي حرام عليك ، منك لله ، حسبي الله و نعم الوكيل فيك يا اكرم "
كانت تبكي بأنهيار و زوجها يحاول إيقافها لكن لا جدوى استمرت في لومه و الصراخ به وهو يقف أمامها جامدًا لا يتحرك ولا يفعل أي شيء و كأنه فقد القدرة على النطق ، اشفق أحد الممرضين بحاله ليتدخل محاولًا تهدئة تلك السيدة :
" يا مدام الاعمار بيد الله استغفري ربنا و ادعيلها بالرحمة "
كان أحد الممرضين القلة في المشفى اللذين يستطيعون الحديث بالعربية لهذا فهو الوحيد الذي استطاع التدخل بما أن باقي الأطباء و الممرضين لا يفهمون ما يحدث ، و رغم محاولته في تهدئتها إلا أنه كان بلا جدوى لتصرخ تلك السيدة مرة أخرى وهي تُشير على «اكرم» و تطالعه بنظرات لو كانت تقتل لكان سقط صريعًا أمامها :
" هو الي قتل بنتي ، هو الي قتل ونس ، هو قالي ها اعالجها و رجعهالي جثة "
شعر ذاك الممرض أنه لا جدوى من الحديث معها فهي في حالة يرثى لها لهذا أشار إلي أحدى الممرضات بأن تعطيها إبرة مُهدئة ليقوم بأخذ «اكرم» بعيدًا عنها وهو سار معهم كالميت دون أي مقاومة أو اعتراض .
افاق من شروده ليمسح على وجهه بتعب ، شعر بمن وقف بجانبه ودون أن ينظر إليه علم أنه شقيقه و الذي سأله :
" في اي مالك "
" طلعت اختها "
قال كلماته وهو ينظر أمامه بأعين زائغة ليشعر «طارق» بالقلق فهو يدري أن تلك الحالة لا تتلبس شقيقه الا إذا تعلق الأمر بالماضي و هذا ما جعله يسأله بحذر :
" طلعت اخت مين يا اكرم ؟ "
نظر إليه أخيرًا ليشعر «طارق» بأنقباض قلبه وهو يرى حالة شقيقه ، ليقول «اكرم» بهدوء ينافي الصراعات داخله :
" طلعت اخت ونس "
حرك «طارق» رأسه بعدم فهم ليسأله بدهشة :
" هي ونس كان عندها اخوات ؟؟ "
اومأ له ببطء وهو ينظر إلي نقطة من الفراغ أمامه ليتذكر ذاك الحديث الذي دار بينهم و الذي هو أحد الأسباب الأساسية في حالته تلك ...
كان ينظر إليها مترقب إجابة منها ولم ينتظر كثيرًا حتى قالت :
" ونس ماكنتش تعرف أن عندها اخوات علشان كده عمرها ما قالتلك "
حرك رأسه بعدم فهم وهو يسألها :
" ماكنتش تعرف ازاي يعني ؟؟ "
حركت كتفيها لتقول بابتسامة لا تليق بما تسرده :
" انا اول ما اتولدت الدكتور قال لماما أن أنا عندي مرض في القلب... اصل احنا عيلة عندها مرض القلب الوراثي و بما ان بابا و ماما قرايب فا ماكنش في مهرب من أن عيالهم يورثوا منهم المرض و لحسن أو سوء حظي اني كنت اول خلفتهم ، المهم ماما ماقدرتش تستحمل لما الدكتور قالها اني مش ها اعيش غير كام شهر راحت ودتني دار ايتام علشان لو موت فعلًا ماتبقاش هي عارفة فا ماتزعلش "
رأت الصدمة تعتلي وجهه لتضحك بقوة قائلة من بين ضحكاتها:
" ماتستغربش اوي كده "
لتكمل سردها مرة أخرى بنفس ابتسامتها :
" ماما بعد سنتين جابت ونس و الي هي اتولدت كويسة و فرحوا اوي بس بعد ما جابت العشرين سنة جالها القلب ... سافروا بيها المانيا يعالجوها هناك علشان ماما ماكنتش مستعدة أنها تخسر عيل تاني بس الي حصل أن بعد سنتين علاج اكيد انت عارف انها ماتت في الاخر و قالولي أن الدكتور إلي عملها اخر عملية هو الي قتلها "
اومأ لها في هدوء يُحسد عليه ليقول بعد عدة لحظات من الصمت :
" انا ماقتلتهاش "
" عارفة "
اندهش من اجابتها ، تتحدث بثقة و كأنها تعرفه منذ سنين بل و تثق به أنه ليس له يد في قتل شقيقتها ، و لم تدعه هي يغوص في أفكاره لتقول مُزيلة حيرته :
" انا اه كنت في دار ايتام بس انا متعلمة و عارفة أن الموت ده قضاء ربنا و ونس اتكتبلها تموت ، ماما كانت منهارة وقتها علشان كده ماعرفتش تفكر ولا تعمل حاجة غير أنها تتهمك "
ابتسم لها بأمتنان لإخراجها له من بين أفكاره السوداء و التي تلازمه منذ فترة ، اخذ نفسًا عميقًا ليسألها بهدوء :
" طب و أنتِ رجعتي لأهلك تاني ازاي ؟ "
" ماما بعد ما خلاص أدركت حقيقة أن ونس ماتت راحوا دار الايتام دورت عليها هناك و لقتني "
سألها بدهشة :
" و أنتِ وافقتي ترجعي معاها ؟؟ "
نفت برأسها قائلة :
" في البداية لا بالذات بعد ما عرفت انها ودتني هناك علشان لو موت بس بعد ما عرفت أن هيا كمان جالها القلب وافقت ارجع معاها ، اصل مهما كان دي امي و اكيد محتاجة حد يكون جنبها مش ها اسيبها تموت ولا اي ؟ "
اومأ لها ليقول بتعجب من تلك الأقدار و ما آلت إليه الأمور في النهاية :
" عمر ما حد أبدًا يتوقع عمر الانسان ها يموت امتى و يعيش امتى ، أنتِ الي الدكتور راهن انك ها تموتي و مش ها تعيشي كتير خفيتي و رجعتي سليمة و ونس الي راهن أنها كويس و مش ها يجيلها المرض هي الي ماتت "
تنهد ليقول بحزن :
" الله يرحمها "
تممت عليه داعية لشقيقتها التي لم تراها يومًا بالرحمة ، لينهض هو من مقعده و يقول :
" كده بقى انتِ تقدري تدوري على دكتور تاني يعمل لوالدتك العملية "
أعطاها ظهره و قبل أن يغادر قالت ما جمده :
" بس انا عايزاك انت الي تعملها العملية "
نظر إليها ليحرك رأسه و يسألها بعدم فهم :
" اعملها العملية ازاي ؟ ، دي شايفاني قاتل ؟؟ "
اومأت له لتقول بهدوء :
" عارفة بس احنا ها نحاول نقنعها ، اهو منه ترجع سمعتك كدكتور و منه ماما تخف "
صمت وهو ينظر أمامه ، لا يرجح فكرة أن يقوم هو بأجراء تلك العملية لوالدتها فهي تظن أنه هو من قتل ابنتها إذًا من المستحيل أن توافق على أن يجري لها هو العملية ، و بعد دقائق من الصمت قال :
" ها افكر و ارد عليكِ "
اومأت له ليغادر هو بينما رسمت هي ابتسامة على جانب ثغرها لتقول بتسلية :
" و منه برضو تقتلها زي ما قتلت ونس ! "
فاق من شروده على صوت شقيقه الذي سأله بقلق :
" روحت فين يابني ؟ "
نفى برأسه قائلًا :
" معاك اهو "
كاد شقيقه يتحدث لكن قاطعه دلوف شقيقته الي الشرفة بحامل معدني لتضعه على الطاولة المتواجدة بالشرفة و تقول :
" الشاي يا طارق "
اومأ لها وهو ينظر في ساعته و التي كانت الحادية عشر مساءً ليقول لها :
" هو الوقت اتأخر بس مش مشكلة اعملي قهوة لاكرم علشان دماغه مصدعة "
اومأت له و غادرت متجهة إلي المطبخ لتعد القهوة لشقيقها الذي شرد في أفكاره مرة أخرى ليتنهد «طارق» بقلة هي بعدما فقد الامل في أشغال شقيقه عن التفكير .
_______________________________
في ظهيرة اليوم التالي ؛ كانت تهبط على الدرج بشرود و برغم أن المصعد يعمل و أنها تقطن في الطابق الرابع إلا أنها قررت النزول على الدرج بدلًا من استخدام المصعد ، أخذت تفكر في كم من الوقت مر منذ اخر مرة ذهبت الي حديقة المنزل ، ليست بالمدة الكبيرة الا انها اشتاقت للمكوث هناك و التمتع بمشاهدة الازهار و الأشجار ، ذاك المشهد الذي يجعل الراحة تتخلل الي أطرافها و تشعر بشعور افضل ، كانت حقًا مُختلفة في الآونة الأخيرة و هذا ما جعل عائلتها تلاحظ لهذا قررت الهروب من هذا الضغط بعد أن واجهها شقيقها بأسئلته عن سبب تغيرها و لعدم احتمالها تركت الشقة و ذهبت الي الاسفل كي تبقى وحدها و تستطيع التفكير بشكل أفضل ، وصلت الي الاسفل ، دلفت الي الحديقة لتجد سبب تغيرها يجلس على أحد المقاعد الخشبية المتواجدة بها ، رفع نظره عن الهاتف عندما شعر بأحدهم ليجدها تقف أمامه متسمرة ، ابتلع ريقه ليقول بصوت منخفض لم يصل إليها و لكنها قرأت ما قاله على شفتيه :
" سما ! "
ووويُتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات