📁 آخر الروايات

رواية احفاد نصار الفصل الخامس عشر 15 والاخير بقلم دنيا كريم

رواية احفاد نصار الفصل الخامس عشر 15 والاخير بقلم دنيا كريم



الفصل 15 و الاخيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر " لأنه تعلق بهم "

ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تراه ينظر إليها بصمت محاولًا اخفاء توتره و لم تكن هي افضل منه حالٍ فقد كانت متوترة أكثر منه في الواقع ، ظل الحال هكذا عدة لحظات حتى نهض هو من مكانه مُتجهًا الي باب الحديقة الذي كانت تقف أمامه ليفعل اخر ما توقعته وهو أنه مر من جانبها صاعدًا الدرج بهدوء ، لم يُلقي عليها نظرة خاطفة حتى بل صعد الي الاعلى غير ابه بوجودها ، لتتجه هي الي ذاك المقعد الذي كان يجلس عليه لتجلس عليه بدهشة وهي لا تصدق ولا تدري ما الذي اوصلهم الي هذا الحال ؟! .
_________________________________
كانت تجلس على فراشها تقوم بالعبث بهاتفها بملل لتعتدل في جلستها عندما فُتح باب غرفتها و لم تكن سوى زوجة والدها و التي قالت :
" في عريس متقدملك "
عقدت حاجبيها لتسألها باستغراب :
" مين ده ؟ "
" واحد ابن ناس محترمة ، رجل اعمال و غني "
لم تفهم ما المغزى من حديثها لهذا قالت بعدم اهتمام :
" طيب اهلًا و سهلًا يشرف "
اقتربت منها زوجة والدها لتقول مُحذرة إياها :
" عارفة يا مريم لو رفضتي العريس ده كمان و ده بالذات ها اعمل فيكِ اي ؟ "
ابتلعت «مريم» ريقها بصعوبة لتومئ لها بتوتر ، خرجت من غرفتها وهي تُلقي عليها نظرات تخبرها بها أن كل ما ينتظرها سيكون سيئًا إذا فكرت في رفض ذاك العريس ، لتُلقي «مريم» بجسدها على الفراش و تبكي خوفًا من فكرة أن تتزوج بالاجبار و من رجل لا تعرفه !
__________________________________
" كده في حد ناقص ؟ "
كان هذا سؤال «نجاح» لزوجات اولادها و فتياتهم الذين كانوا يقفون صفًا أمامها لينفي الجميع برأسه عدا «هنا» التي سألت جدتها :
" فين بسمله و عمتو ؟ "
اجابتها جدتها قائلة وهي تضرب بعكازها على الأرض :
" بسمله و حنان مش ها يعملوا معانا النهاردة علشان حنان جوزها راجع من السفر النهاردة "
تأففت «اسيل» لتهمس بتذمر لـ «سما» التي كانت تقف بجانبها لكنها في عالم اخر بعيد عنهم:
" لازم يعني نعمل كحك و بسكوت ؟ ، فيها أي لو جبناه جاهز يعني ؟؟ "
و لم تُجبها «سما» التي لم تنتبه لاي من ما قالته في الأساس بل اجابتها جدتها و التي سمعت ما قالته رغم همسها :
" احنا ها نعمل البسكوت في البيت السنة دي علشان فرحة العيد ، حد عنده اعتراض ؟ "
ابتلعوا جميعًا ريقهم ينفون برؤوسهم بخوف من طريقة حديثها الجامدة و المُخيفة بالنسبة لهم ، لتبتسم هي و تقول برضا :
" كويس ، يلا جهزوا الفرن و الحاجة علشان نبدأ "
بدأوا في تجهيز المكونات و تسخين الفرن كما طلبت منهن ، و بما أنهم جميعًا لا يعرفون طريقة صنع بسكويت العيد كانت «نجاح» هي المشرفة عليهم في غياب ابنتها لعودة زوجها من العمل اليوم ، انتهوا من تجهيز كل شيء كما طلبت لتجلس «نجاح» أرضًا و يقومون زوجات اولادها بوضع لها المكونات في صحن كبير لتبدأ هي باستعمال يداها بخلط المكونات جيدًا .
مرت عدة ساعات و قد علموا جميعًا ادوارهم ، منهن من تقف أمام الفرن لتراقب خبز البسكويت كي لا يحترق و منهن من يقومون بتشكيل البسكويت و هكذا ، و وسط تلك الأجواء المزدحمة دق باب المنزل لتنهض «هنا» نافضة يداها من الدقيق ، لتتجه و تقوم بفتح الباب و لم يكن سوى «يزن» ، كاد يدلف الي الداخل لتوقفه قائلة :
" استنى عندك رايح فين ؟ "
عقد حاجبيه بعدم فهم وهو يقول :
" داخل "
نفت برأسها لتقول وهي تستند على الباب :
" تؤ تؤ ، خالعين راسهم "
رمش بعينيه عدة مرات ليكرر خلفها بعدم فهم :
"خالعين راسهم ! "
ضحكت بقوة وهي ترى تلك التعابير البلهاء تعلوا وجهه لتقول من بين ضحكاتها :
" مش لابسين طرح قصدي "
اومأ لها بتفهم ليغمز بأحدى عيناه و يسألها بمشاكسة :
" و أنتِ مش خالعة راسك ؟ "
ضحكت بصخب لتنفي برأسها و تقول بدلال :
" انا على طول خالعة راسي "
" يا جامد انت "
لينظر حوله فجأة و كأنه يتأكد من أنه لا يوجد احد ثم همس لها قائلًا :
" بقولك اي ما تيجي ننزل نتمشى شوية "
نظرت بطرف عينها الي الداخل لتجد الجميع مُنشغلين في اعداد البسكويت لتعود بنظرها إليه و تقول بتفكير :
" بس ها اقولهم اي ؟ "
صمت يفكر قليلًا ليبصر قالب الشوكولاته الموجودة على الطاولة بجانب الباب ، اخذ القالب ليقول بابتسامة :
" قوليلهم نازلة تجيبي شوكولاتة علشان خلصت "
اتسعت ابتسامتها لتومئ له عدة مرات وهي تدلف الي الداخل لتقوم بأخذ سترتها الموجودة على أحد المقاعد ، لتقول بصوت عالٍ قبل أن تغادر :
" ها أنزل اجيب شوكولاتة علشان خلصت "
ولم يستطع أحد الرفض فهي لم تعطيهم فرصة على اي حال بل اتجهت سريعًا الي الخارج حيث كان ينتظرها أمام الباب ، هندمت من وضعية ثيابها ليسألها وهو يتجه الي الدرج :
" يلا ؟ "
اومأت له قائلة بحماس :
" يلا "
غادروا معًا المنزل ليسألها وهم في طريقهم الي مكان لا تعرفه هي :
" تحبي اجبلك اي ؟ "
حركت رأسها تسأله بعدم فهم :
" تجبلي اي ؟ "
ابتسم وهو يقول :
" عايز اجبلك هدية بمناسبة العيد "
اتسعت ابتسامتها لتسأله بحماس :
" بجد ؟؟ "
اومأ لها مؤكدًا لتضع يدها على ذقنها وهي تفكر بكل سعادة في تلك الهدية التي سوف يشتريها لها و ما توصلت إليه في النهاية هو :
" عايزاكِ تنقيلي على ذوقك "
مط شفتيه وهو يفكر في ما قد يشتريه لها ليأخذه التفكير حتى وصلوا الي أحد متاجر الهداية ، اخذ ينظر إلي الاشياء داخل المتجر و يقوم بالانتقاء بعناية بينما هي كانت تراقب اهتمامه الشديد وهو يبحث عن شيء جيد يهديه لها لتجد نفسها تلقائيًا أقامت مُقارنة بين علاقتهم الان و علاقتهم في أول لقاء لها به في ذاك اليوم الذي اصطدمت به وهي تحمل اكواب القهوة و التي انسكبت عليها ، تتذكر كم كانت لا تُطيق رؤيته حينها و تتمنى أن تقوم بكسر تلك الاكواب على رأسه ، ضحكت بخفوت وهي تتذكر احداث ذاك اليوم لتهيم في ملامحه التي تعشقها وهي لا تدري متى أصبحت تحبه هكذا ، و لم يجول في رأسها سوى سؤال واحد و الذي هو " كيف يمكن لشخص أن يحب أحدًا بهذا القدر بعد أن كان لا يطيق رأيته بنفس المقدار ؟ "
فاقت من شرودها على صوته وهو يسألها :
" اي رأيك ؟ "
نظرت إليه ثم اخفضت نظرها الي ما يحمل بيده حيث كانوا اسوارين يحملان نفس الشكل ، عقدت حاجبيها وهي تسأله :
" اي دول ؟ "
حرك كتفيه قائلًا بابتسامة :
" دول حظاظتين توينز بيلبسوهم البيست فريند و أنتِ خلاص بقيتي البيست فريند بتاعتي علشان كده قررت اجيبهم و نلبسهم سوا "
ارتفعت دقات قلبها لتشعر بأن المكان فجأة أصبح لا يحوي اي اكسجين ، لا تدري اثر كلماته ام أنها تختنق ! ، انتشلت من يده السوار لتقول بحماس و سعادة غامرة :
" تحفة يا يزن "
اتسعت ابتسامته وهو يرى سعادتها و كيف كانت تقفز فرحًا كلاطفال من هدية بسيطة كهذه ، ارتدته ليرتديه هو الآخر ، وضعت يدها بجانب يده قائلة بسعادة :
" شكلهم حلو اوي ، تعالى نصورهم "
اومأ لها بابتسامة لتقوم بإخراج هاتفها من حقيبتها و تقوم بألتقاط صورة ليداهما معًا ، نظرت إلي الصورة لتقول برضا :
" حلوة اوي... ها احتفظ بيها "
_________________________________
كانت اوقات جميلة و دافئة ، كانوا يمزحون و يتحدثون في أشياء عديدة و هم يعدون حلوى العيد ، و برغم تعبهم إلا أنهم تمنوا الا تنتهي تلك الأوقات كي يبقوا معًا و لاول مرة يشعرون بدفء العائلة و تلك الأجواء السعيدة عندما تكون عائلتك حولك ، و لكن كما نعلم فـ رمضان ماهو الا ضيف خفيف يأتي و يرحل سريعًا ولا يرحل وحده بل يأخذ معه الكثير من البهجة و السرور و لكن ربما مجيء عيد الفطر بعده هو ما يهون علينا قليلًا حزن رحيل هذا الشهر الكريم... و بهذه المناسبة فاليوم هو يوم وقفة عيد الفطر و اخر ايام الشهر المبارك ، و في شقة «محمود» جلست «اسيل» على فراشها تضع عدد من العلب المخملية الصغيرة و تقوم بوضع بكل علبة قلادة من عدة قلادات بجانبها على الفراش ، دلفت «هنا» في تلك اللحظة الي الغرفة لتسألها بأنزعاج :
" مين الي ها يعمل المطبخ بما أن حضرتك قعدتي ؟ "
اجابتها دون النظر لها وهي تصب تركيزها على ما تفعله :
" انا عملت الشقة كلها مع ماما و أنتِ نايمة اعملي أنتِ بقى المطبخ ولا ناوية ماتعمليش حاجة خالص ؟ "
تأففت شقيقتها بأنزعاج لتترك الغرفة و تتجه الي المطبخ لكي تنهي تنظيفه مُجبرة بينما كانت هي قد انتهت من ما تفعله لتنظر الي العلب أمامها و تقول برضا :
" كده حلو اوي "
جمعت الاشياء داخل حقيبة لتضع وشاحًا على رأسها و تتجه الي الخارج و اول شقة قررت الذهاب إليها هي شقة عمها «احمد» .
وصلت الي الاعلىٰ و دقت باب منزل عمها لتفتح لها ابنة عمها «سما» و التي كانت ترتدي عباءة بيتية قصيرة و تمسك بيدها ممسحة لتقول بابتسامة فور رؤيتها :
" اسيل! ، كل سنة و أنتِ طيبة يا قلبي "
اجابتها بابتسامة :
" و أنتِ طيبة يا سما... انتوا لسه ماخلصتوش الشقة ؟ "
رفعت «سما» الممسحة التي كانت تمسكها لتقول بقلة حيلة :
" لسه ، اهو بمسح الصالة "
اومأت لها لتخرج ثلاث علب من حقيبتها و تعطيها لها ، اخذت منها العلب وهي تسألها :
" اي دول ؟ "
أشارت لها على احداهم قائلة :
" افتحيها "
وضعت العلبتين الأخرتين جانبًا لتقوم بفتح تلك العلبة التي أشارت لها عليها لتجدها قلادة يتدلى منها شكل محارة ، اخذت تُقلب القلادة بيدها لتقول بأعجاب :
" الله شكلها حلو اوي... دي ليا ؟ "
اومأت لها قائلة بابتسامة :
" افتحيها "
نظرت إلي القلادة لتدرك أنها تقصد تلك المحارة المتدلية منها و التي أدركت للتو أنها تُفتح ، قامت بفتحها لتجد أحد جوانبها كُتب عليها اسمها و الجانب الآخر كُتب عليه اسم عائلتهم " نصار " ، رفعت نظرها لها لتقوم بأحتضانها و تقول بسعادة :
" شكرًا بجد حلوة اوي "
بادلتها «اسيل» الاحتضان وهي تقول :
" اعتبريها هدية بمناسبة العيد و ذكرى تفتكروني بيها "
اومأت لها و بعد كلمات الوداع بينهما غادر «اسيل» بعد أن اوصتها أن تعطي شقيقيها العلبتين الأخرتين ، اتجهت الي الشقة التالية وهي تشعر بالسعادة لأنها ستترك لهم جميعًا ذكرى إذا حدث و افترقوا و ما جهلته هو أن الفراق كان قريبًا جدًا ربما على بُعد خطوة واحدة!
و بعد مرور ساعة ، نظرت داخل حقيبتها لتجد أنه لم يتبقى سوى ثلاث علب يخصون اولاد عمها «محمد» ، و رغم تهربها من الذهاب الي هناك و ذهابها الي جميع الشقق عدا شقة عمها الأكبر إلا أن الان لا يوجد مهرب فلم يتبقى سوا أولاده على اي حال ، اخذت نفسًا عميقًا محاولة تخفيف توترها و اتجهت الي شقة عمها ، دقت الباب و بعد عدة لحظات قام «طارق» بفتح الباب ليقول مُرحبًا :
" ازيك يا اسيل ، تعالي ادخلي "
و بعد لحظات من التردد دلفت الي الداخل لتقوم بأعطاءه أحد العلب وهي تقول :
" هدية العيد "
اخذ منها العلبة ليقول بابتسامة :
" شكرًا... تعبتي نفسك "
نفت برأسها بمعنى لا مشكلة لتسأله بتردد :
" امال فين اكرم ؟ "
ابتسم فقد كان يتوقع سؤالها ليُشير لها ناحية الشرفة و يقول :
" اكرم قاعد في البلكونة ، ادخليله "
اومأت لها لتعطيه علبة أخرى و تقول وهي تتجه الي الشرفة :
" ممكن تدي دي لنور ؟ "
أمٓاء لها بالموافقة في نفس اللحظة التي وصلت فيها أمام الشرفة لتقف مترددة أمام بابها و كل تفكيرها هل تدخل ام تُعطي العلبة الخاصة به لشقيقه و تغادر! ، و بعد عدة لحظات من التردد قررت الدخول لتجده جالسًا بالداخل على أحد المقاعد يعبث بهاتفه ، تنحنحت لتلفت انتباهه ليرفع نظره إليها و عندما وجدها هي اعتدل في جلسته قائلًا بهدوء وهو يُشير على أحد المقاعد :
" اتفضلي "
استغربت ردة فعله الهادئة ، لم يقول اشياء تضايقها كالعادة أو يفعل أي من تلك الأشياء التي تُثير استفزازها ، كان يبدو كا... كأول مرة لاقته بها ، هادئ بشكل مُريب ، صامت غير مُبالي أو مُهتم بأي شيء و رغم شعورها بخطبٍ ما به إلا أنها ترددت في سؤاله فقط أعطته العلبة و قالت بتلعثم بعد أن جلست :
" اتفضل... هدية العيد "
نظر إلي تلك العلبة ليأخذها منها و هو يسألها بابتسامة :
" جايبالي هدية ؟ "
نفت برأسها سريعًا كأنها تُزيل تهمة عنها :
" لا... قصدي اه... قصدي انا جبتلكم كلكم "
ضحك بسخرية ليومئ لها وهو يقوم بفتح العلبة و عندما وجد بها قلادة قال بسخرية :
" بتردهالي يعني ؟ "
فهمت أنه يقصد هدية عيد ميلادها و التي كانت بها قلادة أيضًا ، لتقول بهدوء و شعور بالخجل :
" لا هي صُدفة مش اكتر "
أخرج القلادة من العلبة ليتدلى منها شكل القلب و ليست محارة كما هداية باقيتهم و رغم عدم علمه أن هديته مختلفة قال وهو يضحك :
" قلب ؟؟ ، يعني أنا القلب و أنتِ النبض ؟ "
ابتلعت ريقها بصعوبة مع ارتفاع دقات قلبها ، و برغم انها لم تلاحظ أنها ترتدي قلادة على شكل نبض القلب الا انها اشترت له قلادة بشكل القلب لأنها شعرت أنها تمثل عمله كـ طبيب و الان تشعر بالندم لظنه أنها اشترت هذه لتصبح ملائمة مع خاصتها و حسب ، و لم يعطيها هو فرصة للتبرير بل قال بابتسامة مُمتنة طغى عليها الحزن :
" شكرًا يا اسيل... حقيقي دي حاجة كبيرة بالنسبالي و ها احتفظ بيها علشان هي منك أنتِ بس "
اشتعلت وجنتاها خجلًا ، شعرت أنها فقدت القدرة على النطق أو قول اي شيء و لم يسعها سوى الابتسام و خفض وجهها كي تهدأ و هو الآخر لم يسعه سوى الضحك بخفوت على حالة الخجل التي تلبستها... كانت لحظات قليلة من تلك التي يقضونها معًا دون أي شجار أو مضايقات ، كانت لحظات هادئة في غاية الروعة لكنها لم تدم طويلًا! ، و فجأة سمعوا صوت ضجة بالاسفل ، خرجوا كلاهما من الشرفة و اسرعوا الي الباب ليروا ما يحدث ليجدوا «طارق» يهرول الي الاسفل بسرعة .
ابتلعت ريقها بصعوبة و قد استشعرت حدوث كارثة لتهبط هي و «اكرم» الي الاسفل أيضًا حيث الطابق الخاص بجدتها ، وصلوا الي هناك لتشهق «اسيل» بصدمة عندما أبصرت ما يحدث... والدها و عمها «احمد» كل منهم يمسك الآخر من تلابيبه و يتشاجرون بينما عمها الأكبر «محمد» يحاول حل الخلاف و جدتها تقف على أعتاب شقتها ترمقهم بسخط ، هتفت برعب و عدم تصديق :
" با...بابا "
أبعدها «اكرم» قليلًا ليتجه إليهم و يقف بجانب والده ليسأله :
" في اي يا بابا الي بيحصل ده ؟ "
لم يُجيبه والدها بل اندفع نحو شقيقيه يحاول الفض بينهم ، ليدفعه شقيقه «احمد» و يقول بغضب :
" اوعى يا محمد ، انا ها اوريك "
اشتعل «محمد» غضبًا ليقوم بسحب «احمد» من تلابيبه قائلًا بتوعد :
" بتزق اخوك الكبير يا احمد ؟ ، و بتكلم امك في ورث و فلوس ؟ ، ده انت نسيت الرباية بقى "
كانوا جميعًا متسمرين مكانهم لا يستطيع أحد التفوه بحرفٍ واحد من الصدمة لتصبح صدمتهم اقوى مع قول «نجاح» :
" واقفين بتتخانقوا على ورث و فلوس ؟ ، هو ده الي نصار وصاكوا عليه ؟؟ ، لو قعدتكم هنا مع بعض ها تبقى دي نتيجتها فا اتفضلوا امشوا انا مش عايزة اشوف وش حد فيكم "
نظر إليها «محمود» ليقول بغضب وهو يتجه الي الاعلى :
" عندك حق ، انا مش ها اقعد ثانية واحدة تاني في البيت ده "
اتجه الي شقته لتتبعه زوجته و خلفها ابنتها «هنا» بينما عجزت «اسيل» عن الحراك اثر صدمتها ، كانت تنظر إلي الجميع بتيه ترى «اكرم» يحاول تهدئة والده و معرفة ما يحدث و جدتها ترفض رفضًا قاطعًا أن تتناقش معهم ، كل هذا وهي مازالت على حالها لتجد فجأة كل من عمها «محمد» و عمها «احمد» غادروا مُقررين السفر أيضًا و العودة إلي ديارهم لتشعر فجأة أنها النهاية .
________________________________
دلفت الي غرفة والدتها بعد أن استطاعت الخروج من صدمتها بسبب ما حدث ، اقتربت منها لتجدها تضع حقيبة سفر على الفراش و تقوم بوضع الملابس الموجودة بالخزانة بها ، ابتلعت ريقها بصعوبة لتسألها بنبرة مُضطربة :
" ماما هو احنا ها نمشي ؟ "
نظرت إليها والدتها بطرف عينها لتومئ لها بهدوء لتستكمل ما كانت تفعله دون الاكتراث لها ، خرجت من الغرفة و هي تشعر بالسواد يُحيط بها لكن لماذا ؟ ، الم يكن هذا ما تمنوه و حاربوا لأجله ! إذن لماذا الان هي ليست سعيدة بالرحيل و العودة إلي وطنها ؟ ، ظلت الأفكار تعصف بها لتمسك برأسها بقوة و كأنها تمنع نفسها بتلك الطريقة من التفكير ، ليخرجها من حالتها تلك صوت رنين هاتفها و الذي كانت تُمسكه بيدها بالفعل ، نظرت إلي هوية المتصل لتجدها صديقتها و الوحيدة «مريم» و من غيرها يعرفها من الاساس ؟ ، وضعت الهاتف على أذنها بعد أن فتحت المكالمة ليأتيها صوت صديقتها مُتقطعًا و بنبرة خائفة :
" اسيل انا... "
ولم تعطيها هي فرصة في إكمال ما أرادت قوله فقط قالت باختصار شديد :
" انا راجعة النهاردة يا مريم "
شعرت «مريم» بالراحة و السعادة من فكرة عودة صديقتها في اشد الأوقات التي تحتاج لها بها لتومئ لها و تقول بهدوء :
" ترجعي بالسلامة... انا محتاجاكِ جنبي الفترة دي "
ودعتها و لم تكلف نفسها عناء معرفة ما بال صديقتها فهي الان في حالة يرثى لها بالفعل ! ، هوت على الأريكة بعد أن شعرت بأن قدماها لا يستطيعان حملها لتضع يدها على وجهها وهي تشعر أن دموعها ستخونها و تسقط في اي لحظة ، و ها هو صوت رنين الهاتف من جديد يصدح مُعلنًا اتصال أحدهم ، كادت تغضب و تقوم بأفراغ كل حزنها به و لكن قبل أن تُلقيه أرضًا كما قررت وجدت اسم «سما» يُنير شاشتها لتهدء قليلًا و تقوم بفتح المكالمة في صمت ليأتيها صوت ابنة عمها تقول :
" اطلعي يا اسيل السطح كلنا فوق "
و رغم استغرابها لماذا هم بالنادي في ذاك الوقت الذي من المفترض أنهم يتجهزون فيه للرحيل الا انها وافقت في هدوء و صعدت الي الاعلى ، لوهلة ظنت أنها الوحيدة الحزينة على المغادرة لكن رؤيتها لحالهم التي لم تختلف كثيرًا عن حالها جعلتها تضحك بسخرية على هذا الوضع بأكمله ، جلست على أحد المقاعد في صمت و لم يُكلف أحدهم نفسه عناء الحديث ليدوم الصمت فترة حتى كسرته «سما» بقولها الذي فاجأهم جميعًا :
" تعالوا نلعب لعبة الصراحة "
نظروا إليها جميعًا في ذهول في حين هتف شقيقها بحدة :
" هو ده وقته يا سما ؟ "
اومأت له لتقول مؤكدة :
" اه وقته يا مؤمن... وقته لأن مافيش وقت تاني اصلًا و احتمال دي تكون اخر مرة نشوف فيها بعض ، لا بابا و لا حد من عمامك ها يوافقوا يفضلوا هنا ولا جدتك ها تسمح بده اصلًا ، علشان كده... "
صمتت قليلًا لتكمل بحزن :
" علشان كده حابة اعرف حاجة واحدة مميزة عنكم على الأقل قبل ما امشي "
شعروا جميعًا بالحزن في تلك اللحظة و لم يسعهم سوى الموافقة لعله اخر لقاء فعلًا كما قالت ، جلسوا على مقاعد الطاولة ليحضر «يزن» لهم زجاجة ماء فارغة و كان أول من قام بتدويرها هي «اسيل» ، وقفت الزجاجة بين كل من «نور» و «مؤمن» و كان «مؤمن» هو من عليه السؤال ، نظر إليها عدة ثوانِ ليسألها بهدوء :
" ليه اخترتي تشتغلي دكتورة بيطرية ؟ "
ابتسمت لذاك السؤال لتقول بابتسامة صغيرة :
" لما كنت صغيرة كان في قطة عند الجيران كنت بحب العب معاها و فجأة جيه وقت بطلت اشوف فيه القطة دي و لما سألتهم عنها قالولي أنها تعبت و ماعرفوش يعالجوها و ماتت و من ساعتها و انا قررت ابقى دكتورة علشان انقذ الحيوانات دي "
اومأ لها بابتسامة ليقوم بتدوير الدورة الثانية لتتوقف الزجاجة بين كل من «سما» و «طارق» و الاسوء من ذلك بالنسبة لها انه هو من سيقوم بسؤالها ، ابتلعت ريقها بصعوبة و الان هي نادمة أشد الندم على اقتراحها للعبة ، صدفة ؟ حسنًا ربما اراد القدر مصارحة بينها على الأقل قبل الفراق و ها قد أعطاهم فرصة ، كانت تنظر إليه بترقب ليسألها هو سؤال جعل عيناها تتسع بدهشة :
" ها تسامحيني ؟ "
حركت رأسها بعدم فهم ليتنهد هو و يقول :
" ها تسامحيني على اي حاجة عملتها أو كنت ها احاول اعملها ؟ "
لمعت الدموع في عيناها بضعف لتومئ له و قلبها يعتصر بالألم على هذا الحال الذي وصلوا له ؛ بالنسبة للجميع كان هذا مجرد اعتذار عن خطأ ارتكبه في حقها و لكن ما لا يعرفه سواهما أنه يعتذر لها على قصة حب كان على وشك خوضها معها و لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة لتنتهي تلك القصة قبل أن تبدأ حتى .
كانت الدورة الثالثة و كان «يزن» هو من أدار الزجاجة هذه المرة و التي وقفت بين «اسيل» و «اكرم» و كانت «اسيل» هي من ستسأل ، نظرت إليه و قد كانت عيناه ثابتة ، يرمُقها بتركيز وهو ينتظر سؤالها ، اخفضت وجهها كي لا تتلاحم أعينهم و تتوتر فهي تخشى التواصل البصري ، بدأت بالتفكير في سؤالها ، هي لديها سؤال يدور في ذهنها منذ مدة ولكنها ترددت في سؤاله شعرت أن هذا هو الوقت المناسب بما أنه لا يوجد اي وقت آخر من الأساس ، حسمت قرارها بأن تسأله رغم أنها مازالت مترددة ، سألته و التردد ظاهر على صوتها :
" عمرك عيشت تجربة أن مريض قدامك بين الحياة و الموت و انت مش قادر تساعده ؟ "
نظر إليها بصدمة لم تتوقعها ثباته الذي حاول جاهدًا إظهاره في موقف كهذا اهتز بل ربما اختفى تمامًا ، أصبح شخصٍ مختلفًا تمامًا ، مجرد بضعة كلمات كان أثرها جليًا عليه ، تلقائيًا وضع يده على قلبه ليضغط على قميصة بقوة و كأنه يحاول تهدئة قلبه الذي تسارعت نبضاته و أنفاسه التي أصبحت تخرج بصعوبة من رئتيه ، كانت الدهشة على وجوههم جميعًا من حالته التي تغيرت فجأة و زادت دهشتهم عندما هب واقفًا قائلًا بصوت مرتجف :
" انا ماشي "
غادر و قد رمقها بنظرة لن تنساها أبدًا ، نظرة تحمل في طياتها الكثير من العتاب و الحزن ، ترك المكان بأكمله و غادر ما جعل الأجواء التي سعت «سما» لتلطيفها تصبح أكثر توترًا ليسود الصمت في المكان...
استقامت «اسيل» من مقعدها لتقول بندم :
" انا نازلة "
أنهت جملتها و تركت السطح و ذهبت الي شقتها وهي نادمة على ما فعلته بينما هو في نفس التوقيت كان يسير في الإرجاء يشعر بالتخبط سؤالها جعل ما حاول نسيانه جاهدًا يعود إليه و بصورة واضحة على هيئة كابوس ، داهمته كل هذه الذكريات مرة أخرى فلم يشعر الا بدمعة غادرت عينه بغتة تحاول أن تخفف عن ألمه ليمسحها بسرعة و قد أصبحت عيناه كؤوس من الدماء اثر كبحه للدموع .
_________________________________
جلست على الفراش بعد أن جهزت حقيبة سفرها لتبكي بقهر وهي لا تصدق ما فعلته ، هل ستكون حقًا هذه النهاية و بهذه الطريقة ! ، دلفت شقيقتها الي الغرفة لتسألها بمعاتبة :
" ليه سألتيه السؤال ده يا اسيل ؟ ، انتِ ماتعرفيش أن الدكاترة حساسين اوي من الناحية دي ؟ "
رفعت نظرها لها لتقول بدموع و ندم يكاد يفتك بها :
" هو كان متضايق... انا كان نفسي اعرف ماله... كان نفسي يحكي و يقول هو زعلان ليه أو في أي مخليه زعلان كده ، افتكرت... افتكرت أنه ها يتكلم و يخرج الي جواه بس..."
زاد نحيبها لتقوم شقيقتها باحتضانها و التربيت على ظهرها كي تهدأ ، ولم تعطيها والدتها فرصة للانهيار بل دلفت الي و قالت بجمود :
" يلا علشان نلحق الطيارة "
_________________________________
ها هم في مطار "القاهرة" جالسين في محطة الانتظار و قد أعلن ذاك الصوت الالي المدة المتبقية على اقلاع الطائرة و قد كانت نصف ساعة ، مرت تلك النصف ساعة باضطرابات كثيرة عليها جعلتها ترغب في الصراخ لشعورها أنها ستنفجر ، و يبدو أن التفكير اخذ منها وقت أكثر من المتوقع لتسمع ذاك الصوت الآلي مرة أخرى يعلن تبقي خمس دقائق على الاقلاع ، لينهض والدها و يحثهم على النهوض ليتجهوا الي مقاعدهم في الطائرة ، امتثل الجميع لأمره عداها هي ظلت تنظر إليهم بتشتت و عندما لاحظت والدتها أنها لم تتحرك إنش واحد من مكانها سألتها باستغراب :
" في اي يا اسيل ؟ "
نظرت إليها لتنفي برأسها و تقول بارتجاف :
" ل...لا "
نظروا جميعًا إليها بتعجب لتقول هي بدموع :
" مش عايزة امشي ، انا... انا قولت لاكرم كلام ضايقه اوي ماكنش المفروض أسأله السؤال ده لازم اروح اعتذرله ، كمان... كمان انا لسه ماتعلمتش من بسمله الف الخمار ازاي... انا لسه في حاجات كتير لسه ماعملتهاش و عايزة اعملها معاهم "
حركت والدتها رأسها بدهشة لتسألها باستنكار وهي ترى حالتها تلك :
" هو مش انتوا الي كنتوا عايزين تمشوا و فضلتوا تحاولوا تقنعونا ؟ "
اومأت لها لتقول مؤكدة :
" أيوة بس... بس احنا كنا بنحاول بس لكن ماكناش عايزين نمشي ... انا مش عايزة أنا اسفة بس انا ها ارجع "
" و اي الي مخليكِ واثقة أنهم كمان رفضوا يمشوا و رجعوا تاني ؟ "
كان هذا سؤال والدها الساخر لتقول وهي تضع حقيبة السفر جانبًا :
" انا واثقة فيهم "
و فجأة و دون سابق إنذار تركتهم و ركضت الي الخارج عائدة إليهم ، إلي ذاك المكان الذي شعرت فيه بالدفء و السعادة و الالفة ، شعور لم تشعر به من قبل و قد أحبته و تعلقت به ، اهتز هاتفها مُعلنًا اتصال لتمسك الهاتف و تجيب قائلة بدموع :
" انا اسفة يا مريم بس ماقدرتش ..."
اغلقت الخط دون انتظار رد صديقتها التي هوى قلبها أرضًا ، و بعد ركض لا تدري لكم من الوقت وصلت الي المنزل ، كانت تصعد الدرجات تقدم خطوة و تؤخر الأخرى ، كانت خائفة و بشدة ، خائفة من أن تكون الوحيدة التي قررت العودة و هم لم يأبهوا للأمر لكنها وثقت بهم ، دلفت الي شقة جدتها التي كان بابها مفتوحًا لتنظر حولها ولا تجد أحد ، اقتربت من غرفة المعيشة لتسمع صوتًا بالداخل جعلها تفتح الباب سريعًا دون طرقه لتنفجر اساريرها بساعدة وهي تراهم مجتمعين يتحدثون معًا بسعادة لتقترب منهم و تقول بعدم تصديق :
" انتوا رجعتوا بجد ؟ "
نظروا إليها جميعًا بابتسامة لتقترب منها «سما» و تقوم باحتضانها قائلة بسعادة :
" كنت متأكدة أن أنتِ كمان ها ترجعي "
بادلتها العناق وهي تنظر لهم بسعادة ، لا تصدق أنهم ايضًا قرروا العودة لتقول من بين دموعها بتأثر :
" انا كنت واثقة انكم مش ها تمشوا بالسهولة دي "
دق باب الغرفة في تلك اللحظة لتدلف «هنا» و خلفها «مازن» لتقول براحة بعد أن رأتهم جميعًا :
" انتوا كلكم رجعتوا بجد ؟؟ "
اومأ لها الجميع بابتسامة لتمسح دمعة فرت من عينها و تقول بسعادة :
" فاكرين لما قولت أن نهاية فيلم عسل اسود مش منطقية و أنه ازاي رجع مصر وهو ماكنش طايقها اصلًا ؟ "
اومأوا لها جميعًا لتضع يدها خلف عنقها و تقول :
" انا دلوقتي عرفت هو ليه رجع "
اقتربت من الفتيات لتقوم باحتضانهم جميعًا و تقول بصدق :
" هو ماتعلقش بالبلد ولا حاجة... هو الحقيقة أنه اتعلق بالناس الي عاش معاهم فيها ، و انا كمان اتعلقت بيكم اوي "
كانت جدتهم و اولادها الذين عادوا للتو خلف ابنائهم يشاهدون ما يحدث بابتسامة لتنظر إليهم «نجاح» ثم تعود بالنظر الي احفادها و تقول بابتسامة :
" مش قولتلكم ها يرجعوا "
انتبه الاحفاد لهم ليسألهم «يزن» باستغراب بعد أن رأهم يضحكون معًا كما لو أنهم لم يتشاجروا من قبل :
" هو مش انتوا كنتوا متخانقين ؟ "
ضحكوا بقوة ليقول «محمد» من بين ضحكاته:
" دي خطة جدتكم عملتها علشان تفضلوا قاعدين هنا و ماتمشوش "
اتسعت أعينهم جميعًا ليقولوا بصدمة في ذات الوقت :
" نــعــم ؟؟؟؟! "
نهاية الجزء الاول ❤️

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات