رواية سحر الراوي الفصل الرابع عشر 14 بقلم الثناء ضاحي
البارت الرابع عشر
الصعيد — سرايا الراوي — الثالثة عصرًا
كانت الشمس تضرب أرض الصعيد بقسوة تجعل الهواء نفسه يبدو مشتعلًا…
لكن داخل سرايا الراوي…
كان هناك برد آخر.
برد لا علاقة له بالطقس.
بل بالأسماء القديمة حين تعود للحياة.
في الطابق العلوي…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
امتد الممر الطويل ساكنًا إلا من صوت ساعة الحائط العتيقة التي تدق ببطء قاتل، كأنها لا تعدّ الوقت… بل ما تبقى قبل المصيبة التالية.
أما فاطمة…
فكانت تقف وحدها أمام نافذتها المفتوحة، تحدق في الحقول البعيدة دون أن تراها فعلًا.
يديها متشابكتان بقوة أمامها.
وعيناها غارقتان في مكان أبعد من السرايا كلها.
سعاد.
الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ ذلك الوجع القديم الذي دفنته سنوات طويلة تحت الصمت والخوف والتظاهر بالنسيان.
أختها الصغيرة.
أهدأ بنات العائلة.
وأكثرهن سوء حظ.
أغمضت فاطمة عينيها ببطء…
فعاد الماضي دفعة واحدة.
تذكرت أول مرة رأت فيها عامر الراوي.
كان شابًا وقتها…
لكن حضوره وحده كان يكفي لابتلاع المكان كله.
يدخل المجلس فيصمت الرجال دون وعي.
يضحك فتضحك النساء رغم خوفهن منه.
حتى سعاد…
التي كانت تخجل من رفع عينيها في وجه الغرباء…
وقعت في حبه بسرعة أرعبت فاطمة نفسها.
كانت تقول دائمًا:
"هو مختلف."
وكانت فاطمة تعرف.
لكن ليس بالطريقة التي تقصدها أختها.
تذكرت ليلة الزفاف.
الأغاني.
الأنوار.
وجه سعاد الأبيض المرتبك تحت الطرحة.
أما عامر…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فكان يبتسم تلك الابتسامة الهادئة المخيفة التي لا تصل لعينيه أبدًا.
وقتها فقط…
شعرت فاطمة لأول مرة أن شيئًا سيئًا ينتظر أختها.
لكنها لم تتكلم.
ولا أحد يتكلم حين يكون اسم الراوي داخل المعادلة.
مرت السنوات بعدها بسرعة مشوهة.
وفي البداية…
بدت سعاد سعيدة فعلًا.
ثم بدأ الخوف يظهر بالتدريج.
في ارتباكها المفاجئ كلما دخل عامر الغرفة.
في آثار الكدمات الصغيرة التي كانت تخفيها تحت الأكمام الطويلة.
في صمتها الذي ازداد يومًا بعد يوم… حتى أصبح مرعبًا.
ثم جاء الطفل.
ابنهما.
وحتى الآن…
لم تستطع فاطمة أن تنسى أول مرة حملته فيها.
كان طفلًا هادئًا بصورة غير طبيعية.
بعينين سوداويين واسعتين…
عينين لا تشبهان الأطفال.
طفل يراقب كل شيء بصمت.
حتى وهي تهدهده بين ذراعيها…
كانت تشعر أحيانًا أنه يفهم أكثر مما يجب.
ثم تذكرت تلك الليلة.
ليلة وصلت سعاد إلى بيتها تبكي لأول مرة.
كانت ترتجف بالكامل.
وشفتها تنزف.
والطفل نائم فوق كتفها الصغير.
أما عيناها…
فكانتا مكسورتين بطريقة لا تُصلحها الحياة بسهولة.
قالت وقتها بصوت مختنق:
"عامر مبقاش بني آدم يا فاطمة."
وشعرت فاطمة الآن بالقشعريرة نفسها التي شعرت بها يومها.
لأنها تتذكر جيدًا نظرة أختها وهي تهمس:
"هو بيحب يشوف الناس وهي خايفة."
فتحت فاطمة عينيها فجأة.
أنفاسها أصبحت أثقل.
لا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لن تعيد كل هذا.
لن تسمح للماضي بابتلاع ما تبقى منهم.
لكن قبل أن تلتقط أنفاسها…
جاءها صوت هادئ من خلفها:
"كنتي بتكرهيه؟
تجمد جسدها بالكامل.
التفتت ببطء.
عبد المنعم الراوي كان يقف عند الباب.
لا أحد سمع دخوله.
كالعادة.
وقف بهيبته الصامتة المعتادة، جلبابه الأسود منسدلًا بهدوء، وعصاه الذهبية بين أصابعه، بينما عيناه الزرقاوان تستقران فوقها بثبات موجع.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم قال بهدوء:
"عامر."
ابتلعت فاطمة ريقها بصعوبة.
ثم ردت بسرعة مرتبكة:
"أنا… أنا مكنتش بفكر فيه أصلًا."
لكن عبد المنعم ظل يراقبها فقط.
وكان أسوأ ما في عبد المنعم الراوي…
أنه لا يحتاج لرفع صوته كي يجعل الناس يشعرون أنهم مكشوفون تمامًا أمامه.
اقترب ببطء داخل الغرفة.
ثم قال:
"سعاد فين يا فاطمة؟"
ارتعشت أناملها فورًا.
"معرفش."
كذبة خرجت بسرعة أكثر مما يجب.
لاحظ ذلك فورًا.
لكنه لم يفضحها.
بل اقترب أكثر حتى توقف قرب النافذة.
ينظر للأرض البعيدة بالخارج.
وقال بهدوء أشد:
"وابن عامر؟"
أغمضت فاطمة عينيها لحظة قصيرة.
ذلك الطفل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لا…
لم يعد طفلًا الآن.
ثم ردت بصعوبة:
"قولتلك معرفش."
ساد الصمت.
وفي الخارج…
مرّت نسمة ساخنة حرّكت الستائر قليلًا، بينما صوت بعيد لطيور الصعيد اخترق السكون للحظة ثم اختفى.
أما عبد المنعم…
فظل واقفًا مكانه دون حركة.
ثم قال فجأة:
"إنتِ خايفة."
رفعت عينيها له بسرعة.
أكمل بهدوء:
"مش مني."
شعرت فاطمة بأن قلبها انقبض بعنف.
لأن الرجل أصاب الحقيقة مباشرة.
هي لم تكن تخاف عبد المنعم.
أبدًا.
بل كانت تخاف شيئًا آخر.
شيئًا يحمل نفس عيني عامر.
خفضت رأسها أخيرًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
ظهر التعب الحقيقي فوق وجهها.
قالت بخفوت:
"بعض الناس يا عبد المنعم… لما بيرجعوا… بيرجع معاهم الخراب."
ظل صامتًا للحظات.
ثم جلس أخيرًا فوق المقعد المقابل لها بهدوء شديد.
وهو أمر نادر.
نادر جدًا.
لأن عبد المنعم الراوي لا يجلس أثناء المواجهات إلا إذا قرر أن الحديث لن ينتهي بسرعة.
قال دون أن ينظر لها:
"أنا مش هأذيهم."
ضحكت فاطمة فجأة.
ضحكة قصيرة متعبة بلا فرح.
ثم همست:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"إنت لسه فاكر إن المشكلة فيك؟"
رفع عينيه لها ببطء.
أما هي…
فكانت تنظر إليه الآن بعينين ممتلئتين بشيء أقرب للرعب القديم.
"إنت متعرفش عامر كان عامل فيهم إيه."
ساد الصمت.
ولأول مرة منذ زمن طويل…
شعر عبد المنعم بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
الذنب.
لأنه يعرف.
يعرف أنه رأى علامات كثيرة قديمًا…
واختار ألا يراها كاملة.
وفجأة…
دوى صوت سيارات بالخارج.
كسر التوتر دفعة واحدة.
رفع عبد المنعم رأسه فورًا.
أما فاطمة…
فشحب وجهها تلقائيًا.
ثم جاء صوت أحد الرجال من أسفل:
"الحاج! العربية وصلت!"
نهض عبد المنعم مباشرة.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا…
شعرت السرايا كلها بالحركة تعود إليها دفعة واحدة.
الخدم يركضون بالممرات.
الرجال يتحركون ناحية الساحة الخارجية.
وأبواب تُفتح بسرعة.
أما في الخارج…
فتوقفت السيارة السوداء أخيرًا داخل ساحة السرايا بعنف خفيف، وهي مغطاة بالغبار والخدوش وآثار الرصاص.
نزل شريف العامري أولًا.
هادئًا كعادته.
لكن قميصه الأسود كان ممزقًا عند الكتف، وذراعه يحمل أثر دم جاف.
أما قاسم…
فنزل خلفه بسرعة وهو يلتفت حوله تلقائيًا، كأن عقله ما زال في قلب المطاردة.
لكن المفاجأة الحقيقية…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت مصطفى.
فتح الباب الخلفي ببطء شديد…
ثم نزل وهو يعرج قليلًا ويحمل كيس شيبسي مفتوحًا بيده.
نظر للحراس الواقفين أمامه…
ثم قال بتعب درامي خالص:
"محدش يقربلي دلوقتي عشان أنا حرفيًا نجوت من الموت ومحتاج حضن وأكلة محترمة."
نظر الرجال لبعضهم بعدم فهم.
أما مصطفى…
فأشار للعربية بفخر متعب:
"لو العربية دي اتكلمت… هتتحول لمسلسل ٣٠ حلقة."
ثم التفت لقاسم فجأة:
"على فكرة أنا لسه شايف إزاز العربية جوة شعري."
رد قاسم وهو ينزل السلاح من خلف ظهره:
"إنت كنت هتموت يا بني آدم."
رفع مصطفى حاجبيه بصدمة مصطنعة:
"يا سلام؟ وأنا اللي فاكر نفسي في رحلة سفاري."
ورغم كل التوتر…
خرجت من قاسم ضحكة قصيرة رغماً عنه.
أما شريف…
فكان يراقب السرايا بعين الضابط لا الضيف.
البوابات.
الحراس.
أماكن الكاميرات.
عدد الرجال.
المداخل الخلفية.
ثم قال فجأة بهدوء:
"في حد هنا بيسرب."
اختفت الضحكة فورًا.
ونزل الصمت فوق المكان دفعة واحدة.
اقترب عبد المنعم من الدرج الحجري ببطء.
عيناه ثابتتان فوق السيارة المثقوبة بالرصاص.
ثم على الدم فوق يد مصطفى.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم على وجه قاسم.
وفهم كل شيء تقريبًا دون سؤال.
قال بهدوء:
"مين؟"
رد شريف مباشرة:
"لسه معرفش."
ثم أضاف وهو يخرج شيئًا صغيرًا من جيبه:
"بس لقيت ده تحت الكرسي الخلفي بعد الهجوم."
فتح كفه.
قطعة معدنية صغيرة.
شبه شريحة إلكترونية محترقة جزئيًا.
تقدم عبد المنعم خطوة.
أما قاسم…
فضاقت عيناه فورًا.
قال شريف:
"دي كانت متثبتة في العربية."
ساد الصمت.
ثم أكمل بهدوء أخطر:
"حد كان بيتابع تحركاتكم لحظة بلحظة."
وفي الخلف…
شعرت فاطمة بالدم يتجمد داخل عروقها.
لأنها رأت الشريحة من قبل.
منذ سنوات طويلة جدًا.
في بيت عامر الراوي.
وفجأة…
ارتفع صوت مصطفى وهو يصرخ ناحية أحد الخدم:
"يا عم الحج بالله عليك قولهم يعملوا أكل بسرعة… أنا حاسس إن روحي بتطلع بنكهة بارود!"
التفت له الجميع تلقائيًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حتى شريف نفسه أغلق عينيه لحظة كأنه يقاوم رغبة حقيقية في الضحك.
أما عبد المنعم…
فنظر لمصطفى طويلًا.
ثم قال لأول مرة بنبرة هادئة تحمل شيئًا قريبًا من التقدير:
"إنت أنقذت ابني."
اختفت الكوميديا من وجه مصطفى للحظة قصيرة جدًا.
ولأول مرة…
ظهر ذلك التعب الحقيقي داخل عينيه.
ثم حك مؤخرة رأسه بتوتر خفيف وقال:
"هو الصراحة… أنقذني برضه."
لكن شريف كان ما يزال ينظر لفاطمة.
لأنه لاحظها.
لاحظ الشحوب المفاجئ في وجهها لحظة ظهور الشريحة.
وذلك وحده…
كان كافيًا ليشعل عقله بالكامل.
أما في مكان بعيد…
بعيد جدًا عن الصعيد…
كان رجل يجلس داخل غرفة مظلمة لا يظهر منها سوى ضوء شاشة زرقاء باهتة.
أصابعه تتحرك بهدوء فوق الطاولة الخشبية.
وأمامه…
صورة قديمة لعائلة الراوي.
توقف نظره فوق وجه قاسم طويلًا.
ثم ابتسم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسامة هادئة…
تشبه ابتسامة عامر الراوي بصورة مرعبة.
وهمس بصوت منخفض جدًا:
"أهلًا يا عيلة الراوي…"
فلاش باك ما قبل حادثة الثلاثي فالصحراوي
قبلها بأربعٍ وعشرين ساعة…
الصعيد — أطراف الجبل الغربي — الثانية بعد منتصف الليل
كان الليل فوق الجبل يبدو كأنه قطعة سوداء ممزقة من العالم.
لا قمر.
لا أصوات بشرية.
فقط الريح الجافة وهي تمر بين الصخور الحادة كأنها همسات موتى قدامى… والسيارات السوداء التي تشق الطريق الترابي الضيق ببطء، بينما أضواؤها تشق العتمة مثل سكاكين باردة.
في تلك المنطقة…
حتى رجال الصعيد أنفسهم كانوا يتجنبون الاقتراب ليلًا.
ليس خوفًا من الشرطة.
ولا من قطاع الطرق.
بل خوفًا من الاسم الذي يُهمس هنا بصوت منخفض:
عامر الراوي.
توقفت سيارة أمير أخيرًا أمام مخزن حجري ضخم بُني داخل الجبل نفسه، كأنه جزء منه.
لا نوافذ تقريبًا.
فقط باب حديدي هائل يقف أمامه رجال مسلحون بوجوه جامدة كأنها منحوتة من الصخر.
نزل أمير أولًا.
ملامحه متوترة رغم محاولاته إخفاء ذلك.
أما عزيزة…
فشعرت منذ اللحظة الأولى أن الهواء هنا مختلف.
أثقل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أبرد.
وملوث بشيء غير مرئي يجعل القلب ينقبض دون سبب مفهوم.
اقترب أحد الرجال منهم.
ضخم الجسد. أصلع الرأس. ندبة طويلة تشق خده حتى عنقه.
نظر لعزيزة نظرة جعلتها تشيح بوجهها فورًا.
ثم قال لأمير بصوت أجش:
"الباشا مستنيك."
تحركوا للداخل.
وامتد الممر الحجري طويلًا تحت الأرض، مضاءً بمصابيح صفراء خافتة تجعل الظلال تبدو أطول من البشر أنفسهم.
رائحة التبغ والبارود والرطوبة القديمة ملأت المكان.
ثم…
وصلوا أخيرًا.
قاعة واسعة بشكل غير متوقع.
سجاد فارسي داكن.
صناديق خشبية ضخمة مصطفة قرب الجدران.
ورجال يتحركون بصمت حذر، يحمل بعضهم قطعًا أثرية ملفوفة بالقماش، بينما آخرون يقفون قرب طاولة معدنية فوقها أسلحة مفككة.
أما هو…
فكان يجلس في آخر القاعة كملكٍ منسيّ داخل مملكته القذرة.
عامر الراوي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر أمير بأن أخاه الأكبر لم يتغير.
بل ازداد سوءًا فقط.
كان يجلس فوق مقعد جلدي عريض واضعًا ساقًا فوق الأخرى، بينما دخان سيجارته يلتف حول وجهه ببطء.
رجل تجاوز الخمسين…
لكن الزمن لم يهزمه كما يفعل بالآخرين.
بل زاده قسوة.
وجهه حاد بصورة تثير النفور.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
عظام بارزة تحت الجلد.
عينان سوداوان عميقتان… لا دفء فيهما على الإطلاق.
عينان تشبهان آبارًا قديمة سقطت فيها جثث كثيرة.
حتى ابتسامته…
لم تكن ابتسامة بشر طبيعي.
بل انحناءة باردة فوق شفتي رجل اعتاد رؤية الخوف في عيون الناس… واستمتع به.
رفع عينيه نحو أمير ببطء.
ثم قال بصوته الهادئ المخيف:
"اتأخرت."
ورغم أن النبرة منخفضة…
إلا أن أمير شعر بوخزة برد تمر أسفل عموده الفقري.
أما عزيزة…
فظلت صامتة تمامًا.
لأنها أدركت فور دخولها أن هذا الرجل ليس مجرد تاجر سلاح أو آثار كما يُقال.
بل شيء أسوأ.
شيء فسد داخله كل ما يمكن إصلاحه منذ زمن بعيد.
اقترب أمير قليلًا وقال:
"الدنيا اتقلبت في السرايا."
ضحك عامر ضحكة قصيرة بلا روح.
ثم أخذ نفسًا بطيئًا من سيجارته وقال:
"وده جديد على بيت الراوي؟"
ساد الصمت للحظة.
ثم تحرك عامر أخيرًا.
وقف ببطء شديد…
كأن المكان كله يتحرك معه.
وكان طويلًا بصورة مخيفة.
هزيلًا… لكن بهيئة ذئب عجوز ما زال قادرًا على القتل.
اقترب من أخيه حتى توقف أمامه مباشرة.
ثم قال وهو يثبت عينيه داخله:
"عبد المنعم كبر؟"
أجاب أمير بتحفظ:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"كبر."
ابتسم عامر ابتسامة صغيرة.
تلك الابتسامة التي لا تحمل أي رحمة.
ثم همس:
"بس لسه غبي."
ارتجفت أصابع عزيزة دون وعي.
أما أمير…
فقال بسرعة:
"قاسم بدأ يقرب من كل حاجة."
ساد الصمت فجأة.
واختفت الابتسامة من وجه عامر تمامًا.
كأن اسم قاسم وحده أطفأ شيئًا داخله.
تحرك ببطء ناحية الطاولة الخشبية الكبيرة.
فوقها خرائط.
صور.
وعدة هواتف مفتوحة.
ثم التقط صورة لقاسم.
ظل ينظر إليها طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى شعرت عزيزة أن الهواء اختفى من الغرفة.
ثم قال أخيرًا بصوت منخفض:
"يشبهه."
لم يفهم أمير المقصود.
لكن عامر أكمل بنفس الهدوء:
"عبد الحكيم."
وتحولت ملامحه للحظة قصيرة إلى شيء أكثر ظلمة.
شيء امتلأ بحقد قديم متعفن.
ثم فجأة…
ابتسم مجددًا.
"ودي مشكلة."
اقترب أمير بسرعة:
"لازم قاسم يموت."
ساد الصمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما عامر…
فلم ينظر إليه حتى.
بل ظل يتأمل الصورة بين أصابعه كأنها شيء شخصي جدًا.
ثم قال بهدوء قاتل:
"عارف."
رفع عينيه أخيرًا نحو أخيه الأصغر.
وفي تلك النظرة…
فهم أمير شيئًا مرعبًا.
عامر لا يرى قاسم مجرد عقبة.
بل يراه ذكرى.
وهو يكره الذكريات أكثر من البشر أنفسهم.
قال أمير بحدة مكتومة:
"لو قاسم مات… الحكم يبقى ليا. والسرايا كلها—"
لكن عامر قاطعه فجأة دون أن يرفع صوته:
"إنت لسه صغير أوي على كلمة حكم."
اختنق الكلام داخل حلق أمير.
أما عامر…
فاستدار ببطء ناحية أحد رجاله.
"العربيات جاهزة؟"
أجاب الرجل فورًا:
"جاهزة يا باشا."
"والعبوة؟"
"اتثبتت."
أغمضت عزيزة عينيها للحظة قصيرة.
لأنها أدركت فجأة أن الأمر تجاوز التخويف.
هذا الرجل لا يهدد.
لا يناور.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بل يقتل ببساطة مرعبة…
كأنه يطلب فنجان قهوة.
اقترب عامر من الطاولة مجددًا.
ثم ضغط زرًا صغيرًا بجوار شاشة سوداء.
فظهرت صورة مباشرة.
سيارة شريف.
تتحرك على الطريق الصحراوي.
اتسعت عينا أمير فورًا.
أما عامر…
فاكتفى بالجلوس مجددًا وهو يراقب الشاشة بهدوء شيطاني.
ثم قال:
"خليهم يجروا شوية الأول."
تحركت أصابعه فوق ذراع المقعد ببطء منتظم…
وكأن أعصابه لا تعرف التوتر أصلًا.
وأضاف دون أن يرمش:
"الخوف لازم ياخد وقته قبل الموت."
شعرت عزيزة بالغثيان.
أما أمير…
فابتلع ريقه بصعوبة وهو يراقب أخاه الأكبر.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
فهم لماذا كان عبد المنعم يخشاه فعلًا.
لأن عامر لم يعد إنسانًا طبيعيًا منذ زمن طويل.
بل أصبح شيئًا آخر…
شيئًا يرى البشر قطعًا فوق رقعة شطرنج…
ويستمتع وهو يكسرها ببطء.
وفجأة