رواية اقدار مؤجلة الفصل الرابع عشر 14 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟒: ْالمُسدسُ و عَيناك
by Volny_morya
......
رغبتي الدائِمة هي؛ أنْ أحظى بلمسكِ دائماً .
Flashback
كانت الغرفة ساكنة على نحوٍ يخدع القلب..
1
ضوءٌ شاحب يتسرّب من النافذة العالية، ينساب فوق الجدران الباهتة، ويستقرّ على السقف المزخرف بزخارف قديمة تبدو وكأنها تراقب كل شيء بصمتٍ ثقيل.. رائحة المطهّرات تختلط بعبير خافت من الأزهار التي وُضعت على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، فتخلق جوًا مشبعًا بالحزن الهادئ..
جليندون كانت تجلس على حافة الكرسي الخشبي، جسدها مائل قليلًا إلى الأمام، وكفّاها مشدودتان حول الظرف الأصفر الباهت..
لم يكن مجرد ظرف… كان ثِقلًا من ذكرياتٍ معلّقة، وأملٍ متأرجح، وخوفٍ لم يُسمَّ بعد..
"عزيزتي غريس…"
6
كان صدى الكلمات يمرّ عبرها وهي تقرأ بصوتٍ خافت، يكاد يكون همسًا…
" حين نادوا اسمي، صعقت.. كان يوم توزيع البريد، وكنت أنظف سلاحي..هبط قلبي، وارتبكت بين اليأس والرجاء... لم يكن ليكون من والدي، فقد رحلا كلاهما وأنا صغير..
1
دعوت الرب أن تكون منك، وقد استجاب عندما التقطت الظرف المختوم ورأيت اسمك، أيقنت أن الأمر لم ينته بعد..
أفكر بك على الدوام... ابتسامتك تعدني بالقوة لأتجاوز هذه المهمات..لم يمر على عودتي سوى بضعة أسابيع، وقد فقدت ثلاثة من أصدقائي بالفعل.. أنا واثق أنك ستقرئين عن ذلك في الصحف قريبا..
كل ما أستطيع قوله هو : شكرا لك... شكرا لأنك كتبت إلي. أعلم أنك صرحت برغبتك في الابتعاد عن أي مبادرة معي بسبب طبيعة عملي..
1
ولكن هذه الرسالة يا غريس، جعلتني أشعر أنني أتنفس للمرة الأولى منذ أسابيع..سنذهب إلى ذلك الشاطئ حين أعود، أعدك بذلك..
مع كل محبتي
غراهام. "
13
طوت جليندون الورقة ببطءٍ شديد، كأن طيّها يعني طيّ جزءٍ من روح جريس..
ارتجفت أصابعها للحظة… فكرة تمزيقها مرّت بعنف في رأسها، كخنجرٍ سريع.. لكن كفّ جريس الممدودة نحوها كانت ثابتة، صامتة، تحمل كل ما لا يُقال..
رفعت جليندون رأسها، رأت تلك النظرة…نظرة ليست رجاءً خالصًا ولا يأسًا كاملًا.. نظرة شخصٍ يتشبث بخيطٍ رفيع من الضوء وسط ليلٍ كثيف..
4
فوضعت الرسالة في كفّها دون ترددٍ آخر..
ابتسمت جريس ابتسامةً حزينة، رقيقة كزجاجٍ قابلٍ للكسر، ثم أخفت الظرف تحت وسادتها كما لو أنه كنزٌ سريّ؛ أو ربما عبءٌ لا تريد لأحدٍ أن يراه..
2
اليوم… كانت مختلفة عن الزيارة السابقة..لم تكن تلك الهشاشة المطلقة التي اعتادتها جليندون..
كانت طبيبتها قد أخبرتها أنها خرجت إلى الحديقة لمدة ساعة كاملة، سقت الأزهار، ووقفت طويلًا أمام الشجيرة التي غرستاها معًا قبل شهرين..
تلك الشجيرة…كانت رمزًا صغيرًا لشيءٍ أكبر: وعدٌ بالحياة، حتى وسط الألم..
قبل ذلك، لم تكن جريس تقبل الخروج، ولا المشاركة في أي شيء.. حتى تلك الشجيرة كانت جليندون تسقيها حين تملك الوقت، أو الطبيبة المتدربة اللطيفة حين تنشغل..
كانت تلك الطبيبة تتحدث معها قليلًا… ربما أكثر مما كانت جليندون تظن..
جليندون قطعت الصمت وهي تفتح علبة الحلويات التي أحضرتها معها، ملفوفة بعناية من كتاب وصفات متجر جريس القديم؛ المتجر الذي أغلقته بعد الطلاق، حين فقدت الرغبة في كل شيءٍ كانت تحبه..
5
قالت بهدوءٍ حذر:
" ما رأيك أن نخرج قليلًا يا جريس؟.. "
نفت جريس برأسها، عيناها ما زالتا معلّقتين بالسقف..
"لا أريد…"
" ولِمَ لا؟ الجو ممطر بالخارج، كما تحبين.. "
ترددت لحظة، ثم قالت بصوتٍ شارد:
" أشعر بتعب… لنبقَ هنا فقط.. "
توقفت فجأة، وشهقت بخفة:
" أوه… أشم رائحة الشوكولاتة.. "
حركت بصرها ببطء من الزخارف السقفية، وأدارت رأسها نحو جليندون..
وفي تلك اللحظة… اتسعت عيناها..
"يا إلهي… إنها نفس الكعكة التي أُحضرها!.. "
ابتسامةٌ واسعة، صادقة، مضيئة، انفرجت على وجهها لأول مرة منذ زمن..
1
" اشتقت لمذاق الشوكولاتة وهي تذوب على لساني… جليندون، شكرًا لك.. "
1
ضحكت جليندون بخجلٍ لطيف، ورفعت كتفيها قليلًا..
" الشكل يشبه ما تصنعينه… لكن لا أعدك أن الطعم سيكون نفسه.. هذه أول مرة لي في المطبخ، لذا آمل أن تكون عند حسن ظنك… أيتها الخبازة المحترفة.. "
1
حاولت جريس الجلوس، فظهر وجهها أكثر في الضوء..
شعرها الأشقر القصير الذي قصّته بعشوائية في بداية اكتئابها كان الآن مرتبًا، بعدما ساعدتها جليندون في تصفيفه..
كان أشقرًا باردًا، يميل إلى الذهبي الخفيف، يلمع بلطف حول وجهها، ويجعل زرقة عينيها أكثر عمقًا… عيونًا تشبه عيني جليندون إلى حدٍ جعل الناس يظنون دائمًا أنهما أختان..
5
كانت ابتسامتها… جميلة على نحوٍ مؤلم..
ناولتها جليندون قطعة الكعكة وشوكة صغيرة، ثم وضعت يديها تحت ذقنها واتكأت على السرير، تراقبها بترقبٍ صامت..
أخذت جريس اللقمة الأولى..لحظة صمت..ثم أضاء وجهها…
"ممم… إنها لذيذة... ورائحة البيض شبه منعدمة بالنسبة لأول كعكة تصنعينها.. "
توقفت قليلًا، متذوقة:
"نسمة البسباس ليست واضحة بسبب الفانيليا… لكنها جيدة جدًا..شكرًا لك يا جليندون، أقدّر ذلك حقًا.."
3
انفجرت جليندون ضحكًا خفيفًا، ممتزجًا براحةٍ عميقة..
للمرة الأولى منذ أسابيع، كانت ترى جريس تتذوق شيئًا، تستمتع بشيء، تعيش شيئًا بسيطًا..
كانت هذه أول مرة تدخل فيها المطبخ فعلًا..
كانت أمها قد وبختها بشدة—كسرت ثمانية صحون ثمينة اشترتها من مزاد العام الماضي..
الفوضى كانت عارمة، المطبخ بدا كأنه ساحة معركة صغيرة..
لكن لا شيء… لا شيء… كان أغلى من تلك الابتسامة على وجه جريس..
4
جليندون نظرت إليها وهي تأكل ببطء، والضوء ينعكس على ملامحها، والرسالة تختبئ تحت الوسادة، والحزن لا يزال حاضرًا… لكنه لم يعد وحده..
كان هناك، أخيرًا، شيء آخر يتنفس معه..
جلس الاثنتان فوق السرير الأبيض العريض، والطبق بينهما كجزيرة صغيرة من الدفء وسط غرفة باردة محايدة... كانت الشوكات تصدر رنينًا خفيفًا على الصحن، يكاد يختفي تحت همس حديثهما المتقطع..
رائحة الشوكولاتة ما زالت تملأ المكان، ثقيلة وحلوة، كأنها تحاول أن تُبقي اللحظة معلّقة بعيدًا عن العالم..
تحدثتا عن الوصفات..عن البسيط الذي يبدأ بالخلط الهادئ، وصولًا إلى تلك الحلويات المعقدة التي تتطلب دقة وصبرًا وتركيزًا..
كانت جريس تشرح بحماسٍ خافت، وعيناها تلمعان للمرة الأولى منذ زمن، وكأن الحديث أعاد إليها جزءًا من ذاتها القديمة..
قالت فجأة، وهي ما تزال غارقة في مذاق الكعكة:
" كدت أنسى مذكرة وصفاتي… يا إلهي كم اشتقت لتحضير الحلويات.. "
أومأت جليندون مبتسمة، تمسح فمها بمنديلٍ ورقي وهي تقول بنبرة مطمئنة:
"ربما… عندما أعود في عيد الشكر، نعود إلى المنزل ونحضّر حلويات المناسبة معًا.. "
تجمدت شوكة جريس في منتصف الطريق إلى فمها...
رفعت رأسها ببطء، كأن الكلمات لم تصلها كاملة في المرة الأولى..
"أ… لماذا؟.. "
صوتها كان هشًا بشكلٍ مفاجئ..
" ألن تعودي لزيارتي… حتى تمر ثلاثة أشهر؟.. "
2
وضعت جليندون شوكتها على المنضدة الصغيرة، ومسحت شفتيها بتوترٍ خفيف.. ترددت لحظة—لحظة أطول مما ينبغي..
"لا… أممم… الأمر وما فيه هو…."
أخذت نفسًا قصيرًا..
"سأذهب إلى قاعدة عسكرية للتدريب… ستة أشهر… قبل التخرج.. "
كان الصمت الذي أعقب ذلك ثقيلًا بشكلٍ خانق.. سقطت الشوكة من يد جريس، واصطدمت بالأرض بصوتٍ معدني حاد..
استدارت نحو جليندون بحدة، وملامحها تتغير أمام عينيها—كأن قناعًا يُنزَع فجأة…
"لماذا… بالضبط… قاعدة عسكرية؟… "
ثم—وبلا تمهيد—انفجر الصوت من صدرها:
"لا…"
"لا…"
" لا!!!"
ارتجف جسدها كأن صدمة كهربائية مرت عبره…كان وجهها شاحبًا، عيناها واسعتين، تتنفس بصعوبة، وكأن الهواء نفسه خانها..
"تعالي إليّ… جليندون… اقتربي.. "
اقتربت جليندون فورًا، وجلست بجانبها، لكن ما إن فعلت حتى انقضّت عليها جريس بعناقٍ عنيف—قاسٍ—يائس..
2
تشبثت بها كما لو أن تركها يعني السقوط في هاوية..
همست بصوتٍ متهدجٍ مرتجف، قريبًا جدًا من أذنها:
"عديني… جليندون…"
توقفت لحظة، ثم خرجت الكلمات كطعنة:
"أنك لن تقعي في حب رجلٍ عسكري.. أبدا.. "
22
ارتجف جسدها أكثر..
"جليندون…"
"جليندون… اسمعيني…"
"لا تقعي في حب رجلٍ عسكري.. "
1
"إنهم مخادعون…"
6
"لا—اسمعي!.. "
بدأ صوتها يرتفع تدريجيًا، يتحول من همسٍ مرتعش إلى صراخٍ ممزّق..شدّت عناقها أكثر، حتى شعرت جليندون بأن أضلاعها تُضغط، وأن الهواء ينحسر من صدرها..
كانت تصرخ مباشرة في أذنها—صرخات خام، بدائية، محمّلة بذاكرةٍ مؤلمة لا تريد أن تُسمّى..
جليندون لم تعرف ماذا تفعل…لم تعرف كيف تُهدّئها..
كل ما استطاعت فعله هو أن تربت على كتفها بيدٍ مرتجفة، وتكرر اسمها مرارًا، بصوتٍ مكسور:
"جريس… جريس… أنا هنا… جريس…"
لكن الصرخات لم تهدأ..
كانت تمزّق الحبال الصوتية، تمزّق الهواء، تمزّق قلب الغرفة بأكملها..
فجأة…ارتطم الباب بالجدار بعنف، واندفع إلى الداخل ممرضان وممرضتان وطبيبة جريس والطبيبة المتدربة، جميعهم يركضون بوجوهٍ مشدودة..
تقدّموا بسرعة، يفصلون جريس عن جليندون بصعوبة، أذرعهم تتحرك بحذرٍ مدروس بينما جسدها يقاوم، يرتجف، يرتعش، يصرخ باسم جليندون حتى آخر نفس..
لم تشعر جليندون كيف أُبعدت..لم تتذكر كيف خرجت..
فجأة كانت واقفة في الممر—خارج الغرفة—ظهرها إلى الباب المغلق، وصرخات جريس لا تزال تتسلل عبر الجدران، تضعف شيئًا فشيئًا… تتحول من صراخٍ حاد إلى أنينٍ متقطع..
اقتربت منها ممرضة، وضعت يدًا لطيفة على كتفها، وصوتها هادئ لكنه حزين:
"لقد دخلت في نوبة هلع… يحدث ذلك عندما تتذكر الماضي وتشعر بالخطر.. "
2
كانت الكلمات واضحة… لكنها بدت بعيدة، كأنها تأتي من تحت الماء..
حدّقت في الباب المغلق، وشعرت بثقلٍ ساحق يهبط على صدرها..
لو أنها لم تذكر القاعدة العسكرية…
لو أنها صمتت…
لو أنها اكتفت بالكعكة فقط…
الزيارة التي بدأت بابتسامة..انتهت بصراخ..
وانزلقت دمعة بطيئة على خدها..
كان قلبها ينقبض بعنف وهي تتخيل جريس هناك—وحدها مجددًا—تصرخ، ترتجف، تنهار…بلا زوجٍ يقف إلى جانبها، وبلا عائلةٍ احتضنتها بدل أن ترميها في مصحّة عقلية..
وقفت جليندون في الممر الأبيض البارد، محاطة بصمتٍ ثقيل، بينما العالم بدا فجأة قاسيًا بلا رحمة…
وكل ما أرادته في تلك اللحظة هو أن تعود إلى الغرفة، وأن تمسك بيد جريس، و تعيد الزمن ثانية واحدة إلى الوراء..
. .. .. .. .
كانت تلك ساعات الصباح الأولى، الساعات التي لا تشبه ميلاد النهار ولا امتداد الليل..
الشمس كانت موجودة في مكانٍ ما خلف الغيوم الثقيلة، لكن موسكو في هذا الفصل نادرًا ما تمنح نورها بوضوح؛ كل ما يلوح هو ضوء شاحب باهت، يتسرّب عبر ستارٍ كثيف من الضباب والثلج..
رذاذ الثلج الذي تساقط طوال الليل بدأ يهدأ أخيرًا، لكن آثاره كانت واضحة على الطرقات …طبقات لامعة من الجليد تمتد بلا نهاية، تعكس الضوء الخافت كمرآةٍ باردة..
كانت السيارة تنساب فوق الطريق ببطءٍ محسوب، إطاراتها تتعامل بحذر مع الأرض الزلقة، وكأنها تخشى أن تُوقظ المدينة النائمة..
لكن هذا البطء كان يثقل صدرها..
جلست جليندون مستقيمة في مقعدها، ظهرها مشدود، أصابعها تعبث بحافة معطفها دون وعي.. عيناها معلّقتان على الشاشة الصغيرة التي تعرض الوقت..وكان يقترب أكثر مما يريحها..
موعدها مع جنديين الثكنة العسكرية 716 وبعض الملازمين بات وشيكًا..
فكرة تبديل وحدتها ما زالت تطنّ في رأسها كجرسٍ مزعج..
هل أحسنت صنعًا؟ أم أنها قفزت إلى الهاوية طواعية؟..
5
بدت لها الفكرة سخيفة للحظة كأنها تبادلت مقعدها الأمامي بمقعدٍ خلفي في محاضرة أستاذٍ لا تحتمله… كالأستاذ روبن مثلًا..
زمّت شفتيها بامتعاض خفيف…ليس هذا وقت الشرود..
مدّت يدها وفتحت الزجاج الحاجز بينها وبين السائق..
قالت بنبرة حادة مشوبة بالتوتر:
"كم سيستغرق وصولنا يا رومان؟ زد السرعة… السلحفاة تسير أسرع من سيارتك… "
توقفت لحظة ثم أضافت بتهكمٍ لاذع:
"أوه عذرًا، المشكلة ليست في السيارة…"
2
سمعت رومان يحمحم بصوتٍ خفيض وهو يشدّ قبضته على المقود، ثم زاد السرعة قليلًا..
أجاب بجديةٍ رصينة:
أنا آسف… أنا قلق على سلامتك فقط.. "
التفتت نحوه نصف التفاتة، وعيناها تلمعان بحدةٍ عصبية..
"بحقك يا رومان، من سيفتقدني إن أصبحت ضحية حادث سير؟ إن كنت حقًا قلقًا عليّ، فزد السرعة… أنا متوترة بما يكفي.. "
3
أغلقت الزجاج مجددًا، وأسندت رأسها إلى المقعد للحظة، بينما أخذت أنفاسها تصبح أعمق..
عاد ذهنها إلى الليلة الماضية..إلى اللحظة التي عادت فيها إلى المنزل من المستشفى..
ما إن خطت عتبة البيت حتى وجدت والديها واقفين بانتظارها، وجوههما مشدودة، وفي أيديهما ورقة تصريح التدريب العسكري..
7
لم يكن اعتراضهما مفاجئًا…عائلتها… سلالة كاملة من الأطباء..
أجيال متعاقبة من المعاطف البيضاء، غرف العمليات، المستشفيات، الأبحاث، والسمعة الأكاديمية الرفيعة..
وهي..كانت الأولى التي تجرأت على كسر السلسلة..
صوت طرقٍ حاد على الزجاج الفاصل قطع أفكارها..
رفعت رأسها فجأة.وأدركت أن السيارة توقفت..
كانت أمام مبنى عسكري هائل الاتساع، ضخم لدرجة أنه بدا كأنه يبتلع الفضاء من حوله..
أسوار مرتفعة، بوابات حديدية ثقيلة، أعلام ترفرف في الريح الباردة..
في الساحة، كان الجنود يتحركون بانتظامٍ صارم، يرتدون بزاتهم الرسمية، يحملون أسلحة لم ترَ مثلها من قبل—لامعة، ثقيلة، مرعبة وجذابة في آنٍ واحد..
فتح رومان الباب لها بهدوء..نزلت ووقفت للحظة تحدّق بالمكان..
ابتسامة بطيئة و لكن عميقة ارتسمت على شفتيها..هذا هو المكان الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها..
ليس ممرات مستشفى معقمة، ولا جدرانًا بيضاء خانقة، ولا رائحة مطهّرات تخنق الأنفاس.. بل مساحة مفتوحة… صرامة… خطر… وانضباط..
مكان يرفع الأدرينالين بدل أن يرفع ضغطها..
مكان تشعر فيه أنها تتنفس حريةً حقيقية حتى لو كانت ممزوجة برائحة البارود والحديد..
التفتت إليها رومان وقال بهدوء:
"هل أساعدك في الدخول؟.. "
2
هزت رأسها..
"ليس عليك ذلك.. سأجرّ حقيبتي بنفسي..شكرًا لك يا رومان… اعتنِ بنفسك.. "
أومأ باحترام..
"حظًا موفقًا..اعملي بجد… ولا تنسي أكل وجباتك.. "
4
توقفت فجأة وهي تسحب حقيبتها..
تلك الكلمات البسيطة ضربتها في الصميم..
التفتت إليه ببطء، وعيناها تلمعان بدموعٍ لم تتوقعها..
لم يودّعها أحد من عائلتها حقًا…لم تتلقَّ أمنياتٍ صادقة بالنجاح…حتى وداعها مع جريس لم يكن كما يجب...
3
لكن رومان… الذي ظل بجانبها ست سنوات كاملة صامتًا في أغلب الوقت كان أول من قالها لها بهذه الطريقة..
تركت حقيبة الكتف على الأرض، وأسندت الحقيبة الكبيرة جانبًا، ثم عادت بخطواتٍ أثقل مما تريد نحو رومان..
كان في أواخر الثلاثينات، طويلًا، عريض المنكبين، بملامح حارسٍ شخصي معتاد على الجدية والصمت.. ملابسه الرسمية دائمًا مرتبة، حضوره هادئ و ثابت..
نظر إليها بتعجبٍ خفيف وهي تقترب—ثم، دون أي إنذار، احتضنته..
6
اتسعت عيناه للحظة..
"هذا غير لائق يا آنستي…"
8
قال بنبرة مرتبكة.. ثم رفعت رأسها قليلًا ونغزته بخفة في بطنه..
"اصمت فقط… وتمنَّ لي الحظ.. "
2
ضحك ضحكة قصيرة حقيقية ووضع يده على ظهرها برفق..
حين تراجعت، قال بصوتٍ هادئ لكن دافئ:
"اعملي بجد… ولا تقلقي بشأن السيدة جريس.. سأزورها من وقتٍ لآخر، ولن أجعلها تشعر بالوحدة في غيابك.. "
3
عندها فقط، انزلقت دمعة حقيقية على خدّها..
مسحتها بسرعة، محاولة الحفاظ على صلابتها، وقالت بصوتٍ منخفض:
"شكرًا لك يا رومان… سأقدّر ذلك حقًا.. "
وقفت لحظة أمامه، بين الماضي الذي تتركه خلفها، والمستقبل الذي ينتظرها داخل تلك البوابة العسكرية..
ثم استدارت هذه المرة بلا تردد وجرّت حقيبتها نحو المبنى الضخم، بينما الثلج الخفيف يتساقط فوق كتفيها، وكأن موسكو نفسها تبارك خطوتها الأولى نحو مصيرٍ لا رجعة فيه..
1
ما إن تجاوزت الحراسة واجتازت البوابة الأولى داخل السور العسكري حتى تغيّر الهواء من حولها…
كان أثقل… أكثر انضباطًا… وأكثر برودةً على نحوٍ مختلف، كأن المكان نفسه يختبر خطواتها..
أرشدها حارس البوابة بإشارات مقتضبة، صوته رسمي وجاف، يتردد صداه بين الجدران الإسمنتية العالية..اتبعت اتجاهه، تسحب حقيبتها خلفها، بينما حذاؤها يطبع آثارًا واضحة على الأرض الرطبة من بقايا الثلج الذائب..
لم تمضِ سوى لحظات حتى لمحت رجلاً يندفع نحوها بخطوات واسعة وثقيلة، صدى أحذيته العسكرية يضرب الأرض بقوة منتظمة…. بزته مرتبة بدقة، كتفاه عريضان، ومشية اعتادها من تمرّسٍ طويل..
كانت على شفتيه ابتسامة خفيفة مهذبة، لكن رسمية حين مد يده إليها دون تردد..
قال بصوتٍ جهوري معتدل:
"باڤل... لا بد أنك المتدربة؟… لقد كنا في انتظارك…اسمك ألبا برلين، أليس كذلك؟.. "
6
في تلك اللحظة وبالمعنى الحرفي سقط قلبها في معدتها..
2
تلاشت ابتسامتها فورًا، وكأن أحدهم مسحها بيدٍ باردة..
ألبا..
اسم صديقتها ارتطم بأذنيها كرصاصة طائشة..
ألم تحل ألبا مسألة الوثائق؟
1
ألم يتم التبادل رسميًا؟
ماذا يحدث الآن؟… ماذا ينتظرها؟
شعرت بدوار خفيف يزحف إلى رأسها، وكادت أن تفقد توازنها للحظة..
رفعت رأسها لتجد باڤل يحدّق بها باستغراب واضح حاجباه مقطبان قليلًا، وابتسامته توقفت في منتصفها..
تداركت نفسها على عجل، وارتسمت على شفتيها أوسع ابتسامة استطاعت جمعها من أعماق توترها..
"أمم… أجل، ألبا… هذه أنا.. تشرفت بمعرفتك.. "
9
أومأ باڤل برأسه، غير مشكك أو ربما اختار ألا يشكك ثم أشار إلى حقائبها..
تولّى أمرهما دون سؤالٍ آخر، وكانت ممتنة في سرّها؛ فلم يبقَ في جسدها جهدٌ لتجرّها وهي غارقة في صدمتها..
هل حُلّت الأوراق؟ أم أنها تسير الآن نحو كارثةٍ صامتة؟
ما الذي سيحدث لها بعد هذه اللحظة؟
تبِعته بخطواتٍ ثقيلة، كأن قدميها تجرّانها رغماً عنها، حتى توقف أمام مجموعة من رجالٍ يقفون على مقربة..
أشار إليهم باڤل وهو يعرّفها رسميًا:
"هذا رسلان، جندي من ثكنتنا.. وهذان الملازمان ريغوري وأناتولي.. "
ابتسم رسلان وأناتولي بتحيةٍ خفيفة، مهذبة وغير متكلفة..
لكن ريغوري كان مختلفًا تمامًا..
وجهه متجهّم، ملامحه حادة، وعيناه باردتان كالفولاذ... . كان يمسك أوراقًا بيده حين مدّها نحوها دون أي مجاملة..
1
"وقّعي هذه الأوراق... ودعينا نغادر من هنا… لقد تأخرنا بما فيه الكفاية بسبب انتظارك.. "
ضحك رسلان بخفة، وكأنه يحاول تخفيف حدّة الجو المشحون..
وضع أناتولي كفّه على كتف ريغوري، ضغط عليها قليلًا، وقال بصوتٍ منخفض:
"لا تقلق… ستكون القائدة بخير. إنها إصابة غير مهمّة بالنسبة لأورلوف.. "
6
شدّ ريغوري فكه، أومأ باقتضاب، ثم استدار وغادر المجموعة بوجهٍ غاضب وصامت..
قبل أن تتمكن حتى من طلب قلم، تقدّم باڤل بخطوة وقال معتذرًا:
"نعتذر على تصرف الملازم ريغوري.. لم يكن ينبغي أن يتعامل معك بهذه الطريقة في أول يوم لك بيننا… لكن الحقيقة أن قائدنا وصديقه أورلوف أُصيب بطلقٍ ناري الليلة الماضية، وكل ما كنا ننتظره هو وصولك لنغادر.. "
رفعت رأسها فورًا، قلقة على الرغم من أنها لا تعرف هذا القائد.
"أوه… لا بأس..أتمنى أن يكون قائدكم بخير.. "
أجاب أناتولي بهدوء وهو يستعد للمغادرة:
"ونحن كذلك.. "
ثم غادر هو ورسلان، وتركاها وحدها مع باڤل..
قال وهو يشير نحو الطريق:
"من هنا… الملازم ينتظر... لنذهب.. "
رفعت الأوراق ولسوء حظها كان الاسم المكتوب عليها هو: ألبا برلين..
شعرت وكأن قلبها عاد ليخفق بعنفٍ مؤلم...
توقفت للحظة، وقالت بسرعة قبل أن يتحرك:
"هل يمكنني سؤالك؟… أريد الاتصال بصديقتي قبل المغادرة.. "
2
نظر باڤل بينها وبين بوابة الخروج المؤدية إلى ساحة الطائرة العسكرية، مترددًا للحظة طويلة..
ثم قال أخيرًا:
"دقيقة واحدة فقط.. لا أكثر... الملازم لن ينتظرك… وقد يغادرون بدونك.. "
لم تضيع ثانية..
أخرجت هاتفها، وأصابعها ترتجف وهي تضغط على اسم ألبا..
رنّ الهاتف مرة… مرتين… ثلاثًا… بلا رد..
أعادت الاتصال..
هذه المرة جاءها الصوت الآلي البارد:
الهاتف خارج نطاق التغطية..
5
شعرت وكأن الجدار الأخير الذي تستند إليه انهار..
خفضت الهاتف ببطء، ونفت برأسها لباڤل..
أومأ لها لتتقدم أمامه، ثم سأل عرضًا:
"هل صديقتك خارج البلد؟.. "
التفتت إليه وهي تسير، صوتها مشدود:
"لا… هي أيضًا متدربة، لكنها غادرت المدينة ليلة البارحة.. "
هز رأسه بتفهم..
"الآن فهمت… لهذا هاتفها مغلق.. "
توقفت فجأة وحدّقت فيه بصدمة..
"ماذا تقصد؟... "
نظر إليها باڤل بهدوءٍ عملي..
"أقصد يا ألبا… أن هاتفها ليس معها.. لقد سلّمته للقاعدة قبل المغادرة كما ستسلّمينه أنتِ أيضًا حين نصل إلى الثكنة.. "
شعرت وكأن الأرض مالت تحت قدميها..
يا للهول… كيف ستتواصل مع ألبا؟
7
تابع باڤل، غير مدركٍ تمامًا حجم صدمتها:
"ستزوّدك القاعدة بهاتفٍ يعمل بالأقمار الإصطناعية كباقي الجنود… لكن لا يسمح بإجراء مكالمات خارج القاعدة أو بين جنودٍ خارج الثكنة.. كما أنه لن يعمل.."
تلاشت الكلمات من رأسها..
هي وألبا انتهتا، على الأقل مؤقتًا..
تمسّكت ببصيص أمل وسألت بسرعة:
"وهل يوجد أي هاتف يسمح بالمكالمات خارجًا؟.. "
أجاب وهو يواصل السير:
"نعم… لكن عددها محدود جدًا... لا تقلقي، حين نصل سأشرح لك كل ما تحتاجين معرفته.. "
وصلوا إلى ساحة الطائرة العسكرية، حيث كانت المروحية الضخمة تنتظر، شفراتها ثابتة الآن لكنها توحي بقوةٍ كافية لتمزيق الهواء..
كان الرجال الآخرون يقفون بالقرب منها، استعدادًا للمغادرة..
تقدّم باڤل ليساعدها على الصعود، يشرح لها بإيجاز قواعد السلامة داخل الطائرة..
ومن بعيد، كانت نظرات ريغوري تخترقها—نافدة، حادة، ومنزعجة—واضحٌ أنه لا يطيق التأخير..
بسببها أُلغيَت رحلة مهمة الليلة الماضية..
وبسببها جاء هو شخصيًا لاستقبالها وترتيب الوثائق.. لو أنه بقي في القاعدة لكان الأن مع صديقه…
وضعت قدمها على درج الطائرة، وقلبها يضرب بعنفٍ غير متناسق بين الخوف، التوتر، والحماس المظلم لمرحلة لا تعرف كيف ستنتهي..
ارتفعت المروحية عن الأرض، واهتزّ جسدها لحظة قبل أن تستقر في الهواء كطائرٍ معدنيّ يبتلع المسافة تحته..
خفتت الحركة المفاجئة، لكن الضجيج ظلّ طاغيًا—طنينٌ عميق يخترق العظام، يملأ الفراغ بين الأنفاس، ويجعل الصمت نفسه صاخبًا..
كانت تنظر عبر النافذة الزجاجية السميكة، ترى المدينة تتقلّص شيئًا فشيئًا تحتها، خطوطها تتحول إلى شرايين رفيعة، ثم إلى نقاط مضيئة تتلاشى تحت غطاء الرماديّ البارد..
فكرت—بمرارة عابرة—أن رومان لو رآها الآن، في هذا الجو، وفي هذا الارتفاع، لكان وجهه قد شحب حتى البياض..
1
شقّ باڤل الصمت فجأة، ودفع كتفه بكتفها بخفة، بنبرةٍ مازحة:
"هل كان ذلك حبيبك… الرجل ذو البذلة الرسمية؟"
3
انعقد حاجبها للحظة وهي تحاول استيعاب ما يقصد... ثم استعاد عقلها المشهد—عناقها لرومان عند البوابة..
مرت عيناها سريعًا على من حولها؛ وجدت نظراتٍ مسلية تومض في عيون باڤل ورسلان و أناتولي… نظراتٌ عابثة، مليئة بالفضول..
إلا ريغوري.. كان ينظر إليها بلا أي تسلية، فقط نفاد صبرٍ صامت..
فتحت فمها لتصحح سوء الفهم—فقد سئمته منه —لكن صوتًا حادًا قطعها قبل أن تنطق..
"اصمتوا ودعوني أرتاح… وأنت يا باڤل، لا تحشر أنفك في كل شيء.. "
2
كان صوت ريغوري باردًا، قاطعًا.. أغمض عينيه، وألقى ظهره للخلف، عاقدًا ذراعيه فوق صدره كجدارٍ مغلق..
ساد الصمت فورًا… حتى هي التزمت به..
لكن باڤل، كعادته، لم يستطع البقاء ساكنًا..
أدخل يده في جيب سترته وأخرج صورة أشعة “سونار” صغيرة، مائلة إلى الرمادي، خطوطها غير واضحة لغير المختص..
مدّها نحوها بعينين تلمعان بفرحٍ خالص..
"انظري… هذه أول صورة لطفلي أو طفلتي.. أنا وحبيبتي ننتظر مولودنا الأول.. "
6
ابتسمت دون تردد، دفءٌ حقيقي ارتسم على ملامحها وهي تتأمل الصورة..كان الكائن داخلها بالكاد يُرى—ظل صغير…
"إنه صغير جدًا…"
همس باڤل، صوته مليء بالرهبة والامتنان:
"أجل… أليس كذلك؟ أنا متحمس… أكثر مما ينبغي.. "
4
تبادلا همسات قصيرة، متقطعة بسبب ضجيج المروحية، لكنها دافئة على نحوٍ مفاجئ في هذا الفضاء العسكري البارد..
ظل الحديث بينهما خافتًا حتى أعلن الكابتن عبر السماعة أنهم باتوا قريبين..
بدأ الجميع يجهّزون حقائبهم ويستعدون للهبوط..
مالت هي نحو النافذة، وعيناها تتسعان ببطء..
من الأعلى، بدت القاعدة كمدينةٍ فولاذية محصّنة، منقوشة على سفح جبل خاباروفسك العريض..
سورٌ ضخم يلتف حولها كفكٍّ حديدي، متواصل بلا انقطاع، تتخلله أبراج مراقبة شامخة تقف كحراسٍ صامتين..
خلف السور، امتدت ساحات واسعة بلونٍ رمادي داكن، تتناثر فيها الدبابات—قديمة وحديثة—مصطفّة كوحوشٍ ساكنة، بعضها مغطى جزئيًا بالثلج، وبعضها يلمع تحت ضوء الصباح الشاحب..
2
كانت هناك طرق عسكرية مستقيمة كخطوطٍ مرسومة بمسطرة، تتقاطع بدقة صارمة، وعلى أطرافها مركبات مدرعة، شاحنات عسكرية، ومروحيات أخرى راكدة كطيورٍ تنتظر الإقلاع..
في العمق، ظهرت المباني الإسمنتية الثقيلة—مراكز قيادة، مخازن، ثكنات—كلها متشابهة في صرامتها، بلا زينة، بلا دفء، فقط وظيفة وقوة..
وعلى أطراف القاعدة، انتشرت مناطق تدريب مفتوحة: ساحات رماية، حواجز خرسانية، أهداف معدنية مثقوبة بالرصاص، وأجسادٌ تتحرك بنظامٍ صارم كترسٍ واحد..
حطّت المروحية أخيرًا، واهتزّ الجسد المعدني للحظة قبل أن يرسو بثبات..
فتح الباب، واندفع الهواء البارد إلى الداخل، حادًا كنصل..
كان باڤل أول من قفز، ثم مدّ يده ليسندها وهي تنزل، قبضته ثابتة وداعمة..
ودّعها أناتولي بإيماءة قصيرة وهو يلحق بريغوري الذي ابتعد بخطوات سريعة، كمن لا يريد أن يضيع ثانية إضافية..
بقيت هي مع باڤل ورسلان، فسلكوا طريقًا معاكسًا—يمرّ بين ميادين تدريب مفتوحة..
دوّى صوت الطلقات في الهواء..
طلقات متتابعة، حادة، قريبة… ترنّ في الأذن وتخترق الصدر..
رجالٌ فقط—أجساد مشدودة، وجوه قاسية، عيون مركّزة، وأسحلة تتلألأ في أيديهم..
لمحت ذلك فورًا: لا امرأة واحدة بينهم..
لاحظ رسلان نظرتها، فتنفّس وقال بنبرةٍ واقعية:
"لا توجد هنا جنديات… أعني، ليس في خاباروفسك، وبالتحديد في الثكنة 716... لم تنجح أي جندية في اجتياز التدريب تحت قيادة القائد منذ أن تولّى منصبه... بعضهن استسلمن، وبعضهن دفعن وثائق الانتقال إلى ثكنات أخرى.. "
4
سرت قشعريرة خفيفة على طول عمودها الفقري—باردة، غير مرحّب بها..
التقط باڤل ذلك فورًا، فالتفت إليها وقال مطمئنًا:
"لا تقلقي. أنتِ لست جندية… أنتِ محامية متدربة... لن يعاملك كجندية.. "
1
أومأت برأسها، لكنها لم تكن مقتنعة تمامًا..
في داخلها، وعدت نفسها—بغضبٍ مكتوم—أنها ستقتل ألبا عندما تراها، لا محالة..
2
توقفوا أخيرًا أمام مبنى سكني بسيط، نظيف، لكنه صارم في هندسته..
أخرج باڤل مجموعة مفاتيح ومدّها لها..
"ارتاحي الآن. سأعود وقت الغداء لأرشدك إلى قاعة الطعام، وأعرّفك على المكان… وعلى قائدنا.. "
"حسنًا.. "
مدّ يده نحوها دون أن يتكلم…رفعت حاجبها، فحرّك نظره نحو جيبها..
أدركت—الهاتف..
أخرجته.. لم تكن فيه إشارة أصلًا..
وضعته في كفّه دون اعتراض..
استدارت، فتحت باب غرفتها، وأغلقته خلفها بهدوء..
كانت الغرفة بسيطة… بلا ترحيبٍ زائد ولا قسوةٍ زائدة..سرير مفرد مرتب بدقة، ملاءات بيضاء مشدودة بلا تجعّد..
1
خزانة صغيرة بجانبه، ومكتب خشبي في أقصى الغرفة، مصباح معدني فوقه، ونافذة تطل على جزءٍ من الساحة العسكرية..
1
نظام التدفئة يعمل بقوة، دفء لطيف يلفّ الجسد بعد برودة الخارج..
لم تغيّر ملابسها..أسندت حقيبتها جانبًا، خفّت كتفاها أخيرًا، ثم استلقت على السرير..
أغمضت عينيها فورًا تقريبًا؛ ثقل الصباح، الصدمة، الطيران، وكل شيءٍ مرّ بها سحبها إلى نومٍ عميق، ثقيل، بلا أحلام..
. .. .. .. .
تقلّبت تحت الملاءة، تحرّك جسدها ببطء كما لو أنّه يبحث عن زاوية رحيمة في هذا السرير الغريب….
تمدّدت، انكمشت، مدّت ساقيها ثم ضمّتهما، لكن لا شيء يشبه ذلك الدفء المألوف الذي كانت تغوص فيه كل ليلة في سريرها المبطن في غرفتها… لا نعومة، لا أمان، ولا تلك الرائحة الخفيفة لبياضات بيتها…
لحظة واحدة—لحظة خاطفة—تجمّدت فيها تمامًا..
توقّفت أنفاسها، وشدّت جسدها كوترٍ مشدود، ثم انفتحت عيناها على اتساعهما في صدمةٍ صامتة..
كان الظلام يبتلع الغرفة..
حدّقت أمامها بلا رمش، تحاول أن تستوعب السواد بعدما كانت الغرفة قبل نومها مغمورة بالضوء..
ظلّت ساكنة لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أحداث اليوم تتسرّب إلى وعيها قطرةً قطرة مثل ماءٍ بارد يتسلّل إلى الجسد..
5
المروحية… البوابة… باڤل… رسلان… ريغوري… والسور الحديدي الذي بدا كفكّ عملاق..
هي ليست في غرفتها..
هي الآن داخل قاعدة عسكرية..
عند هذه الفكرة، قفزت من السرير دفعةً واحدة، وكأن الأرض اشتعلت تحت قدميها..
اندفعت نحو النافذة، سحبت الستائر بعنف، فانكشف أمامها مشهدٌ مضيء على غير المتوقع..
كانت القاعدة متلألئة تحت أضواء كاشفة قوية، ترسم ظلالًا حادة على الأرض المغطاة بالثلج….الدبابات بدت كوحوشٍ سوداء راكدة، وأبراج المراقبة كأصابع طويلة تمزّق السماء..
التفتت فجأة نحو مكتبها تبحث بعينيها على هاتفها…ثم تذكّرت أنه لم يعد معها..
ارتبك صدرها لحظة، قبل أن تلتقط ساعة الحائط الصغيرة المعلّقة قرب الباب…
السابعة والنصف مساءً..تجمّد الدم في عروقها..
يا إلهي.. قال باڤل إنه سيأتي ليرافقها إلى الغداء وهي نامت اليوم بأكمله..
مرّرت أصابعها في شعرها الأشقر بسرعة، تعدّله على عجل دون مرآة؛ فالغرفة لا تحتوي على حمّام أصلاً..
سوّت أطراف قميصها الصوفي، شدّت سروال الجينز عليها، ثم أضافت سترة صوفية أخرى فوق كتفيها..
فتحت الباب وخرجت..
كان الممر حيًّا بالحركة—جنودٌ يمرّون جيئةً وذهابًا، أصوات أحذية ثقيلة ترتطم بالأرض، رائحة معدنٍ وزيتٍ باردة في الهواء..
تقدّمت بخطواتٍ مترددة، تتلفّت حولها، حتى لمحت رسلان جالسًا على مقعدٍ طويل قرب المدخل الخارجي..
كان مفككًا سلاحه على طاولة معدنية أمامه، ينظّف أجزاءه بعنايةٍ هادئة—حركات دقيقة، معتادة، لا تحمل توترًا..
رفع رأسه فور أن رآها..
توقّف لحظة، أعاد تركيب جزءٍ من السلاح بسرعة محترفة، ثم نهض وتقدّم نحوها بخطواتٍ واسعة..
ما إن وصل حتى قال بنبرة ودودة:
"مساء الخير، ألبا… لقد فوتِ الغداء، لا بد أنك جائعة.. "
تنفست بارتباك خفيف..
"آه… أعتذر... غفوت ولم أستيقظ… ولا أملك هاتفًا لأضبط منبهًا.. "
ابتسم رسلان قليلًا، وهو يهزّ رأسه بتفهّم..
"أتى باڤل ليوقظك، لكنه لم يتلقَّ ردًا، فافترض أنك نائمة وفضّل أن يتركك ترتاحين.. وبالنسبة للمنبّه… سأعيرك خاصتي، بما أنني أشارك الغرفة مع رفقة، فلا أحتاجه.. "
2
ضحكت بتوتر، امتنانٌ خفيف يخفف عنها ثقل الموقف..
"سأقدّر ذلك حقًا.. "
أشار برأسه نحو المبنى الأكبر أمامهما..
"سيبدأ وقت العشاء الآن… لنذهب.. "
أومأت وسارت بجانبه..كانت النظرات تتبعها..فضولية، متفحّصة، وبعضها حالمٌ بشكلٍ مزعج..
شعرت بها على جلدها كإبرٍ خفيفة، لكنها أبقت رأسها مرفوعًا..
فتح رسلان باب قاعة الطعام وأشار لها بالدخول..
كانت القاعة واسعة، سقفها مرتفع، وطاولاتها طويلة من المعدن الداكن.. رأت باڤل وأناتولي وريغوري يجلسون بالفعل على طاولة ليست بعيدة..
تابعت رسلان حتى وصلت إليهم..
ما إن أشارت لها باڤل لتجلس، حتى وقف ريغوري فجأة التقط صينيتين طعام دون كلمة، وغادر بخطواتٍ حازمة، بلا نظرة واحدة إليها..
10
نهض أناتولي مبتسمًا بهدوء..
"تفضّلي بالجلوس، سأحضر لك قائمة الطعام.. "
1
جلست، وضعت حقيبتها قرب قدميها، ثم رفعت عينيها ببطء..
قالت بهدوء، لكن بفضولٍ واضح:
"هل للملازم ريغوري مشكلة معي؟.. "
2
مضغ باڤل لقمةً قبل أن يجيب، وهو يهزّ كتفيه:
"لا… هو هكذا مع الجميع... وليس هو فقط حتى القائد... هما صديقان مقرّبان، ولذلك غادر ليأكل معه، لأنه لم يستطع المجيء إلى هنا وهو لا يزال مصابًا.. "
تبادلا الحديث بعد ذلك عن التدريب الذي سيبدأ غدًا—الجدول، القواعد، ما يُسمح وما يُمنع، وما ينبغي عليها توقعه كمتدرّبة قانونية داخل قاعدة عسكرية..
عاد أناتولي ومعه صينية الطعام، فتناولوا العشاء وسط مزاحٍ خفيف من باڤل وتعليقاتٍ مقتضبة من رسلان..
للحظات، نسيت أمر الأوراق، واسم ألبا الذي يطاردها، والقلق الذي يثقل صدرها منذ الصباح..
حين انتهوا، وقف باڤل قائلاً إنه سيرافقها إلى غرفتها.. في طريق العودة، سألت عن الهواتف التي أخبرها عنها سابقًا..
أوضح لها بصوتٍ هادئ:
" في القاعدة كلها يوجد هاتف واحد في المنارة، وأربعة في غرفة الاتصالات، وواحد في غرفة القائد.. "
6
دوّى هذا في رأسها وهي تدخل غرفتها وتغلق الباب خلفها..
تجولت ببطء داخل المكان، تمشي بخطواتٍ صامتة فوق الأرض الباردة، وعقلها يعمل بسرعة..
المنارة؟ مستحيل... الدخول ممنوع، وتحت حراسة مشددة.. غرفة الاتصالات؟ لا تعرف حتى أين تقع، ولا أسماء الضباط المسؤولين عنها..
تبقّى خيار واحد فقط..غرفة القائد..
استندت بيدها إلى المكتب، عيناها تضيقان وهي تفكر..
3
من كل ما جمعته من معلومات… القائد غالبًا رجلٌ كبير في السن..
7
ريغوري يبدو من نوع الرجال الذين يحيطون أنفسهم برجالٍ ناضجين، صارمين، ذوي هيبة—وليس بشبانٍ طائشين..
1
إذًا… القائد لن يكون سوى عجوز..
4
وإن كان عجوزًا، فربما يكون الآن نائمًا… أو على الأقل، لن يلاحظ إن تسلّلت لوقت قصير..
شدّت فكّها بعزمٍ مفاجئ.. هي يجب أن تتصل بألبا اليوم، لا غدًا..
رفعت رأسها، وقد اتخذ القرار..
2
ستخرج… وتبحث عن غرفة القائد..
1
انتظرت..
لم تتحرك من مكانها فورًا، بل تركت الوقت ينساب كما ينساب الثلج الذائب على زجاجٍ بارد..جلست على حافة السرير للحظة، تستمع إلى أصوات القاعدة من خلف الجدار:
وقع الأحذية، أوامر قصيرة، ضحكات متقطعة، وصوت محركات بعيدة لا تهدأ تمامًا..
نظرت إلى الساعة مرة أخرى لم تكن الليلة قد بلغت ذروتها بعد..
تنفست ببطء، ثم نهضت..
بدأت بتفريغ حقيبتها على مهل، ليس بدافع النظام بقدر ما هو محاولة لتهدئة نبضها..علّقت سترتها في الخزانة المعدنية الضيقة، رتّبت ملابسها المطوية بعناية غير معتادة، وضعت حذاءها تحت السرير، واصطفّت أغراضها الصغيرة على المكتب: دفتر ملاحظاتها، قلمها، مشبك شعرها، وزجاجة ماء..
لم تكن الغرفة كبيرة، لكنها كانت دقيقة في بساطتها العسكرية: سرير ضيق، مكتب ، كرسي واحد، وخزانة حديدية ذات باب يصرّ عند فتحه..مرّرت أصابعها على سطح المكتب البارد، ثم على حافة النافذة، تتأمل الأضواء البعيدة التي ترسم خطوطًا ذهبية على الثلج..
1
مرّ الوقت بطيئًا… ثم أسرع… ثم بدا وكأنه يختفي تمامًا..
حين رفعت رأسها أخيرًا إلى الساعة، كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل..
الصوت في الخارج تغيّر..
لم يعد هناك صخبٌ منظم، ولا خطوات كثيرة تتقاطع في الممرات.. حلّ مكانه هدوء متقطع هسهسة رياح باردة، احتكاك معدني بعيد، وصوت حارس أو اثنين يتبادلان كلمات قصيرة..
هذا هو الوقت..
أطفأت الضوء، فغمر الظلام الغرفة، ولم يبقَ سوى وهج خافت يتسرّب من النافذة.. وقفت للحظة، تلتقط أنفاسها، ثم فتحت الباب ببطء شديد..
صرير خفيف كاد يجعل قلبها يقفز لكن الممر ظلّ ساكنًا..
خرجت على رؤوس أصابعها..
1
كان الممر طويلاً، مضاءة مصابيحه بوهجٍ أصفر باهت، ينعكس على الجدران الرمادية الباردة... تقدمت ببطء، خطواتها خفيفة كأنها تمشي فوق زجاجٍ هش..
عند أول منعطف، توقفت..
سمعت وقع حذاءٍ ثقيل يقترب..
انكمشت فورًا في ظلّ عمود قريب، ضغطت جسدها إلى الجدار، وكادت تتوقف عن التنفس..مرّ جنديّان على بعد أمتار قليلة، يتحدثان بصوت منخفض، ولم يلتفتا إليها..انتظرت حتى ابتعد صوتهما تمامًا، ثم تابعت السير..
وصلت إلى ردهة واسعة تقود إلى عدة أجنحة..كانت هنا الأبواب أكبر، والجدران مزينة بلوحات خرائط عسكرية وصور وحدات مختلفة... شعرت أن المكان أكثر رسمية—أكثر خطورة..
ترددت للحظة، ثم اختارت الممر الأيسر..
كلما تقدمت، قلّ عدد الأبواب، وزادت الهيبة الصامتة للمكان…الأرضية كانت لامعة على نحوٍ غير معتاد، وكأن هذا الجزء من القاعدة يُعامل باحترام خاص..
على بعد خطوات، لاحظت كاميرا صغيرة مثبتة قرب السقف..
تجمّدت..
رفعت رأسها قليلًا، تراقب زاويتها… ثم تحركت بحذر شديد، ملتزمة الحافة القريبة من الجدار، حيث الظل أعمق..
عند نهاية الممر، ظهر باب مزدوج ثقيل من الخشب الداكن—ليس معدنيًا مثل بقية الأبواب... فوقه لوحة صغيرة نحاسية نقش عليها رقم، وتحتها لافتة مقتضبة بلا تزيين..
غرفة القائد..
4
توقف قلبها لحظة..
تقدمت خطوة… ثم أخرى..
لكن قبل أن تصل، اعترضها باب جانبي أصغر، يقف أمامه جندي واحد، مستقيم كالتمثال، بندقيته محمولة على صدره..
تراجعت فورًا، واختبأت خلف زاوية..
فكّرت بسرعة..
لم تستطع المرور من هنا مباشرة..
التفتت خلفها، فرأت ممرًا ضيقًا يؤدي إلى درجٍ جانبي…تسللت نحوه، تنزل درجاته المعدنية بهدوء، تشعر ببرودتها من خلال نعل حذائها..
وصلت إلى ممر سفلي أقل إضاءة—ربما ممر خدمة…
كانت الأنابيب مكشوفة على الجدران، وصوت طنين منخفض يتردد في الهواء…. تقدمت بحذر حتى وجدت بابًا نصف مفتوح يؤدي إلى غرفة تخزين..
توقفت، استمعت… لا شيء..
دخلت بسرعة، ثم خرجت من الباب الخلفي للغرفة، لتجد نفسها في ممر آخر يقود بحسب اتجاهه إلى جناح القائد نفسه من الجانب الآخر..
تسللت فيه، تتجنب الأضواء الساطعة، حتى ظهرت أمامها مرة أخرى تلك الأبواب الخشبية المهيبة… ولكن هذه المرة بلا حارس..
كان الضوء داخل الغرفة خافتًا، يتسلل من أسفل الباب…
تقدمت ببطء، وشعرت بنبضها في أذنيها..
رفعت يدها… وترددت للحظة..
1
ثم وضعت راحة كفها على المقبض البارد..
دار قليلاً تحت يدها..
لم يكن مقفلاً..
دفعت الباب ببطء شديد بما يكفي لتفتح فتحة ضيقة..
دخلت..
كانت الغرفة واسعة، سقفها عالٍ، ومكتبه ضخمًا من خشب داكن مصقول.. خرائط كبيرة معلقة على الجدران، وشاشات مطفأة تقف على طاولة جانبية.. رائحة خفيفة من القهوة والجلد كانت تملأ المكان..
2
على الجانب الآخر، باب آخر موارب يقود—على الأغلب—إلى غرفة النوم الخاصة بالقائد..
اقتربت من المكتب أولًا..
وهناك، على الطرف الأيمن، رأت ما جاءت من أجله..
هاتف القاعدة ؛الهاتف الذي يسمح بالاتصال خارج الثكنة..
3
توقفت فوقه، تتنفس بعمق… ثم مدت يدها نحوه..
لكن قبل أن تلمسه، سمعت صوتًا خافتًا خلفها..
صوت حركة… أو نفس..
الهواء في الغرفة تغيّر فجأة، أثقل… وأكثر برودة..
تصلّبت أصابعها فوق الهاتف..
ورفعت رأسها ببطء، تنظر نحو الباب الموارب المؤدي إلى غرفة القائد..
تجمّدت..
لم يكن تجمّدًا عابرًا، بل شللًا كاملًا اجتاح أطرافها حتى شعرت أن الهواء ذاته أصبح ثقيلًا داخل رئتيها..ظلت على هذا الحال لثوانٍ طويلة، تحبس أنفاسها، تستمع إلى الصمت الذي عاد يخيّم خلفها وكأنه بحرٌ أسود ابتلع كل صوت..
1
ارتجفت أصابعها وهي تمتد ببطء نحو هاتف الفاكس.. كان المعدن باردًا تحت جلدها، وبرودته تسري في عظامها…
ضغطت الأزرار بسرعة متوترة، أرقام ألبا تتشكّل أمام عينيها… ثم توقفت فجأة..
انقبض صدرها.. تذكّرت..
كلمات باڤل انغرست في ذهنها كإبرة باردة:
"ستسلّمين هاتفك عند الوصول… كما فعلت هي.."
2
تجمّدت يدها فوق لوحة الأرقام.. شعرت باندفاع حاد من الغباء يصفعها بقوة..
10
"يا إلهي…"
همست بصوتٍ مبحوح، ثم خرجت منها فجأة بنبرة أعلى مما قصدت:
"يا لك من غبية يا جليندون…"
2
كلماتها ارتدت عن الجدران الصامتة، خافتة لكنها كافية لتفضح وجودها..
قبل أن تبتلع صوتها، شقّ الهواء صوتٌ من خلفها ،أجشّ، منخفض، وخطير بما يكفي ليجعل الدم يتجمّد في عروقها:
"أرى ذلك… لأنك لو كنتِ ذكية لما اقتحمتِ غرفة القائد متسلّلةً كلصّة بعد منتصف الليل.. "
12
شهقت شهقة قصيرة، كادت أن تصرخ، ووضعت يدها على صدرها حيث كان قلبها يخفق بعنفٍ مؤلم..استدارت ببطء—بطيئًا جدًا—وكأن الحركة نفسها قد تجرحها..
ووقعت عيناها عليه..
لم يكن عجوزًا..
1
ولم يكن حتى قريبًا من الصورة التي رسمتها في مخيلتها..
2
كان يجلس في زاوية كانت قبل لحظات فارغة تمامًا، وكأن الظل نفسه بصقَه إلى الوجود... ظهره كان مائلًا قليلًا إلى الحائط، لكن وضعه لم يكن مريحًا…بل مترقّبًا، مفترسًا، ومتحكمًا..
1
صدره عارٍ، ملفوف حول بطنه بشاش طبي أبيض مشدود بإحكام، تتخلله آثار دمٍ خفيف... سروال عسكري داكن، وحذاء ثقيل مصقول… وسلاحٌ مرفوع بثبات، فوهته موجّهة مباشرة نحوها..
6
شعرت بأن الأرض تختفي تحت قدميها..
إستقام ببطء..
كانت الحركة سلسة، خالية من أي استعجال، لكنها ثقيلة بثقل السلطة والعنف الكامن.. استقام جسده ليكشف عن طولٍ مهيب—أطول مما توقعت—وعرض كتفين يجعل الغرفة تبدو أضيق..
تقدّم خطوة إلى الضوء..
ثم أخرى..
حتى انكشفت ملامحه تمامًا..
وسيم… على نحوٍ خطير..
وجه منحوت ببرودة قاسية؛ خطوط حادّة، فكّ مشدود، وعظام وجنتين بارزة تمنحه هيبة قاتلة... بشرته فاتحة، مشدودة، لا أثر فيها للترف—بل أثر معارك وقرارات لا تُتخذ إلا بالحديد..
2
وعيناه…زرقاوان…باردتان…
1
صافيتان لدرجة أن النظر فيهما بدا كالغوص في بحرٍ متجمد..
كانت تلك النظرة تمسحها من رأسها إلى أخمص قدميها، لا بشهوة، بل بتقييمٍ قاسٍ… كما لو كانت تهديدًا محتملاً، هدفًا، أو كذبةً يجب كشفها..
1
تقدّم حتى وقف أمامها مباشرة..
قريبًا… قريبًا جدًا..
رفَع سلاحه قليلًا، وحرّك فوهته ببطء أسفل ذقنها، رافعًا وجهها نحوه بقسوةٍ مدروسة.. لم يلمسها بيده..كان السلاح كافيًا..
2
قال بصوت منخفض، خشن، يقطر بالتحذير:
"من أنتِ؟.. "
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن الكلمات تختنق في حلقها..
'أمم… جلـ.. "
توقفت فجأة، كأن الاسم احترق على لسانها، ثم تداركت بسرعة:
"أقصد… ألبا.. متدرّبة من كلية القانون… "
3
لمعت عيناه بازدياد الشك..
2
لاحظ تردّدها، طريقة ارتباكها، كيف تهرب نظراتها إلى كل ركن في الغرفة إلا وجهه..
تقدّم خطوة أخرى..
والآن… لم يعد هناك فراغ بينهما..
ضغط جسدها على حافة المكتب الخشبي خلفها حتى شعرت بصلابته تتوغّل في ظهرها..في الوقت نفسه، ضغط فوهة المسدس أكثر تحت فكّها، ليس بما يكفي ليجرحها، لكن بما يكفي ليؤلمها ويُذكّرها بمن يملك السيطرة..
قال ببطء، وكأن كل كلمة تُطرق بمطرقة:
"ألم تقولي قبل قليل… اسمًا آخر؟… جليندون؟.. "
6
اتسعت عيناها رغماً عنها، وشاهد كيف ارتجف حلقها وهي تبتلع بصعوبة..
لم يبتسم..
"ماذا تفعلين هنا… يا جليندون؟"
ارتجف صوتها، وانفلتت الكلمات منها بلا ترتيب:
"لا…لا، أنا ألبا… كنت فقط أريد الاتصال… مكالمة واحدة فقط… أنت تضغطـ"
تأوهت بخفوت حين شعرت بحدّة المكتب تضغط على أسفل ظهرها أكثر، وبتوتره الذي بدا كحبل مشدود على وشك الانقطاع..
قبل أن يتحرك أو تحاول دفعه، دوّى صوت الباب وهو يُفتح بعنف..
1
ارتطم بالمقبض على الجدار..
استدار فورًا من دون أن يخفف ضغط السلاح عليها لينظر نحو الداخل..
كان الملازم غريغوري..
تجمّد لحظة وهو يرى المشهد أمامه: القائد يقف قريبًا جدًا منها، جسده يطوّقها تقريبًا، والسلاح تحت ذقنها.. لو لم تكن فوهة المسدس واضحة، لكان المشهد قابلًا لتفسيرٍ مختلف…
3
استغلت تشتته..
و دفعته بكل قوتها ليس نحو معدته بل بعيدًا عن موضع جرحه فتراجع خطوتين إلى الخلف..لم يسقط، لكنه فقد تلك السيطرة اللحظية عليها..
اندفعت الكلمات منها بسرعة مذعورة:
"أعتذر عن… عن ..لا شيء! تصبح على خير أيها القائد!"
12
ثم اندفعت نحو الباب وخرجت ركضًا، خطواتها تتردّد في الممر قبل أن تختفي..
ظلّ غريغوري واقفًا عند المدخل، ينظر إلى الفراغ الذي ابتلعتها، ثم عاد بنظره إلى أورلوف..
أغلق الباب خلفه بهدوء هذه المرة، ووضع سترته على الأريكة، ثم جلس براحة مستفزّة، كأنه لم يرى ذلك المشهد قبل لحظات..
تنفّس أورلوف ببطء، صامتًا، لكن صدره كان يرتفع بحدة مكبوتة.. و إكتسحت أعينه لمعة غريبة و هو يتابع مخرج خروجها…
1
فرقع غريغوري فقاعة أورلوف حين قال بنبرة عابثة:
"إنها مرتبطة.. "
17
لم تستغرق سوى جزء من الثانية حتى تغيّر وجه أورلوف..
6
تلاشت تلك اللمعة الغامضة التي غطّت عينيه منذ لحظات، وحلّ مكانها غضبٌ بارد… ثقيل… يخترق غريغوري كما تخترق الرصاصة هدفها..
2
رفع أورلوف مسدسه مرة أخرى...هذه المرة موجّهًا مباشرة إلى غريغوري..وأصبعُه على الزناد بلا تردد..
قال بصوت منخفض، حاد، لا يقبل أي مزاح:
"أغلق فمك اللعين… غريغوري.. "
7
انفجر غريغوري ضاحكًا، ضحكة تردّدت في أرجاء الغرفة، ثم رفع يديه في علامة استسلام ساخرة وهو يتمدد أكثر على الأريكة..
"اهدأ، أنا لا أكذب.. رأيناها جميعًا قبل الرحلة كيف كانت تعانق حبيبها بعناقٍ حميمي قبل المغادرة.. "
6
شدّ أورلوف قبضته على السلاح، وبرزت عروق ساعده تحت الجلد..
6
كان غريغوري الوحيد الذي يستطيع قراءة تلك التفاصيل الدقيقة في وجهه البارد..الشدّ الخفيف في فكه، الظلّ المظلم الذي مرّ في عينيه، والصمت الذي صار أثقل من أي صراخ..
1
وكان يعرف جيدًا…أن هذا الصمت هو أخطر ما في أورلوف…
The end of flashback
10
. .. .. .. .
كانت جليندون نصف ممددة على أريكة غرفة المعيشة، ظهرها مسند إلى زاويتها، وركبتاها مطويتان تحت البطانية الخفيفة التي ألقتها بلا اكتراث فوق ساقيها. عيناها، اللامعتان لكن المرهقتان، كانتا معلّقتين في الفراغ أمامها؛ وفي الفراغ كان يجلس هو..
1
أورلوف لم يكن بعيدًا؛ بضع أمتار تفصل بينهما، لكنها بدت كمسافة قارة كاملة..جلس على الأريكة المنفردة المقابلة، مرفقاه يستندان إلى ركبتيه، ويداه متشابكتان بينهما…
كان يبادلها النظرات بصمت..
نظرة صلبة… لكنها ليست قاسية.. نظرة مشدودة… لكنها ليست باردة..
منذ ساعة كاملة ..منذ أن ارتطمت كفّها بوجهه بصوتٍ دوّى في المطبخ بعد عن عبر بكلماته عن رغبته بها…والصمت هو سيد المكان..
9
الصفعة لم تكن مجرد غضب؛ كانت فاصلة، إنذارًا، وخطًا أحمرًا رسمته بوضوح.. رأته يتوقف لحظتها كما لو أن الضربة لم تكن على خده، بل على اندفاعه كله..
2
تنفّس بعمق، صدره يرتفع ببطء ثم يهبط، وكأنّه يحاول ضبط شيء متفجّر في داخله... استند بظهره أخيرًا إلى مسند الأريكة، مائلًا برأسه للخلف للحظة، قبل أن يشقّ السكون فجأة صوتٌ حادّ:
رنين جرس الباب..
1
تردّد صداه في أرجاء المنزل الهادئ كنبضة مفاجئة في قلبٍ ساكن..
استقامت جليندون فورًا، شدّت ظهرها، وقبضت حاجبيها بتجهمٍ خفيف... يدها تشدّدت حول طرف رداء المنامة الحريري الذي كانت ترتديه، وكأنها تستعيد درعها في لحظة غير متوقعة..
ساد الصمت ثانية… ثم دق الجرس مجددًا، أطول هذه المرة..
نزلت قدماها إلى الأرض، وانتعلت خفها بسرعة، لكن قبل أن تتحرك خطوتين، كان صوت أورلوف قد سبقها:
"سألقي أنا نظرة.. "
توقفت، التفتت إليه ببطء، وعيناها تلتمعان بالغضب المكتوم..
شدّت رداء المنامة حول جسدها بإحكام وقالت ببرودٍ لاذع:
"لا تتصرف وكأن هذا منزلك، ودعني أغضّ البصر عنك قبل أن أطردك.. "
8
ارتفع أحد حاجبيه بخبثٍ خفيف، وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه .ابتسامة لا تعني انتصارًا بقدر ما تعني استمتاعًا حتى بهذا الشجار..
قال بهدوءٍ منخفض:
"تعلمين جيدًا أنني سأعود… بطريقة ما، حتى لو طردتِني.."
11
زفرت الهواء بغضب، حادًا وطويلًا، ثم مشت نحو الباب متجاهلة إياه، بينما سار خلفها بخطوات ثابتة، صامتة، كظلّ ثقيل يرفض الانفصال..
مدّت يدها وفتحت الباب..
وتجمّدت..
المشهد أمامها كان خارج كل توقعاتها..إلى حدّ أن عقلها رفض استيعابه للحظة..
وقفت إيكاترينا على عتبة الباب، ووراءها مباشرةً كانت صوفيا ممسكة بيد والدتها، ترفع رأسها الصغير وتنظر حولها بفضولٍ متردد..
8
كانت إيكاترينا مختلفة… ومتشابهة في آنٍ واحد.. نفس الوقفة الأرستقراطية، نفس الملامح الهادئة، لكن فوق وجهها ارتسمت ابتسامة مرتبكة لا تناسبها عادة.. عيناها كانتا متوترتين، تتهربان قليلًا قبل أن تعودا إلى جليندون..
همست بصوت منخفض، مشوب بالقلق:
"هل… يمكنني الدخول؟"
أغمضت جليندون عينيها للحظة، كأنها تتمنى أن يختفي المشهد إذا لم تنظر إليه... للحظة قصيرة، أرادت أن يكون هذا مجرد هلوسة، مجرد خداع من عقلها المتعب..
فتحت عينيها مجددًا..
لم تختفِ إيكاترينا.. ولم تختفِ صوفيا..
ابتلعت صدمتها، وتراجعت خطوة لتفسح المجال، قائلة بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
"أه… أجل.. تفضلوا بالدخول.. "
خطت إيكاترينا إلى الداخل، وصوفيا تتبعها بخطوات صغيرة حذرة..
ولم يفُت جليندون ما حدث في تلك الثانية..
رأت كيف تغيّر وجه أورلوف فورًا..
3
لم يعد الزوج الغاضب الصامت، ولا الرجل الذي تلقّى صفعة قبل ساعة..
عاد في لمح البصر؛ القائد..
تلك النظرة التي عرفتها جيدًا من الماضي: باردة، نافذة، وخطيرة… نظرة رجل اعتاد أن يقيس التهديدات قبل أن يتكلم... حدّق في إيكاترينا بثباتٍ ثقيل، كأنه يزن وجودها في منزله؛أو بالأحرى، في منزل زوجته..
3
لكنها لاحظت أيضًا… أن هذه النظرة لم تكن كما كانت قبل سنوات.. كانت أقل قسوة… وأكثر حذرًا.. معها فقط..
تبعت جليندون أختها بعينيها وهي تسير إلى الداخل، ثم انخفض نظرها إلى صوفيا..
قلبها انقبض.. كبرت…كبرت أكثر مما توقعت..
لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي بالكاد تمشي أو تنطق بضع كلمات... الآن كانت أطول، أنعم، وملامحها ازدادت وضوحًا؛ ملامح جميلة تشبه والدتها بشكلٍ لافت، لكن في عينيها شيء هادئ يشبه جليندون نفسها..
4
أشارت جليندون بيدها نحو الأريكة قائلة:
"تفضلوا… اجلسوا.. "
لكن إيكاترينا لم تتحرك للجلوس... وقفت مكانها، مترددة، أصابعها تلتف حول حقيبة صغيرة كانت تحملها..
قالت بصوتٍ منخفض، محرج، وكأنها تختار كلماتها بعناية:
"لا، شكرًا… هل يمكننا… المبيت هنا الليلة؟.. "
9
في اللحظة نفسها، رأتها جليندون؛ رأت التوتر، التهرّب، والخوف الخفي الذي تحاول إخفاءه..
كان أورلوف يفتح فمه بالفعل، لكن جليندون التفتت إليه بنظرة واحدة فقط..
نظرة حادة، صامتة، لا تحتاج إلى كلمات..
أغلق فمه فورًا..
16
تنفّس بصمت، وأدار وجهه قليلًا، لكنه لم يعترض..
كانت جليندون تعرف أختها جيدًا بما يكفي لتفهم شيئًا واحدًا:
إيكاترينا لم تأتِ لأنها تريد الزيارة..
جاءت لأنها تهرب..
أومأت جليندون ببطء، حتى وإن كانت الصدمة لا تزال تتلاطم داخلها..
قالت بهدوءٍ أخف مما توقعت:
"طبعًا… اتبعيني.. "
3
استدارت وسارت نحو الممر المؤدي إلى غرف الضيوف، وإيكاترينا تتبعها، وصوفيا تمسك بيد والدتها بإحكام..
وخلفهم على مسافة قصيرة ظلّ أورلوف واقفًا في مكانه، يراقب المشهد بصمتٍ ثقيل، عيناه لا تفارقان إيكاترينا… ولا تفارقان زوجته التي ابتعدت عنه بخطوات ثابتة، تاركةً وراءها صمتًا أكثر عمقًا من أي حديث..
.........