رواية اقدار مؤجلة الفصل الخامس عشر 15 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟓 : أثر لا يُشفى
by Volny_morya
- لقد نسيت تقريبًا كلُّ الأشياء عنك، عدا أنك خدشت ما كنت أخشاه، أن تجعلني أفقد إطمئنان الإختيار الذي شعرت به تجاهك يومًا.
210
جليندون .
95
. . . .
201
أسندت جليندون كفّيها إلى جانبيها فوق الفراش، وأبقت رأسها منكسًا كأنها تخشى أن ترفع عينيها فتعود الصور لتغمرها من جديد..
5
أنفاسها كانت بطيئة لكنها ثقيلة، كأن صدرها ما زال يركض داخل الحلم... الكابوس لم يكن مشهدًا واحدًا؛ كان فوضى متشابكة من وجوه وأصوات وأبواب تُغلق، من نظرات اتهام، ومن ضحكة باردة تعرف أصحابها جيدًا..
2
القلق المتراكم من الأيام الأخيرة وجد طريقه أخيرًا إلى نومها، فاقتلعها منه قبل أن يرن المنبه بدقائق، وتركها معلّقة بين الماضي والحاضر..
218
رنّ المنبه بهدوء في السادسة تمامًا.. الصوت المألوف الذي طالما كان إعلان بداية يوم منضبط بدا اليوم كإشارة اقتحام…مدت أصابعها وأطفأته دون أن تنظر إليه، وكأنها تطفئ جزءًا من إصرارها المعتاد على السيطرة..
134
نهضت ودخلت الحمام بخطوات ثابتة ظاهريًا، بينما في داخلها كانت تمشي فوق أرض رخوة…
1
اعتادت أن تبدأ صباحها بتمارين صارمة؛ جسد يتحرك بعناد ليُسكت عقلًا لا يتوقف.. لكن اليوم لم يكن في داخلها طاقة لمواجهة نفسها في المرآة وهي تتصبب عرقًا..
كل ما أرادته هو ماء ساخن ينساب فوق كتفيها، يخفف وطأة الذكريات، ويمنحها دقائق من الصمت المادي.. ثم مغادرة المنزل سريعاً…دون أن تواجه أحداً..
بيتها… المكان الوحيد الذي شعرت فيه يومًا بانتماء صادق، صار فجأة غريبًا... الجدران نفسها، الأثاث نفسه، رائحة القهوة التي كانت تعشقها، كلها بدت وكأنها تراقبها الآن…
كان ذلك درعها، قوتها المكتسبة من سنوات الوحدة و دراسة النفس والانضباط.. لكنها الآن تكره هذه العادة، لأنها بدأت تلتف حول بيتها، حول هذا الملاذ الوحيد، مهددة بأن تحوّله إلى شيء يمكن الاستغناء عنه… فقط لأن وجود آخرين فيه أربكها…
طليقها و…
7
أختها…
لم تعرف كيف كان ينبغي أن تشعر حين رأت إيكاترينا على عتبة الباب.. الفرح؟ الحنين؟ الامتنان؟ لم يأتِ شيء من ذلك..
ما شعرت به كان اندفاعًا دفاعيًا غريزيًا، كأن جسدها كله تهيأ للصدّ قبل أن يفهم عقلها السبب..لفتة صغيرة طلب مبيت..كان يفترض أن تُذيب جليد سنوات، لكنها أيقظت في داخلها طبقات قديمة من القسوة..
إيكاترينا… النسخة المصقولة من سيرجي فولكوف.. الذكاء المتوقد، الهندام المتقن، الابتسامة التي تُرضي الجميع…الابنة التي لم تُخطئ يومًا أمام الناس.. بينما جليندون كانت دائمًا المشروع غير المكتمل..
تحت الماء الساخن، عادت التفاصيل بوضوح مؤلم..من المدرسة الثانوية ، خزانة ملابسها... وقوفها أمامها بلا حركة، يداها معلقتان في الهواء، عاجزة عن اختيار أي زي أو قميص أو حتى بنطال….
و احيانا كانت تقف أمامها بلا حركة و مشتتة لساعات لا تعرف ما الذي ستختاره لترتديه اليوم…
كلمات الانتقاد كانت تتردد في رأسها حتى بعد أن يغادر أصحابها الغرفة..
“هذا لا يليق بك..”
“تبدين سخيفة..”
“اختياراتك كارثة..”
1
لم يكن الأمر مجرد توبيخ عابر؛ كان تفكيكًا بطيئًا لقدرتها على الاختيار..
حتى مائدة الطعام كانت ساحة ارتباك…كانت تحدق في الأطباق، تتساءل:
ماذا آكل؟
هل هذا مناسب؟
هل سيُعلق أحدهم؟ …
أن أكلها غير صحي..
أحيانًا كانت تظل جالسة بلا حركة حتى يضع أحدهم شيئًا في صحنها، فتأكل بصمت، كأنها تنفذ أمرًا..
أمضت سنوات المراهقة بلا أصدقاء حقيقيين، لا لأنها لا ترغب، بل لأنها لم تثق بقدرتها على الاختيار..
العائلة كانت مرآة مشروخة تعكس لها دائمًا صورة ناقصة…وفي التجمعات العائلية، كانت تبدو شاردة، جامدة، فيُعاد توبيخها لأنها “تسيء الظهور”.. دائرة لا تنتهي..
4
وفي المقابل، كانت إيكاترينا متألقة دائما.. الأصدقاء من الطبقة الرفيعة، الحديث الواثق، الإنجازات التي تُذكر في كل مناسبة...كانت الأيدي تتشبث بها فخرًا، بينما جليندون تقف على الهامش، تحاول أن تفهم كيف تحولت إلى عبء صامت..
عندما دخلت الجامعة، لم يتغير الكثير... بل ازداد ضغط الصورة العامة..
ابنة وزير الصحة الروسي، سيرجي فولكوف، لا يمكن أن تبدو “مضطربة”..
و بعدها بأمر من والدها بعد إجتماع عنها مع والدتها و شقيقتها أتى قرار العلاج النفسي.. بعد أن حطموا ثقتها بــأيديهم..
5
قرار جلسات العلاج النفسي لم يكن بدافع الرعاية بقدر ما كان محاولة لتجميل السطح…حصتان أسبوعيًا، تُعامل فيهما كحالة يجب ضبطها، لا كشخص يحتاج أن يُفهم..
وحين تسرب الأمر، صار همسًا في أروقة الجامعة....
شُكك في أهليتها، في استحقاقها لدرجاتها العالية، كأن اجتهادها يمكن أن يُمحى بكلمة “غير مستقرة”..
خرجت من تحت الماء وأغلقت الصنبور... لفت المنشفة حول جسدها، ووقفت لحظة أمام المرآة..
نظرت إلى انعكاسها طويلًا.. لم تعد تلك الفتاة المرتبكة أمام خزانة الملابس.. لم تعد الجثة الصامتة على مائدة العائلة.. لقد اختارت..
اختارت كلية القانون حين كان الجميع ينتظر منها الطب.. كان ذلك أول قرار تتخذه بلا إذن.. أول مرة تقول “أنا” دون أن ترتجف..
ثم جاء القرار الثاني… أورلوف..
2
اختيارها له لم يكن نزوة.. كان إعلانًا آخر لاستقلالها، مهما بدا للآخرين اندفاعًا..رجل لا يشبه عائلتها، لا يشبه الدوائر الأنيقة التي تربت بينها..رجل قاسٍ، صريح، لا يخفي رغبته ولا سلطته.. ربما رأت فيه قوة تفتقدها، أو مرآة مختلفة تعكسها بلا تجميل..
وربما..وهذا ما تخشاه..رأت فيه تحديًا للعالم الذي حاول تشكيلها..
مسحت بخار المرآة بكفها، فظهر وجهها أكثر وضوحًا..
لم تعد تريد أن تهرب من هذا البيت..ولا أن تهرب من أختها..
ولا حتى من زوجها…لكنها أيضًا لن تسمح أن تُسلب منها قدرتها على الاختيار مرة أخرى...
2
ستواجه كل من أتى في وجهها كما تدربت و تصد كل ما لا يروق لها…
ارتدت ملابسها بهدوء، وحين خرجت من الغرفة كان في خطواتها ثبات جديد.. الماضي لن يختفي، لكنه لن يقودها بعد الآن...
اليوم ستذهب إلى عملها، ستجلس خلف مكتبها، وستقرر..كما فعلت مرتين من قبل…أي طريق ستسلك..
لأنها أخيرًا تعلمت أن الاختيار، مهما كان مؤلمًا، أرحم من العيش بلا إرادة...
2
نزلت الدرجات بخطوات رزينة، ظهرها مستقيم كما لو أن عمودًا خفيًا يشدها نحو الأعلى، ورأسها مرفوع بثقة لا تتزعزع…
في يدها اليمنى كان الهاتف، باردًا وصامتًا، وفي الأخرى حقيبة الحاسوب، وزنها مألوف، جزء من روتينها الذي لا يخذلها... كان المنزل ساكنًا، لكنه لم يكن سلامًا… كان ذلك الصمت الذي يخفي تحت سطحه توترًا غير مرئي..
ما إن بلغت عتبة المطبخ حتى رأتها..
إيكاترينا كانت جالسة على الكرسي الطويل، جسدها مائل قليلًا فوق الرخام البارد، أصابعها تتحرك على شاشة هاتفها دون تركيز حقيقي، كما لو أنها تبحث عن شيء لا يمكن العثور عليه... كان التوتر يحيط بها مثل ظلٍ ثانٍ..
صوت كعب جليندون على الأرض كان حادًا بما يكفي ليكسر تلك العزلة..
رفعت إيكاترينا رأسها فورًا.. والتقت أعينهما…لحظة قصيرة… لكنها كانت كافية...
تقدمت جليندون دون تردد، وضعت حقيبتها على الرخام بحركة هادئة ومدروسة، ثم قالت بنبرة منخفضة، مستقرة، خالية من أي مجاملة زائفة:
"صباح الخير.."
ردت إيكاترينا تلقائيًا، وكأن الكلمات خرجت منها قبل أن تتمكن من التفكير:
"صباح الخير.."
استدارت جليندون نحو آلة القهوة.. حركاتها كانت دقيقة.. انتظرت حتى امتلأ الكوب..أمسكت بالسكر، أضافت الملعقة الأولى..
4
وعندما همّت بإضافة الثانية…توقفت..ليس بسبب السكر..بل بسبب فكرة…الطبيبة..
كان عليها أن تزورها..
ومع تلك الفكرة، تسلل اسم آخر إلى ذهنها… طليقها..
غادر…أخيرًا..الفكرة لم تجلب راحة كاملة… لكنها كانت بداية..
3
سكبت القهوة في الكأس الألمنيوم، أغلقت الغطاء بإحكام، وشعرت بالنظرات.. لم تكن بحاجة إلى الالتفات لتعرف..
كانت تشعر بها، مركزة على كتفيها، ثقيلة، مترددة…
استدارت، وسارت نحو المخرج دون أن تنظر إلى الخلف…وقبل أن تعبر العتبة..
جاء الصوت.. متردد…
"هل لديك بعض الوقت؟"
توقفت جليندون..
استدارت ببطء، ارتشفت من قهوتها، رفعت حاجبًا واحدًا فقط…إشارة صامتة…لتكمل..
ابتلعت إيكاترينا ريقها.. كانت هذه أول مرة تراها جليندون بهذا الشكل... الإبنة المثالية... المتماسكة دائمًا... التي لا تخطئ…
والآن…
كانت متصدعة…قالت بصوت منخفض:
"أريد أن أستشيرك في أمر ما.."
1
فلتت ضحكة قصيرة من جليندون.. لم تكن ضحكة فرح...كانت أقرب إلى انعكاس ساخر للواقع..
استشارة منها…هي التي قضت حياتها تُتهم بسوء الاختيار..
تقدمت إيكاترينا قليلًا، أشارت إلى الكرسي أمامها بصمت…جلست جليندون.. شابكت أصابعها فوق الرخام، كما تفعل دائمًا عندما تستعد للاستماع إلى عميل.. وضعية محايدة مهنية، بلا تعاطف… بلا حكم..
قالت إيكاترينا:
"لقد التقيته.."
لم تجب جليندون..لكن الصمت كان إذنًا كافيًا..
أكملت إيكاترينا، كلماتها تتسارع قبل أن تفقد شجاعتها:
"فيليب… وجدني.. وهو يعرف الآن بشأن صوفيا.. لكنه… لم يكن كما كان.. كان مختلفًا.. خطيرًا و هددني.. قال إنه قادر على تدمير حياتي.. من الواضح أنه يريد ابنتي ..."
ارتشفت جليندون قهوتها ببطء..وعندما تكلمت، كان صوتها باردًا… دقيقًا:
"هل وافقتِ على دعوى قضائية لإجراء تحليل الحمض النووي؟"
رمشت إيكاترينا..
"لا… لم أتلقَ أي دعوى.."
أومأت جليندون..
"إذن، إن كان متأكدًا، فهذا يعني أنه أجرى تحليلًا بشكل غير قانوني..."
3
توترت أصابع إيكاترينا أكثر..
"لقد أخذها من المدرسة قبل أيام… دون إذني.."
رفعت جليندون نظرها فورًا..
"هل قدمتِ بلاغًا؟.."
"لا… لم أعرف إن كان يجب ذلك.."
وضعت جليندون الكوب جانبًا..
نظرتها أصبحت أكثر حدة..
"ما فعله يُصنف قانونيًا كأخذ طفل دون صفة قانونية مثبتة…في قانون الأسرة عندما تكون العلاقة غير رسمية، لا يُعتبر الرجل أبًا قانونيًا إلا بعد إثبات الأبوة قضائيًا.."
صمتت لحظة… ثم أكملت:
"إثبات الأبوة يتطلب دعوى رسمية…دونها، لا يملك أي حق قانوني.."
ابتلعت إيكاترينا ريقها..
"وإن أثبت ذلك؟"
أجابتها جليندون فورًا:
"سيُمنح حق الزيارة والمشاركة في التربية.."
1
تجمدت ملامح إيكاترينا..
لكن جليندون لم تتوقف..
"يمكنه أيضًا طلب الحضانة… لكن الحصول عليها صعب دون سبب قوي.. المحكمة ستفحص كل شيء... استقرارك المالي.. صحتك الجسدية… و قوتك العقلية ثم تفحص معيشة الطفلة و… "
توقفت عمدًا..
ثم قالت ببطء:
"و الصحة النفسية..."
ارتجفت أصابع إيكاترينا.. لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا.. كان تذكير بسيط…بعدم تجاوز الخط و لتذكرها بمكانها…
واصلت جليندون:
"لكن هناك إستثناء يمكنك أن إعتماده إذ لم ترغبي في تقليل نسبة فوزه عليك إذ ما ..راوغ بطرق غير قانونية لينتقم منك.."
لوح الأمل على ملامح الأخرى و فكت أصابعها تنتظر من جليندون أن تستمر….
" إن كانت الطفلة مسجلة باسم رجل آخر، فهذا يتطلب طعنًا قانونيًا خاصًا.. العملية طويلة و مرهقة.. لكنها لا تعني أنه سيفوز.."
" هل تقصدين أن أتزوج؟!!..... "
8
كان هناك خوف… لكن أيضًا شيء آخر و هو الأمل..
همست:
"هل سأخسرها؟إذ لم اعتمد على هذا الطريق؟!..."
نظرت إليها جليندون مباشرة…لأول مرة، لم تكن نظرتها باردة بالكامل..
قالت بهدوء:
"القانون لا يسلب طفلًا من بيئة مستقرة دون سبب...كما أن القانون يعتمد أن يكون لطفل تأثير أبوي و هذا شيء لا تملكه.."
صمتت… ثم أضافت:
"لكن القانون لا يحمي المترددين..."
ساد الصمت بينهما..ثقيل و نهائي..
وفي تلك اللحظة، أدركت إيكاترينا أن حياتها، كما عرفتها… قد انتهت بالفعل.. إذ لم تعتمد على هذا الحل…
حدقت جليندون للحظات في تخبط افكار إيكاترينا عبر أعينها ثم رفعت حقيبتها … و وقفت للمغادرة حين قالت إيكاترينا:
" هل تريدين أن ترافقيني، سأذهب أنا و صوفيا لزيارة غريس ؟!!... "
3
تغير فجأة تعبير جليندون و حدقت بالأخرى بحدة و حين فتحت ثغرها لتتحدث…أعادت إغلاقه ثم بخطوات غاضبة خرجت دون أن تلقي نظرة أخيرة على إيكاترينا…
جعلت منهاج تشعر بسوء و تمنت لو ترجع كلماتها...
. . . . . .
ضرب فيليب كفه على المكتب مرة أخرى، فأرتجت الأقلام والملفات فوق سطحه، واليد الأخرى كانت تشد الهاتف بين أصابعه وكأنه يحاول كسر سحره..
1
أغمض عينيه، أخذ نفسًا عميقًا لكنه لم يخفف الغضب الذي يغلي داخله، ثم انفجر بصوت مكتوم:
"إبحث عنها، أينما كانت، حتى لو اضطررت لحفر قبور موسكو كلها… سأجدها… احتاج إلى إبنتي! سيكون لها حساب عسير معي… كيف تجرؤ على تكرار نفس الخطأ مرتين!.."
أغلق الهاتف بعنف ثم أسقطه على الأرض وتحطم إلى قطع، وهو يصرخ بأعلى صوته:
"إيكاترينا… أنت تلعبين على أعصابي حقًا!"
7
جلس على حافة مكتبه، يدفن وجهه بين يديه، يحاول أن يهدئ العاصفة التي تعصف بعقله..
صوت ريكاردو من على الأريكة أوقفه قليلًا، لكن لا شيء يخفف من ثورته الداخلية…
"لا أستطيع أن أصدق أن إيكاترينا هي المرأة التي لطالما أخبرتني عنها… حب حياتك…"
1
استدار فيليب فجأة، رفع إصبعه إلى وجه ريكاردو، وصرخ بنبرة اشمئزاز:
"صه، ريكاردو… لقد كانت حبي الأول، حب حياتي، لكن ست سنوات كافية لأن تولد ابنتي وتكبر، لتتحدث، لتتعلم… وكل ذلك يكفي لتغيير كل شيء.. لا شيء يجمعني بها الآن سوى ابنتي… لا شيء آخر.. ولن يكون هناك شيء مستقبلاً!"
9
ضحك ريكاردو، ضحكة تهكمية، حاول بها كسر التوتر:
"أنت… هل تتغافل مع نفسك؟! لا زلت حتى الآن تهتف باسمها عندما تسكر… سأذكرك الشهر الماضي، فقط عندما سكرت، بدأت تهمس باسمها… ترجيتها ألا تتركك…"
6
التفت فيليب، التقط ساعة رملية كانت على المكتب، وقذفها باتجاه ريكاردو.. اتسعت عينا الأخر و انحنى بسرعة، فمرت الساعة الرملية على اللوحة المعلقة، تلامس الحائط وتتحطم..
1
وقف ريكاردو صارخًا:
"هل جننت؟! الساعة الرملية! كان يجب أن تكسرها على رأسك! لعلك تستيقظ!"
4
فيليب لم يرفع صوته بعد، لكن عينيه كانت شرسة، كل شبر من جسده يعبر عن الغضب المتراكم :
"أنا مستيقظ يا ريكاردو… أنا مستيقظ! سأجن… لقد اختفت، وتلك المرأة… كل ما كنت أشعر به الآن في الماضي هو الرفض والإذلال… كل ما أريده هو تحرير عقلي من رفضها الذي أصاب قلبي… لكنها لم تترك لي خيارًا!"
"لا تحبها؟"
سأل ريكاردو، محاولًا أن يجد ثغرة..
"لا… قطعا لا… تلك المرأة مجرد ورقة… حرقتها منذ سنوات…"
3
كان ريكاردو يحاول تمالك نفسه، لكنه شعر بالحرج، فقد وقع بين صديقين، بين مشاعر شخصية وقربه من كل طرف..
قبل أن يتحدث رن هاتف ريكاردو على الطاولة..
رمقه للمرة الأخيرة بنظرة تقول:
"لقد جننت…"
التقط الهاتف دون أن ينظر للمتصل.. لكن صوت الطرف الآخر جعله يتراجع قليلاً، يتأكد من الاسم.. كانت إيكاترينا..
3
رمقه فيليب بنظرة شك ثم تقدم ناحيته بخطوات بطيئة و بحركة سريعة سحب الهاتف من كف ريكاردو..ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة .. ثم فعل خاصية مكبر الصوت و أشار إلى الأخر بإتباع الحوار..
"ريكاردو…؟!"
صوتها المرتبك وصلهم، متسائل ومستغرب:
"ريكاردو… مرحبًا… "
ابتلع ريكاردو ريقه، لم يكن يعلم كيف يتصرف..
" أجل.. مرحبا إيكاترينا كيف حالك.. و .. كيف حال صوفيا.. "
" أممم.. جيد.. نحن بخير.. هل لديك بعض الوقت أريد أن اتحدث معك... "
رمق ريكاردو صديقه برأس منخفض و هو يرى تلك النظرة الملتهفة... و الفضولية...
" أجل، هو هو أمر طارئ .. كل شيء بخير؟؟.."
"أجل... حسنا ليس تماما.. أردت أن اتحدث معك عن... حسنا... أممم.. عن نحـ... "
هذا الحديث بدأ يأخذ منعطف آخر... و حتى و إن كان وفيّ لصديقه لكن إيكاترينا أيضا مقربة له و تجمعهما أحاديث يجب أن تحترم خصوصيتها...
5
لذلك...
انتزع الهاتف من يد فيليب و اطفئ خاصية مكبر الصوت قائلا:
"لنتحدث لاحقا إذ لم يكن الأمر طارئ أو نخصص وقت و نتحدث وجها لوجه.. إلى اللقاء كاتي... "
و أغلق الخط ..
نظر إليه فيليب بنظرة قاتلة قائلا بصوت فحيح...
" كاتي؟! "
رفع ريكاردو حاجبه الأيسر ينتظر من الأخر أن يكمل..أليس هو من كان يقول أنه يكره هذه الكاتي قبل بضعة دقائق... فما الذي يحاول ايصاله الأن …
6
وقف الاثنان في صمت، غرفة المكتب تغص بثقل الغضب والتوتر، كل منهما يحاول قراءة نية الآخر..
الوقت توقف، لكن عقارب الساعة في عقل كل واحد منهما استمرت في الدوران بسرعة جنونية…
كان شيء ما على وشك الانفجار..
شيء يتعلق بالحب… بالرفض… بالسلطة… و الابنة المخفية..
والأيام القادمة لن تكون سهلة على أحد..
. . . . . .
تسللت أشعة الشمس أخيرًا من بين الغيوم الثقيلة، كأنها تشق طريقها بصعوبة عبر سماء رمادية لم تتعافَ بعد من عاصفة الليلة الماضية..
انعكست خيوط الضوء على طبقات الثلج المتراكمة فوق السيارات المصطفة، فبدأت القشور البيضاء تذوب ببطء، تنساب قطرات الماء على الزجاج المتجمد وتقطر نحو الأرصفة الصامتة..
كانت موسكو في تلك اللحظة تبدو هادئة على نحو خادع..
المنازل الصغيرة ذات الأسقف المثلثة وقفت صفًا واحدًا، مغطاة برداء أبيض ثقيل، كأن الشتاء قرر أن يطبع بصمته عليها بالكامل. وفي طرف الشارع كان هناك منزل واحد… صغير، بسيط، بحديقة أمامية تحولت إلى ساحة من الثلج غير الممسوس..
منزل يكفي لعائلة صغيرة…عائلة لم تُمنح فرصة الاجتماع تحت سقف واحد..
وعلى بعد أمتار قليلة، توقفت سيارة داكنة اللون بجانب الرصيف.. داخلها جلس رجل يراقب بصمت..
أورلوف..
كان يرتدي سروال جينز أسود وقميصًا صوفيًا رماديًا برقبة عالية، يعلوه معطف طويل داكن ينسدل حتى ركبتيه.. قبعة سوداء أخفت معظم شعره، وانخفضت حافتها قليلًا فوق عينيه، عادة قديمة لا يستطيع التخلص منها.. إذ لم يكن يرتدي قناع و خوذة عسكري، يشعر بالفراغ لا يملئه إلى شيء كقبعة رأس..
لم يكن مجرد برد.. كانت عادة الخدمة.. سنوات طويلة قضيت تحت خوذة عسكرية ثقيلة، جعلت رأسه يشعر بالانكشاف كلما خرج دون غطاء..
فتح باب السيارة ببطء.. نزل..الهواء البارد ضرب وجهه فورًا، لكن ملامحه لم تتغير..
خطا نحو المنزل..
قبل دقائق فقط كان قد شاهد المرأة الشقراء تعبر البوابة الحديدية الصغيرة.. كانت تمسك بيد طفل صغير بينما تتوازن في يدها الأخرى كيس ورقي وكوب قهوة يتصاعد منه بخار ساخن..كان الطفل يقفز بخطوات قصيرة فوق الثلج المتراكم، يضحك بشيء من البراءة التي لا تعرف شيئًا عن التعقيدات التي تحيط بعالم الكبار..
1
راقبهما أورلوف حتى اختفيا داخل المنزل..
والآن…وقف أمام الباب..طرق طرقًا خفيفًا..
انتظر..
خطوات خافتة اقتربت من الجهة الأخرى، ثم انفتح الباب أخيرًا..
وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما اتسعت عينا المرأة فورًا..
انعكست الصدمة في بؤبؤيها البنيين قبل أن تتحرك غريزتها أسرع من عقلها..رفعت ذراعها أمام الطفل الذي كان يقف خلفها مباشرة، تدفعه قليلًا إلى الخلف بحركة دفاعية فطرية..
لم ترَ ذلك الوجه منذ سنوات.. الوجه بارد..ااصلب..
خالٍ من أي شيء يمكن وصفه بالدفء.. التقيا ثلاث مرات فقط في حياتها..
وهذه…ستكون الرابعة..
5
المرة الأولى كانت في ليلة زفافها..
المرة الثانية في غرفة المستشفى بعد ولادتها لطفلها، حين دخل محملًا بخبر حطم شيئًا بداخلها..
أما الثالثة…
فكانت قبل سنتين..
2
في مثل هذا اليوم تقريبًا..لقاء كاد أن ينتهي بدم..
3
في تلك الليلة كان الغضب قد استولى عليه بالكامل، وكانت كلماتها هي الشرارة التي أشعلت كل شيء.. حتى الآن ما زالت تتذكر تلك النظرة… النظرة التي جعلتها تدرك أنه كان على وشك قتلها بالفعل..
ومنذ ذلك اليوم، لم تنسَ شيئًا.. لذلك تحركت يدها فورًا لتغلق الباب.. لكن أورلوف كان أسرع..
وضع كفه على الخشب، أوقف الباب قبل أن يتحرك سنتيمترًا آخر.. لم يدفعه بعنف..
بل ببطء..
بطريقة هادئة… لكنها حاسمة..
فتح الباب بنفسه ودخل خطوة إلى الداخل، صوته منخفض وبارد كهواء الشتاء:
"سيأتي غريغوري قريبًا.."
تجمدت للحظة.. ثم خرج زفير طويل من صدرها دون أن تشعر..
غريغوري..إذن لن يحدث شيء..
لم يكن أورلوف قد آذاها يومًا بشكل مباشر… على الأقل ليس فعليًا.. صحيح أن مجرد النظر إليه كان كافيًا ليزرع الرعب في صدرها، لكن في اللقاء الأخير كانت هي من دفعت الأمور إلى حافة الانفجار..
كانت تعرف ذلك.. وقد ندمت على الكلمات التي قالتها لاحقًا..
1
أغلق أورلوف الباب خلفه بهدوء.. ثم بدأ يتفحص المكان..
ببطء..
عيناه مرتا فوق غرفة المعيشة كما لو أنه يمسحها طبقة طبقة..توقف لبضع ثوانٍ عند كل تفصيل، كل صورة معلقة على الجدران..
صور الطفل..
صور قديمة..
صور وحدات عسكرية…
شعارات..
وجوه رجال بزي ميداني..
ثم توقفت عيناه.. على صورة واحدة..
رجل يقف وسط مجموعة من الجنود، كتفه ملتصق بكتف آخرين، والابتسامة على وجهه واضحة رغم التعب..
باڤل..
ظل أورلوف ينظر إلى الصورة طويلًا…فرد من وحدته سابقًا..جندي جيد..
ورجل…كان قريبًا من زوجته في فترة تدريبها..
زوجته..طليقته قانونيًا..
16
لكن في رأس أورلوف لم يتغير شيء..هو رجل قانون لكن حين يتعلق القانون بالحالة الإجتماعية لما يجمعهما… لن يعود كذلك..
هي لا تزال زوجته..
خلفه، كانت المرأة ما تزال واقفة في مكانها..ضمت الطفل إلى صدرها أكثر، ذراعها تحيط به كما لو أنها تستطيع أن تبنيه داخل قفص من عظامها إن احتاج الأمر..
كانت تراقب أورلوف بصمت.. كل حركة..كل نفس..
وفي تلك اللحظة كسر الطفل الصمت بصوته الصغير المتردد:
"أمي… هل هذا عمي أورلوف؟"
تحرك رأس أورلوف ببطء نحو الصوت..
وقبل أن تجيب الأم، همست بسرعة:
"صه يا صغيري.."
استدارت ميران لتستوعب نظراته الثاقبة، تنظف حنجرتها بصوت خافت وكأنها تحاول ترتيب أفكارها قبل الحديث..
اقتربت من الطاولة، أجلست طفلها في مقعده المخصص، ثم تقدمت نحو الرخام لتسحب مكونات القهوة بحركة رتيبة ومهذبة..قالت بهدوء، دون أن تلتفت إليه:
"تفضل بالجلوس، سأحضر القهوة.."
لم تكن تتوقع أن يعود ذكرى الماضي بهذه القوة، ولم يكن بمقدورها التنبؤ بقدومه الآن، بعد كل السنوات، بعد كل ما فقدت من طاقة وروحها.. كانت القهوة مجرد طقس صباحي، لكنها شعرت فجأة بثقل الذكريات يلتصق بها..
سمعت خطواته تتقدم، ثم جلوسه مقابل ابنها.. مرّت دقائق صامتة، كل منهما متحفظ على كلماته..
سكبت القهوة في كوبه، وقدمتها أمامه.. لاحظت ميران بصره يعلق على إصبعها السبابة، حيث يلمع خاتم ذهبي مزين بألماسة صغيرة.. لم تكن قطعة جديدة، بل تذكير بالزمن الماضي، بالخاتم الذي أعاده إليها قبل سنتين، ليوم واحد فقط، قبل أن يغادر باڤل ويتركها مع طفلها، جلست الآن أمامه والذكريات تتقافز في رأسها..
رفع كوبه ببطء نحو شفتيه، نظرة حادة تخترقها:
"اجلسي.."
جلست بجانب الطفل، مصممة على حماية صغيرها بوضعه بين ذراعيها كحاجز، كأنها تفرض حدود الأمان..
"لماذا أنت هنا.."
همست، محاولة التحكم بصوتها..
وضع الكوب على الطاولة، تنفس ببطء ثم قال:
"اليوم الذكرى الخامسة لموت باڤل.. غريغوري أراد زيارتكم، أصر علي للمجيء معه…"
7
أومأت ميران بحزن، يدها على صدر طفلها، مسحت بخفة على رأسه وقالت:
"متى سيصل غريغوري؟"
رفع معصمه لمستواه، نظر إلى الساعة، وأجاب ببطء:
"قريبًا.."
ارتشفا القهوة بصمت، صمت ثقيل يعكس سنوات من الألم والصمت المتبادل.. ميران تعلمت منذ زمن أن لا تتكلم في حضوره، وأورلوف بطبيعته لا يحب الكلام الفارغ..
لكن بعض العادات لا تختفي بسهولة، فخرج صوتها بلا وعي، تقول:
"هل أخبرتها…"
4
عرف عن ماذا تتحدث قبل أن تكمل، نظراته خلف كوب القهوة جعلتها تشعر بقشعريرة تسري على طول عمودها الفقري..
لم تتراجع، قالت:
"أنا أعتذر عن الكلام الذي قلته… فقدت السيطرة، دخلت في أمور ليست من شأني، لكن موت باڤل وتربية طفل صغير كان جديدًا كليًا علي…"
أومأ برأسه، كما لو قبل اعتذارها بدون كلمات، لكن صمتًا ثقيلاً بقي بينهما..
"لكن، هل أخبرتها؟!"
2
قالت مصممة على الحصول على الجواب..
زفر بضيق، رفع رأسه، نظر إليها من تحت قبعته السوداء:
"ليست بحاجة إلى معرفة ذلك…"
نقر بأصابعه على الطاولة، تحذير صامت من التهور..
ابتلعت ميران ريقها، ثم قالت:
"لقد أخبرتك أنني أعتذر، وأنني أخطأت عندما حاولت إخبارها… الموضوع سري، ولا يعلم به أحد..."
رفع قبعة رأسه، عقد ذراعيه:
"كما قلت، موضوع سري.. لا يعلم به إلا القادة وأشخاص قليلون، وأنت فقط لأن والد ابنك توفى وكان جزءًا من ذلك اليوم.. أي تسريب سأعاقبك عليه شخصيًا قبل القانون…"
زفرت الهواء، اتكأت على ظهر الكرسي و قالت:
"لكنها تحتاج أن تعرف… في النهاية…"
ضرب الخشب الطاولة بقوة، ففزع الطفل وأغمض عينيه من الصوت المفاجئ.. ربثت ميران على ظهره لتهدئته، بينما قال أورلوف بنبرة حادة:
"لو أردتها أن تعرف أو تتذكر شيئًا، لما اخترت الطريق المختصر من الأول… زوجتي لا تحتاج أن تعرف شيئًا..لا تصرفي بأنانية، وتنسي أن موقعها من الحكاية مماثل لمكان باڤل… هي أيضًا ضحية... باڤل في ذلك اليوم أدى واجبه… وهو كان جندي يعرف مخاطرة عمله…"
8
أنهى كلامه، وقف على قدميه.. وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب..كلاهما عرف دون أن ينطق، الغرفة اكتسبت هدوءًا مشحونًا بالتوتر..
غريغوري..
وصل قبل أن تتطور الأمور، حضوره كالفرصة الأخيرة للسلام المؤقت، وصمت المنزل الثقيل تردد مع خطوات أورلوف على الرخام بإتجاه الباب ..
استدار دون كلمة.. خطاه كانت ثابتة فوق أرضية الخشب، صلبة، لا تعكس شيئًا من الفوضى التي كانت تدور في رأسه منذ دقائق..
فتح الباب.. وفي العتبة وقف غريغوري..تمامًا كما رآه آخر مرة قبل شهرين..
في ذلك اليوم حين جاء إلى موسكو بطلب منه شخصيًا، لحضور أول جلسة في قضية القاعدة… القضية التي كانت تفتح جروحًا قديمة أكثر مما تحلها.. كان غريغوري يومها يقف في قاعة المحكمة بوجهه الصارم ذاته…وعيناه تراقبان كل تفصيل بصمت..
وكان هناك أيضًا…المحامية.. المرأة التي تقف اليوم في قلب تلك القضية.. زوجته..
1
لم يتفاجأ أورلوف كثيرًا عندما عرف ذلك في أول لقاء رسمي بينهما..المفاجآت لم تعد تفاجئه منذ سنوات..
وقف الاثنان للحظة على العتبة..نظرة قصيرة مرت بينهما..ثم تقدم غريغوري خطوة..وتعانقا..
عناق قصير..
ذلك النوع من العناق الذي لا يحمل عاطفة صريحة، لكنه يقول أشياء كثيرة بين الرجال الذين مروا معًا عبر الحرب، الخسارة، والسنوات التي لا تعود..
ثانيتان فقط..ثم انفصلا..
تنحى أورلوف جانبًا وفتح الطريق دون كلمة..دخل غريغوري…وكعادته…كان وجهه عابسًا..
ملامحه حادة، خط الفك مشدود، نظرته مستقيمة لا تعرف التردد.. كان يحمل تلك الهالة نفسها التي يحملها أورلوف؛ الصرامة، الكبرياء، ذلك النوع من الحضور الذي يجعل الغرفة تنتبه فورًا لدخوله..
رجال من النوع نفسه.. لكن ما حدث بعد ذلك…
لم يكن متوقعًا..
توقف غريغوري في منتصف الغرفة..
خلع قفازيه ببطء، مسح يديه ببعضهما، ثم رفع نظره نحو الطاولة..
حيث كان الطفل جالسًا في حضن أمه..
وفي تلك اللحظة..تغير وجهه بالكامل.. كأن أحدهم أطفأ القناع الذي يرتديه عادة..
ارتسمت ابتسامة حقيقية و دافئة..
شيء نادر… حتى أورلوف نفسه لم يره كثيرًا..
اقترب خطوة، صوته خرج خفيفًا، مرحًا بطريقة غريبة على رجل مثله:
"انظروا من ينتظر عمه هنا.."
1
ضحك الطفل فورًا.. باكو..
ضحكة صافية، عالية، انفجرت من صدره بلا تردد... صفق بكفيه الصغيرتين بحماس، قدماه الصغيرتان تضربان حافة الكرسي بينما يحاول الانحناء للأمام..
"عمو غيغوي!"
الكلمات خرجت متعثرة ببراءة الأطفال..
مدّ غريغوري ذراعيه نحوه..أما ميران…
فابتسمت هي أيضًا دون أن تشعر.. لم تكن ابتسامة كبيرة، لكنها كانت حقيقية..
شهر كامل..
شهر كامل منذ أن بدأ غريغوري يزورهم أحيانًا، وكان باكو ينتظر تلك الزيارات كأنها عيد صغير يتكرر.. لم يكن الطفل يفهم تعقيدات الماضي أو روابط الرجال الذين يأتون ويذهبون من حياته..
1
كل ما كان يعرفه…أن هذا الرجل يجعله يضحك..و يشعر بسعادة وهذا كان كافيًا..
أخذ غريغوري الطفل بين ذراعيه بسهولة، رفعه قليلًا في الهواء قبل أن يعيده إلى صدره، وضحكة باكو تعلو أكثر..
ميران راقبت المشهد بصمت..وارتاحت..لأجل طفلها..
أما أورلوف…
فكان يقف قرب الباب بلا حركة و عيناه ثبتتا على المشهد أمامه..
الرجل القاسي الذي يعرفه…يضحك و الطفل يصفق له..
الغرفة دافئة بطريقة لا يعرفها.. لحظة صغيرة و عادية..
لكنها بدت له… غريبة، غريبة جدًا..
كأنه يقف خارج صورة لا ينتمي إليها..العالم الذي يعرفه مختلف..
في عالمه… الضحك قصير، والدفء مؤقت، والرجال لا يملكون رفاهية الجلوس حول طاولة مطبخ صغيرة في صباح شتوي..
خفض أورلوف نظره قليلًا…شعور ثقيل مر داخله..
ليس حسدًا وليس ندمًا ،شيء آخر… أقرب إلى إدراك بارد..
أنه لا ينتمي هنا..رفع يده..
1
عدل القبعة السوداء فوق رأسه بإحكام، تلك الحركة القديمة التي يفعلها كلما قرر الرحيل قبل أن يُطلب منه ذلك..
ثم قال دون أن يلتفت:
"إلى اللقاء.."
لم يكن صوته مرتفعًا.. لكنه كان واضحًا..توقف ضحك الطفل للحظة و التفتت ميران وغريغوري رفع نظره..
لكن أورلوف كان قد فتح الباب بالفعل..
الهواء البارد اندفع إلى الداخل ثم خرج..
أغلق الباب خلفه بهدوء..وفي الخارج…
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا..والثلج بدأ يذوب ببطء..
. . . . . .
توقفت السيارة ببطء في موقف الزوار أمام المستشفى..
ظلّ المحرك يعمل لثوانٍ قبل أن تطفئه جليندون، ثم عمّ السكون داخل المقصورة.. لم تخرج فورًا.. بقيت جالسة خلف المقود، يدها ما زالت على عجلة القيادة، ونظرها ثابت عبر الزجاج الأمامي..
المستشفى كان يقف أمامها ككيان مألوف… ومع ذلك غريب..
بناء ضخم من الزجاج والخرسانة، الواجهة اللامعة تعكس ضوء الصباح البارد، والناس يدخلون ويخرجون عبر الأبواب الدوارة دون أن يتوقف أحد للتفكير بمن يملك المكان حقًا..
هذا ليس مجرد مستشفى..إنه إمبراطورية عائلتها.. والداها الذي يشغل منصب وزير الصحة الروسي .. و عائلتها التي تعمل في مجال الطب منذ قرون…
والدتها، أعمامها، أبناء عمومتها و شقيقتها الكبرى التي تركتها في منزلها هذا الصباح..
كل ممر هنا يحمل اسمًا تعرفه..كل طابق فيه شخص من سلالة فولكوف..
حتى طبيبتها الشخصية تكون زوجة ابن عمها..
لأن مرض أي أحد من أفراد العائلة هنا لا يبقى سرًا..
1
في هذه العائلة، الخبر ينتقل أسرع من الدم في الشرايين..ملف صحي واحد كفيل بأن يصبح موضوع نقاش على مائدة العشاء العائلية..
هي لا تريد ذلك..لا تريد نظرات الشفقة..ولا التحليل البارد الذي سيتبعه…ولا الأسئلة التي ستغرقها عائلتها..
ولهذا قررت أمرًا بسيطًا… وواضحًا..
ستسحب ملفها الطبي.. ثم تبحث عن مستشفى آخر..أي مكان… بعيد عن اسم فولكوف..
حتى لو اضطرت للذهاب إلى مدينة أخرى خارج موسكو…تنهدت ببطء..التعب كان يضغط خلف عينيها..
لم تنم جيدًا منذ أيام.. بل منذ أسابيع… إن أرادت أن تكون صادقة مع نفسها.. استيقاظها قبل السادسة صباحًا كان روتينًا قاسيًا.. لم تضطر أن تجبر نفسها به، فقط تكون كروتين في حياتها..
لا المنومات ساعدت.. ولا تمارين التنفس كل صباح…
نفس اللحظة.. قبل السادسة صباحا..
شعور ضيق يجثم على صدرها كأن الهواء ينقص فجأة من الغرفة و تستيقظ مذعورة، قلبها يضرب قفصها الصدري بعنف، وكأن جسدها يصرخ من خطر لا تراه.. و بعدما تهدأ تتشخص عينيها الكجثة في السقف إلى أن يعمل جسدها من التمدد..
وأمس…
فعلت شيئًا لم تفعله منذ سنة كاملة…اتصلت بطبيبتها النفسية..
بعد عام كامل من الصمت.. حيث ظنت أنها تغلبت عن مخاوفها الداخلية..
بعد انتهاء علاج استمر ثلاث سنوات..
ثلاث سنوات ظنت في نهايتها أنها وقفت أخيرًا على قدميها..لكن اتصال الليلة الماضية جعلها تشعر بشيء مزعج..
كأنها… عادت إلى نقطة البداية..
قطع أفكارها رنين الهاتف..
اهتز الجهاز فوق المقعد الجانبي..أطلقت زفرة طويلة، ثم التقطته ونظرت إلى الشاشة..
الاسم المضيء جعل كتفيها يرتخيان قليلًا..
أسندت رأسها إلى مسند المقعد، ورفعت الهاتف إلى أذنها..
"مرحبًا… كيف حالك؟"
جاء صوته من الجهة الأخرى فورًا..صوت رجولي عميق… مألوف بطريقة مريحة..صوت تعرفه جيدًا..
"مرحبًا.. بخير… وأنت؟ كيف حالك؟ هل هناك أخبار؟"
حركت جليندون كتفها قليلًا، ابتسامة خفيفة مرت على شفتيها..
"بخير… حسنًا، ليس تمامًا.. لدي خبران... خبر جيد وخبر سيء.."
توقفت لحظة ثم سألت:
"بماذا أبدأ؟"
لم يتردد ..
"الخبر السيء.."
خرجت منها ضحكة قصيرة.. جافة و ساخرة قليلًا..
"اكتشفت أنني مصابة بالسكري.."
ساد صمت قصير في الطرف الآخر..
ثم جاء صوته مرفقًا بتنهيدة :
"أوه، جليندون… كم مرة حذرتك من كمية السكر التي تستهلكينها يوميًا؟"
أغمضت عينيها للحظة ومالت رأسها إلى الخلف..
"نعم نعم… أعرف الخطاب كاملًا.."
لوّحت بيدها في الهواء وكأنه يستطيع رؤيتها..
"على أي حال، الأمر ما زال في بدايته... لا أعرف الأرقام بعد... أنا الآن أمام المستشفى لأستلم التحاليل وأسحب ملفي الطبي.."
ثم أضافت بنبرة أكثر جدية:
"بالمناسبة… ابحث لي عن مستشفى لا تطأه قدم واحدة من سلالة فولكوف.."
صمت لحظة… ثم قال:
"حسنًا.."
توقف قليلًا قبل أن يسأل:
"والخبر الجيد؟"
ابتسمت.. ابتسامة ساهية… خفيفة..
"لقد تطلقت.."
3
هذه المرة جاء الصمت أطول.. ثوانٍ مرت دون صوت..
ثم سأل فجأة، بصدمة واضحة:
"كيف؟! هل عاد أورلوف كوزوسوف؟"
"نعم.."
قالتها ببساطة..
"عاد… ووقّع أوراق الطلاق.."
في الجهة الأخرى، تغيّر صوته و غضب واضح تسلل إليه..
"ولماذا لم تخبريني أنه عاد؟"
استقامت في مقعدها قليلًا..
لكن تابع قبل أن تجيب:
"جليندون… بدأت تخفين عني الكثير... تطلقتِ ولم تخبريني..اتصلتِ بطبيبتك النفسية الليلة الماضية، وعندما سألتك كيف حالك قلتِ إنك بخير.."
توقف لثانية..ثم قال بنبرة أكثر حدة:
"متى كنتِ تنوين إخباري؟"
أطلقت جليندون زفرة طويلة..
"أوف… لم أتوقع منك هذا الرد.."
مررت يدها في شعرها..
"المهم أنني تطلقت... وبخصوص الطبيبة النفسية… سأخبرك عندما نلتقي.."
جاء ردّه ببطء:
"الأسبوع القادم إذن.."
توقف لحظة ثم قال بصوت أخف:
"اشتقت إلى جريس.."
3
ثبتت جليندون نظرها عبر الزجاج الأمامي لكن عينيها لم تكونا ترى المستشفى الآن..
عقلها… كان بعيدًا..بعيدًا جدًا..
"وأنا أيضًا يا رومان.."
4
قالتها بصوت مشتت قليلًا..
"الأسبوع القادم سنلتقي بها.."
ثم سألت فجأة:
"إلى أين وصلت في التحقيق؟"
في الجهة الأخرى عاد صوته إلى نبرته العملية المعتادة..
"هناك ملفات كثيرة ستثير اهتمامك.."
توقف لحظة..
"أنتظر الأسبوع القادم بفارغ الصبر… لألتقي بجريس وأريك بعض القضايا الشهية.."
في تلك اللحظة…
توقف شيء داخلها.. كما لو أن عمودها الفقري تجمّد.. الملفات..
الكلمة وحدها كانت كافية…ببطء…ارتسمت ابتسامة على شفتيها..لكنها لم تكن ابتسامة دافئة…كانت… مظلمة..
ابتسامة محامية تشم رائحة قضية خطيرة.. أو لنوضح بعض النقاط.. رائحة ملفات أكثر أهمية.. مبتغاها و هدفها البعيد أصبح يقترب..
"إذن سنلتقي قريبًا، يا رومان.."
"إلى اللقاء يا جليندون.."
قالها بهدوء.. ثم أضاف قبل أن يغلق الخط:
"نحن نقترب من خط النهاية.."
انقطع الاتصال..أنزلت الهاتف ببطء إلى حجرها..الابتسامة ما زالت على شفتيها وفي الخارج…
كان المستشفى الضخم يقف أمامها..لكن أفكارها لم تعد هنا…لقد تحركت… إلى مكان آخر تمامًا..