📁 آخر الروايات

رواية سحر الراوي الفصل الثالث عشر 13 بقلم الثناء ضاحي

رواية سحر الراوي الفصل الثالث عشر 13 بقلم الثناء ضاحي 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

البارت الثالث عشر
الطريق الصحراوي - التاسعة وخمس وأربعون دقيقة صباحًا
كانت الشمس قد بدأت تفقد لطف الصباح تدريجيًا...
وتتحول ببطء إلى عين ضخمة مفتوحة فوق الصحراء، تراقب كل شيء ببرود قاسٍ.
امتد الطريق الأسفلتي طويلًا وسط الفراغ... لا شيء سوى الرمال، والأسلاك الكهربائية البعيدة، وخط الأفق المهتز تحت الحرارة.
لكن داخل السيارة السوداء...
كان هناك شعور آخر.
ذلك الإحساس الثقيل الذي يسبق الكوارث بثوانٍ... حين يصبح الهواء نفسه أبطأ. والصمت أكثر حدة. والعقل يبدأ في سماع أشياء لم تحدث بعد.
ثبت شريف العامري عينيه على المرآة الأمامية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
السيارة البيضاء لا تزال خلفهم.
هادئة.
تحافظ على نفس المسافة بدقة مزعجة.
أما السيارة السوداء الجديدة... فكانت تقترب أسرع.
أسرع مما يجب.
قال مصطفى وهو يميل بجسده بين المقعدين:
"بصراحة كده؟ أنا ابتديت أقلق."
رد قاسم دون أن يرفع عينيه عن الطريق:
"أخيرًا."
هز مصطفى رأسه بأسى مصطنع: "شكرًا على دعمك النفسي يا دكتور."
لكن شريف لم يكن يسمع أيًا منهما تقريبًا.
عقله كان يعمل بسرعة باردة.
سيارتان. طريق مفتوح. لا وجود فعلي للهروب. وخصم يراقبهم منذ الإسكندرية.
هذا ليس تهديدًا عشوائيًا.
بل ترتيب.
شيء مدروس بعناية.
وفجأة...
خفضت السيارة السوداء سرعتها للحظة... ثم انحرفت قليلًا.
كأنها تستعد.
ضيّق شريف عينيه.
ثم قال بهدوء:
"امسكوا كويس."
وفي اللحظة التالية مباشرة...
اندفعت السيارة السوداء بجنون نحوهم.
صرخ مصطفى: "يا نهار أبيض!"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما قاسم... فضغط المقود بعنف بينما انحرف شريف سريعًا ناحية اليمين.
احتكت السيارتان بقوة.
صوت المعدن ارتطم بالصحراء كلها.
اهتزت السيارة بعنف جعل مصطفى يرتطم بالمقعد وهو يصرخ:
"أنا كنت لسه هتوب!"
لكن شريف كان ثابتًا بشكل مرعب.
عيناه باردتان. يداه تتحركان فوق المقود بثقة رجل فعل هذا من قبل أكثر مما ينبغي.
قال بهدوء:
"دي محاولة إخراجنا من الطريق."
ثم التفت سريعًا لقاسم:
"افتح التابلوه."
فتح قاسم الدرج الأمامي بسرعة... فتجمد للحظة.
مسدس.
نظر لشريف فورًا.
لكن الأخير قال دون أن يلتفت:
"مش وقت أخلاق دلوقتي."
أما السيارة البيضاء بالخلف...
فبدأت تقترب هي الأخرى.
شعر قاسم بأن قلبه بدأ يضرب بعنف داخل صدره.
الغريب... أنه لم يكن خائفًا بالكامل.
بل كان يشعر بذلك التركيز الحاد الذي يسبق الانفجار.
ذلك الشعور الذي يجعل العالم أبطأ فجأة.
صرخ مصطفى فجأة:
"يمينك!"
انحرف شريف فورًا قبل أن تصطدم بهم السيارة السوداء مجددًا.
ثم ضغط على البنزين بعنف.
زأر المحرك بقوة.
لكن السيارة الأخرى استمرت بالمطاردة.
قال قاسم وهو يراقب المرآة:
"مش هيسيبونا."
رد شريف ببرود:
"عارف."
ثم مد يده فجأة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"هات السلاح."
أعطاه قاسم المسدس دون تفكير.
أما مصطفى... فكان ينظر بينهما بصدمة حقيقية.
"إحنا دخلنا مرحلة الأسلحة؟!"
ثم أشار لنفسه: "أنا أقصى حاجة كنت مستعد ليها خناقة بكراسي في فرح!"
لكن لا أحد رد.
السيارة السوداء اقتربت أكثر.
أكثر.
حتى أصبحوا يرون السائق بوضوح خلف الزجاج الداكن.
رجل ضخم.
وجهه جامد بشكل مخيف.
وفجأة...
خرجت يد من النافذة الخلفية.
وفيها سلاح.
اتسعت عينا قاسم: "شريف!"
لكن الطلقة خرجت بالفعل.
انفجر الزجاج الخلفي بعنف.
صرخ مصطفى تلقائيًا وانخفض أسفل المقعد.
أما شريف...
فضغط المقود بقوة بينما اخترقت الرصاصة جانب السيارة.
رائحة البارود ملأت المكان فورًا.
والصحراء حولهم بدت فجأة أكثر وحشية.
قال شريف بحدة: "قاسم... اضرب الكاوتش."
نظر له قاسم بسرعة: "وأنا أسوق إزاي؟!"
"إنت دكتور جراح... أكيد إيدك ثابتة."
ورغم الموقف...
خرجت من مصطفى شهقة مذهولة: "الله! تشجيع تحفيزي قبل الموت."
لكن قاسم كان قد فتح النافذة بالفعل.
الهواء الساخن ضرب وجهه بعنف.
رفع السلاح...
لكن السيارة اهتزت بقوة.
اختلت الطلقة.
مرت بجوار السيارة الأخرى فقط.
لعن قاسم بصوت منخفض.
أما الرجل داخل السيارة السوداء...
فابتسم.
ابتسامة باردة ظهرت للحظة خلف الزجاج.
ثم...
اصطدم بهم مجددًا.
بعنف أشد هذه المرة.
انحرفت السيارة بشكل خطير.
وفجأة...
سمعوا صوتًا غريبًا.
طقطقة معدنية قصيرة.
ثم صرخ مصطفى فجأة:
"استنوا!"
التفت الاثنان له.
كان يحدق أسفل المقعد بعينين متسعتين.
ثم رفع رأسه ببطء شديد.
"في قنبلة."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ساد الصمت.
حتى الهواء توقف للحظة.
قال قاسم بحدة: "إيه؟!"
أشار مصطفى أسفل المقعد الأمامي.
"دي عبوة."
نظر شريف بسرعة... ثم شتم لأول مرة منذ عرفه قاسم.
عبوة صغيرة مثبتة أسفل المقعد.
بضوء أحمر يومض ببطء.
شعر قاسم بأن الدم انسحب من وجهه بالكامل.
أما مصطفى...
فقال بصوت غريب الهدوء:
"أنا شوفت شبهها قبل كده."
التفت له شريف فورًا.
"فين؟"
بلع مصطفى ريقه.
ثم قال بابتسامة باهتة:
"في الجيش."
ساد الصمت ثانية.
لكن هذه المرة... كان مختلفًا.
نظر قاسم له بصدمة حقيقية.
أما مصطفى...
فقد اختفت من عينيه تلك الفوضى الساخرة فجأة.
اختفت تمامًا.
وحل محلها شيء آخر.
شيء قاسٍ. حاد. قديم.
مد يده ببطء أسفل المقعد.
قال شريف فورًا: "إوعى تلمسها."
لكن مصطفى لم يتراجع.
بل قال بهدوء غريب:
"لو فضلنا سايقين بيها... هنطير كلنا."
ثم أضاف دون أن يرفع عينيه:
"ولو وقفنا... العربيتين هينزلوا يخلصوا علينا."
كان محقًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وهذا ما جعل الصمت أكثر رعبًا.
في الخارج... كانت السيارة السوداء تقترب مجددًا.
أما السيارة البيضاء... فقد بدأت تتحرك ناحية الجانب الآخر.
كأنهما يغلقان عليهم الطريق.
فخ كامل.
مد مصطفى يده داخل الحقيبة الطبية بسرعة.
أخرج مقصًا جراحيًا صغيرًا.
ثم تنفس ببطء.
لاحظ قاسم يده.
لم تكن ترتعش.
أبدًا.
قال قاسم بخفوت مذهول: "إنت مين بالظبط يا مصطفى؟"
ضحك ضحكة قصيرة بلا روح.
"صدقني... نفسي أعرف."
ثم انحنى نحو العبوة.
الدقيقة التالية...
بدت أطول من الليل كله.
العرق انساب فوق جبين قاسم رغم برودة أصابعه.
أما شريف... فكان يقود بعينين ثابتتين بينما يراقب الطريق والسيارتين والمرآة والعبوة في نفس الوقت.
ورغم ذلك...
كان جزء من عقله يراقب مصطفى.
هذا الشاب... لم يكن مجرد مهرج يهرب من الخوف بالنكات.
بل رجل يعرف شكل القنابل.
ويعرف كيف يتنفس قرب الموت.
وفجأة...
انحرفت السيارة السوداء مجددًا بعنف نحوهم.
صرخ قاسم: "خلي بالك!"
لكن الاصطدام حدث بالفعل.
واهتزت السيارة بقوة مرعبة.
انزلق المقص من يد مصطفى.
وسقط الضوء الأحمر داخل العبوة أسرع.
أسرع.
أسرع.
قال مصطفى بهدوء ميت: "إحنا هننفجر."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وفي تلك اللحظة...
تغيّر كل شيء.
ضغط شريف الفرامل فجأة بعنف جنوني.
صرخت الإطارات فوق الأسفلت.
وفي نفس الثانية...
فتح مصطفى الباب الخلفي وقفز نصف جسده للخارج.
صرخ قاسم: "إنت مجنون؟!"
لكن مصطفى كان قد أمسك باب السيارة السوداء المجاورة بالفعل.
ثم...
بكل العنف المختبئ داخل جسده النحيل...
وجه كوعه مباشرة لزجاج النافذة.
تحطم الزجاج بانفجار حاد.
شهق الرجل بالداخل.
لكن مصطفى لم يتوقف.
يده تحركت بسرعة صادمة.
قبض على عنق الرجل المسلح بعنف... ثم سحب رأسه بقوة ناحية إطار الباب المعدني.
مرة.
اثنتين.
ثلاثة.
حتى سال الدم فوق الزجاج المحطم.
أما قاسم...
فكان ينظر بصدمة كاملة.
بينما مصطفى... ذلك الشاب الذي كان يبكي قبل ساعات على الشيبسي...
كان يتحرك الآن كإنسان اعتاد النجاة وسط الجحيم.
ثم صرخ فجأة:
"شريف! العربية!"
فهم شريف فورًا.
لف المقود بعنف ناحية السيارة السوداء.
اصطدمت بها بقوة.
اختل توازنها.
ثم...
انحرفت أخيرًا خارج الطريق.
تدحرجت وسط الرمال بعنف هائل.
ارتفع الغبار في كل مكان.
لكن السيارة البيضاء...
لم تتوقف.
بل اندفعت نحوهم مباشرة.
قال شريف ببرود قاتل:
"لسه مخلصناش."
أما مصطفى...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم

فسقط داخل السيارة مجددًا وهو يلهث بعنف.
الدم فوق يديه. أنفاسه متقطعة. وعيناه عادتا لذلك الارتباك المعتاد فجأة.
ثم قال وهو يرفع إصبعه بتعب:
"معلش... لو حد فيكم مات بعد كل ده... يبقى بصراحة قليل الأصل."
الصعيد - سرايا الراوي - الثانية عشرة ظهرًا
كانت الشمس قد وصلت إلى منتصف السماء تقريبًا... لكن السرايا العتيقة بدت وكأن الضوء نفسه يرفض الدخول إليها.
الحرارة بالخارج كانت تضرب الأرض بعنف، تجعل الهواء فوق التراب يهتز كأن العالم يحترق ببطء... أما داخل البيت الكبير... فكان البرد يسكن الجدران.
بردٌ قديم. ليس له علاقة بالطقس.
وقف الخدم يتحركون بصمت حذر بين الممرات الطويلة، بينما ظلت الأبواب الخشبية العالية نصف مغلقة، كأن السرايا كلها تتنصت على نفسها.
وفي جناحه الخاص... كان عبد المنعم الراوي يجلس وحده.
الغرفة الواسعة الممتلئة بالأثاث الثقيل بدت أشبه بمتحف لرجل عاش عمره كله وهو يحارب كي لا يسقط. ستائر داكنة. رائحة تبغ قديم. وخزانة ضخمة تعود لعشرات السنين، تقف في الركن كشيخ عجوز يحمل أسرار العائلة كلها فوق ظهره.
أما هو... فجلس فوق مقعده الجلدي قرب النافذة المفتوحة قليلًا، وعصاه الذهبية تستند بجوار ركبته، بينما الهاتف ما زال بين أصابعه.
المكالمة انتهت منذ دقائق.
لكن صوت مصطفى ظل عالقًا داخل رأسه.
"يا حاج إحنا تمام... يعني تقريبًا تمام... بس لو رجالتك عندهم أي اهتمام إننا منموتش في الصحرا يبقى يلحقونا بسرعة."
ورغم الفوضى المعتادة في صوته... إلا أن عبد المنعم التقط ما خلف الكلمات.
الخطر.
الخوف الحقيقي.
والدم.
أغمض عينيه ببطء.
ثم أخرج زفرة طويلة ثقيلة...
ذلك النوع من الزفرات الذي لا يخرج من الرئتين... بل من العمر كله.
الرجال الذين أرسلهم وصلوا بالفعل. المهاجمون هربوا.
لكن الطمأنينة... لم تأتِ.
بل على العكس.
شيء داخله كان يزداد قلقًا مع كل دقيقة.
لأن اللعبة بدأت تتحرك بنفس الطريقة القديمة.
نفس الرائحة. نفس الأسلوب. نفس الظلال التي ظن أنها دُفنت منذ عشرين عامًا.
فتح عينيه ببطء... وثبت نظره فوق الفراغ.
ثم جاءه الاسم وحده.
عامر.
شعر بضيق مفاجئ يضغط صدره.
حتى بعد كل هذه السنين... ما زال الاسم قادرًا على فعل ذلك.
عامر الراوي.
أخوه الأكبر.
أكثرهم غموضًا... وأكثرهم خرابًا.
ظل عبد المنعم صامتًا طويلًا، بينما الذكريات بدأت تزحف داخله ببطء مؤلم... كأن أحدهم فتح بابًا صدئًا داخل عقله، وترك الماضي يخرج منه دفعة واحدة.
قبل أكثر من عشرين عامًا...
كانت سرايا الراوي مختلفة.
أكثر حياة. أكثر دفئًا. وأكثر جهلًا بما ينتظرها.
كانت الضحكات تملأ البهو الكبير ليلًا... وصوت عبد الحكيم يتردد في الأرجاء دائمًا، يضحك بصخب كعادته، بينما الخدم يتحركون براحة دون خوف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما عامر...
فكان شيئًا آخر.
حتى وهو صغير... لم يشبههم.
عبد المنعم يتذكر ذلك جيدًا.
يتذكر كيف كان الناس يحبونه ويخافونه في الوقت نفسه. الرجل يدخل أي مكان فيلتفت الجميع نحوه دون أن يطلب.
وسيم بصورة حادة. عينان سوداوان فيهما شيء لا يمكن الإمساك به. وصوت هادئ جدًا... هادئ لدرجة تزعج من يسمعه.
كان يبتسم كثيرًا... لكن ابتساماته لم تكن مريحة أبدًا.
كأنها تخفي دائمًا فكرة لا يعرفها أحد سواه.
وفي البداية... ظن عبد المنعم أن أخاه فقط مختلف الطباع.
حتى بدأت الأموال تظهر.
كثيرة. أكثر مما تحتمله تجارة الأرض والمواشي والعقارات.
وحين سأله عبد الحكيم وقتها ضاحكًا: "إنت بتطبع الفلوس يا عامر؟"
ضحك عامر يومها.
تلك الضحكة بالتحديد ما زالت عالقة داخل رأس عبد المنعم حتى الآن.
ضحكة رجل يعرف أنه يسير ناحية الهاوية... لكنه مستمتع بالطريق.
بعدها بدأت الأسماء الغريبة تدور حوله. أسلحة. تهريب. آثار. ممنوعات. رجال يدخلون السرايا ليلًا ويخرجون قبل الفجر.
وكلما حاول عبد المنعم الاقتراب... كان عامر يبتسم فقط ويقول:
"إنت خُلقت عشان تبني يا عبد المنعم... وأنا خُلقت عشان أعرف الناس بتخبي إيه تحت الأرض."
وكان عبد الحكيم يغضب دائمًا.
لأن عبد الحكيم... رغم تهوره... كان أنظفهم قلبًا.
يتذكره عبد المنعم الآن بوضوح موجع.
يتذكر كيف وقف ذات ليلة يصرخ في وجه أخيهما الأكبر داخل البهو نفسه:
"إنت هتودينا في داهية يا عامر!"
لكن عامر لم يغضب.
فقط أشعل سيجارته... ونظر لهما بهدوء مرعب.
ثم قال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"الدنيا كلها ماشية وسخة... الفرق بس إن ناس بتاخد نصيبها وناس بتتفرج."
كانت تلك هي فلسفته دائمًا.
أن العالم فاسد... إذًا لماذا يتظاهر أحد بالنقاء؟
لكن عبد المنعم لم يكن مثله.
ولا عبد الحكيم.
كانا يعرفان أن القذارة موجودة... لكن ليس بالضرورة أن يغرق الإنسان نفسه فيها حتى رقبته.
ثم جاءت الزوجة.
امرأة هادئة من عائلة محترمة... تزوجت عامر وهي تظن أنها تستطيع إنقاذه.
لكنه كان أبعد من الإنقاذ.
وبعد سنوات قليلة... رحلت.
أخذت طفلها معها.
الولد.
شعر عبد المنعم بشيء ينقبض داخله فور تذكره.
ابن عامر.
كان عمره وقتها اثني عشر عامًا فقط.
صغيرًا... هادئًا بشكل غريب. بعينين تراقبان كل شيء دون كلام.
ولد يشبه أباه أكثر مما يجب.
حتى عبد الحكيم لاحظ ذلك يومًا وقال بضيق: "الواد ده ساكت زيادة عن اللزوم."
لكن عامر كان يضحك دائمًا حين يسمعهما.
ويقول بفخر غريب: "ابني بيفهم قبل ما الناس تتكلم."
ثم اختفى الطفل.
بعد الطلاق.
أمه أخذته وعاشت مع إخوتها بعيدًا. بعيدًا جدًا.
ولأول مرة... ترك عامر شيئًا يهرب من يده دون مطاردة.
وذلك وحده كان غريبًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
غريبًا جدًا.
أما بعدها...
فجاءت الليلة التي غيّرت كل شيء.
عبد المنعم لا يتذكرها كاملة. أو ربما... يرفض أن يتذكر.
فقط شظايا.
أصوات. دم. صراخ. ورائحة دخان.
ثم خبر موت عامر.
انتهى الأمر رسميًا.
هكذا قال الجميع.
لكن عبد المنعم... حتى الآن... لم يكن متأكدًا إن كان أخوه قد مات فعلًا يومها... أم اختفى فقط.
فتح عينيه فجأة.
عاد للحاضر ببطء.
الغرفة ما زالت كما هي. الشمس تضرب الأرض بالخارج. وصوت بعيد لطيور تدور فوق الحقول.
لكنه لم يشعر بشيء من ذلك.
فقط جلس صامتًا... وعيناه ممتلئتان بذلك الإرهاق الذي يصيب الرجال حين يكتشفون أن الماضي لا يموت.
أبدًا.
ثم همس لنفسه أخيرًا بصوت منخفض بالكاد سمعه:
"إنت رجعت يا عامر... ولا ابنك هو اللي رجع؟"
ساد الصمت داخل الغرفة.
صمت ثقيل جدًا.
وفي مكان ما داخل السرايا... كانت ساعة قديمة تدق ببطء...
كأنها تعدّ ما تبقى قبل انفجار شيء أكبر بكثير من الجميع.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات