رواية دروب قرية جابر الفصل الثالث عشر 13 بقلم الماس ال حمد
وصل الخبر للجد جابر، وفز قلبه من الفرحة، وعلى طول سحب جواله ودق على ولده عيسى وقال له: "جيب نوير وتعال لي في المراح"، ودق على طلال وقال له: "قل لغازي يمرني الحين، أبيه بكلمة راس."
في بيت عيسى..
كانت نوير منسدحة في غرفتها، تطالع في رجلها المربوطة وتتذكر قسوة أمها وكيف حطت رأسها على الفراش وهي مقهورة ومجبورة.
دخلت شيخة وهي شايلة صينية الأكل، حطتها قدام أختها وقالت: "كلي يا نوير، تقوي.. توني سمعت أبوي يكلم جدي، يقول إن جدي يبيكم عنده الحين."
نوير بضيق ونبرة يأس: "أكيد يبي يبارك، والزواج بيتم غصبٍ علي وعلى وجهي."
فجأة انفتح الباب ودخل أبو فايز وقال بحزم: "تجهزي يا نوير، بمر أخذك وأوديك عند جدك، يبيك في موضوع."
شيخة شافت أختها مالها خلق، قامت وخذت قطعة خبز وحطت فيها مربى، وحشرتها في فم نوير بضحكة تبي تلطف الجو: "كلي واهجدي، تعبي في الأكل ما يروح عبث، لازم يصير فيك حيل تواجيهن!"
الجد جابر يوم وصله العلم فز، وسحب جواله ودق على عيسى وقال: "هات نوير وتعالوا لي"، ودق على طلال وقال: "قل لغازي يمرني الحين بمراحي".
في بيت عيسى..
كانت نوير منسدحة تطالع رجلها وتتذكر وش صار من أمها البارح. دخلت شيخة بالصينية وحطتها وقالت: "كلي، سمعت أبوي يكلم جدي ويقول إنه يبيك تمرينه".
نوير بضيق: "عز الله إن الزواج بيتم".
انفتح الباب ودخل أبو فايز وقال: "تجهزي، بأخذك عند جدك".
شيخة أخذت لقمة خبز بمربى وحطتها في فم نوير وقالت: "كلي، تعبي ما يروح عبث!"
شيخة خذت العباية وبدت تساند أختها لين طلعوا خلف أبوهم وركبوا الموتر، ومع إن البيت قريب مير عشان رجل نوير ووجعها وقف بهم عند الباب ونزلوا.
في بيت طلال..
رتيل ترتب الفطور على السفرة، وشافت أبوها مقبل ومعه غادة، قال: "وين غازي؟"
نزل غازي وهو يلوح بمسباحه في يده: "سم يا يبه، بغيت شي؟"
أبو غازي: "جدك يبيك الحين تمرّه، تحرك لا تخليه ينطر."
أم غازي: "يا رجال افطروا أول وعقب روحوا."
أبو غازي: "حفيدتي تفطر، وأنا وغازي لاحقين على خير."
طلعوا واتجهوا لبيت الجد جابر، وأول ما وصلوا شافوا سيارة عيسى واقفة. فتحوا الباب ودخلوا، وكان الجد جالس في المقلط والبنات دخلوا الغرفة الثانية.
عيسى قام وسلم على أخوه طلال، وطلال رد عليه السلام.
أما غازي، فتقدم وباس رأس جده وعمه عيسى وجلس.
الجد جابر التفت على غازي وقال: "ونعم ما اخترت، نوير زين البنات بينهم كلهم، وأنا أشهد."
في غرفة البنات..
شيخة ضحكت وقالت: "أجل وإحنا وش وضعنا؟ أثرك أنتِ زين البنات وإحنا تكملة عدد!"
نوير ما ردت، كانت ساندة راسها على الشباك وتطالع الفراغ والدموع تنزل على حظها اللي رماها في هالموقف.
في المقلط..
غازي حاول يكرر إنه ما يبي الزواج الحين، لكن جده قاطعه وما أعطاه فرصة.
الجد جابر: "الزواج وتكاليفه كلها علي، وهذا آخر كلام."
أبو غازي: "الله يطول في عمرك ويخليك لنا ذخر."
أبو فايز: "ما تقصر يا يبه، خيرك سابق وجملك الله."
غازي يوم شاف العلم جازم، وقف وقال بضيق: "أنا بروح للمحل، تامرون على شي؟"
في الغرفة..
نوير أول ما سمعت صوته إنه طالع، فزت وطلعت من الباب الخلفي تبي تلحقه، لقته واقف عند سيارته يلعب بمسباحه.
نوير: "يا ولد العم!"
غازي التفت عليها وطالعها ببرود، قالت: "وش تبي فيني؟ لا أنا أصلح لك ولا أنت تصلح لي، اتركني في حالي!"
غازي ابتسم بسخرية وقال: "وعلى أساس إني ميت في دبدوبك وأنا اللي خاطبك؟ تراني مثلك مجبور."
نوير بقهر: "أجل ارفض! أنت الرجال والكلمة بيدك."
غازي قفل باب سيارته وقال: "كلمة جدي مشت، وتجهزي.. زواجنا بعد ثلاث أيام."
ركب موتره ومشى وتركها تغلي في قهرها. شيخة طلعت وراها وسندتها: "وين رحتي يا نوير؟ وش سويتي؟"
نوير بدموع وحرقة: "وديني البيت يا شيخة، تكفين وديني البيت."
طلع أبو فايز من المقلط ونادى: "يا بنات، اركبن السيارة، مشينا."
ودع أخوه طلال وركب موتره واتجه لبيته والفرحة مو سايعته، يحسب إن بنته موافقة ومبسوطة.
في بيت عيسى..
كانت نوير منهارة تصيح في غرفتها، وشيخة ضاق صدرها على أختها وسحبت التليفون تدق على حفيدات الجدة شريفة تبي أحد يواسيها.
في بيت الجدة شريفة..
أفنان تغسل المواعين، ومشاعل تنشر الملابس بالحوش، والجدة جالسة في الصالة تخيط وتصلح ملابس الحريم. أول ما رن التليفون، فزت أفنان ورفعته.
شيخة: "يا بنات، أبشركم.. مير إن كان ودكم تمرونا اليوم، نوير انخطبت."
أفنان بفرحة: "ألف مبروك! والله خبر يفتح النفس."
شيخة (بصوت مخنوق): "الله يبارك فيك."
أفنان: "وش فيه صوتك يا شيخة؟ عسى ما شر؟"
شيخة: "تعالوا لي الحين وأعلمكم العلم."
أفنان: "أبشري، مسافة الطريق وإحنا عندكم."
قفلت الخط ونادت مشاعل، وقالت لجدتها: "يا جدة، بنروح يم شيخة ونوير، تامرين على شي؟"
الجدة شريفة: "انتبهوا لأنفسكم يا بناتي، ولا تطولون."
لبسوا عباياتهم وتغطوا وطلعوا مشي لبيت أهل عيسى.
في بيت أهل عيسى..
اندق الباب، وفزت شيخة وغطت راسها وفتحت نص الباب، مير طلعت رتيل أخت غازي، دخلت ونزلت عباتها وهي مستعجلة.
رتيل: "جيتك ركض! وش السالفة؟ وش صاير؟"
شيخة بقهر: "أخوك حضرته مزعل أختي وكسر خاطرها، هذي البداية كذا! ليش ما رفض وفكنا من ذا الحمال؟"
رتيل: "والله يا شيخة إنه حاول في أبوي وأمي مير كانوا رافضين وجازمين على العلم."
وفجأة اندق الباب مرة ثانية، فتحته شيخة ودخلوا أفنان ومشاعل ووجيههم كلها تساؤلات.
في الغرفة..
كانت نوير حاطة رأسها على الجدار وتشهق من البكي، انفتح الباب ودخلت أفنان وهي تبتسم: "يا بعد روحي يا نوير، من اللي مزعل قمر هالحي؟"
نوير مسحت دموعها بسرعة وقالت: "أفنان؟ متى جيتوا؟"
رتيل نطقت بسرعة: "ترا أنا مالي دخل، غازي هو السبب لا تحطين حرتك فيني!"
نوير ضحكت غصب عنها وأخذت المخدة ورمتها عليها: "مستحيل أزعل منك يا رتيل طول حياتي، أنتِ أختي."
رتيل ركضت وحضنتها بقوة: "إيه، هذي نوير اللي أعرفها!"
جلسوا البنات وبدت السواليف والضحك، وأفنان بدت تحكي لهم عن قصصهم أول وكيف كانت عيشتهم. وقفت شيخة وقالت: "يا بنات، بروح أجيب القهوة، تعالي يا وحدة منكن ساعديني."
فزت مشاعل وقالت: "أنا معك."
في المطبخ..
كانت شيخة تركّب القهوة، وفجأة مدت يدها وشغلت المسجل على أغنية حماسية، وبدت ترقص وتتمايل وتنسى هموم الدنيا.
مشاعل ضحكت ودخلت معها في الجو، وبدوا يرقصون بوسط المطبخ ونسوا القهوة اللي على النار.
فجأة.. فارت القهوة وطلعت برا الدلة!
مشاعل ركضت وسحبت الدلة بعيد عن النار وهي تضحك: "عز الله فلحنا! واضح السناعة من أولها، القهوة فارت وإحنا نرقص!"
.
شيخة نزلت التمر وبدت تصفه في الصينية وقالت لمشاعل: "يالله، حطي القهوة في الترمس (المطارة) لا تبرد".
أخذوا الصينية وطلعوا يم البنات، وأول ما دخلت شيخة بدت تقهويهن وهي تسمع سواليف أفنان ونوير اللي كانت ميتة ضحك مع رتيل، وكأن الضحك أنساها ضيق الخطبة شوي.
مشاعل (وهي تسولف عن وحدة تعرفها): "إي والله، هذا ولد عمها كان ميتٍ في هواها ويحبها، لكنها خبله ما تبيه ولا تدري عن هوا دارها".
شيخة فزت وفتحت عيونها وسألت بلقافة: "علميني يا مشاعل، وشلون شعور الحب؟ هو صدق مثل ما نقرأ في الروايات والكتب، ولا العلم غير؟"
أفنان ضحكت وضربت رأس شيخة بخفة وقالت: "يا هبلة، أقول لك البنت ما حبيته ولا تبيه، وشلون تبينها تحس باللي في الروايات؟"
شيخة ما اهتمت، وقفت وبدت تتمايل بوسط الغرفة وهي حالمة وقالت: "والله ما علي منكم، إن شاء الله يرزقني ربي بواحدٍ يحبني وأحبه، ويصير لي مثل اللي أسمع عنه!"
نوير طالعتها بنص عين وقالت: "اهجدي بس، الحب وجع راس، شوفي حظي وين رماني وأنتِ تدورين الحب!"
رتيل ضحكت وقالت: "خلها تحلم يا نوير، الدنيا وش هي بلا أحلام؟ بكره يجيها اللي يطير بها لدنيا ثانية."
البنات كملوا سهرتهم وضحكهم، والقهوة تدور بينهم، وصوت ضحكهم ملى البيت، يحاولون يسرقون لحظات فرح قبل لا يجي يوم الزواج اللي شايل همّه الجميع.
فجأة انفتح الباب ودخلت أم فايز، كانت توها واصلة من عند الحريم ووجها باين عليه العجلة، قالت: "يالله يا بنات، تجهزن وقومن البسن عباياتكن، بنروح السوق نقضي لزواج نوير."
والتفتت على أفنان ومشاعل وأشرت لهن: "وأنتن بعد معنّا، يالله تحركن."
نوير طالعت أمها بضيق وقالت: "يا يمه، أنتِ شايفة رجلي، ما أقدر أمشي وأتحرك بالسوق، خلي شيخة تروح وتختار لي اللي تبيه."
أم فايز صدت عنها وقالت بحزم: "ما به أعذار، قومي تسندي على خواتك واختاري دبشك بنفسك."
بعد نص ساعة، فزن البنات وتجهزن، وسمعوا صوت بوري سيارة فايز وهو عند الباب يتحريهم ويستعجلهم.
طلعوا البنات وركبوا الموتر، وفايز لف بهم واتجه لسوق المدينة يقضون اللي ناقصهم.
نزلوا السوق، وقالت أم فايز: "الحقوني لمحل الذهب". دخلوا المحل ووقفت تختار وتدقق، قال عايض صاحب المحل: "شوفي هذا، طقمٍ جديد وتوّه نازل السوق".
شيخة طالعت في عايض بحقد، وأشرت على كايد وقالت: "ممكن تساعدنا أنت؟"
عايض عطى شيخة نظرة وبصوت واطي قال: "فكّة"، وصد عنها يشوف زباين غيرهم.
كايد بدأ يطلع لهم الأطقم وقال: "تفضلوا، سمّوا".
رتيل خذت إسورة ولبستها: "وش رايكم فيها؟"
شيخة: "تهبل، خذيها ولا تشاورين".
نوير كانت تطالع أمها وهي تختار وكأنها هي العروس، ضاق صدرها وبدت تدور المهرب، وفجأة تسللت وطلعت يم محل العود.
في محل العود..
كان غازي ينظف العود ويرتبه، سمع الباب انفتح وقال وهو ما رفع راسه: "تفضل، سمّ".
نوير بصوتٍ كله غضب: "يا ابن الناس، الغِ هالعرس وفكنا!"
غازي رد ببرود وهو يطالعها: "وشوله ألغيه؟ زواجٍ على حساب جدي، وعروسٍ جتني بلاش، ليه أرفض؟"
نوير استشاطت غضب، طلعت من المحل وخذت حجر من الأرض ورمته بكل قوتها على واجهة المحل لين انكسر القزاز وتناثر.
بدوا أهل السوق والحي يتجمعون على صوت القزاز المكسور، والكل يتلفت يدور اللي رماه. غازي فز من ورا الطاولة وهو مذهول من اللي صار، طلع عند الباب ولقى نوير واقفة والشرار يقدح من عيونها، لكنها أول ما شافت الناس بدت تقبل، سحبت جلالها وغطت وجهها وصدت.
غازي انتبه إن الناس بدوا يتساءلون: "من اللي كسر القزاز؟ وش السالفة؟"، وبسرعة بديهة ومنعاً للفضيحة، وقف قدام الباب وقال بصوت عالي: "ما حصل إلا خير يا جماعة! هذا ورعٍ رماه بحجر وهج، والكسر بسيط ما يستاهل الوقفة، كلن يروح لسبيله."
الناس صدقوا كلامه وبدوا يتفرقون وهم يتحرطمون على "بزارين السوق".
نوير كانت واقفة ومصدومة من موقف غازي، التفت عليها وقال بلهجة حادة ومن بين سنونه: "ارجعي لأهلك لا بارك الله في ذا الساعة، والله لولا جدي لكان لي معك علمٍ ثاني، اذلفي!"
نوير لفت وجهها ومشت وهي تسرع، وقلبها يدق من الخوف والقهر، ورجعت لمحل الذهب ودخلت بين البنات ولا كن شيئاً صار، مير وجهها كان شاحب والرجفة في يدينها ما وقفت.
غازي بدأ يشوف بيته الجديد ومعه مصعب ومتعب يتفقدون الغرف والترتيب، بينما عايض وكايد واقفين عند الباب يشرفون على العمال وهم ينزلون الأثاث ويوزعونه.
فجأة دخل أبو غازي، وقف بوسط الصالة وهو يبتسم وقال: "ما شاء الله تبارك الله، بيتٍ زين وعسى الله يجعله منزل مبارك ويوفقك فيه يا ولدي."
غازي أشر للعامل اللي شايل أغراض محل العود والطيوب، وقال له: "حط هالكراتين في الدولاب اللي هناك، رتبها زين ولا تكسر منها شي."
بعد ما طلعوا العيال، دخلت رتيل وأمها وبدوا يرتبون البيت ويجهزونه. رتيل خذت الورد وبدت توزعه في الفازات وتنثره في زوايا البيت، لأنها تدرى إن نوير تموت في الورد وتحبه.
أمام بيت غازي..
كانت أم حاكم وأم كحيلان توهم مارات، ووقفن يطالعن في البيت.
أم حاكم: "شوفي يا خيتي، الأثاث اللي دخل واضح إنه فخم ومن الغالي."
أم كحيلان: "والله إن نوير أخذت الزين، وغازي رجلٍ كريم وما قصر."
أم حاكم: "إي بالله، ميب هينة بنت عيسى، عرفت تختار."
مشوا وكلموا طريقهم لبيوتهم، وفي داخل البيت كانت رتيل وأمها يكملون الشغل. رتيل وهي تمسح الأرض وتلمعها، تنهدت وقالت بصوت خافت: "يا رب يوفقهم ويلف بين قلوبهم، ونرتاح من هالكُره والضيق اللي بينهم."