📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

( الجزء الثالث عشر )

" رهف "

استيقظتُ على ثقلٍ في رأسي .. لا أدري إن كان سببه الحمى أم الحقيقة المرّة .. فتحتُ عينيّ ببطء .. السقف الأبيض المليء بالحفر الصغيرة فوقي بدا غريباً .. احتجتُ لحظةً لأتذكر أين أنا .. ثم عادت الصور دفعةً واحدة .. الشارع وبرودته .. السلالم و نظرات أدهم المصدومة و حضن حلا المفاجئ

تنفّستُ بعمق و لكن صدري لم يتّسع كما ينبغي .. لم أهرب لأنني ضعيفة .. هربتُ لأنني أعرف أني لن أستطيع مواجهة أحد .. متبنّاة .. الكلمة ما زالت تلسعني كلما مرّت في ذهني وكأنها ليست وصفاً إنما حكمٌ كامل يعيد تعريف كل شيء .. اسمي وملامحي و طفولتي وحتى ضحكاتي القديمة.

أغمضتُ عينيّ ثانيةً .. كنت أظن أن أسوأ ما قد يمرّ به الإنسان هو الفقد ولكنني اكتشفت أن الأسوأ هو الشكّ في انتمائه .. رفعتُ يدي إلى جبيني .. ما زالت الحرارة تعبث بي .. لكن الألم الحقيقي كان أعمق من جسدي .. أنا لست مريضة .. أنا فقط لم أعد أعرف من أكون.

لم أستطع السيطرة على دموعي لتنساب على الوسادة من دون إذني .. فجأة فُتح الباب ورأيت حلا قد مدت رأسها للداخل وكأنها تطمئنّ عليّ .. توسعت ضحكتها ودخلت بسرعة ثم جلست بجانبي على طرف السرير وقالت وهي تضع يدها على جبيني:
- كيف تشعرين الآن؟
- بخير .. أشعر ببعض التحسن

كانت ما تزال تضع يدها على جبيني .. بالرغم من حرارتي ولكنني شعرت بدفء لمستها وحنيتها الغريبة التي شعرت بها بقلبي .. مسدت شعري وقالت بنبرة مرحة:
- لقد أخفتني عليكِ أيتها الشقية

رفعت نفسي وسألتها:
- كم الساعة الآن؟
- إنها الثامنة مساءً
- يا إلهي .. هل نمت كل هذا الوقت؟
- لقد كادت حرارتك أن تتعدا الأربعين .. وأدهم أحضر لكِ طبيباً .. ثم قام بشراء الدواء وتناولته وارتحتِ بعدها

أملتُ رأسي وبقيتُ أحدّق فيها بصمت .. كانت تبتسم لي بعفويةٍ وصدق وكأنها لا تعرف أنني أحاول قراءة شيءٍ أعمق من كلماتها .. لم يكن في ملامحها أثر تصنّع .. فقط قلقٌ حقيقي .. سألتُها فجأة دون تمهيد:
- هل أنتِ حقاً شقيقة أدهم ؟
رفعت حاجبيها ثم ابتسمت وردت بعد لحظات:
- طبعاً ولماذا تسألين؟
لم أجب فوراً .. ظللتُ أراقب عينيها .. أبحث فيهما عن تردّدٍ أو ارتباك ولكني لم أجد شيئاً .. مالت برأسها قليلاً وسألتني بالمقابل:
- وأنتِ حقاً ابنة خالته كما أخبرني ؟
شعرتُ بشيءٍ غريب يمرّ في صدري .. شعرت من خلال نبرتها
ببعض الغيرة منها ؟ ربما لم تكن كذلك .. أجبتها بهدوء :
- نعم أنا ابنة خالته .. ليلى
لم تُبعد عينيها عني بل تابعت بابتسامةٍ واسعة :
- هذا يعني أنكِ ابنة خالتي أيضاً ؟
توقفتُ لحظة وأنا أنظر إليها و إلى عفويتها .. إلى تلك البراءة التي لا تعرف الكذب وضحكتها ولمعة عينيها .. ثم قلت :
- في الحقيقة لا .. أنتِ لستِ ابنة خالتي .. فقط أدهم

كشرت وردت :
- أنا وأدهم اخوة وهذا يعني أن ابنة خالته هي ابنة خالتي أيضاً
- لا تكوني سخيفة .. أمي وأمك ليستا أخوات
- لا يهم .. بما أنكِ وأدهم أقرباء فهذا يعني أنني قريبتكِ أيضاً

كانت تتحدث كما لو كانت طفلة لا فتاة بالغة .. مع ذلك عاندتها لأرى ردة فعلها
- لا أظن أنكِ غبية لهذه الدرجة حتى تعتقدين أن كل أقرباء أدهم هم أقرباءك أيضاً .. أنا ابنة خالته فقط
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم أفهم تماماً لماذا شدّدتُ على الكلمة الأخيرة .. تغيرت نظرتها لثانية وكأنها تحاول فهم ما بين السطور ثم ضحكت بخفة:
- إذاً أنتِ قريبة أدهم أكثر مني؟
ارتبكتُ للحظة ولم أعرف لماذا بدا السؤال بسيطاً وثقيلاً في آنٍ واحد .. خفضتُ بصري إلى يديّ وقلت:
- ربما.
ساد بيننا صمتٌ قصير لكنه لم يكن مريحاً كما كان قبل قليل .. كنتُ أنظر إليها وأفكر بشيءٍ لم أجرؤ على قوله .. هي تعرف من تكون .. تعرف أخاها .. تعرف بيتها على رغم أنها فاقدة ذاكرتها كما أخبرني أدهم .. أما أنا فحتى كلمة “ابنة خالته” صارت الشيء الوحيد الذي أتمسّك به وكأنها بطاقة هويةٍ أخيرة لا أريد أن تُسحب مني.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كنت حائمة بأفكاري وشاردة في العدم حين أمسكت يدي بلطف وضمتها بين كفّيها لأرجع نظري إليها وقالت وهي ترسم ضحكةً واسعة:
- لا يهمني إن كنا أبناء خالة أم لا .. ولا يهمني إن كانت والدتانا شقيقتين أم لا .. ما يهمني هو أنتِ .. حسناً أنتِ لا ترغبين بأن أكون إبنة خالتك .. ولكن أنا لدي رغبة كبيرة بأن تكوني أختاً لي .. طبعاً إن قبلتِ بهذا

لقد فاجأتني بطلبها حقاً .. ولكنني لا أنكر أنني وهي تمسك بيدي شعرت بأمانٍ لم أشعر به من قبل .. قطع ذلك الصمت الخفيف طرق متردّد على الباب .. التفتتُ أنا وحلا في آنٍ واحد ليدخل أدهم بعد أن أذنّا له .. كان يحمل كوبين من شيءٍ دافئ و لكن ما شدّ انتباهي لم يكن ما في يده بل ما في عينيه .. توقّف عند الباب لثانية ونظر إلينا معاً.

كانت حدقته تنتقل بيني وبين حلا ببطءٍ ملحوظ وكأنه يقارن صورةً بأخرى .. على ملامحه ارتسمت دهشةٌ خفيفة لم يحسن إخفاءها .. اقترب ووضع الأكواب على الطاولة الصغيرة ثم جلس على الكرسي المقابل للسرير .. لم يتكلم فوراً .. فقط ظلّ ينظر
نطق أخيراً بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية:
- يبدو أنكما اندمجتما سريعاً
ابتسمت حلا وردت:
- إن رهف لطيفة وتدخل القلب من دون استأذان

لم أعلّق كنت أراقبه فقط .. أعاد نظره إليّ وثبّته عليّ هذه المرة وسألني:
- كيف تشعرين الآن؟
- أفضل .. شكراً لك
هزّ رأسه ببطء ثم مال قليلاً للأمام وقال جدية:
- رهف .. ما الذي حدث؟

رفعت حاجبيّ باستغراب مصطنع :
- ماذا تقصد؟
- لا تتهرّبي .. أنتِ لم تهربي من المنزل بهذه الطريقة هكذا عبثاً .. هناك ما حدث بالتأكيد
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

شعرتُ بأنفاسي تضيق للحظة .. نظرتُ إلى حلا ثم عدتُ إليه و رددت:
- قلتُ لك مجرد إرهاق بسيط .. أو تضخّم بسيط للأمور لا أكثر.

ضيّق عينيه ولم يبدُ مقتنعاً بردّي ليقول:
- إرهاق يجعلك تهربين من المنزل وتهديدي لألا أخبر أحداً عن مكانك؟
- هل أخبرت أحد؟
- ليس بعد
- جيد .. ولن تخبر أحد .. أنا سأعود متى رأيت أنني تحسنت
- هل المشكلة كبيرة لدرجة أنك لا ترغبين بإخبار أمك عن مكانك!

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة حاولتُ أن تبدو طبيعية ثم قلت:
- أحياناً يحتاج الإنسان لاستنشاق بعض الهواء بعيداً عن عائلته
- هواء !!! في هذا الطقس؟

كان صوته يحمل سخريةً خفيفة ولكن خلفها كان هناك فضولٌ حاد .. قلتُ بهدوءٍ متعمّد:
- لا تحوّل الأمر إلى قضية تحقيق يا أدهم .. صدقني أنا بخير

ساد صمتٌ قصير .. كان ينظر إليّ وكأنه ينتظر أن أنهار و أعترف بشيءٍ ما .. لكني خيبت أمله ولم أفعل .. أخفضتُ بصري إلى أطراف الغطاء وقلت:
- لا تقلق .. لم يحدث شيء يستحق الذكر.

كان يمكنني قول الحقيقة .. أن أصرخ بها في وجهه حتى يختنق بها كما اختنقت أنا ولكنني لم أرد أن أسمع الكلمة مرةً أخرى على لساني .. لم أرد أن أقول أني متبنّاة .. شعرتُ بنظره لا يزال ثابتاً عليّ .. ثم تنفّس ببطء و رد بعد لحظات من الصمت:
- حسناً كما تشائين و لكن إن كان هناك ما يزعجك لستِ مضطرة لمواجهته وحدك .. صحيح لم نكن مقرّبين في السابق ولكن الآن يمكنكِ اعتباري أخاً لكِ بما أنكِ قد لجئتِ إلي .. بحال احتجتِ إلى من ترمي عليه حملكِ أنا سأكون موجود
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعتُ عينيّ إليه للحظة .. لقد كان صادقاً وهذا ما جعل الأمر أصعب .. لم أكن أعلم أن أدهم يحمل قلباً طيباً لهذه الدرجة
تمالكت نفسي وقلتُ بنبرةٍ أخف:
- سأفعل

لم أضف شيئاً آخر .. لأنني أعلم علم اليقين أن بعض الحقائق حين تُقال لا تعود قابلة للسيطرة .. ولن أستطيع لملمة نفسي إن تبعثرت أمام أحد

تلك الليلة لم أنم وحدي فقد أصرّت حلا أن تبقى إلى جانبي وقالت إن الطبيب أوصى بمراقبتي .. لكنني كنت أعلم أن في الأمر شيئاً آخر لم أفهمه
تمدّدتُ إلى جوارها .. المسافة بيننا كانت صغيرة جداً بسبب أن السرير مفرداً يتسع لشخصٍ واحد .. لكن أفكار كلٍّ منا أبعد من أن تُقاس .. كانت تتقلّب أحياناً ثم تسكن فأدرك أنها لا تنام بعمق .. كانت ترتعش وهي نائمة وتهمس وترجف .. اعتقدت أنها تشعر بالبرد .. ولكن الغرفة كانت دافئة .. لا شك أنها ترى كابوساً ما
أما أنا فكنت أحدّق في العتمة وأفكر .. ما الذي يفعلانه والدي الآن؟ هل هما قلقان عليّ .. هذا مؤكّد ؛فأنا لم أنم خارج المنزل من قبل .. ثم تذكرت حوارهما ذاك .. شقيقتي ! هل لدي أخت حقاً ! كأن أذني التقطت كلمة توأم .. ! إذاً أنا حقاً لدي توأم كما استنتج وائل .. و ردة فعل أمي لم تكن عبثاً
ما اسمها ؟ .. من تكون ؟ .. أين تعيش ؟ وما ذلك المرض الذي يحتاج متبرعاً له؟ ما الذي تخفيه عني أيضاً يا أمي .. أشعر بالدوار كلما فكرت بالأمر ..

حلّ الصباح وأنا ما زلت مستيقظة .. أتابع عقرب الساعة وهو يمشي بصمت .. فجأة سمعت صوت خارج الغرفة .. لقد كان أدهم يسعل .. نهضت وغطيت حلا وخرجت لأراه يرتدي سترته ويتفحّص كتبه وأوراقه الموضوعة على طاولة دراسته .. التفت إلي و بدا لي أنه تفاجئ بي وقال:
- أهلا رهف .. صباح الخير
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتسمت وقلت:
- صباح الخير .. أراكَ مستيقظاً
- اعتدت على النهوض باكراً .. هل ما زالت حلا نائمة؟

اقتربت وجلست على الأريكة وقلت:
- نعم
- لقد حضرت بعض القهوة هل ...
قاطعته:
- لست من محبيها

هز برأسه وأكمل ترتيب كتبه لأسأله:
- متى اكتشفت أن والدك متزوج ولديه ابنة؟

رأيته تجمد للحظة ثم عاد ليكمل عمله متجاهلاً سؤالي .. ابتسمت وقلت:
- هل تردها لي؟
رد من دون أن ينظر إلي:
- ما هي ؟
- لا أعلم .. ربما تحفّظك على عدم إخباري القصة كاملة
- صحيح .. أنا حريص على كتمان أسرار عائلتي ..
ثم نظر إليّ وتابع بمكر :
- مثلك

ابتسمت بسخف وقلت:
- يالك من ماكر
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

اقترب وجلس على الأريكة الأخرى وقال:
- اسمعيني .. لست من النوع الذي يحب الضغط على أحد .. ولكنني في ذات الوقت لا أحب من يستغلّني
- اطمئن .. أنا لن أطيل استغلالك كثيراً
- لا أقصد بإقامتكِ معي على الرغم مني يا رهف .. لقد تغاضيت عن تهديدكِ بمزاجي فقط .. ولأنكِ كنتِ منهارة أيضاً .. سأعاملك كما أعامل شقيقاتي .. وأعتني بكِ لإنكِ في الوقت الحالي مسؤوليتي ولكن .. عليكِ الحذر من تصرفاتك
- وماذا رأيت في تصرفاتي؟

وقف و رد:
- للآن لم أرى سوى مكركِ واستغلالكِ للفرص
- وهل هذا سيء بنظرك؟ أليس عليّ كفتاة حماية نفسي !
- بلى .. لهذا تغاضيت

لم أكن خائفة منه ولكن كلامه أثر بي .. وجعلني أراجع تصرفاتي .. أنا لست سيئة ولا عاقة بوالدي .. ولكن شعور الخذلان هو ما جعلني استغلالية وغير آبهة بأحد

فجأة خرجت حلا من الغرفة وهي تفرك عينيها وتمشي بخطوات غير منتظمة ليقترب منها أدهم ويمسكها من كتفيها حتى لا تفقد توازنها .. سألها:
- هل أنتِ بخير
- صباح الخير
رد عليها بنبرة مختلفة بدت لي مريبة بعض الشيء :
- صباح الخير .. حلا
- هل أجهز نفسي لأذهب للمركز ...
رد بسرعة :
- لا بل ستبقين مع رهف اليوم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت حلا إلي وابتسمت و ردت بنعاس :
- من دواع سروري

غادر أدهم إلى الجامعة وسمعته يوصي حلا بي وكأنني طفلة .. ولكنني لم أعلّق .. بعد قليل سمعت صوت حلا تغني في المطبخ .. يا له من صوتٍ نقي .. ذهبت إلى المطبخ ووجدتها تقف أمام الموقد وتحرّك المقلاة بخفة وهي تغني بصوتٍ خافت .. ابتسمت وتسللت من خلفها وأفزعتها بحركة صبيانية لتصرخ بذعر وترمي المقلاة من يدها وهي تغمر راسها وتهمس بأنفاسٍ لاهثة:
- لا لاتضربني .. لا تضربني أرجوك

كانت تكرر كلمة " لا تضربني " وأنا واقفة أمامها مرتبكة .. شعرت بالأسى على حالها .. لا أعرف ماذا أفعل .. تمالكت نفسي واقتربت منها وأمسكت يديها لتنظر إلي بعينين دامعتين لأقول:
- أنا آسفة .. لم أقصد إخافتكِ
هزت رأسها نافية و ردت بارتباك :
- لا لا تتأسفي .. يبدو أنني أنا التي لا تحتمل المزاح

عادت لتقف وتجمع ما وقع منها وأنا أنظر إليها .. لم أفهم ما سبب خوفها ذاك .. ما قصتها يا ترى .. اقتربت منها وانحنيت بعد أن أمسكت قماشة وبدأت أنظف الأرض معها لتنظر إلي وتقول:
- لا تزعجي نفسكِ .. سأنظفها أنا
- اللوم يقع عليّ .. لو لم أفزعكِ لما كان الطعام وقع على الأرض
ضحكت و ردت:
- لم يمزح أحدٌ معي بهذه الطريقة من قبل .. لهذا رأيتني قفزت فزعاً

ضيقت عيناي وبقيت اتابع حركاتها بصمت .. لقد كانت تبدو لي طبيعية .. لا تبدو كفتاة فاقدة ذاكرتها أبداً .. كانت نظرتها مختلفة عن أول مرة قابلتها بها .. فنظرتها الأولى كانت تائهة وفارغة أما الآن فكلها يقين .. بعد أن انتهينا من تنظيف الأرض .. عادت لتكمل الافطار ثم جلسنا إلى الطاولة الصغيرة وبدأنا نتناول الفطور بهدوءٍ بسيط. سألتني فجأة:
- هل نمتِ جيداً
- إلى حدٍّ ما ..
- ما تعنين؟
- أنتِ تتحركين كثيراً في أثناء نومك
- هل فعلت حقاً ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ضحكت وقلت:
- لا تهتمّي ؛فأنا لا أنام كثيراً على كل حال

عاد ليحل الصمت بيننا .. لتعود وتكسر الصمت بسؤالٍ آخر:
- كم عمركِ يا رهف؟
- سبعة عشر عاماً.
- أنت في مثل عمري
- حقاً أنتِ أيضاً في السابعة عشرة؟
- وهل شكلي يوحي أنني أكبر !
- لا .. ولكن تلك الندوب ..

قلت آخر كلمة بهمس وابتلعت بقية الكلام حتى لا تشعر بالضيق بسببي .. عادت لتسألني :
- اذاً أنتِ تدرسين؟
- في الثالث الثانوي

هزّت رأسها بإعجابٍ صادق و قالت:
- جميل .. وأنا أحب الدراسة ايضاً
- وانت أيضاً تدرسين ؟
- أجل أدرس ولكن ليس في مدرسة
- أين اذاً ؟
ارتكزت على الطاولة وردت بحماسٍ واضح:
- لقد وضعني أدهم في مركز لمحو الأمّية
- محو الأمّية ! ألم تدخلي مدرسة في حياتك؟
ردت وهي تأكل:
- بلى .. لقد بقيت للصف الرابع ولكن أبي جعلني أتركها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

توقفتُ عن المضغ لحظة .. كانت تتحدث بطلاقة ووعيٍ كامل .. لا أثر لذلك الشرود الذي رأيته منها سابقاً .. نظرتُ إليها طويلاً ثم قلت بهدوء:
- يبدو أنكِ اليوم بخير جداً.

رفعت بصرها إليّ سريعاً وقالت :
- ماذا تعنين؟
- أعني ذاكرتكِ .. تبدين لي متماسكة

تغير لون وجهها قليلاً وارتبكت ابتسامتها و ردت:
- أنا لم أقل إنني فاقدة للذاكرة
- لكنكِ تتصرفين أحياناً كأنكِ لا تتذكرين بعض الأمور.

وضعت الخبز فجأة ونهضت تحمل الصحون إلى المغسلة وردت:
- ربما أكون فقط متعبة .. لا شيء أكثر.
كانت حركتها سريعة أكثر من اللازم وصوت الأطباق أعلى مما يجب .. لقد كانت تتهرب .. شعرتُ أنني اقتربت من منطقةٍ لا تريدني أن ألمسها ؛فغيّرتُ الموضوع عمداً.

- حلا هل ترك أدهم معكِ بعض المال؟

التفتت إليّ وفي عينيها بقايا توتر و ردت:
- نعم .. ترك مبلغاً للطوارئ .. لماذا تسألين؟
- لقد نسيت محفظتي وهاتفي النقال في منزلي ولم يتسنّى لي العودة لأخذهم ..
- هل تحتاجين بعض المال ؟
- إن لم يكون في الأمر إزعاج
- أبداً .. يمكنكِ أخذ ما تشائين منه
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

صمتّ قليلاً ثم تابعت:
- هل تذهبين معي في مشوارٍ قصير؟
نظرت إلي باستغراب ثم قالت بتردد:
- الآن؟ وأدهم…

قاطعتها بلطف:
- سنعود قبل أن عودته .. أعدكِ.

ظلت تنظر إليّ لحظات وكأنها توازن بين خوفها ورغبتها في الخروج .. ثم تنفست بعمق وقالت:
- حسناً و لكن من دون أن نتأخر.

ابتسمتُ للمرة الأولى ذلك الصباح .. دخلنا الغرفة ووفتحت خزانتها وتفاجأت بالملابس .. أمسكت قطعة من الثياب المعلقة .. أكاد أقسم أنه قميص نور ابنة خالتي .. أخرجني صوت حلا من شرودي :
- اختاري ما يعجبك
ابتسمت واخترت بعض الثياب وأخذت أرتديها .. كنت أراقبها وهي ترتب شعرها أمام المرآة وأفكر ..
لكلٍّ منا سرّه الخاص و رغم ذلك ها نحن نسير جنباً إلى جنب .. لماذا حلا تمثّل أنها فاقدة ذاكرتها يا ترى ؟
حين خرجنا من المنزل وأُغلق الباب خلفنا شعرتُ بشيءٍ يشبه البداية .. لا أعلم بداية ماذا تحديداً ولكنني كنت متأكدة أن هذا المشوار لن يكون عادياً.

نزلتُ من سيارة الأجرة أولاً ثم التفتُّ لأساعد حلا على النزول .. كان المبنى أمامنا رمادياً عالياً .. شعرتُ لوهلةٍ أنني أعود إلى نقطةٍ قديمة في حياتي .. دخلنا وصعدنا الدرج حتى الطابق الثاني .. توقّفتُ أمام اللوحة التي تحمل اسمه ثم دفعتُ الباب الزجاجي.
في صالة الانتظار جلس بضعة أشخاصٍ متباعدين .. كلٌّ منهم غارقٌ في صمته الخاص .. رائحة المعطر خفيفة والهدوء ثقيل.
تقدّمتُ نحو السكرتيرة وقلت بهدوء:
- من فضلكِ .. أخبري الطبيب أن رهف تنتظره في الخارج.
- هل لديكِ
- نعم ولكن أخذته منه شخصياً
رفعت نظرها إليّ ثم تناولت سماعة الهاتف وتحدثت بصوتٍ منخفض .. لم تمضِ دقيقة واحدة حتى فُتح باب العيادة من الداخل و خرج وائل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كانت اللهفة واضحةً على وجهه .. واضحة أكثر مما توقعت و لكن سرعان ما مرّ شبح دهشةٍ في عينيه حين وقع بصره على حلا الواقفة إلى جانبي.
تقدّم نحوي بخطواتٍ سريعة وقال بصوتٍ خافت لكنه متوتر:
- رهف .. أين كنتِ؟
كان ينقل نظره بيني وبين حلا وكأنه يحاول تركيب صورةٍ ناقصة .. أجبته بهدوء:
- سأخبرك حين تنتهي.

تنفّس بعمق ثم ألقى نظرةً خلفه نحو الباب نصف المغلق وقال:
- لديّ مريض في الداخل .. دقيقتان فقط وأنتهي.

أومأتُ برأسي ثم عاد إلى الداخل وأُغلق الباب بينما جلستُ أنا وحلا على المقاعد الجلدية المتراصة .. شعرتُ بنظرات بعض الجالسين تتسلل إلينا ثم تعود إلى الأرض.
مالت حلا نحوي وهمست:
- من هذا؟
نظرتُ إلى الباب الذي دخل منه ثم قلت ببساطة:
- هذا طبيبي.

اتسعت عيناها قليلاً.
- تراجعين عند طبيب نفسي؟
- نعم.

سكتت لحظة ثم أعادت نظرها إلى الباب وكأنها تحاول فهم شيءٍ .. لم يطل الانتظار .. فُتح الباب مجدداً وخرج المريض من عنده بينما خرج وائل خلفه .. كانت ملامحه أكثر تماسُكاً لكن عينيه ظلّتا معلّقتين بي .. قال موجهاً كلامه إليّ مباشرة:
- رهف تفضّلي.
وقفتُ .. ثم التفتُّ إلى حلا وقلت:
- حلا .. انتظريني هنا ..
- لا تتأخري .. علينا العودة قبل أدهم
- لا تقلقي .. أنا لن أتأخر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ترددت لحظة ثم أومأت موافقة .. دفعتُ الباب ودخلتُ خلفه .. وأُغلق الباب بيننا بهدوءٍ لا يشبه ما في صدري .. ما إن أُغلق الباب خلفي حتى شعرتُ بثقلٍ هائلٍ يهبط على صدري .. الغرفة ما زالت كما هي .. المكتب الخشبي .. الأريكة الجلدية ورائحة المعطر الخفيفة .. كلّ شيءٍ ثابت .. إلا أنا.
لم أستدر بالكامل نحوه .. اندفع يسألني وصوته مزيجٌ من القلق والعتب:
- أين كنتِ يا رهف؟ لماذا تركتِ بيت أهلك؟ لقد اتصلت بي والدتكِ البارحة وسألتني إن كنتِ قد أتيتِ إلي .. ماذا حصل

كنتُ أحاول أن أتماسك و لكن الكلمات اصطدمت بشيءٍ مكسورٍ داخلي فانهرت .. انسابت دموعي فجأة .. و نزلت حارّة وغزيرة و كأنها كانت تنتظر إذناً فقط .. حاولتُ أن أتكلم ولكن صوتي خرج مشوّشاً:
- أنا .. أنا

اقترب مني بسرعة .. وقف أمامي وهمس بقلق :
- اهدئي .. تنفّسي أولاً .. لا ترغمي نفسكِ على الكلام

لم أستطع امساك نفسي .. مال جسدي نحوه دون وعي وألقيتُ برأسي على صدره كما لو أنني أبحث عن جدارٍ لا يسقط حتى أتكئ عليه .. كنت أبكي وأهمس بكلماتٍ غير مرتبة:
- تدمرت .. أنا تدمرت .. قلبي انكسر .. حياتي كلها .. كلها كانت كذبة

كنت أرددها وكأنني أهذي .. رفع يده وربّت على كتفي بحركةٍ بطيئة و ثابتة وقال:
- رهف اسمعيني .. أنتِ بأمان الآن .. اهدئي

لكن كلمة أمان بدت بعيدة جداً .. أمسكني بلطف وأبعدني قليلاً ثم قادني إلى الكرسي وجعلني أجلس .. ابتعد خطوة و صبّ لي كأس ماء وعاد ليجثو أمامي على الأرض بحيث أصبح وجهه بمستوى عينيّ .. ناولني الكأس بينما ارتجفت يدي وأنا أرتشف شفةً صغيرة .. ثم أعدته إليه ليأخذه فوراً ويضعه خلفه على الطاولة دون أن يبعد نظره عني .. أمسك يديّ بكلتا يديه .. دفء كفّيه كان ثابتاً و مسيطراً قد شعرت به في قلبي .. سألني بهدوء :
- ماذا حدث يا رهف؟ احكي لي ما يحزنكِ

نظرتُ إليه بعينين محمرّتين وهمست:
- كلامك .. كان صحيح.

عقد حاجبيه وقال باستفسار:
- أي كلام؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتلعتُ ريقي بصعوبة و رددت:
- إحساسك كان في مكانه .. أمي حقاً كانت تخبئ شيئاً كبيراً.

ساد صمتٌ ثقيل بيننا و كأنه يمهّد لشيءٍ لن يعود بعده كما كان .. قلتُ بصوتٍ مكسور ومتردد :
- أنا اكتشفت .. أنني .. متبنّاة.

خرجت الكلمة أخيراً ارتجف صدري بينما تابعت ببكاء:
- سمعتهم يتحدثون .. قالوا أن لي أختاً توأماً .. وأن أمي يجب أن تجدها لتتبرع لي بشيءٍ ما .. لا أعرف ماذا تحديداً .. لكن الذي فهمته أنه أمر خطير.

توقفت لحظة .. ثم أضفت:
- لقد أخفت عني كل شيء .. مرضي .. أصلي .. قصة تبنّي .. كل شيءٍ يا وائل .. كنت أعيش في كذبة طول حياتي

كنت أتكلم وكأنني أفرغ سنواتٍ من الصمت دفعةً واحدة.
مدّ يده ومسح دموعي بإبهامه ثم مرر أصابعه بخفة على شعري بحركةٍ هادئة لا تحمل شفقة بل احتواءً وقال بصوتٍ منخفض :
- كنت أعلم أن هناك ما يُخفى عنكِ .. و لكن ليس بهذا الحجم .. ذلك صادماً حقاً
أغمضتُ عينيّ وشعرتُ بأنفاسي تتقطع من جديد.
ضغط على يديّ برفق وجعلني أنظر إليه .. كانت نظراته هذه المرة مختلفة و أكثر تركيزاً وحزماً .. وقف وضم خديّ وقال:
- كفّ عن البكاء فقد اجتزنا هذه المرحلة منذ زمن
تفاجأت ونظرت إليه مطولاً قبل أن أقول باستياء:
- مرحلة؟ هل قمت باستخدام مصطلحاً طبياً معي الآن؟

ظهر التوتر على ملامحه بينما وقفت وقلت:
- لقد أخطأت عندما فكرت أنك يمكن أن تساعدني

امسكني من يدي وسحبني اتجاهه حتى التقت نظراتنا وقال:
- لا تفعلي ذلك يا رهف
كان صوته منخفضاً و لكنه مشدود كوترٍ على وشك الانقطاع ..حاولتُ أن أحرّر يدي لكنه لم يشدّها بعنف .. فقط أمسكها بما يكفي ليمنعني من الهروب .. سألته ببرود:
- أفعَل ماذا؟
- تضعين بيننا جداراً كلما اقتربتُ خطوة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتسمتُ بسخريةٍ موجوعة وقلت
- أنت من وضع المصطلحات بيننا قبل قليل .. "مرحلة"؟ حقاً يا وائل؟ أنا حياتي انهارت وأنت تصنّف انكساري ضمن مراحل التعافي؟

لمع الغضب في عينيه .. لا لم يبدو لي كغضب .. بل شيء أقرب إلى الوجع ثم قال:
- لأنني إن لم أفعل لن أستطيع أن أكون هنا وأتكلم بهذه الطريقة.
- أي طريقة؟ طبيباً؟ أم ..

توقفتُ عمداً بينما ازدادت قبضته على يدي قليلاً ثم أرخاها كأنه تذكّر نفسه
- أنا طبيبكِ يا رهف.
- أعرف ذلك جيداً.
اقتربتُ خطوة رغم ارتجاف قلبي وتابعت :
- لكنك لست بارداً كما تحاول أن تبدو.

ساد صمت ثقيل .. كانت أنفاسه قريبة منتظمة أكثر مما ينبغي وقال أخيراً:
- مهنتي تُحتّم عليّ أن أكون ثابتاً.
- وأنا لا أريد ثباتاً .. أريد حقيقة.
نظر إليّ طويلاً ثم قال بصوتٍ أخفض:
- الحقيقة أنكِ الآن في حالة صدمة .. والحقيقة الثانية أنكِ أقوى مما تظنين.

ضحكتُ بخفوت.
- لا تحاول دعمي بجملة تحفيزية أبها الطبيب

اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة صوته لا كلماته فقط وهمس:
- أنتِ لم تنهاري لأنكِ ضعيفة .. انهرتِ لأنكِ اكتشفتِ خيانةً وجودية .. هذا فرق
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تصلّبتُ عند العبارة .. كورت يدي ومسحت دمعتي بعنف وقلت:
- لا تحلّل ألمي يا وائل .. لا أحد يمكنه فهم ما أشعر به في داخلي الآن
- لا تكوني متأكدة من هذا .. فأنا أشعر به

خرجت منه أسرع مما ينبغي .. تجمّدنا معاً .. رفعتُ عينيّ إليه ببطء
— ماذا قلت؟

ابتلع كلمته التالية وكأنها كانت على وشك أن تكشف أكثر مما ينبغي و رد بتوتر:
- أعني أنني أرى أثره عليكِ.
- لا.
هززتُ رأسي وتابعت:
- لم تقل أراه بل قلت أشعر به

مرّ توتر واضح على ملامحه تلك اللحظة التي يسقط فيها القناع المهني قليلاً .. ثم رد:
- رهف .. لا تخلطي الأمور.
- أنت من يخلطها.

سحبتُ يدي أخيراً ولكنني لم أبتعد.
- على كل حال أنا لم آتِ لأبكي في حضنك .. جئت لأفهم .. لماذا أمي أخفت عني مرضي ؟ .. لماذا أخفت أن لي أختاً توأماً ؟ ولماذا أخفت أنني متبنّاة ؟وأنت تريدني أن أتعامل مع الأمر كأنني أعبر مرحلة
ارتفع صوته هذه المرة دون أن يفقد سيطرته:
- لأنه من الخطأ أن تندفعي نحوهم بلا خطة ؛فتدمّري أي فرصة لمعرفة الحقيقة كاملة

صمتُّ ليتابع بنبرةٍ أكثر هدوء :
- أنتِ لستِ فتاةً تبحث عن الدراما .. أنتِ تبحثين عن جذوركِ .. وعن حقكِ في المعرفة وهذا لا يُؤخذ بالصراخ.

نظرتُ إليه بثبات رغم الدموع العالقة بعينيّ وسألته باستفسار:
- إذاً ماذا أفعل برأيك ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

اقترب خطوة أخيرة وملامحه استعادت صلابتها و رد بثقة:
- أولاً .. سنجري فحوصات مستقلة .. لن نثق بروايةٍ واحدة .. ثانياً .. لن تواجهِي والدتكِ الآن بل ستعودين وكأنكِ لا تعلمين شيئاً .. ثالثاً ...
توقّف لحظة وعيناه غاصتا في عينيّ.
- ستبقين تحت إشرافي
رفعتُ حاجبيّ بتحدٍّ ونطقت بسخرية واضحة :

- كطبيب؟
أجاب بعد نصف ثانية تأخير:
- نعم.
كانت تلك النصف ثانية أعلى صوتاً من أي اعتراف .. اقتربت خطوة وواجهته وقلتُ بهدوءٍ قوي رغم انكساري:
- أنا لا أحتاج وصياً يا وائل .. ولا أحتاج لمن يعلمني ماذا سأفعل
- وأنا لن أكون وصياً عليكِ.
ثم أضاف بصوتٍ منخفض وثابت :
- لكنني لن أترككِ تخوضين هذا وحدكِ .. حتى لو اضطررتُ أن أقاتل نفسكِ العنيدة تلك أولاً.
ثم أكمل ببطءٍ واضح:
- من الآن فصاعداً .. ستفعلين ما سأقوله لكِ فقط.
توقّف لحظة وعيناه لم تفارقا عينيّ وسألني:
- مفهوم؟

لقد كان يتلاعب بي وهذا واضح .. نبرته وكأنه يريد السيطرة عليّ .. ابتسمت وقلت:
- أنا لم آتِ لأتلقى أوامر منك ومن غيرك

تصلّبت ملامحه لحظة ثم رفع رأسه بكبرياء و رد قائلاً:
- وأنا لم أقلها كأمر يا رهف .. قلتها لأنكِ الآن لستِ في حالةٍ تسمح لكِ باتخاذ قراراتٍ عقلانية.

- لا أعرف لماذا أتيت إليك أنت بالذات .. ربما لأنني اكتشفت أن حياتي مزوّرة .. أم لأنني لم أعد تلك الطفلة التي تأتيك لتشتكي من كوابيسها؟

رد بنبرةٍ هادئة:
- وربما لأنكِ تعلمين جيداً أنني الوحيد الذي فهمت ألمك .. ولكنكِ تنكرين هذا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

التزمت الصمت وبقيت واقفة مكاني .. كلامه كان صحيحاً .. هو الوحيد الذي صدقني وربما أحس بي .. فجأة أخرجني من شرودي سؤاله:
- لم تخبريني .. أين قضيتي ليلتكِ البارحة؟
رفعت كتفيّ وقلت:
- في منزل إحدى صديقاتي
- تلك الفتاة التي أتت معكِ
- أجل
- هل تعيش وحدها ؟
- بالطبع لا

ربط يديه خلف ظهره و هز رأسه باستفسار لأرد:
- وما علاقتك بالأمر؟
- حقاً !
- حسناً .. إنها تعيش مع شقيقها

تبدلت ملامحه فوراً ولمعت في عينيه نظرة لم أفهمها ولكنها أرعبتني حقاً لأتراجع خطوة بينما تقدم نحوي خطوة وقال:
- تعيش مع شقيقها !!
- نعم
-وحدهما؟
- وما المشكلة في ذلك؟
- كيف .. كيف أمكنك الجلوس في بيت رجلٍ غريب .. ألم تخافي أن ....
قاطعته:
- ومن أخبرك أنه غريب ؟
- لم أفهم
- إنه يكون إبن خالتي .. والتي في الخارج تكون شقيقته من والده

حلّ صمتٌ كثيف ومشدود بيننا .. لم أفهم تلك النظرات التي كان يبادلني إياها .. لم تكن نظرة طبيبٍ يستفسر بل نظرة رجلٍ يحاول ضبط شيءٍ انفلت داخله .. قال أخيراً بصوتٍ منخفض:
- ابن خالتكِ؟
- نعم.
- وكنتِ هناك طوال الليل؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعتُ ذقني قليلاً ورددت ببراءة :
- نعم .. أمضيت الليل في منزله
شدّ فكه .. ثم أدار وجهه جانباً لحظة كأنه يستعيد توازنه .. لقد استطعت الشعور بغيرته بسهولة .. عاد ليقول:
- ولم يخطر ببالكِ أن تخبريني بالحقيقة منذ البداية؟
ابتسمتُ و رددت باستفزاز :
- أنت الذي لم يخطر بباله أن يسأل هذا السؤال منذ البداية؟
- أنا سألتكِ
- لا .. أنت لا تسأل .. أنت تحقق.

اقترب خطوة و رد:
-ربما لأنكِ خرجتِ من بيتكِ وأنتِ في حالة صدمة .. وقضيتِ ليلتكِ في منزل رجل .. أياً يكن قربه منكِ .. ألا يحق لي أن أقلق ؟
- يحق لك؟
كررتُ الكلمة ببطء .. كنت أراقبه كما يراقب هو مرضاه حين يبحث عن ارتجافةٍ في الجفن أو تغيّرٍ في النفس .. ثم قلتُ بهدوءٍ مقصود:
- هو ليس غريباً .. اسمه أدهم.
رأيت عينه رفت عند سماع الاسم لأتابع
- وأنت تعرفه.
- أعرفه !!
- نعم .. هو ذاته الذي قابلته في المشفى يوم جئتَ لتطمئن عليّ
تغيّرت ملامحه بوضوح الآن.
- ذلك الشاب الذي كان يجلس معكِ بالغرفة ؟
- نعم .. ذاكرتكَ قوية حقاً
ساد صمتٌ آخر بيننا .. ولكن هذه المرة كان مختلفاً .. أقل حدّة .. قال ببطء:
- رهف…
توقف ثم أكمل بنبرةٍ متوترة بعض الشيء :
- وجودكِ في بيت رجل مهما كانت صلة القرابة وأنتِ في حالة اضطراب .. يفتح احتمالات .. أنا لا أحبها.
- لا تحوّل الأمر إلى قضية أخلاقية .. لقد كنتُ بأمان.
- وهل تثقين به إلى هذا الحد؟
أجبته دون تردد:
- نعم .. أثق به
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

زاد الصمت ولمعت في عينيه تلك النظرة نفسها التي لم أفهمها قبل دقائق و لكنها الآن بدت أوضح .. لم تكن خوفاً عليّ فقط .. كانت غيرةً يحاول إنكارها .. قال أخيراً بصوتٍ منخفض :
- الثقة كلمة كبيرة يا رهف.
- وأنت من علّمني ألا أستخدم الكلمات الكبيرة دون وعي.
اقتربتُ أنا هذه المرة خطوة وتابعت:
- أدهم لم يسألني .. ولم يحلل صدمتي ولم ينظر إليّ كحالةٍ تحتاج إدارة .. كان فقط يقدم لي الأمان

- وأنا ماذا أكون برأيكِ؟
نظرتُ إليه طويلاً قبل أن أجيب:
- أنت الشخص الوحيد الذي صدّقني حين شككتُ بنفسي و لكن هذا لا يمنحك حق الخوف عليّ بطريقةٍ تُشبه ..

تابعت بارتباك:
- شيئاً آخر ..

ظهر التوتر على ملامح وتراجع خطوة و رد:
- لا يوجد شيء آخر .. أنتِ لابد وأنكِ فهمتني خطأ
ابتسمتُ بمرارةٍ وقلت:
- إذن لا تنظر إليّ بهذه الطريقة حين أذكر اسمه.
للحظة سقط القناع .. كانت عيناه تقولان أشياء كثيرة .. أكثر مما يسمح به عقله .. ثم استعاد هدوءه فجأة وعاد الطبيب إلى ملامحه أخيراً
- حسناً.
قالها بصرامةٍ مصطنعة
- إن كان قريبكِ وإن كنتِ بأمان .. فلا مشكلة.

انا واثقة أنه لم يكن مقتنعاً بما يقوله .. ولا أنا كنتُ مطمئنة لذلك الوميض الذي رأيته في عينيه حين نطقتُ باسم أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

عدنا للمنطقة انا وحلا وكنا نمشي سويةً بخطواتٍ هادئة .. وحلا تسير إلى جانبي .. تمسك بيدي وكأنها تخاف أن أتركها وأهرب .. كم أنها لطيفة وحنونة .. حتى يدها كانت دافئة لدرجة لم أستطع تركها .. فجأةً توقفت لأتوقف بدوري ونظرتُ إليها لكن نظري انزلق نحو امرأةٍ مرّت أمامنا ببطء تمسك بيد طفلةٍ صغيرة .. لم تكن نظرتها عابرة .. كانت تحدّق في حلا تحديداً .. نظرة طويلة وغريبة وكأنها تعرفها أو تتأكد منها.

حتى الطفلة التفتت تنظر إلينا بفضولٍ لا يناسب عمرها .. شعرتُ بيد حلا ترتجف قليلاً.
مالت المرأة برأسها وهمست همسة خافتة لطفلتها ثم تابعت طريقها.

التفتُّ إلى حلا فوراً وسألتها:
- أتعرفينها؟

أجابت بسرعةٍ بدت مصطنعة:
- لا .. لا أعرفها.

كان التوتر واضحاً في صوتها وفي الطريقة التي تجنّبت بها النظر إلى الخلف .. راقبتُ وجهها لحظة و لكنني لم أعلّق .. فقط أكملت السير معها نحو البناء .. صعدنا ببطء وحين وصلنا إلى المنعطف الأخير رأينا أدهم واقفاً أمام باب الشقة وإلى جانبه فتاة تحمل صينيةً مليئة بالحلوى وتبتسم ابتسامةً واسعة لا تخلو من التكلّف.

توقفتُ أنا وحلا على الدرج .. كانا يتحدثان بصوت منخفض بالكاد مسموع .. شعرتُ بيد حلا تقبض على يدي فجأة ثم تشدّ عليها بقوةٍ مؤلمة .. التفتُّ إليها فوجدتُ أنفاسها قد بدأت ترتفع ونظرتها مثبتة على الفتاة تحديداً.

لم تكن نظرة استغراب بل كانت غيرةً صريحة .. أكاد أقسم أنها ذات نظرة وائل عندما أخبرته عن أدهم .. عدتُ بنظري إلى رولا ثم همستُ لحلا:
- من تكون؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قالت من بين أسنانها:
- تلك الأفعى رولا .. لم ارى بوقاحتها بعمري كله

رفعتُ حاجبيّ بخفة وقلت:
- يبدو أن عينها قوية و لكن ما علاقتها بـ أدهم؟

أجابت بغلٍّ واضح:
- أدهم لا يهتم لأمرها ولا يطيق رؤيتها و لكنها فتاة وقحة قليلة تربية وعديمة كرامة.

كان صوتها يحمل احتقاناً لم تحاول إخفاءه .. ابتسمتُ بمكر.
- ما رأيكِ أن نلقّنها درساً لا تنساه أبداً ؟

نظرت إليّ بسرعة وفي عينيها بريق أملٍ مفاجئ :
- لقد جرّبتُ كل الطرق معها ولكنها لم تكن تفهم

قلتُ بهدوءٍ واثق:
- دعي الأمر لي .. الحقي بي وتعلمي كيف نطرد الحشرات الضارّة

خطوتُ إلى الأعلى بخطى ثابتة بينما لحقت بي حلا وحين أصبحتُ على بعد خطواتٍ منهما قلتُ بصوتٍ عالٍ مرحٍ:
- كيف حالك يا أدهم؟

رفع رأسه نحوي .. كانت ملامحه تحمل عدم رضا واضحاً وقال:
- أين ذهبتِ أنتِ وحلا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أجبته بدلالٍ مقصود:
- ذهبنا في مشوارٍ صغير.
ثم أضفتُ وأنا أبتسم:
- ما المشكلة إن أخذتُ شقيقتك مشواراً لنستمتع قليلاً؟ أم أنك تبخل بها على خطيبتك أيضاً؟

ساد صمتٌ صاعق .. أدهم حدّق بي بذهول وحلا شهقت بخفة أما رولا فقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما .. اقتربتُ خطوةً أخرى ثم أمسكتُ زند أدهم برفقٍ ظاهري وقرصته خفيةً بحيث لا يلاحظ أحد .. ابتسمتُ ابتسامةً عريضة وسألته بدلالٍ متعمّد:
- لم تخبرني يا عزيزي .. من هذه؟


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات