📁 آخر الروايات

رواية فستبقي المحبوب الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامة

رواية فستبقي المحبوب الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامة 



13
في الوقت الذي كانت تعيش فيه دلال وسط بحر من الحنان والتعويض الملكي من عائلتها الحقيقية، كانت "جيهان" تعيش في شقة قديمة ومتهالكة في أحد الأحياء الشعبية. تحولت حياتها إلى جحيم حقيقي؛ لم تتحمل الفقر، ولا نظرات الشماتة من الجميع، ولا حقيقة أنها ابنة خادمة طُردت بفضيحة. تملكها جنون أعمى، وتحول غلها تجاه دلال إلى رغبة في القتل والانتقام!
جيهان وهي تنظر لنفسها في مرآة مكسورة وعيناها تلمعان بشر جنوني: "أنا يترمى الرمية دي؟ والشحاتة بنت الملجأ تاخد مكاني وقصري وفارس بتاعي؟! وربنا ما هسيبها تتهنى بكل ده.. لو أنا ضعت، يبقا هي لازم تمـوت!"
في صباح اليوم التالي، كانت دلال خارجة من باب جامعة إدارة الأعمال الدولية بعد انتهاء محاضراتها.
كانت تبتسم وهي تحمل دفاترها، وبشرتها البيضاء تشع نوراً مع فستانها السماوي الرقيق. كان فارس ينتظرها بالخارج كالعادة، واقفاً بجانب سيارته الفارهة بهيبته الطاغية وطوله الفارع.
لمحت دلال فارس، فلوحت له بيدك بفرحة طفولية وبدأت تعبر الطريق الهادئ المقابل لبوابة الجامعة لتذهب إليه.
في هذه اللحظة بالذات، انطلقت سيارة قديمة ومتهالكة بسرعة جنونية ورهيبة من خلف المنعطف. كانت جيهان هي من تقودها، واضعة نظارة سوداء، وعيناها تشتعلان بغل أعمى. بمجرد أن رأت دلال في منتصف الطريق، ضغطت على زر البنزين لأقصى درجة، وتوجهت بالسيارة مباشرة نحو دلال لتدهسها وتنهي حياتها!
دلال التفتت فجأة على صوت محرك السيارة العنـيف، وتسمرت في مكانها من الرعب. عيناها العسلية اتسعتا بصدمة وهي ترى السيارة تقترب منها بسرعة الصاروخ، ولم تستطع التحرك خطوة واحدة من الخوف.
فارس لمح المشهد في جزء من الثانية. حسه القوي وعشقه لدلال جعلاه يتحرك أسرع من البرق. وبدون أن يفكر في حياته أو ثانية واحدة، اندفع بطوله الفارع نحو منتصف الطريق كالإعصار، وقبل أن تلمس السيارة جسد دلال بأنس، ألقى فارس بنفسه فوقها وبحركة قوية وسريعة احتضنها بالكامل ودار بها في الهواء ليلقي بجسدها برقة على الرصيف العشبي الآمن، بينما اصطدمت مؤخرة السيارة بجسد فارس بقوة قذفته لعدة أمتار في الهواء ليسقط على الأرض الصلبة فاقداً للوعي والدـماء تسيل من رأسه!
السيارة انحـرفت واصطدمت بعمود إنارة كبير، وتجمع الطلاب حولها ليمسكوا بجيهان التي كانت تضحك بهستيرية وجنون وهي تصرخ: "موتـها! موتـها يا فارس!"
دلال قامت بسرعة وهي ترتعش وجرت نحو فارس ووقعت على ركبها في الأرض، ورفعت رأسه على حجرها وبدأت تبكي بنحيب وصراخ هز أركان الجامعة كلها: "فارس! لاء يا فارس أبوس إيدك فتح عينك! متسبنيش يا فارس ! يا ناس اطلبوا الإسعاف حالا! فارس لاءءءء!"
نُقل فارس فوراً إلى المستشفى الملكي في حالة حرجة، وتجمعت العائلتان (الشرقاوية والنماردة) في الممر والكل يبكي ويصلي من أجل الفارس.
أما جيهان، فقد ألقت الشرطة القبض عليها متلـبسة بتهـمة الشروع في القــتل العمد، وتم تحويلها لمستشفى الأمراض العقلية والسجن لتقضي بقية حياتها وراء القضبان.
بعد ساعات من الرعب والتوتر، خرج الطبيب وطمأن الجميع بأن المؤشرات الحيوية لفارس مستقرة، وأن الجرح في رأسه تم خياطته، لكنه يحتاج للراحة التامة.
دخلت دلال إلى غرفة العناية ببطء، وجلست بجانبه على السرير، وأمسكت بيده الكبيرة وقبلتها بدموع وهي تقول بصوت واطي دافئ: "حمد الله على سلامتك يا فستقي.. يارتها كانت فيا أنا ولا فيك."
فارس بدأ يفتح عينيه السوداوين ببطء وتعب، وبمجرد أن وقعت عيناه على وجه دلال، ابتسم ابتسامه خفيفة ورغم التعب ظهرت غمازاته الساحرة. ضغط على إيدها الصغيرة وقال بصوت مبحوح ورخيم كالعادة: "آه يا لِمضة.. أنتي عايزة تمــوتني وتخلصي مني عشان تاخدي الشركات كلها لوحدك؟ ده أنا الفارس.. ومستحيل أسيب قطتي الغيورة لوحدها في الدنيا."
دلال ضحكت وسط دموعها وضربت صدره برقة: "أنت لسه فيك حيل تهزر وتعاكس؟ ده أنا كنت هموت من الخوف عليك!"
فارس سحبها برقة لحد ما راسها بقت على صدره وهمس في أذنها: "أنا أفديكي بعمري كله يا دلال.. أنتي حافية حياتي ونور عيني، والشر اللي كان حوالينا خلاص انتهى للأبد."
عاد فارس إلى الفيلا بعد يومين في المستشفى، وكان الطبيب قد أوصى بالراحة التامة لمدة أسبوع وعدم الحركة الكثيرة لالتئام جرح الرأس. صعد إلى الجناح بمساعدة والدته ناهد هانم (التي أصبحت تعامل دلال بقمة اللطف والخجل بعد ما عرفت إنها الحفيدة الحقيقية).
دلال وقفت في نص الأوضة وحطت إيدها في وسطها، وبصت لناهد هانم والجد عاصم وقالت بنبرة عسكرية كوميدية: "اتفضلوا أنتوا ارتاحوا يا جماعة.. الفارس من النهاردة تحت رعايتي الطبية الكاملة، ومفيش مخلوق هيدخل هنا من غير إذن الممرضة دلال!"
الجد عاصم ضحك من قلبه وطبطب على كتفها: "سلمتلك رقبة الفارس يا بنتي.. ربيّه براحتك بقا وهو تعبان ومش قادر يرد!" وخرجوا وسابوهم.
التفتت دلال لفارس اللي كان ساند ضهره على المخدات الفاخرة، ولابس تيشيرت أسود خفيف ورابط شاش أبيض حوالين راسه مخليه زي أبطال أفلام الأكشن. بص لها فارس بطرف عينه وهو كاتم ضحكته على منظرها.
دلال قربت منه بخطوات سريعة وهي شايلة صينية عليها طبق "شوربة خضار" ملوش أي ملامح وطعمه مسلوق تماماً، وقعدت على طرف السرير ولَوت بوزها بدلال: "يلا يا فستقي.. افتح بوقك عشان تاكل الشوربة المفيدة دي حالا عشان الدوا!"
فارس بص لطبق الشوربة بقرف كوميدي وقال بصوت مبحوح: "إيه القرف ده يا دلال؟ أنتي جايبة لي مية مغلية وفيها كام كوساية وبتقولي لي شوربة؟ أنا فارس النمرود أكل الأكل ده؟ أنا عايز محشي بط من بتاع أمك فايزة!"
دلال برّقت عينيها العسلية وقالت بصوت آمر مضحك: "بط في عينك يا فارس! أنت مريض وراسك مفتوحة 15 غرزة! افتح بوقك من غير كلام وإلا وربنا هبلغ الدكتور يجي يديك حقنة في العضل حالا!"
فارس رفع حاجب بذهول ووسامة تذوب: "حقـنة وعضل؟ بقا أنتي يا شبر ونص بتهدديني أنا؟ ماشي يا ستي.. هأكل غصب عني بس بشرط."
دلال بشك: "شرط إيه؟"
فارس غمز لها بعينه السليمة وقال بصوت رخيم وناعم: "تأكليني بإيدك.. وكل معلقة تدعي لي فيها دعوة حلوة من قلبك العسل ده."
دلال وشها بقا أحمر دم من الكسوف، وحطت المعلقة في بوقه بسرعة وهي بتلجلج: "طب اطفح وأنت ساكت.. ربنا يشفيك ويخليك ليا يا سيدي، ارتحت كده؟"
فارس ضحك بصوت واطي دافئ هز صدره، وبدأ ياكل من إيدها وهو باصص في عيونها العسلية بعشق ملوش حدود، وحاسس إن الوجع كله اختفى بمجرد وجودها جمبه.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات