رواية اقدار مؤجلة الفصل الثالث عشر 13 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟑: حين يستيقظ الضمير
by Volny_morya
.......
هناك خُرافة قديمة تقول :
أنّ " الصبار" گان في الماضي " ورداً "
ولگنه تعرض للقطف والأيذاء مراتٍ
عديدة فقرر أن يحمي نفسهُ .
10
. . . . .
في تلك الليلة، أطلقت رياح الثلوج صفيرًا حادًا، زفيرًا أبيضَ أجفل أغصان الصنوبر العالية، فتناثرت عنها ذرات جليدٍ كأنها شظايا زجاجٍ بارد..
2
الضباب الكثيف كان يبتلع المسافة، يطمس الحدود، ويحوّل العالم إلى كتلة واحدة من البياض المرتجف.. ومع زفيرٍ آخر للريح، ارتعشت أكتاف رجلٍ يشق طريقه وسط العاصفة، جسده يقاوم، وبصره يختبر العمى المؤقت الذي تفرضه الطبيعة حين تغضب..
2
قدماه تغوصان في طبقة الثلج حتى الركبتين، ترتفعان بثقلٍ ثم تهبطان من جديد، خطوة بعد أخرى، كأن الأرض تبتلعه وتلفظه في آنٍ واحد..
3
خفّه المنزلي، الذي لم يكن معدًّا لمثل هذه المسافة ولا لهذا الجنون، انفلت منه قبل شارعين، حيث اضطر إلى ركن السيارة بعد أن استسلم الطريق المغلق لسطوة الجليد...
6
منتصف الليل كان قاسيًا؛ لا شاحنات لإزاحة الثلوج قبل الفجر، ولا أصوات بشرية سوى أنفاسه الثقيلة التي تختلط بعواء الريح..
السروال الرياضي الذي يرتديه بدا هزيلًا أمام هذا البرد المتوحش، وقد تشبّع بالماء من الركبة حتى الكاحلين، يلتصق بجلده كاعترافٍ متأخر بالخطأ...
10
كتفاه العريضتان، العاريتان تحت قميصٍ بلا أكمام، تلقّتا رذاذ الثلوج القارس بلا رحمة؛ حبيبات جليدية تضرب اللحم مباشرة، توقظ كل عصب، وتختبر صبر الجسد..
4
ومع ذلك، لم يتباطأ..كان يمضي للأمام بعنادٍ ثقيل، كما لو أن التراجع لم يُخلق له..
6
قبل الممر الداخلي المؤدي إلى باحة المنزل الواسعة، بدت خطواته أبطأ، لا من تعبٍ بل من تركيز.. القناع الأسود الصوفي العسكري الذي عثر عليه في السيارة-هدية عابرة من أرتيوم بعد وصوله-كان يحجب نصف وجهه، لا يترك سوى عينين تلمعان بحدةٍ داكنة، عينين اعتادتا العواصف من نوعٍ آخر...
4
القناع لم يدفئه بقدر ما أعاد إليه شيئًا مألوفًا؛ إحساس الانضباط، والقدرة على الاحتمال، والحدّ الفاصل بين الألم وما بعده..
2
في هذا المشهد، ومع جسده الضخم والطويل يتقدّم داخل البياض، انبعثت منه هالة خطرٍ صامتة، قوة لا تحتاج إلى إعلان.. لم يكن مجرد رجلٍ يعبر عاصفة؛ كان كتلة إرادةٍ تشق طريقها بالقوة الخالصة...
حتى استقرت خطواته أعلى الدرج الحجري، توقف لبرهة...نفض عن كتفيه حبيبات الثلج العالقة، ثم نزع القناع الصوفي عن وجهه وهزّه بعنف، فتطايرت منه ذرات بيضاء صغيرة ارتطمت بالدرابزين ثم ذابت سريعًا..
3
قبل أن يخرج المفتاح من جيبه، داهمه تردّد لم يشعر به حين أوقف السيارة قبل شارعين؛ تردّد ثقيل، لزج، يشبه القبضة التي تُمسك الصدر وتمنعه من التمدد..
هل ما زالت عائلته هنا؟..
وكيف حال جليندون الآن؟..
هل تبكي؟..
9
تسللت إلى ذهنه تلك النظرة التي ودّعته بها قبل أن يخرج مختنقًا وغاضبًا، بصره مشوش كحال العاصفة التي ابتلعته في الخارج.... كان يريد أن يعود أدراجه، أن يضمّها إليه، أن يخبرها بما سمعه حرفًا حرفًا، أن يشرح لها ما الذي كسر توازنه ودفعه إلى تلك النوبة العمياء...
9
لكنه لم يستطع.. كل ما أراده حينها أن يخرج، وحيدًا، وأن يمضي... تمامًا كما مضى مباشرة إلى المستشفى، إلى طبيبتها، حيث استمع لشرحٍ أطول وأقسى عن حالتها..
3
وكلما عاد المرض إلى ذاكرته، انقبض صدره أكثر، حتى شعر وكأن خنجرًا يُغرس ببطء ثم يُدار داخل الجرح، مرارًا وتكرارًا، بتلذذٍ قاسٍ..
5
وبما أنه يعرف زوجته... وبما أن احتمال بقاء العائلة هنا بعد ما حدث صباحًا يكاد يكون معدومًا، فقد رجّح أنها طردتهم جميعًا.. وإن كانت فعلت، فلن يلومها..
2
أدار المفتاح في القفل..
انفتح الباب..
دفعه، ووضع قدمه إلى الداخل..
سريعًا، باغتته سخونة الأرضية، تلك التي تُميّز تصميم البيوت الروسية، فصعد الدفء من قدميه الحافيتين المتجمدتين، زحفًا بطيئًا، عميقًا، كأن الجسد يتذكّر فجأة معنى الأمان...
أغلق الباب خلفه، وأسند جبهته للحظة قصيرة إلى الخشب، مغمضًا عينيه، يترك ذلك الإحساس يغمره؛ لم تكن الحرارة وحدها ما يتسلل داخله، بل شيء أقدم... شعور الانتماء، الدفء العائلي الذي افتقده لسنوات طويلة..
3
المنزل كان غارقًا في الظلام، باستثناء نور خافت ينبعث من غرفة المعيشة، وآخر أشد وضوحًا من جهة المطبخ... المطبخ الذي دمّره بيديه قبل خروجه..
تقدّم خطوة، ثم أخرى، بخفة معتادة على جسده الضخم، حتى بلغ مدخل المطبخ.. توقف هناك، دون صوت.. وفي تلك اللحظة الخاطفة، مرّت في عينيه لمعة متقلبة؛ غضب، خوف، قلق... امتزجت حتى عجز عن تسمية ما يشعر به حقًا...
المشهد أمامه جمّده في مكانه..
صواني الفرن مصطفّة، وصحون ممتلئة بأنواع لا تُحصى من الحلويات، كأنه دخل للتو إلى متجر مخبزة لا إلى مطبخ منزل...
18
قوالب متعددة الأشكال، ألوان مختلفة، كريمة، شوكولاتة، تزيينات دقيقة لا يعرف أسماءها، لكن عينه التقطت فورًا العناية المفرطة في كل تفصيلة...الرخام الأبيض الطويل كان مكتظًا، حتى الجزيرة الوسطى لم تسلم؛ امتلأت هي الأخرى بالصحون، بالأنابيب، بالأدوات الصغيرة، بعالم كامل أعيد بناؤه بعد أن حطّمه..
6
وهناك... كانت جليندون..
تقف وسط هذا البياض والحلوى، ترتدي منامة سوداء قصيرة بلا حمّالات، جلدها الشاحب يلمع تحت الضوء، وشعرها الأشقر منسدلًا على وجهها في فوضى ناعمة..
4
سماعات الأذن تغطي أذنيها، تعزلها عن العالم، وتحبسها داخل تركيزها الخاص...كانت تمسك بين يديها الرقيقتين أنبوبًا بلاستيكيًا، تزيّن به كعكة دائرية بعناية مفرطة، أنفاسها هادئة، معصماها ثابتان، وكأن كل ما في الكون قد انكمش إلى تلك الحركة الصغيرة، الدقيقة..
لم تلحظه.. أو تسمع دخوله..
6
وكان هو واقفًا هناك، يراقبها، وقد انقلب اضطرابه فجأة إلى شيء أعمق... شيء صامت، ثقيل، يشبه الوقوف على حافة اعترافٍ لا يعرف كيف يُقال..
3
وقف هناك... للحظات تمددت حتى صارت دقائق، أو ربما دهورًا صغيرة لا يعرف كيف يُقاس زمنها.. كان يراقبها بصمتٍ ثقيل؛ يراقب انسياب حركاتها الرشيقة، دقة نظراتها، ثبات معصميها، تلك الموهبة الفطرية في التزيين كأن أصابعها خُلقت لهذا فقط.. جمالها كان خانقًا... يجعل الهواء في رئتيه يضيق، ينسى كيف يُسحب النفس وكيف يُزفر، كأن الوقوف أمامها امتحان جسدي لا عقلي..
4
حتى دوّى رنين الفرن فجأة، قاطعًا ذلك السكون المشحون، معلنًا اكتمال طهي ما تبقّى داخله...عندها فقط تحركت..
3
ارتدت قفازًا مبطنًا وسحبت الصينية من الفرن، وحين استدارت... ارتجف اتزانها لجزء من الثانية... لحظة خاطفة، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية ليلاحظها..تجمّدت عيناها عليه، على جسده المتكئ بثقة قاتمة على إطار الباب..
نزعت السماعات من أذنيها ببطء، وضعتها على الرخام، ثم استدارت مجددًا دون كلمة، لتخرج صينية حلويات على شكل قلوب...
4
وضعتها في مكانها بعناية، وأدارت له ظهرها، متجاهلة وجوده تمامًا..لم تُعد السماعات، وكأنها تتحداه بالصمت..دقائق ثقيلة مرت، أدرك خلالها أنها لا تراه... أو لا تريد أن تراه..
3
تحرك أخيرًا... اقترب حتى صار خلفها مباشرة، متكئًا على الرخام.. و بصوت خافت، عميق، قال:
" آسف... "
11
لم تلتفت...تجاهلته بوضوح، ومدّت يدها لتلتقط السماعات...أدرك مقصدها فورًا، فاندفعت كفّه تمسك معصمها قبل أن ترفعها، وقال بنبرة أوضح، مشدودة:
5
" اسمعيني أرجوك، جليندون "
4
خرج اسمها من بين شفتيه همسًا دافئًا، لو لم يكن قريبًا إلى هذا الحد لما بلغ أذنها...جذبت يدها بقوة لتنفلت من قبضته، واستدارت فجأة..
نظرتها كانت حائرة، غاضبة، زرقاوين مضطربتين يعرف أنه سيغرق فيهما لو طال النظرإليهما... قالت بصوت يرتجف:
" على ماذا؟!! على تحطيمك لمطبخي؟ أم لتحطيمك حياتي بأفعالك الأنانية؟! أهممم... "
6
أغمض عينيه..الغصّة في صوتها ضربته في صدره بقسوة...ابتلع ريقه، وانحنى قليلًا لينظر إليها، وكأنه يحاول أن يبتلع معها الكلمات التي تتكدس في حلقه:
" آسف على كل شيء، جليندون... أعلم أنني مدين لكِ بتفسيرات كثيرة، لكن في هذه اللحظة... كل ما أملكه هو اعتذار. . كلمة واحدة فقط.. "
5
تقدم خطوة أخيرة مع كلماته، لكنه توقف فورًا حين رآها تتراجع خطوة إلى الخلف، حتى التصق ظهرها بالرخام...
نظرة الرفض في عينيها كانت كفيلة بأن تعيد يديه إلى جانبيه..
" لا تلك الكلمة... ولا التفسيرات التي لا تستطيع قولها أريد أن أسمعها...لا أريد منك شيئًا... سوى شيء واحد... "
5
قالتها وتوقفت.. عرف فورًا ما تقصده.. الطلاق..
شيءٌ لو خُيّر بينه وبين الموت لاختار الموت دون تردد..
5
قطع الخيط الأخير الذي يربطه بها... وهو ليس خيطًا واحدًا فقط؛ إنه حب، هوس، تملّك أعمى لهذه المرأة التي تريد اقتلاع نفسها من حياته، بينما هو مستعد لحرق كل شيء ليبقيها..
11
" اسمعيني، جليندون... أنا آسف على تحطيم مطبخك، وتحطيم حلوياتك، وأعمالك... لكن اتصالًا واحدًا أفقدني صوابي... "
رفعت حاجبيها ببرود مشوب بألم:
" اتصال؟ هذا يبرر أن تحوّل كل شيء إلى حطام؟! "
1
تنفس بعمق، كأن صدره ينهار من الداخل:
" كنت في المستشفى... طبيبتك... أعطتني تقريرك... "
1
تجمدت..
لمعة دهشة عبرت وجهها سريعًا، ثم ارتجاف خفيف تسلل إلى كتفيها..
1
" قالت لي... أنكِ مريضة سكري.. "
2
تراجع لون وجهها دفعة واحدة...خطوة إلى الخلف، ثم أخرى، حتى كادت قدماها تخونانها.. الرخام خلفها لم يعد يسندها..العالم بدا وكأنه مال فجأة..
قبل أن تسقط، كان بين لحظة وأخرى قد مدّ ذراعيه، أمسكها بقوة و جذبها إليه..
1
شدّها إلى صدره، ذراعه حول خصرها تحميها من الانهيار، وصوته خرج أجشًّا:
" لهذا فقدت السيطرة... لأنهم كانوا يتحدثون عنكِ وكأنكِ رقم، حالة، ملف.. لأنني تخيلتكِ تتألمين وحدكِ، وأنا آخر من يعلم.. "
5
رفعت رأسها بصعوبة، عيناها متسعتان، أنفاسها غير منتظمة:
" هذا... لا يعطيك الحق... "
1
قاطعها بهدوء مشبع بالقهر:
" أعلم... كنت أبحث عن ألم يشبه ما شعرت به.."
1
بقي ممسكًا بها، لم يتركها.. وهي، رغم مقاومتها، لم تدفعه بعيدًا..فقط حدّقت فيه... والدهشة لا تزال تعبر ملامحها، ممزوجة بخوفٍ بدأ يتسرّب إلى أعماقها..
أغمضت عينيها للحظة، حرمتْه فيها من الغرق في زرقةٍ أراد أن يضيع داخلها، ثم فتحتها وقد مسحت آثار الدهشة والخوف والقلق بحركة سريعة، قاسية...
1
أدهشته بقدر ما آلمته..استقامت فجأة، نزعت يديه من حولها دون كلمة، ودفعته عنها بخفةٍ تحمل قرارًا نهائيًا..تراجع خطوة، لا لأنه أراد، بل لأن ردّ فعلها فرض المسافة بينهما..
مرّت عيناها على ما صنعته هذا المساء؛ صفوف الحلويات، الكعك، الألوان، التفاصيل التي تشبهها..
وهو يراقب تلك اللمعة العابرة في عينيها، لمعة فخرٍ ممزوجة بانكسار..
التقطت صحن الكعكة التي كانت تزيّنها، واستدارت توليه ظهرها متجهة نحو الثلاجة... في تلك اللحظة، انزلقت دمعة على وجنتيها، صامتة، عنيدة، رافضة أن تمنحه لذة رؤيتها ضعيفة..
4
فتحت باب الثلاجة، دفعت الكعكة إلى الداخل بعجلة، ولم تُغلق الباب.. تجمّدت هناك... يداها تدلّيتان على جانبيها، جسدها ساكن، وكأن الزمن توقف عند هذه الوقفة..البرودة المتدفقة من الداخل لسعت بشرتها، جعلت قشعريرة خفيفة تزحف على ذراعيها، لكنها لم تتحرك..
حتى شعرت بيده تُغلق باب الثلاجة..
1
بقيت واقفة، وحين أدركت أنه لم يبتعد و لازال يقف خلفها ، رفعت رأسها ببطء.. لم يكن ينظر إليها... كان يحدّق في الصور المعلّقة على الباب الخارجي..وبالتحديد، في تلك الصورة..
صورتها في عيد الهالووين..
كانت تبتسم هناك ابتسامة مشاكسة، مرتدية فستانًا أبيض...
1
فستان زفافهما..لكنه لم يكن عاديًا؛ كان مقصوصًا بجرأة هستيرية، حوافه ممزقة، تتناثر عليه بقع حمراء قاتمة تشبه الدماء... فستان زفاف تحوّل إلى لوحة هالووين مثالية..
2
استدارت، وأسندت ظهرها على الثلاجة، شعرت براحةٍ غريبة وهي تراقب الصدمة ترتسم على وجهه..
3
كان يحاول أن يتذكر... أن يتأكد..هل هذا حقًا فستان زفافهما؟
قالت بنبرة مظلمة، مشوبة بسخرية باردة:
" هل تعلم كم كلفني شراء دماء بشرية حقيقية لتزيين فستان الهالووين؟ لتر واحد بألف دولار... واستغرقني شهرين من البحث في السوق السوداء.. "
13
اندفع نظره نحوها فورًا.. اقترب بخطوة واحدة، ثم أخرى، حتى حاصرها بين جسده والثلاجة..الآن تأكد... هذا فستان زفافهما..
ودماء حقيقية؟.. سوق سوداء؟..
محامية دولية، تعيش وحدها في أطراف موسكو الهادئة... تصل بها الجرأة إلى التعامل مع المافيا فقط لتزيين فستان زفافها في الهالووين؟..
1
هذه المرأة ستقتله يومًا ما... هذا ما خطر بباله، رغم أن تعبير وجهها أكد له أنها لا تمزح..
1
بصوت هادئ، منخفض، يعكس الفوضى التي تضرب صدره، همس:
" وماذا فعلتِ أيضًا؟ "
وضعت أصابعها على ذقنها، تصطنع التفكير، ثم قالت ببرودٍ مستفز:
" أضف أنت فكرة جهنمية أخرى يمكن فعلها بخاتم الزواج..."
2
رفعت عينيها إليه بحدةٍ جارحة.. تلك النظرة وحدها كانت كافية لتملأ قلبه حتى الحافة... ورغم عدم تصديقه لما فعلت بذكرى زواجهما، إلا أن فكرة واحدة رسخت داخله بوضوح قاتل:
إن كان هذا ما منحها راحةً في ذلك الوقت... فلا بأس..
سيعيد شراء معرضٍ كامل من فساتين الزفاف..
1
سيغرق حسابها بالأموال..
4
ثم سيضع في يدها بطاقة سوداء بلا حدود...
4
وإن أرادت دماء بشرية حقيقية لتزيين فستان الهالويين كل عام... فــ سيمنحه لها بنفسه..
2
لأنه يعرف الأن...
ولأن الهالووين... كان دائمًا عيدها المفضل..
مرّت في عينيها الزرقاوين لمحة إدراكٍ حادّة، مفاجئة، كطعنةٍ باردة في منتصف الصدر.. إدراك لوضعها الحالي...
لوقع كلمة سكري وهي ما تزال تتردد داخلها كصدى ثقيل...
لاحظ ذلك بوضوح؛ كيف انزلقت نظرتها ببطء على صفوف الحلويات التي ملأت المطبخ، على كل ما صنعته بيديها حين كانت منهكة نفسيًا، محطّمة من الداخل، ولم تجد وسيلة تنفيس سوى الشيء الوحيد الذي أحبّته بصدق..
لكنها الآن تفهم..
تفهم أن كل ما تحبّه يخذلها... دائمًا..
حياتها كانت فوضى متقنة؛ قرارات خاطئة وأخرى ظنّتها صحيحة، لكنها ارتدّت عليها بالأثر المعاكس..التعب لم يعد طارئًا، صار مزمنًا، مستقيمًا في أعصابها..وكلما أرادت الهرب، دفنت نفسها أعمق:
في السكر..في الدقيق..في قضايا مؤجلة...في ملفات لأشخاص لا يملكون ثمن محامٍ...
والآن، ولأول مرة، يتضح لها المشهد بلا ضباب.. هذا هو الوقت.. لتتوقف.. لتنسى..
1
لتعيد بناء حياتها بقرارات لا تشبه اندفاعها القديم..
رؤية بعيدة، هادئة، بلا تهوّر..
حان الوقت لتتخلّص من أعباء الماضي... لتكون أنانية قليلًا، فقط هذه المرة، ولأجل نفسها..
رفعت يديها، وضعتهما على ذراعيه اللتين تحاصرانها..لم تفعلها بعنفٍ فوري، بل ببطءٍ متعمّد، ثم أسقطتهما عنه بقوة خرقاء، كأنها تزيح حملًا ثقيلًا عن صدرها..
وبهمسٍ تعرف أنه سيلتقطه مهما حاول تجاهله، قالت:
" لتنطلق يا أورلوف... هذا هو الحل.."
6
اليأس الذي انزلق في صوتها لم يكن صراخًا، بل أكثر فتكًا..جعله يتراجع خطوة إلى الخلف، يترك لها مساحة، هواء، مجالًا لتتنفس..
قال بصوت منخفض، متماسك بصعوبة:
" هذا ليس الحل... نحتاج أن نتحدث.. نحتاج أن نصلح زواجنا.. "
2
رفعت عينيها إليه..نظرتها لم تكن غاضبة... كانت مستسلمة..نظرة تقول بوضوح جارح: أنت لا تفهمني..
ولن تفعل.. أبدًا..
قالت بصوت ثابت رغم التشققات التي تحته:
" هو لم يكن أصلًا زواجًا لنحاول إصلاحه الآن..فقط دعنا نمضي في طرق مختلفة.. أنت لن تفهمني، ولم تحاول.. لم تسعدني... كما لم تحاول طيلة هذه السنوات..نحن لم نكن يومًا مقدّرين لبعضنا البعض.. "
الكلمات، والحزن الصافي المعلّق بينها، سرقا الهواء من رئتيه...لم يكن هذا ما رآه يومًا.. ظنّ أن المساحة التي منحها كانت راحة، أن الصمت كان هدنة، أن البعد المؤقت يحمي ما بينهما..وهناك أسباب أخرى... كثيرة، خطيرة، لا يستطيع إخبارها بها الآن..
8
ربما يومًا ما، عندما يختفي الخطر، سيقول كل شيء..
لكن الآن؟...كل ما يريده هو إنقاذ زواجهما.. لأنه يريدها..
1
ويريد أن يعوّضها عن سنوات لم يختر خرابها... لكنها سقطت فوقهما دون إذنه..
1
تحركت من أمامه.. غابت للحظات قصيرة، ثم عادت..
في يديها ملف أسود..
كان يقف أمام الثلاجة، ما يزال يحدّق شاردًا في الصورة، حتى سمع صوت الملف يُوضع في المساحة الصغيرة الخالية بين الصواني..استدار..
توقفت أنفاسه..
أوراق..
يعرفها جيدًا..
أوراق طلاق جديدة..
1
بعد أن تخلّص من النسخ السابقة... لا بأس..
حتى لو مزّق هذه، فهناك عشرون نسخة أخرى تنتظر التوقيع..
انحنت، فتحت الملف، قلبت الأوراق حتى استقرّت على الصفحة الأخيرة.. رفعت عينيها، ومدّت القلم نحوه..
وقف أمامها بلا حركة.. عيناه متسمّرتان على وجهها بنظرة لم تستطع تفسيرها..
وفجأة وبسرعة لم تتوقعها..
أخذ القلم من بين أصابعها..
انحنى.. ووقّع.. دون تردّد.. دون كلمة..
25
وقّع على أوراق طلاق كانت قد أعدّتها منذ زمن..
شعرت بنغزة خفيفة في صدرها... لم تعرف إن كانت فرحًا أم حزنًا... هذا ما أرادته... إذًا عليها أن تكون سعيدة..
4
ها هي بعد سنوات أصبحت مطلّقة..
3
فكّت قيود الحزن، واليأس، والوحدة..
ابتسمت.. ولمعة دموع علقت في عينيها، شعور غريب لا اسم له؛ سعيد... ومحزن في آنٍ واحد..
زفرت أنفاسها ببطء، وشعور لذّة غامضة تسلّل داخلها... نظرة افتقدتها لسنوات ارتسمت على ملامحها..
1
شعور كان نقيض ما يعصف به هو الآن..
حزن...غضب.. مرارة..
وأسوأها... رؤيته لتلك الفرحة على وجهها بسبب طلاقهما..
ها هو ذا...يحقق مبتغاها...
حمحم، يخفي أي شائبة غير مرحّب بها في صوته، وتقدّم خطوة ناحيتها..
" هذا كل ما تردينه... الطلاق؟! ها أنتِ حصلتِ عليه.."
1
رفعت رأسها ببطء، واستقام عمودها الفقري كأنها تشدّ نفسها من الداخل كي لا تنكسر... لم ترتعش نبرتها، و لم تتردّد.. حين قالت :
" لا، هذا ليس كل ما أريد... "
توقّف على بُعد خطوات، كأن شيئًا ما اصطدم بداخله فجأة..
" وما الذي تريدينه أيضًا؟!! "
1
بنفس النبرة التي لا تتراجع ولا تخذلها في أي موقف، قالت:
" أريد عائلة حقيقية، وزوجًا يستحقني، وطفلين في أقرب وقت، وقطًا أزرق روسيًا... وشكرًا لك لأنك ساهمت في خطوات تحقيق هذا بتوقيعك على أوراق الطلاق، لأتمكّن من المضيّ قدمًا والبحث عمّا أريد.. وأنت... ماذا تريد؟!! "
28
رأت فكه يبرز من شدّة الضغط، ورأت كتفيه العريضتين ترتجفان ارتجافة خفيفة، لكنها محمّلة بكل ما لم يُقل..مرّت نظرة خطيرة في عينيه، نظرة مظلمة، قاسية، ثم تحرّك فجأة..
3
بخطوات سريعة اندفع نحوها، انتزع أوراق الطلاق من أمامها، وأخرج ولاعة.. اشتعل اللهب..
15
في تلك اللحظة فقط خرجت من صدمتها..
أمسكت يده التي تمسك بالأوراق، تشبثت بذراعه بكل قوتها..
" ماذا تفعل؟ توقّف... هل جننت؟!! "
11
رفع ذراعه عاليًا لتفشل في الوصول إلى الأوراق، فتعلّقت به أكثر، حتى كادت قدماها تفقدان تماسّهما بالأرض..
اللمعة الخطيرة لم تختفِ من عينيه.. كل كلمة قالتها كانت كافية لتشعل داخله نارًا لا تُطفأ.. تخيّلها مع رجل آخر-الفكرة وحدها كانت خنجرًا..
3
تخيّلها تحمل طفلًا ليس ابنه ؛ رعب صامت ضغط على صدره حتى ضاق تنفّسه.. أن تُنادى باسم غير اسمه... أن تكون زوجة لغيره...
كل ذلك جعل رؤيته تضطرب..
سيقتل أي رجل إقترب منها و ســيّـبـيـد أي سلالة وُضع لقبهم بجاور إسمها على أوراق الزواج .....
3
ناهيك عن عيشها مع رجل غيره بمسمى زوجها أو حبيبها...
الفكرة وحدها جعلت رؤيته ضبابية أكثر...
تحرك دون تفكير ناحيتها أقرب... رمى الولاعة و أوراق الطلاق خلفه لتتبعثر أرضا ثم رفعها من خصرها لتصدر منها شهقة مفاجئة إبتلعها عندما ضرب شفتيه بشفتيها و هو يضعها على الرخام في مكان أوراق الطلاق السابق...
34
فتح ساقيها على وسع المسموح به بسبب منامتها القصيرة و أدخل يده في شعرها و الأخرى في خصرها يقربها إليه أكثر...
9
و حرك شفتيه على شفتيها المذهولة و الغير مصدقة سرعة التي تسير بها الأمور..
إستغل وعيها البطيء في هذه اللحظة و مرر لسانه على شفتيها ثم أدخل لسانه ليقاتل لسانها في سيمفونية غاضبة...
4
و لعل لسانه كان مـأخرجها من دهشتها... حين فتحت عينيها على وسعهما لترى وجهه...
عينيه المغمضتين و هو مستغرق في تقبيلها قبلة قذرة و غاضبة....
و كيف أن يده الكبيرة تمسك برقبتها ويحركها كما يريد لتعميق القبلة...
وضعت يديها الصغيرة مقارنة بأكتافه و دفعته لكن دون جدوى لذا عضت شفته بقوة حتى ذاقت مذاق الرصاص في القبلة..
لكن هذا لم يردعه بل جعله يصدر زمجرة و أنين مستمتع ثم إستعمل يده التي على خصرها و ضغطها أكثر حتى إلتصق صدره بـصدرها و أصبحت تجلس على حافة الرخام...
1
دفعت و لم يتحرك لذا رفعت يديها لوجهه و بدل من صفعه مررت أظافرها الحمراء الناقية على وجنته بحدة حتى شعرت بجلده تحت أظافرها..
6
حينها فقط أنهى القبلة بصوت فرقعة قذرة و بابتسامة راضية على وجهه أرجع رأسه للخلف ليرى مظهرها...
6
شفتيها التي إرتشفى و إرتوى منهما كانا حمراء اللون من قبلته و شعرها الأشقر مبعثر على وجهها، و تلك النظرة الغاضبة في عينيها، حين أمسك بيديها بيد واحد لـيقيدهم في قبضة خلف ظهرها...
3
و بالأخرى أزاح خصلاتها المتشابكة عن عينيها و هو يشعر بحرق ما خلفته أظافرها على طول وجنته و ملمس لازج لدمائه الطازجة و هي تنبع من الجروح هناك ...
1
" أيها العاهر... كيف تجرأت على تقبيلي؟! "
3
أجابها بصوت منخفض، مظلم، ثابت بشكل مخيف:
" عندما وقّعتُ على أوراق الطلاق... لم يكن قصدي قطع صلة كل شيء بيننا..كان قصدي بداية جديدة لنا و لعلاقتنا.. أنتِ امرأتي... كما كنتِ، وكما ستبقين... "
6
ضحكت ضحكة قصيرة، خاوية و عنيدة و هي تحاول أن تفك يديها من قبضته..
" في أحلامك.."
حاولت الابتعاد، لكنه لم يقترب هذه المرة..
انحنى قليلًا، يحوم فوقها، وصوته صار همسًا حارقًا ضرب أذنيها بثقله:
" سألتِني ماذا أريد... "
رفع عينيه إليها، نظرة ثقيلة، مشبعة بالرغبة و شيء آخر لم تستطيع وصفه :
" صدقيني كل ما أريده الأن، هو أن أمرر يدي على طول هذا الرخام ، لأزيح كل هذه الصواني أرضا..ثم أمددك على سطحه البارد و أخذك عليه برغبة و حسية ستجعلك تتراجعين عن ما تفوهت به قبل قليل...و سأمنحك الطفل الأول في أقرب وقت كما أردتِ.."
42
. . . . .
- Flash back -
3
جامعة لومونوسوف الحكومية في موسكو، واحدة من أقدم وأعرق الصروح العلمية في روسيا..
اسمها وحده كان كافيًا ليحمل وزن التاريخ وهيبة المعرفة، أما كلياتها-وخاصة القانون-فكانت أشبه ببوابةٍ لا يدخلها إلا من يملك القدرة على الصمود..
القانون الدولي العام لم يكن تخصّصًا عاديًا؛ كان ساحة صراعٍ فكري، إعدادًا لمحامين سيقفون يومًا ما أمام نزاعات دول..
3
في قاعة المسرح الكبرى، حيث تُعرض البرامج الحاسمة والمشاريع المصيرية، كانت المقاعد ممتلئة عن آخرها..
طلاب تجاوزوا الدورة الأولى بنجاح، وها هم يجلسون الآن بملامح متوترة، بعضهم متحمّس، وبعضهم يخفي قلقه بابتسامات مصطنعة..
هذه ليست محاضرة عادية... هذه لحظة فاصلة..
في المقعد العاشر من الصف الثاني جلست جليندون..للمرة الأولى، ترتدي ملابس رسمية حقيقية..
1
ليس لأن ذوقها سيئ-بل لأنها لم تعتد أن تُظهر هذا الجانب منها.. بذلة نسائية سوداء أنيقة، مصمّمة بعناية، تُبرز وقارًا لا تعرف متى اكتسبته..
تنهّدت في سرّها وهي تتذكّر صباح اليوم...والدتها كانت على وشك "تخليد اللحظة" بالصورة تلو الأخرى، ووالدها... محاضرة كاملة عن المسؤولية، السمعة، واسم العائلة..
1
كأن هذه البذلة لم تكن مجرد ملابس، بل إعلان دخول مرحلة جديدة..
توقّفت عن متابعة حديث ألبا-التي كانت تجلس بجانبها وتتبادل همسات وضحكات خافتة مع زملاء من الجهة الأخرى-حين دوّى صوت العمدة عبر مكبّرات الصوت...
ساد الصمت..
"أهلاً وسهلاً بجميع الحضور..."
كان صوته ثابتًا، رسميًا، يحمل نبرة رجل اعتاد مخاطبة الحشود..
"اليوم لا نحتفل فقط بتجاوزكم المرحلة الأولى من دراستكم،
بل نُعلن انتقالكم من مقاعد التعلّم إلى ساحات التطبيق.."
تبادل الطلاب النظرات..
"طلاب القانون الدولي العام، أنتم لا تتعلّمون القوانين فقط، أنتم تُعدّون لتكونوا محامين دوليين،
ممثلين للعدالة في أكثر البيئات تعقيدًا وحساسية.."
توقّف قليلًا، كأنه يمنح كلماته وزنًا...
"وبناءً على ذلك، وبالتعاون مع المؤسسات العسكرية، سيبدأ تدريبكم العملي ابتداءً من الغد.."
همهمة خافتة سرت في القاعة..
"كل طالب اجتاز الدورة الأولى بنجاح، سيخضع لتدريب ميداني ضمن وحدات عسكرية مخصّصة،
لاختبار قدرتكم على العمل تحت الضغط، فهم القانون في ظروف استثنائية، واتخاذ القرار حين لا يكون الخطأ خيارًا.."
3
ثم ختم:
"سيُنادَى على أسمائكم تباعًا..
كل من يسمع اسمه، يتقدّم لاستلام بطاقته.."
البطاقة...
لم تكن مجرد بطاقة.. كانت ظرفًا أبيض يحمل مصير الأشهر القادمة:
اسم الوحدة، موقع الثكنة العسكرية، المدينة..
نصف ساعة كاملة من الأسماء، الخطوات المتوترة، الأظرف البيضاء، والأنفاس المحبوسة..
حين انتهى كل شيء، خرجت جليندون من القاعة ووقفت في ساحة الجامعة، بين الأعمدة الحجرية والممرات الواسعة، تنتظر ألبا..
كانت تمسك ظرفها الأبيض، تضرب الأرض بكعبها العالي بلا وعي، مزيج من الحماس والتوتر يفيض منها..
خرجت ألبا أخيرًا...
لكن ملامحها لم تكن مطمئنة..
وجه شاحب، كتفان منخفضتان، والظرف الأبيض بين يديها كأنه عبء..
اقتربت جليندون فورًا..
"ما الأمر يا ألبا؟ لماذا تبدين محبطة؟
في أي منطقة مقر الثكنة العسكرية؟"
ألبا زفرت ببطء، ثم قالت بصوت خافت:
"الوحدة العسكرية 716..."
2
توقّفت، ثم أضافت بأسى:
"كنت متفائلة أن أقع في وحدة أخي...
كنت أريد الوحدة 700..."
شهقت جليندون، وضعت يدها على فمها دون تفكير..
"يا إلهي... يا ألبا، يا لها من صدفة..."
توقّفت فجأة..
نظرت إلى ظرفها...
ثم قالت بذهول:
"وقعتُ في الوحدة 700..."
لم تنتظر ألبا ثانية واحدة..
قفزت نحوها بعينين واسعتين، أمسكت يديها بقوة...
"جليندون! هل هذا حقيقي؟!
هذه ليست مصادفة... هذه فرصة!"
ثم، بصوت متوسّل:
"هل يمكننا... تبادل الوحدات؟"
تراجعت جليندون خطوة، مصدومة..
"هل جننتِ؟!
نحن نتحدث عن ثكنات الجيش،
ليس عن مقاعد في صف محاضرات!"
لكن ألبا لم تترك يديها...نظرت إليها بنظرة قطة تعرف كيف يحصل على ما تريد..
"أرجوك، جليندون...
الوحدة 716 ستغادر غدًا،
أما الوحدة التي تضم أخي فالمغادرة الليلة..
إذا تبادلنا... سيكون لديك وقت لرؤية جريس، أليس كذلك؟"
تجمّدت جليندون.. جريس.. الاسم وحده كان كافيًا..
لمع الأمل في عينيها للحظة،فكرة صغيرة نبتت فجأة... ثم تمدّدت..
2
كانت قد وعدتها..
ثلاثة أشهر غياب حتى عيد الشكر، إجازة أسبوع،ثم ثلاثة أشهر أخرى.. وهي لم تعتد هذا البُعد..
رفعت رأسها ببطء، التردّد واضح على وجهها..
"ألن يسبّب هذا مشكلة؟"
ابتسمت ألبا، ابتسامة واثقة كأنها أنهت الأمر..
"حاليًا؟ لا...وفريديريك سيتولّى مسألة الأوراق."
صمت قصير..
ثم قالت جليندون، باستسلام هادئ:
3
"حسنًا.."
قفزت ألبا بفرح، عانقتها بقوة،بينما جليندون...
لم تكن متأكدة إن كانت قد اتخذت قرارًا صغيرًا
أم خطت أول خطوة نحو شيء سيغيّر حياتها بالكامل..
2
-The End of flashback-
. . . .
توقّفت سيارة الدكتور لورينزو أمام بناية أولغا، والثلج ما زال ينسدل بهدوءٍ خادع فوق الأرصفة، كأن العاصفة قررت أن تخفي أنيابها في اللحظة الأخيرة..
2
كانت تجلس إلى جانبه في المقعد الأمامي، كتفاها مشدودان رغم دفء السيارة، وقلبها مثقل بشيء لم تجد له اسمًا بعد..
بعد إلحاحٍ طويل منه، ورغبةٍ صامتة منها في ألا تضعه في موقفٍ محرج-خصوصًا بعدما أصبح واضحًا للجميع في المستشفى أنه الطبيب المعجب بها-وافقت على العشاء..
ثم وافقت، بتردّدٍ أكبر، أن يوصلها إلى المنزل..
العاصفة كانت حجته، والمنطق كان إلى جانبه، فانتظرا حتى هدأ الطقس قليلًا قبل أن ينطلقا..
بإنصافٍ لا مفرّ منه... لم يكن العشاء سيئًا..
تحدثا عن هواياتٍ مشتركة، عن سنوات الجامعة التي بدت الآن بعيدة وخفيفة، عن أيام التدريب الأولى، وعن أسوأ المواقف مع المرضى، تلك التي لا تُنسى مهما مرّ الزمن..
ضحكت مرة، وربما مرتين..
والجو، لوهلة، بدا طبيعيًا... أكثر مما توقعت..
لكن داخلها، لم تكن هناك طبيعية..
ظلّ شبح اليوم يلاحقها..
ظهور والد صوفيا، ملامحه الباردة، ثقته التي لا تخطئها العين..
إيكاترينا... مكسورة، يائسة، مفجوعة..
2
كان واضحًا-بحسب ما قالته لها-أنه عازم على أخذ ابنته، وأن نفوذه في هذه المرحلة يجعل المقاومة أقرب إلى الوهم..
أرادت أولغا أن تبقى معها، أن لا تتركها وحدها، لكن إيكاترينا أصرت... أرادت العزلة، أرادت أن تنهار بعيدًا عن العيون..
خرج من أفكارها فجأة إحساسٌ غير متوقّع.. ملمس يدٍ على يدها..
ارتجفت بوضوح، كأن جسدها سبق عقلها في الفهم.. سحبت يدها بسرعة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة..
" شكرًا لك، دكتور لورينزو... قضينا وقتًا ممتعًا.. ليلة سعيدة.."
كان صوتها مهذّبًا أكثر مما ينبغي، ومرتجفًا أكثر مما أرادت...استدارت لتفتح الباب، لكن صوت النقرة الحادّة سبقها... الباب أُغلق..
تجمّدت..
التفتت ببطء، والترقّب يمتزج بخوفٍ ثقيل استقر في معدتها...نظرت إليه... ورأت تلك النظرة..
كان جميل الملامح، لا يمكن إنكار ذلك...لكن الابتسامة التي بدأت تتشكّل على شفتيه ببطء، حوّلته في نظرها إلى شيء آخر... شيء قبيح، مفترس، جعل أحشاءها تنقبض..
7
همّت بالكلام، لكنّه سبقها...محا تلك النظرة فجأة، وكأنها لم تكن، واستبدلها بابتسامة أخرى، لطيفة، مصقولة، متناقضة حدّ الرعب..
"أوه، أولغا... ناديني باسمي الأول، لا بأس.. "
ثم أضاف بنبرة خفيفة:
"تصبحين على خير..وآسف... أغلقت الباب بالخطأ.. "
فُتح الباب.. لم تجادله..لم تنظر خلفها..
نزلت من السيارة بخطوات سريعة، وقلبها يدقّ بعنفٍ لا يتناسب مع الموقف الظاهر.. شيءٌ ما فيه... لم يكن ثابتًا..
بعيدًا عن المنطق...دقّ ناقوس الخطر في داخلها بإلحاحٍ لم تختبره من قبل.. لقد أرعبها..
وكونها امرأة عزباء، تعيش وحدها في حيٍّ ليس الأكثر أمانًا، في بناية بلا حارس بوابة... جعل الخوف أثقل، أعمق، وأكثر واقعية..
دخلت البناية بسرعة، أغلقت الباب السفلي خلفها، ولم تتنفس بارتياح إلا حين أغلقت باب شقتها أخيرًا...
ومع ذلك... ظلّ الإحساس يلاحقها...كأن تلك النظرة ما زالت تحفر في ظهرها..
وضعت حقيبتها على الأريكة، خلعت معطفها، وجلست بجانبهما، تجذب البطانية الصوفية وتلفّها حول كتفيها..
الإرهاق كان يسحبها إلى الأسفل ببطء.. كان يومًا طويلًا.. وردية شاقة بسبب العاصفة الثلجية، جرحى كُثُر، توتر مستمر..
جلسة مع المعالج النفسي... بدأت تشعر بأن شيئًا ما يتحسن، ولو قليلًا..
ثم موعد السمسار.. للمنزل..
المنزل الذي رسمته مع حبيبها ذات يوم... للمستقبل.. بيعه كان أول خطوة حقيقية نحو التخلّي..نحو المضيّ قدمًا..
3
نحو التبرّع بقيمته على روحه، كأنها تودّعه أخيرًا..
رأي إيكاترينا كان واضحًا:
أعطي لورينزو فرصة...لكن بعد هذه الليلة...
ستعيد النظر في ذلك..
شغّلت التلفاز، واختارت المسلسل الذي أصبحت مهووسة به مؤخرًا..
تمدّدت على الأريكة، البطانية تغطيها، وصوت الحلقات يملأ الشقة..بعد ساعة... كانت نائمة..
نومٌ عميق، ثقيل، لا يقطعه شيء سوى صوت التلفاز..
إلى أن...صوتٌ خافت.. دقيق.. مدروس..
صوت القفل وهو يدور...فُتح الباب بصريرٍ بالكاد يُسمع...ودخل ظلٌّ أسود..
17
تحرّك بخطوات محسوبة، كأن قدميه لا تلامسان الأرض..
تقدّم حتى غطّى جسده ضوء التلفاز، ثم جلس قرفصاء أمام الأريكة، بمحاذاة رأس أولغا..
أزاح خصلة من شعرها الأشقر، يتأمّل ملامحها النائمة بتركيزٍ بارد..
ثم رفع البطانية قليلًا، ليغطي كتفيها المكشوفتين..
3
اهتزّ هاتفٌ صامت في جيب بنطاله الأسود..أخرجه، فتح الشاشة..
ظهرت صورة حيّة عبر الكاميرا.. رجل نائم بسلام....وجه مألوف...
وفوقه... خنجر طويل حاد يمرّ ببطء في الهواء..
4
وجه الدكتور لورينزو..
4
تحدّث صوتٍ منخفض عبر السماعة الصغيرة في أذنه، واثقًا من أن نومها لن يخونه..
"هل أتخلّص منه؟يا فور ف زاكُوني.. " (لقب رئيس المافيا.)
13
جاءه الرد بعد ثوانٍ، أكثر هدوءًا من اللازم:
"لا... ليس الآن.. "
1
توقّف قليلًا، ثم أضاف:
"دع له رسالة فقط.. "
"حسنًا.. "
انقطع الاتصال..
انحنى، طبع قبلة خفيفة على جبينها، تحمل دفئًا وعاطفة... و وعدًا غامضًا..
1
التقط عدة صور لوجهها النائم، ثم نهض..
18
في ضوء التلفاز، ظهر حجمه كاملًا..
طوله، ضخامة جسده، البذلة القتالية السوداء، وقناع الوجه الذي أخفى ملامحه تمامًا..
1
مدّ يده، أطفأ التلفاز..
وغادر...كما دخل.. بلا صوت...
وفي الشقة، عاد الصمت...لكنه لم يعد صامتًا كما كان...
4
. . . .
🎬🎬🎬🎬🎬
أهلا وسهلا اعزائيييي 🤗.
1
كيف حالكم....
كيف كان الفصل؟! ✨
9
هذا الفصل كانو فيه مفاجأت كثيرة 😂❤🔥.
6
في هذا الفصل نستطيع القول أن الطلاق تم، لكن فقط من وجهة نظر جليندون 🌷🌷.
6
أورلوف لا يراها سوى البداية ✨.
3
فلاش باك ما هو إلا تمهيد لمشاهد تَعرف جليندون و أورلوف على بعض في الماضي.
7
و بهذا نعلم أن جليندون تغير وحدتها و تقع في ثكنة أورلوف ... و التدريب لمدة 6 أشهر 🔥.
8
فترة ستكون كافية لأحداث ما قبل الحاضر 🫀.
..
أولغا؟!!
3
و مين تتوقعوا صاحب الظل؟!!