رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل الثاني عشر 12 بقلم هاجر سلامة
بارت 12
عاد بدر إلى القصر منتصراً، وفي صدره فيضان من الشوق لزهرة.
توجه مباشرة إلى جناحها، ففتح الباب بهدوء ليجدها واقفة وراء الشرفة، وقد علمت بما دار في المجلس من خلال الغفير جابر الذي نقل الأحداث للحاجة آمنة.
كانت دموع الفخر والامتنان تلمع في عينيها الكحيلتين؛ فلأول مرة تجد رجلاً يقف كالجبل ليحمي اسمها وشرفها أمام والدها وأمام الصعيد بأكمله، ويمحو عنها وصمة العار التي حاول أبوها إلصاقها بها.
اقترب بدر منها بخطوات هادئة، ونظر إلى وجهها الملائكي الذي تخلص أخيراً من قناع البرود، وبدت ملامحها رقيقة ومستسلمة لسلطان حبه.
بدر قرب منها ورفع يده وبمسح دموعها بـ حنان وصوت واطي دافي:
"لساتك بتعيطي يا زهرة قلبي؟ أنا وطيت راس اللي حاول يِوطي راسك جِدام الأكابر كلهم. عيلتك رِخصت بيكي، بس أنتي عندي غالية وعِزك من عِزي."
زهرة بصت في عيونه بـ نظرة كلها عشق حقيقي، ولأول مرة مِتبعدش عنه ولا تسحب يدها. قالت بصوت يِرتعش من العاطفة والدلال:
"أنا خَبَرت باللي جولته في المجلس يا بدر.. وعرفت إنك صُنتني ورفعت مقامي جِدام الناس كلها. الجرح اللي في قلبي طاب الليلة دي يا واد الهواري."
بدر عيونه لمعت بـ فرحة هزت كيانه، وقال بـ لهفة وشوق ملوش آخر:
"يعني عاد.. باب الأوضة دي هيتقفل وباب الأخوة ده هيتنسي واصل؟ وتبقي مرتي وحبيبتي صوح جِدام ربنا وجِدام نفسي؟"
زهرة ابتسمت بـ رقة ودلال خطف عقله، ونزلت راسها بـ كسوف وقالت بصوت واطي:
"السرايا كلها ملكك يا بدر بيه.. وأنا مرتك وحبيبتك من الليلة دي، ومابقاش ليه عازة العناد خلاص."
بدر مِصَدقش نفسه من الفرحة، ومسك يدها وقبّلها بـ شوق نسي فيه كل سنين الوجع والثأر، وقفل باب الجناح لتبدأ ليلتهم الحقيقية الأولى بعيداً عن كابوس الماضي.
طويت صفحة العناد، وفتحت زهرة قلبها لـ بدر الذي غمرها بحب ودلال أنساها كل مرارة عشتها في البداية.
ساد سكون الليل أرجاء قصر الهواري، سكونٌ لم يدم طويلاً قبل أن يتحول إلى كابوس مرعب. تسللت جليلة كالأ.فعى من الأبواب الخلفية التي تحفظ تفاصيلها، صعدت الدرج وعيناها تلمعان بشر مستطير والغل ينهش صدرها.
فتحت باب الجناح المشترك بنعومة، ورأت زهرة مستسلمة للنوم بجوار بدر. لم تتردد ثانية واحدة؛ رفعت يدها بالخـنجر الحامي ووجهت طعـنة غادرة نحو صدر زهرة!
استيقظت زهرة فجأة على لمعة النصل، وصرخت برعب هز جدران الغرفة: "بدرررر!" لكن النصل كان أسرع، وأصاب جانب صدرها لتسيل دما..ؤها الزكية على الفراش الأبيض.
بدر صحى على صرختها وعيونه اتسعت بصدمة لما شاف زهرة بتنزف وجليلة واقفة فوق راسها والخـنجر في يدها وعايزة تطـعنها تاني! بدر في جزء من الثانية، زق جليلة بكل قوته وعنفوان رجولته رمادها لآخر الأوضة، والخـنجر وقع من يدها.
بدر مِشيش ورا جليلة ولا لمسها بضرب، كان عقله وروحه كلهم مع زهرة اللي غابت عن الوعي ونفسها بدأ يِقِل. صرخ بصوت زلزل السرايا كلها ونزل السلم وهو شايلها بين إيديه:
"زهرة!! فُوقي عاد يا قلب بدر! جابرر.. يا جابر! جهز العربية الليلة دي جبل بكرة! مرتي بتموت في يدي يا ناس!"
ـ
الحاجة آمنة طلعت تجري من أوضتها وهي بتلطم على وشها وشافت جليلة واقفة مرعوبة والدم على الأرض:
"يا مري يا فضيحتنا! جليلة؟! جتلتي البت يا فا.جرة؟! يا رجالة السرايا اِمسكوا البت دي واِقفلوا عليها الدوار لحد ما الحكومة تيجى!"
بدر مَركزش مع حد، أخد زهرة في حِضنه وركب العربية وطار بيها على مشفى المركز وعيونه مليانة دموع وخوف حقيقي إنه يخسرها بعد ما داق طعم العشق معاها.
وصل بدر إلى مستشفى المركز، ودخل كالإعصار وهو يحمل زهرة بين يديه ويصرخ في الأطباء لإنقاذها. نُقلت زهرة فوراً إلى غرفة العمليات لوقف النزيف، بينما وقف بدر في الممر، يداه ملطختان بدما.ئها، وقلبه يعتصر ألماً وندماً، يتضرع إلى الله ألا تحرمه الأقدار من نبض حياته.
في هذه الأثناء، تحولت بلدتهما إلى ساحة من الفضيحة لعائلة الحاج عتمان؛ فقد وصلت سيارات الشرطة إلى قصر الهواري، واقتيدت جليلة مكلبة بالحديد أمام عيون أهل البلدة الذين تجمهروا مستنكرين فعلتها الدنيئة بالهجوم على امرأة نائمة في فراشها.
بعد ساعات واعرة وطويلة، الدكتور خرج من غرفة العمليات وهو بيمسح جبينه، بدر جِري عليه ومسكه من صِدره بلهفة وخوف:
"طِمني يا دكتور.. زهرة مرتي جرالها إيه؟ جُول فِديتك!"
الدكتور ابتسم وهداه وقال:
"الحمد لله يا بدر بيه.. الطعنة كانت سطجية ومجتش ناحية القلب واصل، وقفنا النز.يف وخيطنا الجرح وهي دلوك بقت زينة ونقلناها أوضة عادية، الصبر من عندك يا رب."
بدر ركع في الأرض وحمد ربنا من كل قلبه، ودخل الأوضة لقاها بدأت تفتح عيونها بتعب وشفايفها شاحبة. قرب منها وباس يدها بدموع وعشق:
"حمد الله على سلامتك يا زهرة قلبي.. روحي ردت فيا لما شفت عيونك بتفتح تاني."
زهرة ابتسمت بتعب وبصوت واطي ودلال قالت:
"الله يسلمك يا غالي.. جليلة فين عاد؟"
بدر ملامحه اتقلبت جد وقسوة وقال:
"جليلة دلوك في السجن، والحكومة خَدتها بالخـنجر وشهادة الغفر، وفضيحتها بقت على كل لسان في المراكز كلها وأبوها وطى راسه في الأرض ومش جادر يِطلع برا داره. المرة دي القانون هياخد مجراه وهي نالت جزاها ومطرحها السجن المؤبد!"
مكثت زهرة في المستشفى أياماً وبدر لا يفارق عينيها، يطعمها بيده ويحيطها برعاية ملوكية أنستها وجع الجسد. وبعد أن تماثلت للشفاء تماماً، عادا معاً إلى سرايا الهواري التي زُينت بالأنوار استبشاراً بسلامة سيدة الدار، وطويت صفحة جليلة إلى الأبد بصدور حكم مشدد عليها بالسجن. استمرت شهور العسل والوفاق التام، وبات بدر يعوض زهرة عن كل ما عانته في الماضي بـ سيل جارف من الحب والأمان.