رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل الثالث عشر 13 بقلم هاجر سلامة
مرت الأيام والشهور على قصر الهواري كأنها نسمات ربيعية دافئة. تماثلت زهرة للشفاء تماماً، وأصبحت السرايا تعيش في أبهى عهودها من الفرح والود.
لم يعد بدر ذلك الرجل القاسي، بل أضحى عاشقاً تذوب كبرياؤه عند عتبة عيني زوجته.
كان يراقبها وهي تتحرك بعباءاتها الحريرية الفاخرة كطيف ساحر يملأ الدار بهجة وأماناً. لم يعد هناك مكان للماضي أو للدم، بل غلف الحاضر عشقٌ جارف يخطف الأنفاس.
في ليلة مقمرة، هبت فيها نسمات الصعيد العليلة، كانت زهرة تقف في شرفة جناحهما، تمشط شعرها الأسود الطويل الذي ينساب كالشلال على ظهرها.
بدر دخل الأوضة بخطوات هادية، وبص عليها وهي واقفة تحت ضوء القمر كيف الملاك. قرب منها من وراها ولف دراعه حوالين خصرها بتملك وحنان، ودفن وشه في شعرها وهو بيستنشق ريحتها اللي بتدوخه وقال بصوت دايب عشق:
"لساتك واقفة في الهوا الواعر ده يا زهرة قلبي؟ أنا بغير من نسمة الصبح لو لمست وشك عاد."
زهرة لفت في حِضنه، وحطت إيديها الناعمة على صِدره، وبصت في عيونه بدلال ورقّة وقالت:
"كنت مستنياك يا غالي.. السرايا من غير طَلِتك بتِبجى ضلمة في عيوني."
بدر ابتسم، ونظراته راحت لشفايفها الوردية اللي طيرت عقله. قرب منها ببطء وحنان ملوش مثيل، وطبع قبلة دافية وطويلة على شفايفها، قبلة بتمحي كل الوجع والمرار اللي عاشوه في الأول، وتأكد له إنها بقت حلاله وملكه وروحه.
زهرة غمرت عيونها واستسلمت لسلطان حبه، ولما بعد عنها بالراحة، سحبها من يدها وقعدها على السرير، وباس جبينها وقال ونبرة صوته مرتعشة من الشوق:
"أنا بحبك يا زهرة.. بحبك لدرجة إني مِش قادر أتخيل دنيتي جِبل ما تيجى وتنوريها."
زهرة وشها احمر جداً من الكسوف وقالت وهي بتستخبى في صِدره:
"وأنا عِشقتك من صُغري يا واد الهواري.. وربنا يديمك سندي وظهري."
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت زهرة تجلس مع الحاجة آمنة في بهو القصر، أخبرها الغفير جابر أن هناك امرأة تقف عند البوابة الخارجية وتبكي بحرقة وتطلب مقابلتها. خرجت زهرة مسرعة لتجد شقيقتها الكبرى "ثريا" واقفة بملابس شاحبة ودموعها تملأ وجهها. لم تتردد زهرة لثانية واحدة؛ نسيت مقاطعة أهلها لها، وجرت نحو شقيقتها واحتضنتها بقوة وشوق أذاب كل الخلافات.
دخلت ثريا السرايا وجلست ترتعش، وبدأت تبث شكواها لزهرة بعد أن أصبحت زهرة صاحبة الهيبة والكلمة المسموعة في الصعيد كله.
ثريا قعدت وهي بتبكي وبتمسك يد زهرة وتقول بنبرة رجاء:
"الحقيني يا خيتي.. ماليش صالح غيرك بعد ربنا. منصور ابن عمي اتقدم لأبويا للمرة العاشرة بعد ما فضيحة جليلة خلت أبويا كاسر راسه في الأرض، بس أبويا عِندُه واعر ورافض يِجوزنا، وِحالِف يِجوزني لـ راجل غريب من برا المركز عشان يِجيد النار بينه وبين منصور! منصور هيموت من الزعل يا زهرة، وأنا ماليش ضهر غيرك دلوك، جولي لـ جوزك بدر بيه يِتدخل.. كلمته مسموعة وأبويا بِيخاف من هيبته!"
الحاجة آمنة كانت قاعدة وبصت لزهرة عشان تشوف هتعمل إيه بعد ما عيلتها رِخصت بيها زمان.
زهرة طبطبت على أختها بكل كرم وأصل وقالت بصوت قوي وراسي:
"اِمسحي دموعك يا ثريا.. أنتي خيتي الكبيرة، والدم مِش بِيِجلب مية واصل. أنا مِش ناسية إنك كنتي حنينة عليا. من الليلة دي موضوعك منتهي.. بدر مِش هيرفضلي طلب، وإحنا اللي هنِجوزك لـ منصور وهنِعملكم فِرح يِتحدث عنه الصعيد كله، وغصب عن أي حد!"
في اللحظة دي دخل بدر وعيونه جت على ثريا، وبص لزهرة اللي قربت منه وبصت في عيونه بـ نظرة رجاء ودلال وقالت له:
"بدر يا غالي.. خيتي ثريا واجعة في ضيقة، وطالبة من الهواري الأمان والتدخل عشان تِتجوز منصور ولد عمها. جُلت إيه يا سيد الرجالة؟"
بدر بَص لزهرة وشاف طيبة قلبها وأصلها العريق اللي مِش بيِشيل زعل، وابتسم وقال وهو بيمسك يد زهرة ويبوسها جِدام أختها:
"طلبك أوامر يا زهرة قلبي.. لو عِايزة الدينا كلها تحت رجليكي ورجل خيتك هجيبها. الصبح هِكون في دار أبوكي ومعايا كبار المركز، وهِخليه يِوافق ورجله فوق رجبته، وهِتكوني أنتي يا زهرة اللي بتِكتبي كتاب خيتك بيدك في قصر الهواري!"
ثريا بكت من الفرحة وفضلت تدعي ليهم، وحست بـ قيمة وأصل أختها الصغيرة اللي بقت ملكة الصعيد.
طوت زهرة صفحة الخلاف مع شقيقتها، وأثبتت لـ بدر وللحاجة آمنة أن كبرياءها نابع من أصل طيب لا يعرف الحقد. عاد الأمان ليسكن السرايا بشكل كامل بعد التدخل الحاسم لبدر الذي أجبر الحاج عبد الرحيم على الموافقة. ومع اقتراب موعد زفاف ثريا ومنصور، كانت هناك مفاجأة كبرى بانتظار بدر، مفاجأة ستغير مجرى حياتهما تماماً في الحلقة القادمة.