رواية نسخة من روحي الفصل الثاني عشر 12 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( الجزء الثاني عشر)
" أدهم "
العيش قرب قلبٍ خائف يعني تبرير خطواتك يصبح عادة .. ولم أكن أعلم أن الغيرة يمكن أن تتحول إلى وظيفةٍ بدوامٍ كامل .. وعدٌ واحد قطعته لها كان كفيلاً بأن يضعني تحت رقابة دائمة .. منذ ذلك اليوم على الدرج تغيّر شيء ما في حلا أو ربما انكشف فقط .. صارت تراقبني دون أن تعترف بأنها تفعل ذلك .. تسألني بأسئلةٍ عشوائية تبدأ بـ “من كان ذلك؟” وتنتهي بـ “لماذا ابتسمت؟”.
تدّعي اللامبالاة ثم تُعلن الحرب .. لم أكن أتحدث إلى أحد أساساً ومع ذلك أصبحتُ مطالباً بتقديم تقارير غير رسمية عن تحركاتي اليومية “من اتصل؟ “لماذا تأخرت خمس دقائق؟ “ما اسم الدكتور الذي تدرس عنده؟ وهل هو رجل فعلاً؟ ”وفي كل مرة أجيبها بهدوء تومئ برأسها وكأنها اقتنعت ولكنني أعلم أنها لا تقتنع .. حلا لا تغار بصوتٍ عالٍ دائماً .. أحيانًا تغار بصمتٍ مخيف .. تنشغل فجأة بتنظيف شيءٍ نظيف أصلاً وتفتح كتابها مقلوباً .. تضع الملح في الشاي بدل السكر وحين أسألها:
– هل أنتِ بخير؟
تجيب فوراً:
– ممتازة ..أنا بأفضل حال
ثم تضرب الملعقة بقاع الكوب وكأنها تعاقبه.
المشكلة أنني لا أستطيع أن أغضب .. كل مرة تنفعل فيها أرى خلف غضبها خوفاً صغيراً .. خوفاً من أن أختفي .. وكلما حاولتُ طمأنتها ازداد تعلّقها بكلماتي .. أحياناً أفكر أنني خلقتُ هذا الوحش الصغير بيدي حين وعدتها ألّا أتركها .. ولم أكن أكذب .. لكنني لم أتوقع أن يتحول الوعد إلى حراسةٍ مشددة .. ومع ذلك في كل مرة تشتعل عيناها بسبب فتاةٍ تراها مرّت بجانبي صدفةً .. أجدني أبتسم لأنني أعرف شيئاً واحداً فقط .. حلا لا تغار إلا حين تخاف أن تخسر .. وأنا لم أعد متأكداً إن كان يزعجني أنها تخاف خسارتي .. أم أنني أخاف أنا أيضاً خسارتها .. أخاف أن تعود ذاكرتها فجأة وتعلم أنني أكذب عليها .. أنا لست شقيقها ولا أرغب بأن أكون كذلك دائماً .. أحتاج أن تعود ذاكرتها لها لكي أخبرها أنني أحبها حقاً وأحب خوفها ذاك وتمسّكها المميت بي .. واحب غيرتها المفرطة والمضحكة عندما تشعر بنفس فتاةٍ حولي .. ولكنها ستُصاب بالخيبة لا محالة حين تعلم أنني كذبت عليها ..
في ذلك اليوم .. كنت خارجاً من القاعة بعد انتهائي من دوام جامعتي باكراً جداً حين رن هاتفي النقال .. كانت أختي .. ليست حلا بل أختي الحقيقية .. تخبرني أن شقيقتي الكبرى قد أتت لزيارتنا ؛فهي تعيش في محافظةٍ أخرى ولا تزورنا كثيراً .. أخبرتها أنني سآتي لرؤيتها وأقفلت الخط وعدت لأرن على حلا .. انتظرت لحظات قبل أن ترد :
- نعم أدهم
- كيف حالكِ
- بخير
- ماذا تفعلين ؟
- بما أن اليوم ليس لدي حصص ففضلت أن أطهو الطعام
- جيد .. حلا اسمعي أنا سأتأخر بالعودة .. سأغيب لبعض الوقت وقد أعود في المساء
- ولكن لماذا ؟ أين ستذهب ؟
- لدي بعض الأعمال يجب عليّ إنهائها .. اعتني بنفسك جيداً
- حسناً .. إلى اللقاء
أغلقت الخط وأنا مبتسم .. يبدو أنها استاءت من ذلك .. ركبت سيارتي واتجهت لمنزل أهلي .. لقد اشتقت لهم كثيراً وخاصة لوالدتي وشقيقاتي .. لدي شقيقتان أصغر مني وواحدة أكبر مني .. " جنات " إنها متزوجة ولديها طفل صغير يشبهها .. أما أخواتي الصغيرات " نور وسندس " انهن في عمر حلا تقريباً ؛فنور في الثامنة عشرة .. أما سندس أصغر منها بعامين .. دائمات الشجار في ما بينهم .. وأكثر ما يتشاجرن عليه هي الملابس التي تسرقها سندس من نور وترتديها من دون اذنها .. سندس إنها فتاة شقية وغيورة جداً .. تذكّرني بـ حلا .. ماذا !! هل ذكرت حلا قبل قليل ! مهما حاولت عدم التفكير بها .. سيبقى عقلي مشغولاً بها
وصلتُ إلى منزلنا وتوقفتُ أمام الباب لحظةً أستجمع فيها أنفاسي و كأنني أخلع عن كتفيّ ثقل الأيام قبل أن أطرق.
ما إن فُتح الباب حتى اندفعت نور نحوي
- أخيراً تذكّرت أن لك بيتاً
ضحكتُ وأنا أفتح ذراعيّ لترمي نفسها عليّ بينما قلت :
- بل أنتم من تتظاهرون بأنكم نسيتموني.
ظهرت سندس خلفها مباشرة ترفع حاجبيها بتحدٍّ مصطنع.
- يا لك من مراوغ ومدلل .. من يجب أن يسأل نحن ام أنت ؟ أم رأيت العيش لوحدك أفضل من العيش معنا؟
- أعيش لوحدي لأن بعض الفتيات هنا لا يتوقفن عن الشجار وسرقة ملابس بعضهنّ والضجيج يصبح لا يُحتمل.
صرخت نور:
- أرأيتِ؟ حتى هو أيضاً يعلم أنكِ تسرقين من ثيابي
ردّت سندس وهي تدفعني بخفة ومزاح:
- لا تفتح الملفات القديمة يا أخي.
ضحكتُ وشعرتُ بدفءٍ غامر يسري في صدري .. هذا الصخب .. كم اشتقتُ إليه .. ما إن دخلتُ الصالة حتى نهضت أمي من مكانها وابتسامتها الهادئة تسبقها وقالت :
- الحمد لله على سلامتك يا بني.
انحنيتُ قليلاً لأقبّل يدها :
- اشتقتُ لكِ يا أمي.
لم تقل شيئاً لكنها لمست وجهي بكفّها الدافئ كما كانت تفعل دائماً وكأنها تتأكد أنني ما زلت بخير .. ومن الغرفة الداخلية خرجت أختي الكبرى جنات تمسك بيدها ابنها الصغير وتمشي نحوي وهي تقول :
- ألم تشتق لشقيقتكَ الكبرى أيضاً يا أدهم ؟
ابتسمتُ باحترام واقتربتُ أقبّل رأسها.
- وجودكِ هنا هو المفاجأة الأجمل حقاً يا جنات
انحنيت نحو ابنها الصغير وحملته بين ذراعيّ ليتعلّق بكتفي .. كان يشبهها كثيراً .. نفس العينين الجميلتين والضحكة المميزة
- هل اشتقتَ إلى خالكَ يا بطل؟
تعلّق الصغير بياقتي وهو يقبّلني من خدي ويضحك .. جلسنا جميعاً في الصالة وتداخلت الأصوات والضحكات .. حتى سألتني أمي بنبرةٍ أخفض قليلاً :
- أخبرني يا أدهم .. كيف حال سكنك وحدك؟ هل أنت مرتاح ؟ هل تدبّر أمورك جيداً؟
أجبتها مطمئناً:
- نعم يا أمي أموري كلها بخير .. أعتدتُ على الأمر.
- وماذا تأكل؟ هل تطهو لنفسك؟
تدخّلت سندس بسرعة:
- مستحيل .. أخي لا يعرف سوى قلي البيض.
رددت بثقة :
- أعرف أكثر مما تظنين.
ابتسمت أمي وهي تناظرني بتفحّص وقبل أن أجيبها أكثر فُتح باب المجلس ودخل أبي بخطى متأنّية وهو يحمل سبحته .. إنه لا يرفع صوته أبداً ومع ذلك يسبق حضوره صمتٌ غير مقصود .. لديه هيبةٌ لا تحتاج إلى تفسير .. وقفتُ فوراً وتقدّمتُ نحوه وانحنيتُ أقبّل يده وقلت :
- السلام عليك يا أبي.
- وعليك السلام .. أهلاً بُني
ربّت على كتفي قبل أن يجلس وجلستُ بعده مباشرة.
سألني بهدوء وهو يسبّح بمسبحته العقيق :
- كيف هي دراستك؟
- جيدة والحمد لله
هزّ رأسه قليلاً ثم نظر إليّ نظرةً ثاقبة و قال :
- ومصاريفك؟
شعرتُ بالتوتر يتسلل إلى أطرافي .. إنه لا يؤجل التكلم بشيء إن شعر أنه مريب .. رددت بنوعٍ من الارتباك :
- بخير
- طلبتَ مني مبالغ كبيرة ثلاث مرات خلال الأيام الماضية يا أدهم .. هل ستخبرني أين ذهبت بذلك المبلغ ؟
ساد صمتٌ خفيف في الغرفة شعرتُ بأن نظرات أمي وأخواتي استقرت عليّ .. نعم لقد طلبت من والدي أن يرسل لي بعض المال عدة مرّات في الأيام الماضية وذلك لأجل مصاريف المكتب العقاري ونقلي لشقة أخرى ودفع مصاريف المحامين وفاتورة المشفى لـ حلا وتسجيلها في المركز وبعض المصاريف الشخصية .. أنزلتُ رأسي قليلاً وقلت بإحراج :
- أ أخبرتك يا أبي .. أنني سأوفيك كل قرشٍ استندته منك عندما أتخرّج و أتوظّف
قال بنبرةٍ أكثر صرامة:
- لم أسألك عن إعادة المال ولا يُهمّني إن أعدته .. بل سألتك أين صرفته أيها الفتى
جفّ حلقي ونظرت به وقلبي يخفق بشدة و قلت :
- اضطررتُ لتغيير الشقة ودفعتُ إيجار ستة أشهرٍ مقدماً .. اطمئن يا والدي لم أصرفه على أشياء لا فائدة منها
ظلّ أبي يناظرني بشك بينما رفعتُ رأسي قليلاً ورأيت نور تنظر إليّ بطريقة غريبة وتّرتني ..ثم قالت فجأة:
- ولكن لماذا الكذب يا أدهم ؟
- أنا أكذب !
ضربتها أمي بخفة على كتفها وقالت :
- لماذا تتحدثين مع أخيك الأكبر منكِ بهذه الطريقة ؟
ردت نور بسرعة :
- لم أقصد هذا .. ولكن لا داعي للكذب يا أخي .. أنا أعرف كل شيء.
تجمّد الدم في عروقي .. التفتُّ إليها بسرعة وقلبي يخفق بعنف وسألتها بهدوء يعكس خوفي :
- ماذا تعرفين؟!
ابتسمت ابتسامةً صغيرة وقالت:
- أعرف أنك ساعدت صديقك المحتاج وأعطيته ذلك المال حتى يوفي به ديونه .. ثم أتيت إليّ و طلبت مني بعض الملابس التي لستُ بحاجة لها لأخته لأنها لا تملك شيئاً ترتديه .. وأخيها لا يملك المال لشراء الملابس لها .. هل نسيت ذلك ؟
ساد صمتٌ آخر .. زاد توتري ونظرتُ إلى أبي الذي كانت ملامحه قد هدأت بل وارتسمت على شفتيه ابتسامةً خفيفة بالكاد تُرى .. ثم سألني بهدوء :
- هل ما قالته نور صحيح؟
ترددتُ لحظة .. ثم قلت:
- نعم يا أبي .. هذا ما حدث.
لم يعلّق مباشرة بل نظر إليّ طويلاً ثم قال بنبرة فيها فخر واضح :
- المال يذهب ويعود و لكن المروءة إن ذهبت لا تعود .. لقد أحسنت بفعل ذلك يا أدهم .. لقد أثمرت تربيتي بك
شعرتُ بأن كتفيّ يخفّان فجأة وتنفّستُ بعمقٍ دون أن أُظهر ذلك .. أما أمي قالت بهدوءٍ ممزوج بالعتب:
- في المرة القادمة لا تتحمّل وحدك كل شيء .. يمكنكَ إخبارنا ما تنوي فعله حتى لا تتعرض للاحتيال بسبب طيبة قلبك الزائدة تلك
- اطمئني يا أمي .. أنتِ لم تربي شخصاً غبياً وغير مسؤول .. ألستِ واثقة من تربيتك ؟
ضحك الجميع بينما أمسكت أمي برأسي وقبّلتني من خداي بحبّ أمام ضحكات أخواتي .. بين ضحكات نور وتعليقات سندس الساخرة .. وبين نظرة أبي التي عادت هادئة أدركتُ أنني مهما ابتعدتُ .. سيبقى هذا البيت هو المكان الوحيد الذي أستطيع أن أجلس فيه دون خوف .. حتى وإن كنتُ أخفي عنهم نصف الحقيقة.
مرّ الوقت بسرعة معهم .. كانت أمي قد أعدّت الغداء باكراً .. وأنا أتناول الطعام رن هاتفي النقال بجانبي لتسترق أختي سندس النظر وتسأل بتعجّب :
- من تكون حلا
نظر إلي أبي بينما نظرت أمي وشقيقتي الكبرى ببعضهما وهما يخفيان ابتساماتهما لأرد على الفور بإحراج:
- إنها تـ تكون معيدةً عندنا في الجامعة .. لابد وأن هناك أمراً قد حصل ..
حملت جوالي واستأذنت منهم وخرجت من المنزل كله هارباً من نظراتهم .. ورددت على الفور :
- نعم حلا .. أخبريني لماذا تتصلين ؟
فجأة جاء صوت شهقاتها من الجهة الاخرى وكأنها تبكي
انقبض قلبي كما لو أن شيئاً بارداً انغرس في صدري .. وقلت :
- حلا… ما بكِ؟ لماذا تبكين؟
لم تجب فوراً .. كان صوت أنفاسها متقطّعاً وكأنها تحاول أن تخفي شهقاتها .. ردت :
- لا شيء ..فقط أشعر أنني متضايقة.
ذلك فقط .. كان أثقل من كل الكلمات .. تقدّمت خطوة إلى ظل الشجرة أمام البيت وابتعدت عن الباب كي لا يسمعني أحد
- متضايقة من ماذا؟ هل قال لكِ أحد شيئاً؟ هل حدث أمر؟
- لا .. لا أعلم .. فقط شعرت فجأة أنني وحدي وأنك بعيد ..
أغمضت عينيّ .. ذلك الخوف الصغير يعود إليها كلما ابتعدت عنها ساعة.
- اسمعيني جيداً .. أنا لن أتأخر سأعود باكراً أقسم لكِ .. إن شعرتِ بأي شيء اتصلي بي فوراً .. لا تبقي الدموع في عينيكِ فأنا لا أحب أن أبكيكِ.
سكتت لحظة ثم قالت بصوتٍ أخفض:
- حقاً ستعود سريعاً؟
- نعم أسرع مما تتوقعين.
هدأ تنفّسها قليلاً.
- حسناً .. سأنتظرك إذاً
- اعتني بنفسك.
أغلقت الخطو لكن القلق لم يُغلق داخلي .. وضعت الهاتف في جيبي ومشيت بضع خطوات في الشارع المقابل للبيت أبحث عن بعض هواء يهدّئ صدري قبل أن أعرد للداخل ..
كان الخريف قد بدأ يرسم ملامحه؛ الريح خفيفة لكنها باردة.. وأوراق الأشجار تتساقط ببطءٍ متقطّع وكأنها تستسلم بصمت .. أما السماء كانت رمادية باهتة والشارع شبه خالٍ ..
وفجأة .. مرّت أمامي فتاة تركض وكأن شيئاً يطاردها .. لم أتبين ملامحها في اللحظة الأولى ولكن شيئاً في حركتها أربكني .. رفعت رأسي جيداً علّي ألتقط ملامحها
رهف !!! ابنة خالتي ليلى .. رأيتها تركض بجنون .. شعرها يتطاير خلفها .. ناديت :
- رهف ..
لم تلتفت ..لم أفكر .. ركضت خلفها فوراً .. صوت خطواتي كان يضرب الأرض المفروشة بأوراق الخريف وأنفاسي تتسارع والريح تدفعني كأنها تشارك في المطاردة.
- رهف توقفي .. ماذا حدث؟
لقد كانت تبكي بصوتٍ مسموع .. شهقاتها تختلط بصوت الريح لدرجة أنها لم تسمعني أناديها
استمرت بالركض حتى وصلت إلى نهاية الشارع حيث تنحني الطريق قرب حديقة قديمة .. هناك تباطأت خطواتها ثم توقفت أخيراً واضعةً يديها على صدرها وهي تحاول التقاط أنفاسها .. اقتربت منها بحذر وحين استدارت نحوي تجمّدت في مكاني .. كانت حافية القدمين .. جورباها ملطخان بالغبار وأطرافهما ممزقة من شدّة الركض.
وجهها غارق في الدموع وعيناها متورمتان وخصلات شعرها ملتصقة بخدّيها الرطبين .. بدت أصغر من عمرها بكثير في تلك اللحظة .. مكسورة كغصنٍ هشّ تحت ريح الخريف.
اقتربت خطوة أخرى وصوتي خرج أخفض مما توقعت:
- رهف .. ما الذي حدث لكِ؟
كانت تنظر إليّ بنظراتٍ مكسورة مليئة بالخيبة و كأنها لا تهرب من الشارع بل من شيءٍ أكبر بكثير ..
اقتربت منها بحذر وسألتها:
- ما الذي حدث معكِ
هزت رأسها نافية وبدأت تمسح وهها ودموعها بطريقة عشوائية لأسألها:
- هل تشاجرتِ مع خالتي ؟
شهقت و عادت لتومئ برأسها لأخرج هاتفي وأقول:
- سأتصل بها و ...
ردت باندفاع :
- لا .. لا تتصل بها أرجوك
- ولكن
عادت لمقاطعتي بطريقةٍ حازمة:
- قلت لكَ لا تفعل
وقفت أنظر إليها بتعجّب .. لم أكن أعلم أن رهف تمتلك هذا النوع من الطبع الحاد .. أعدتُ الهاتف إلى جيبي وقلت:
- كما تشائين .. ولكن لماذا لا ترتدين حذاءكِ على الأقل؟
نظرت بقدميها ثم بي .. ثم احتضنت نفسها بذراعيها من دون أن ترد.
- هل تذهبين معي لمنزل أهلي .. أمي وأخواتي جميعهنّ ...
قاطعت كلامي للمرة الثالثة:
- لا
- ولكن إلى أين تنوين الذهاب بهذه الحال؟
ردت باكية:
- لا أعلم .. ولكنني لا أريد الذهاب إلى مكانٍ قد تجدني أمي به
- هل فعلتِ شيئاً خاطئاً وتخافين العقاب عليه
نظرت إلي باستخفاف ثم ردت بعد ضحكةٍ ساخرة لم تدم ثانية:
- بل هي من فعلت .. لهذا لا أريد أن أراها .. لأنني لن أستطيع معاقبتها
لم أفهم كلامها ولا حتى تلميحاتها الغريبة .. لابد وأنها تهذي .. عدت لأنظر إلى قدميها وساءني حالها .. قمت بخلع حذائي ووضعته امام قدميها وقلت:
- إذاً ارتدي حذائي .. قد تجرحين قدمكِ بشيء
ترددت للحظات ثم هزت رأسها بامتنان .. اقتربت وانتعلته ببطء وهي تنظر حولها بحذر .. عندما رأت سيارة عمي راجي زوج خالتي ليلى تجوب المكان تراجعت بسرعة واختبأت خلف شجرة كبيرة وهي تقول:
- لا تخبر أحداً أنكَ رأيتني
كانت تتصرف بغرابة شديدة .. بقيت واقفاً فترة حتى اختفت سيارة العم راجي وقلت:
- لقد ذهب
ظهرت من خلف الشجرة وقد تجددت دموعها لتملأ وجهها وخديها .. الجو كان بارداً وساكناً .. ورهف لا ترتدي سوى قميصٍ أبيض خفيف .. عدت لخلع سترتي الجلدية ومددتها نحوها وقلت:
- خذي ارتديها
- ماذا ستعطيني أيضاً؟
- لا أعرف .. أنتظركِ حتى تهدئين وحسب
- أبقها معك وارحل
عادت لخلع الحذاء وتراجعت خطوة وقالت:
- أنا سأتدبر أمري
- هل ستعودين للمنزل ؟
- لن أعود إلى هناك
- أنتِ تصعّبين الأمور .. كيف تريدين منّي ترككِ وأنتِ بهذه الحال وأذهب .. من أخبركِ أنني أملك قلباً من حجر؟
لم تجب ولكنها بقيت تبكي بصمت حتى آلمني حالها .. إنها عنيدة ولا تقبل بالعودة لمنزلها ولا بالذهاب لمنزل أهلي .. فجأة رنّ هاتفي النقال و رددت بسرعة:
- نعم أمي
- أين ذهبت يا بُني ؟
- لقد رأيت أحد أصدقائي في الحي وأنا أتمشى معه الآن .. سأعود قريباً
أغلقت الهاتف وقلت:
- رهف .. لا يصحّ لكِ أن تبقي هنا وحدكِ وأنتِ بهذا الحال .. أرجوكِ دعيني أساعدكِ
- هل حقاً تريد مساعدتي؟
- سأفعل ما أقدر عليه
- هل استأجرت شقة؟
- لقد فعلت
- كم تبعد من هنا؟
- مسافة ساعة تقريباً .. لماذا تسألين؟
- أريدك أن تستقبلني بها لفترة
تراجعت خطوة ورددت بصدمة :
- مـ ماذا قلتِ ؟
وقفتُ أمامها مذهولاً بسبب طلبها الغريب الذي لم أكن مستعداً له.
الجو من حولنا أصبح ساكناً على نحوٍ غريب .. أوراق صفراء تتساقط ببطء .. كأنها تشاركها الانكسار وتشاركني صدمتي بأول طلب تطلبه مني .. قلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتاً:
- رهف .. عودي معي إلى بيت خالتي وسنتحدث بهدوء .. صدقيني لن يمسك أحد بسوء
هزّت رأسها بعناد وتراجعت خطوة و ردت من بين أسنانها:
- قلتُ لكَ لن أعود
اقتربتُ بحذر خشية أن تهرب مجدداً.
- حسناً إذن تعالي إلى بيت أهلي أمي وأخواتي هناك .. ستكونين بأمان.
نظرت إليّ نظرةً أعرفها .. تلك النظرة التي تسبق انفجارها.
- لا أريد أحداً .. لا أريد أن يراني أحد بهذه الحال
ابتلعتُ قلقي وقلت:
- ما رأيكِ أن أوصلكِ إلى بيت أحد أعمامك .. ليلة واحدة فقط ريثما تهدئين
ارتفعت نبرتها وارتجف صوتها:
- قلتُ لك لا .. لماذا لا تفهم؟ لا أريد بيتاً ولا أقارب ولا نصائح ..
ثم نظرت إليّ نظرةً حادّة لم أرَها في عينيها من قبل وتابعت:
- إن حاولتَ إجباري سأختفي ولن تجدني هذه المرة .. حتى مساعدتك لا أريدها
تجمّدت الكلمات في حلقي بعد كلامها ذاك .. كنتُ أراها أمامي مكسورة وخائفة ومع ذلك تقاتل كأن العالم كله عدوّها.. لم تقل لي ما الذي حدث ولم تفسّر شيئاً و لكنها طلبت شيئاً واحداً فقط وهو الحماية ولم أكن أعلم ممّن أحميها .. !!
رفعتُ يدي ببطء لأطمئنها :
- أنا لن أجبركِ على شيء يا رهف
سكتُّ لحظة .. تسارعت أنفاسي وصدري بدأ يضيق .. صورتُها وهي تقول سأختفي كانت كافية لأدرك أن الأمر ليس عناداً عابراً .. في تلك اللحظة أدركتُ أن كل اقتراحاتي لم تكن لها .. بل كانت لأطمئن أنا .. كنتُ أبحث عن حلٍ مريحٍ لي لا لها .. رفعتُ عيني إليها مجدداً .. لم أعد أرى فتاةً متهوّرة بل روحاً مذعورة تتشبّث بآخر خيط ثقة .. تقدّمتُ خطوة ثم اتخذتُ قراري .. لم أنطق به ولم أشرح لها شيئاً .. فقط اكتفيتُ بأن قلتُ بهدوءٍ لم أعرف من أين أتيتُ به:
- تعالي معي
ونظرتُ حولي .. لا إلى البيت الذي جئتُ منه ولا إلى أيٍّ من البيوت التي اقترحتُها .. بل إلى طريقٍ آخر.
توقّفتُ بالسيارة أمام المبنى القديم و أطفأتُ المحرّك واستدرتُ نحوها .. كانت متكوّرة على المقعد وملتحفة بسترتي وقد غفت أخيراً .. خصلات شعرها انسدلت على وجهٍ ما زالت آثار الدموع واضحة عليه .. للحظةٍ .. تردّدتُ في إيقاظها .. بدت أهدأ مما كانت عليه منذ ساعات.
مددتُ يدي ونكشتُ كتفها بخفّة لتشهق وتنتفض .. اتّسعت عيناها بذعر وراحت تتلفّت حولها سريعاً .. تنظر من النافذة ثم إليّ .. وسألتني:
- هل وصلنا؟
أومأتُ برأسي :
- نعم لقد وصلنا .. يمكنكِ النزول
ترجّلتْ من السيارة و لكنني ما إن أغلقتُ الباب حتى رأيتُها تترنّح .. وضعت يدها على رأسها وكأن الأرض تدور بها ثم تمسّكت بذراعي وبباب البناء في آنٍ معاً لتستند إليه بوهن.
أمسكتها بسرعة وقلت:
- ما الذي أصابكِ؟
تنفّست ببطء وكأنها تقاتل لتبقى واقفة و ردت:
- أنا بخير
لم أقتنع فقد كان وجهها محمرّاً أكثر من اللازم .. رفعتُ يدي إلى جبينها وشعرتُ بحرارة واضحة .. فتحت عينيّ وقلت:
- حرارتكِ مرتفعة
أبعدت وجهها بعيداً عن يدي وقالت ببرودٍ مصطنع:
- ليس مهماً
عقدتُ حاجبيّ وقلت :
- ما رأيكِ أن نذهب إلى المستشفى .. إلى والدتكِ وهناك ...
انتفضت فجأة واشتعل صوتها غضباً مقاطعة لي :
- قلتُ لك لا أريد .. كفّ عن الضغط عليّ
تجمّدتُ بمكاني .. كان في كلامها شيءٌ أصابني مباشرة ..نعم كنتُ أضغط عليها مرةً أخرى .. لم أشعر بنفسي .. زفرتُ ببطء وقلت:
- حسناً كما تريدين يا رهف
بدأنا نصعد الدرج .. كانت خطواتها ثقيلة .. أما أنا ذهني مثقلٌ بفكرةٍ واحدة " ماذا لو رأت حلا هنا؟"
توقّفتُ فجأة وناديتها:
- رهف
التفتت إليّ بضيق وقالت:
- ماذا الآن؟
تردّدتُ لحظة ثم قلتُ:
- هناك أمرٌ أخفيه عن أهلي
ضيّقت عينيها والتفّت بكامل جسدها وقالت:
- وما هو؟
تنفّستُ بعمق و رددت:
- أنا لا أعيش وحدي
توقّفتْ في منتصف الدرجة وحدّقت بي بدهشة وسألت:
- مع مَن تعيش إذن؟
مرّرتُ يدي في شعري بتوتر وقلت:
- هناك فتاة تعيش معي .. قد يبدو الأمر غريباً إن رأتكِ معي هنا
نزلت درجةً إلى الأسفل ونظرت إليّ بمكرٍ لم أتوقّعه منها رغم حرارتها المرتفعة وقالت:
- فتاة؟ ومن أيّ نوعٍ هذه الفتاة يا ترى؟
حدّقتُ بها لحظةً وأنا مصدوماً من حدّتها لأرد:
- قصتها طويلة .. ولكن لا يذهب تفكيركِ لبعيد .. إنها أختي.
ارتسمت الصدمة على وجهها :
- إحدى أخواتك تعيش معك ؟ .. أي واحدة منهنّ .. جنّات أم نور أم سندس؟
هززتُ رأسي نافياً:
- ولا واحدة منهن.
بدت حائرة وكأن الحرارة أثرت على رأسها للحظة .. ثم قالت:
- هل لديك أخت أخرى لا أتذكرها؟
أغمضتُ عينيّ للحظة ثم قلتُ ما لم أكن مستعداً لقوله لأحد بعد .. وكأنني أحيك قصة جديدة لأنجو :
- اكتشفت مؤخراً أن أبي كان متزوجاً من غير علم أمي .. ابنته أصبحت يتيمة الأم وهي الآن عندي ريثما أجد طريقةً أخبر بها أمي وأخواتي وأُعرفها عليهم ..
ضيقت عيناها وبقيت تنظر بي بهدوء بينما أكملت بتردد:
- لقد تعرّضت لحادث سير منذ فترة بعد وفاة والدتها وفقدت ذاكرتها على إثرها
كنتُ أتوقع دهشة أو شفقة .. لكن عيني رهف لمعتا بشيءٍ آخر .. بمكرٍ واضح .. قالت بهدوء :
- وخالتي لا تعلم شيئاً أليس كذلك؟
أومأتُ رأسي ببطء بينما رأيت على شفتيها ابتسامةً خفيفة قد أربكتني .. ثم قالت:
- ممتاز .. هذا هو المطلوب
تجمّدتُ وسألتها باستنكار:
- ماذا تقصدين؟
نظرت إليّ بثبات وقالت بنبرةٍ حاسمة:
- أنا لا تهمني أسراركم العائلية تلك .. فبالكاد كنت أتحمّل ثقل أسراري .. ولكن أيّاً يكن من يسألك عني ستنكر أنك رأيتني .. وإلا فإن قصة أختك التي يخفيها والدك عندك ستُفضح أمام العائلة كلّها في اليوم الذي ستفكر بإخبار أحد عن مكاني .. مفهوم يا ابن خالتي؟
شعرتُ وكأن أحدهم صفعني على وجهي .. وقفتُ مذهولاً من تحوّلها المفاجئ .. قبل دقائق كانت تتماسك بالكاد وتبكي بحرقة .. والآن تساومني ببرود !!
تابعت صعودها الدرج وكأن شيئاً لم يحدث وقالت بصوتٍ عالٍ:
- أنا لا أعرف بيتك .. هيا اصعد وأرشدني إليه
بقيتُ في مكاني لحظة أحدّق في ظهرها .. وأدركت حينها أنني لم أجلب إلى هذا البناء فتاةً هاربة وحسب .. بل عاصفة يمكن أن تحطم كل من يعاندها .. كم هناك فرق بينها وبين حلا .. ثم ما هذه الكذبة التي نطقت بها للتو ! يا لغبائي .. لقد أصبحت أكذب كثيراً في هذه الفترة .. وأنا الذي كان يُشهد لي بالصدق .. إلى أي هاوية أُجر نفسي الآن؟ وماذا ستكون الكذبة التالية يا ترى؟
وصلنا إلى أمام الباب ورننت الجرس وقلبي ينتفض بقوة بينما كانت رهف تمسك رأسها وتستند على كتفي حتى تستطيع الوقوف .. أخيراً فتحت حلا ووقفت أمامي عيناها مفتوحتان على آخرهما .. كانت الصدمة واضحة على وجهها .. تمالكت نفسي وقلت:
- كيف حالكِ يا أختي
كنت أريد الدخول ولكنها وقفت بوجهي وسألتني بنبرة غريبة :
- من هذه؟
كانت رهف رامية رأسها على كتفي وشعرها يغطي وجهها .. نظرت بـ حلا وقلت:
- في ما بعد .. الفتاة مريضة
تجاوزتها ودخلت بسرعة وأنا أسند رهف ثم أجلستها على الأريكة .. كنت أنظر إلى حلا التي بقيت واقفة وهي تحدق بي بطريقة غريبة .. لا أنكر أن نظراتها سببت لي بعض الخوف .. ثم تمالكت نفسي وقلت:
- إنها تكون رهف ابنة خالتي
أغلقت الباب بقوة وهي مازالت تحدق بي بصمت بينما أنا ازدرت ريقي لتنطق رهف فجأة:
- هل ستبرر لها وجودي أيضاً؟
نظرت بـ رهف ثم بـ حلا التي أمالت رأسها بينما مازال الصمت يغلّف نظراتها الثاقبة .. لا أدري بأي جحيم أوقعت نفسي الآن .. وقفت رهف وهي ترفع خصلات شعرها والتفتت اتجاه حلا التي تغيرت نظراتها بثانية .. وكأن غضبها انطفئ فجأة .. لم أفهم ما حصل للتو .. رأيتها ترمش عدة مرات قبل أن تنطق بدهشة موجهة الكلام لـ رهف :
- هل أعرفك !
ردت رهف بوهن:
- لا أدري .. هل التقينا من قبل؟
اقتربت حلا منا بخطى متأنية وهي تضيق عينيها وكأنها تستحضر ذكرى معينة لها .. ثم وقفت وقالت:
- تذكرتك .. أنتِ تلك الفتاة التي زارتني في المستشفى .. أليس كذلك؟
حل الصمت لحظات قبل أن تسأل رهف بدهشة:
- هل أنتِ حلا !؟
اتسعت ضحكة حلا و أومأت برأسها وقالت:
- أجل أنا حلا .. لم أستطع نسيانك أبداً .. تبدين أجمل من قبل
قالت هذه الكلمات واقتربت من رهف وحضنتها .. لقد كنتُ متفاجئً مما يحدث أمامي .. ولكنني شعرت بالراحة قليلاً وكأنه هم وأُزيل عن كاهلي .. لم أكن أعرف كيف كنت سأبرر لـ حلا وجود رهف .. ما فاجأني أنهما تعرفان بعضهما .. يبدو أن رهف وخلال تواجدها في المستشفى قد زارت حلا وتعرفتا على بعضهما هناك .. ابتعدت حلا عن رهف وقالت بخوف وهي تحتضن وجهها:
- أنتِ محمومة .. يا الهي .. أدهم إن حرارتها مرتفعة جداً
اقتربت وأمسكت بيد رهف التي استندت على حلا وأخذناها للغرفة لتتمدد على السرير وتغيب عن الوعي مباشرةً .. جلست حلا بجانبها وهي تمسك يدها والخوف اعتلا ملامحها .. غرقت عيناها بالدموع ونظرت إلي وقالت:
- أدهم .. أرجوك أحضر لها طبيب .. إنها ليست بخير
رأيت في عيني حلا خوفٌ لا يُشبه الشفقة ولا يشبه القلق العابر .. بل يشبه من يعرف أكثر مما ينبغي وعندها فقط بدأتُ أخشى أن تكون الذاكرة قد عادت ولكن ليس بالطريقة التي توقّعتها.
" أدهم "
العيش قرب قلبٍ خائف يعني تبرير خطواتك يصبح عادة .. ولم أكن أعلم أن الغيرة يمكن أن تتحول إلى وظيفةٍ بدوامٍ كامل .. وعدٌ واحد قطعته لها كان كفيلاً بأن يضعني تحت رقابة دائمة .. منذ ذلك اليوم على الدرج تغيّر شيء ما في حلا أو ربما انكشف فقط .. صارت تراقبني دون أن تعترف بأنها تفعل ذلك .. تسألني بأسئلةٍ عشوائية تبدأ بـ “من كان ذلك؟” وتنتهي بـ “لماذا ابتسمت؟”.
تدّعي اللامبالاة ثم تُعلن الحرب .. لم أكن أتحدث إلى أحد أساساً ومع ذلك أصبحتُ مطالباً بتقديم تقارير غير رسمية عن تحركاتي اليومية “من اتصل؟ “لماذا تأخرت خمس دقائق؟ “ما اسم الدكتور الذي تدرس عنده؟ وهل هو رجل فعلاً؟ ”وفي كل مرة أجيبها بهدوء تومئ برأسها وكأنها اقتنعت ولكنني أعلم أنها لا تقتنع .. حلا لا تغار بصوتٍ عالٍ دائماً .. أحيانًا تغار بصمتٍ مخيف .. تنشغل فجأة بتنظيف شيءٍ نظيف أصلاً وتفتح كتابها مقلوباً .. تضع الملح في الشاي بدل السكر وحين أسألها:
– هل أنتِ بخير؟
تجيب فوراً:
– ممتازة ..أنا بأفضل حال
ثم تضرب الملعقة بقاع الكوب وكأنها تعاقبه.
المشكلة أنني لا أستطيع أن أغضب .. كل مرة تنفعل فيها أرى خلف غضبها خوفاً صغيراً .. خوفاً من أن أختفي .. وكلما حاولتُ طمأنتها ازداد تعلّقها بكلماتي .. أحياناً أفكر أنني خلقتُ هذا الوحش الصغير بيدي حين وعدتها ألّا أتركها .. ولم أكن أكذب .. لكنني لم أتوقع أن يتحول الوعد إلى حراسةٍ مشددة .. ومع ذلك في كل مرة تشتعل عيناها بسبب فتاةٍ تراها مرّت بجانبي صدفةً .. أجدني أبتسم لأنني أعرف شيئاً واحداً فقط .. حلا لا تغار إلا حين تخاف أن تخسر .. وأنا لم أعد متأكداً إن كان يزعجني أنها تخاف خسارتي .. أم أنني أخاف أنا أيضاً خسارتها .. أخاف أن تعود ذاكرتها فجأة وتعلم أنني أكذب عليها .. أنا لست شقيقها ولا أرغب بأن أكون كذلك دائماً .. أحتاج أن تعود ذاكرتها لها لكي أخبرها أنني أحبها حقاً وأحب خوفها ذاك وتمسّكها المميت بي .. واحب غيرتها المفرطة والمضحكة عندما تشعر بنفس فتاةٍ حولي .. ولكنها ستُصاب بالخيبة لا محالة حين تعلم أنني كذبت عليها ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- نعم أدهم
- كيف حالكِ
- بخير
- ماذا تفعلين ؟
- بما أن اليوم ليس لدي حصص ففضلت أن أطهو الطعام
- جيد .. حلا اسمعي أنا سأتأخر بالعودة .. سأغيب لبعض الوقت وقد أعود في المساء
- ولكن لماذا ؟ أين ستذهب ؟
- لدي بعض الأعمال يجب عليّ إنهائها .. اعتني بنفسك جيداً
- حسناً .. إلى اللقاء
أغلقت الخط وأنا مبتسم .. يبدو أنها استاءت من ذلك .. ركبت سيارتي واتجهت لمنزل أهلي .. لقد اشتقت لهم كثيراً وخاصة لوالدتي وشقيقاتي .. لدي شقيقتان أصغر مني وواحدة أكبر مني .. " جنات " إنها متزوجة ولديها طفل صغير يشبهها .. أما أخواتي الصغيرات " نور وسندس " انهن في عمر حلا تقريباً ؛فنور في الثامنة عشرة .. أما سندس أصغر منها بعامين .. دائمات الشجار في ما بينهم .. وأكثر ما يتشاجرن عليه هي الملابس التي تسرقها سندس من نور وترتديها من دون اذنها .. سندس إنها فتاة شقية وغيورة جداً .. تذكّرني بـ حلا .. ماذا !! هل ذكرت حلا قبل قليل ! مهما حاولت عدم التفكير بها .. سيبقى عقلي مشغولاً بها
وصلتُ إلى منزلنا وتوقفتُ أمام الباب لحظةً أستجمع فيها أنفاسي و كأنني أخلع عن كتفيّ ثقل الأيام قبل أن أطرق.
ما إن فُتح الباب حتى اندفعت نور نحوي
- أخيراً تذكّرت أن لك بيتاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- بل أنتم من تتظاهرون بأنكم نسيتموني.
ظهرت سندس خلفها مباشرة ترفع حاجبيها بتحدٍّ مصطنع.
- يا لك من مراوغ ومدلل .. من يجب أن يسأل نحن ام أنت ؟ أم رأيت العيش لوحدك أفضل من العيش معنا؟
- أعيش لوحدي لأن بعض الفتيات هنا لا يتوقفن عن الشجار وسرقة ملابس بعضهنّ والضجيج يصبح لا يُحتمل.
صرخت نور:
- أرأيتِ؟ حتى هو أيضاً يعلم أنكِ تسرقين من ثيابي
ردّت سندس وهي تدفعني بخفة ومزاح:
- لا تفتح الملفات القديمة يا أخي.
ضحكتُ وشعرتُ بدفءٍ غامر يسري في صدري .. هذا الصخب .. كم اشتقتُ إليه .. ما إن دخلتُ الصالة حتى نهضت أمي من مكانها وابتسامتها الهادئة تسبقها وقالت :
- الحمد لله على سلامتك يا بني.
انحنيتُ قليلاً لأقبّل يدها :
- اشتقتُ لكِ يا أمي.
لم تقل شيئاً لكنها لمست وجهي بكفّها الدافئ كما كانت تفعل دائماً وكأنها تتأكد أنني ما زلت بخير .. ومن الغرفة الداخلية خرجت أختي الكبرى جنات تمسك بيدها ابنها الصغير وتمشي نحوي وهي تقول :
- ألم تشتق لشقيقتكَ الكبرى أيضاً يا أدهم ؟
ابتسمتُ باحترام واقتربتُ أقبّل رأسها.
- وجودكِ هنا هو المفاجأة الأجمل حقاً يا جنات
انحنيت نحو ابنها الصغير وحملته بين ذراعيّ ليتعلّق بكتفي .. كان يشبهها كثيراً .. نفس العينين الجميلتين والضحكة المميزة
- هل اشتقتَ إلى خالكَ يا بطل؟
تعلّق الصغير بياقتي وهو يقبّلني من خدي ويضحك .. جلسنا جميعاً في الصالة وتداخلت الأصوات والضحكات .. حتى سألتني أمي بنبرةٍ أخفض قليلاً :
- أخبرني يا أدهم .. كيف حال سكنك وحدك؟ هل أنت مرتاح ؟ هل تدبّر أمورك جيداً؟
أجبتها مطمئناً:
- نعم يا أمي أموري كلها بخير .. أعتدتُ على الأمر.
- وماذا تأكل؟ هل تطهو لنفسك؟
تدخّلت سندس بسرعة:
- مستحيل .. أخي لا يعرف سوى قلي البيض.
رددت بثقة :
- أعرف أكثر مما تظنين.
ابتسمت أمي وهي تناظرني بتفحّص وقبل أن أجيبها أكثر فُتح باب المجلس ودخل أبي بخطى متأنّية وهو يحمل سبحته .. إنه لا يرفع صوته أبداً ومع ذلك يسبق حضوره صمتٌ غير مقصود .. لديه هيبةٌ لا تحتاج إلى تفسير .. وقفتُ فوراً وتقدّمتُ نحوه وانحنيتُ أقبّل يده وقلت :
- السلام عليك يا أبي.
- وعليك السلام .. أهلاً بُني
ربّت على كتفي قبل أن يجلس وجلستُ بعده مباشرة.
سألني بهدوء وهو يسبّح بمسبحته العقيق :
- كيف هي دراستك؟
- جيدة والحمد لله
هزّ رأسه قليلاً ثم نظر إليّ نظرةً ثاقبة و قال :
- ومصاريفك؟
شعرتُ بالتوتر يتسلل إلى أطرافي .. إنه لا يؤجل التكلم بشيء إن شعر أنه مريب .. رددت بنوعٍ من الارتباك :
- بخير
- طلبتَ مني مبالغ كبيرة ثلاث مرات خلال الأيام الماضية يا أدهم .. هل ستخبرني أين ذهبت بذلك المبلغ ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أ أخبرتك يا أبي .. أنني سأوفيك كل قرشٍ استندته منك عندما أتخرّج و أتوظّف
قال بنبرةٍ أكثر صرامة:
- لم أسألك عن إعادة المال ولا يُهمّني إن أعدته .. بل سألتك أين صرفته أيها الفتى
جفّ حلقي ونظرت به وقلبي يخفق بشدة و قلت :
- اضطررتُ لتغيير الشقة ودفعتُ إيجار ستة أشهرٍ مقدماً .. اطمئن يا والدي لم أصرفه على أشياء لا فائدة منها
ظلّ أبي يناظرني بشك بينما رفعتُ رأسي قليلاً ورأيت نور تنظر إليّ بطريقة غريبة وتّرتني ..ثم قالت فجأة:
- ولكن لماذا الكذب يا أدهم ؟
- أنا أكذب !
ضربتها أمي بخفة على كتفها وقالت :
- لماذا تتحدثين مع أخيك الأكبر منكِ بهذه الطريقة ؟
ردت نور بسرعة :
- لم أقصد هذا .. ولكن لا داعي للكذب يا أخي .. أنا أعرف كل شيء.
تجمّد الدم في عروقي .. التفتُّ إليها بسرعة وقلبي يخفق بعنف وسألتها بهدوء يعكس خوفي :
- ماذا تعرفين؟!
ابتسمت ابتسامةً صغيرة وقالت:
- أعرف أنك ساعدت صديقك المحتاج وأعطيته ذلك المال حتى يوفي به ديونه .. ثم أتيت إليّ و طلبت مني بعض الملابس التي لستُ بحاجة لها لأخته لأنها لا تملك شيئاً ترتديه .. وأخيها لا يملك المال لشراء الملابس لها .. هل نسيت ذلك ؟
ساد صمتٌ آخر .. زاد توتري ونظرتُ إلى أبي الذي كانت ملامحه قد هدأت بل وارتسمت على شفتيه ابتسامةً خفيفة بالكاد تُرى .. ثم سألني بهدوء :
- هل ما قالته نور صحيح؟
ترددتُ لحظة .. ثم قلت:
- نعم يا أبي .. هذا ما حدث.
لم يعلّق مباشرة بل نظر إليّ طويلاً ثم قال بنبرة فيها فخر واضح :
- المال يذهب ويعود و لكن المروءة إن ذهبت لا تعود .. لقد أحسنت بفعل ذلك يا أدهم .. لقد أثمرت تربيتي بك
شعرتُ بأن كتفيّ يخفّان فجأة وتنفّستُ بعمقٍ دون أن أُظهر ذلك .. أما أمي قالت بهدوءٍ ممزوج بالعتب:
- في المرة القادمة لا تتحمّل وحدك كل شيء .. يمكنكَ إخبارنا ما تنوي فعله حتى لا تتعرض للاحتيال بسبب طيبة قلبك الزائدة تلك
- اطمئني يا أمي .. أنتِ لم تربي شخصاً غبياً وغير مسؤول .. ألستِ واثقة من تربيتك ؟
ضحك الجميع بينما أمسكت أمي برأسي وقبّلتني من خداي بحبّ أمام ضحكات أخواتي .. بين ضحكات نور وتعليقات سندس الساخرة .. وبين نظرة أبي التي عادت هادئة أدركتُ أنني مهما ابتعدتُ .. سيبقى هذا البيت هو المكان الوحيد الذي أستطيع أن أجلس فيه دون خوف .. حتى وإن كنتُ أخفي عنهم نصف الحقيقة.
مرّ الوقت بسرعة معهم .. كانت أمي قد أعدّت الغداء باكراً .. وأنا أتناول الطعام رن هاتفي النقال بجانبي لتسترق أختي سندس النظر وتسأل بتعجّب :
- من تكون حلا
نظر إلي أبي بينما نظرت أمي وشقيقتي الكبرى ببعضهما وهما يخفيان ابتساماتهما لأرد على الفور بإحراج:
- إنها تـ تكون معيدةً عندنا في الجامعة .. لابد وأن هناك أمراً قد حصل ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- نعم حلا .. أخبريني لماذا تتصلين ؟
فجأة جاء صوت شهقاتها من الجهة الاخرى وكأنها تبكي
انقبض قلبي كما لو أن شيئاً بارداً انغرس في صدري .. وقلت :
- حلا… ما بكِ؟ لماذا تبكين؟
لم تجب فوراً .. كان صوت أنفاسها متقطّعاً وكأنها تحاول أن تخفي شهقاتها .. ردت :
- لا شيء ..فقط أشعر أنني متضايقة.
ذلك فقط .. كان أثقل من كل الكلمات .. تقدّمت خطوة إلى ظل الشجرة أمام البيت وابتعدت عن الباب كي لا يسمعني أحد
- متضايقة من ماذا؟ هل قال لكِ أحد شيئاً؟ هل حدث أمر؟
- لا .. لا أعلم .. فقط شعرت فجأة أنني وحدي وأنك بعيد ..
أغمضت عينيّ .. ذلك الخوف الصغير يعود إليها كلما ابتعدت عنها ساعة.
- اسمعيني جيداً .. أنا لن أتأخر سأعود باكراً أقسم لكِ .. إن شعرتِ بأي شيء اتصلي بي فوراً .. لا تبقي الدموع في عينيكِ فأنا لا أحب أن أبكيكِ.
سكتت لحظة ثم قالت بصوتٍ أخفض:
- حقاً ستعود سريعاً؟
- نعم أسرع مما تتوقعين.
هدأ تنفّسها قليلاً.
- حسناً .. سأنتظرك إذاً
- اعتني بنفسك.
أغلقت الخطو لكن القلق لم يُغلق داخلي .. وضعت الهاتف في جيبي ومشيت بضع خطوات في الشارع المقابل للبيت أبحث عن بعض هواء يهدّئ صدري قبل أن أعرد للداخل ..
كان الخريف قد بدأ يرسم ملامحه؛ الريح خفيفة لكنها باردة.. وأوراق الأشجار تتساقط ببطءٍ متقطّع وكأنها تستسلم بصمت .. أما السماء كانت رمادية باهتة والشارع شبه خالٍ ..
وفجأة .. مرّت أمامي فتاة تركض وكأن شيئاً يطاردها .. لم أتبين ملامحها في اللحظة الأولى ولكن شيئاً في حركتها أربكني .. رفعت رأسي جيداً علّي ألتقط ملامحها
رهف !!! ابنة خالتي ليلى .. رأيتها تركض بجنون .. شعرها يتطاير خلفها .. ناديت :
- رهف ..
لم تلتفت ..لم أفكر .. ركضت خلفها فوراً .. صوت خطواتي كان يضرب الأرض المفروشة بأوراق الخريف وأنفاسي تتسارع والريح تدفعني كأنها تشارك في المطاردة.
- رهف توقفي .. ماذا حدث؟
لقد كانت تبكي بصوتٍ مسموع .. شهقاتها تختلط بصوت الريح لدرجة أنها لم تسمعني أناديها
استمرت بالركض حتى وصلت إلى نهاية الشارع حيث تنحني الطريق قرب حديقة قديمة .. هناك تباطأت خطواتها ثم توقفت أخيراً واضعةً يديها على صدرها وهي تحاول التقاط أنفاسها .. اقتربت منها بحذر وحين استدارت نحوي تجمّدت في مكاني .. كانت حافية القدمين .. جورباها ملطخان بالغبار وأطرافهما ممزقة من شدّة الركض.
وجهها غارق في الدموع وعيناها متورمتان وخصلات شعرها ملتصقة بخدّيها الرطبين .. بدت أصغر من عمرها بكثير في تلك اللحظة .. مكسورة كغصنٍ هشّ تحت ريح الخريف.
اقتربت خطوة أخرى وصوتي خرج أخفض مما توقعت:
- رهف .. ما الذي حدث لكِ؟
كانت تنظر إليّ بنظراتٍ مكسورة مليئة بالخيبة و كأنها لا تهرب من الشارع بل من شيءٍ أكبر بكثير ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ما الذي حدث معكِ
هزت رأسها نافية وبدأت تمسح وهها ودموعها بطريقة عشوائية لأسألها:
- هل تشاجرتِ مع خالتي ؟
شهقت و عادت لتومئ برأسها لأخرج هاتفي وأقول:
- سأتصل بها و ...
ردت باندفاع :
- لا .. لا تتصل بها أرجوك
- ولكن
عادت لمقاطعتي بطريقةٍ حازمة:
- قلت لكَ لا تفعل
وقفت أنظر إليها بتعجّب .. لم أكن أعلم أن رهف تمتلك هذا النوع من الطبع الحاد .. أعدتُ الهاتف إلى جيبي وقلت:
- كما تشائين .. ولكن لماذا لا ترتدين حذاءكِ على الأقل؟
نظرت بقدميها ثم بي .. ثم احتضنت نفسها بذراعيها من دون أن ترد.
- هل تذهبين معي لمنزل أهلي .. أمي وأخواتي جميعهنّ ...
قاطعت كلامي للمرة الثالثة:
- لا
- ولكن إلى أين تنوين الذهاب بهذه الحال؟
ردت باكية:
- لا أعلم .. ولكنني لا أريد الذهاب إلى مكانٍ قد تجدني أمي به
- هل فعلتِ شيئاً خاطئاً وتخافين العقاب عليه
نظرت إلي باستخفاف ثم ردت بعد ضحكةٍ ساخرة لم تدم ثانية:
- بل هي من فعلت .. لهذا لا أريد أن أراها .. لأنني لن أستطيع معاقبتها
لم أفهم كلامها ولا حتى تلميحاتها الغريبة .. لابد وأنها تهذي .. عدت لأنظر إلى قدميها وساءني حالها .. قمت بخلع حذائي ووضعته امام قدميها وقلت:
- إذاً ارتدي حذائي .. قد تجرحين قدمكِ بشيء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لا تخبر أحداً أنكَ رأيتني
كانت تتصرف بغرابة شديدة .. بقيت واقفاً فترة حتى اختفت سيارة العم راجي وقلت:
- لقد ذهب
ظهرت من خلف الشجرة وقد تجددت دموعها لتملأ وجهها وخديها .. الجو كان بارداً وساكناً .. ورهف لا ترتدي سوى قميصٍ أبيض خفيف .. عدت لخلع سترتي الجلدية ومددتها نحوها وقلت:
- خذي ارتديها
- ماذا ستعطيني أيضاً؟
- لا أعرف .. أنتظركِ حتى تهدئين وحسب
- أبقها معك وارحل
عادت لخلع الحذاء وتراجعت خطوة وقالت:
- أنا سأتدبر أمري
- هل ستعودين للمنزل ؟
- لن أعود إلى هناك
- أنتِ تصعّبين الأمور .. كيف تريدين منّي ترككِ وأنتِ بهذه الحال وأذهب .. من أخبركِ أنني أملك قلباً من حجر؟
لم تجب ولكنها بقيت تبكي بصمت حتى آلمني حالها .. إنها عنيدة ولا تقبل بالعودة لمنزلها ولا بالذهاب لمنزل أهلي .. فجأة رنّ هاتفي النقال و رددت بسرعة:
- نعم أمي
- أين ذهبت يا بُني ؟
- لقد رأيت أحد أصدقائي في الحي وأنا أتمشى معه الآن .. سأعود قريباً
أغلقت الهاتف وقلت:
- رهف .. لا يصحّ لكِ أن تبقي هنا وحدكِ وأنتِ بهذا الحال .. أرجوكِ دعيني أساعدكِ
- هل حقاً تريد مساعدتي؟
- سأفعل ما أقدر عليه
- هل استأجرت شقة؟
- لقد فعلت
- كم تبعد من هنا؟
- مسافة ساعة تقريباً .. لماذا تسألين؟
- أريدك أن تستقبلني بها لفترة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- مـ ماذا قلتِ ؟
وقفتُ أمامها مذهولاً بسبب طلبها الغريب الذي لم أكن مستعداً له.
الجو من حولنا أصبح ساكناً على نحوٍ غريب .. أوراق صفراء تتساقط ببطء .. كأنها تشاركها الانكسار وتشاركني صدمتي بأول طلب تطلبه مني .. قلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتاً:
- رهف .. عودي معي إلى بيت خالتي وسنتحدث بهدوء .. صدقيني لن يمسك أحد بسوء
هزّت رأسها بعناد وتراجعت خطوة و ردت من بين أسنانها:
- قلتُ لكَ لن أعود
اقتربتُ بحذر خشية أن تهرب مجدداً.
- حسناً إذن تعالي إلى بيت أهلي أمي وأخواتي هناك .. ستكونين بأمان.
نظرت إليّ نظرةً أعرفها .. تلك النظرة التي تسبق انفجارها.
- لا أريد أحداً .. لا أريد أن يراني أحد بهذه الحال
ابتلعتُ قلقي وقلت:
- ما رأيكِ أن أوصلكِ إلى بيت أحد أعمامك .. ليلة واحدة فقط ريثما تهدئين
ارتفعت نبرتها وارتجف صوتها:
- قلتُ لك لا .. لماذا لا تفهم؟ لا أريد بيتاً ولا أقارب ولا نصائح ..
ثم نظرت إليّ نظرةً حادّة لم أرَها في عينيها من قبل وتابعت:
- إن حاولتَ إجباري سأختفي ولن تجدني هذه المرة .. حتى مساعدتك لا أريدها
تجمّدت الكلمات في حلقي بعد كلامها ذاك .. كنتُ أراها أمامي مكسورة وخائفة ومع ذلك تقاتل كأن العالم كله عدوّها.. لم تقل لي ما الذي حدث ولم تفسّر شيئاً و لكنها طلبت شيئاً واحداً فقط وهو الحماية ولم أكن أعلم ممّن أحميها .. !!
رفعتُ يدي ببطء لأطمئنها :
- أنا لن أجبركِ على شيء يا رهف
سكتُّ لحظة .. تسارعت أنفاسي وصدري بدأ يضيق .. صورتُها وهي تقول سأختفي كانت كافية لأدرك أن الأمر ليس عناداً عابراً .. في تلك اللحظة أدركتُ أن كل اقتراحاتي لم تكن لها .. بل كانت لأطمئن أنا .. كنتُ أبحث عن حلٍ مريحٍ لي لا لها .. رفعتُ عيني إليها مجدداً .. لم أعد أرى فتاةً متهوّرة بل روحاً مذعورة تتشبّث بآخر خيط ثقة .. تقدّمتُ خطوة ثم اتخذتُ قراري .. لم أنطق به ولم أشرح لها شيئاً .. فقط اكتفيتُ بأن قلتُ بهدوءٍ لم أعرف من أين أتيتُ به:
- تعالي معي
ونظرتُ حولي .. لا إلى البيت الذي جئتُ منه ولا إلى أيٍّ من البيوت التي اقترحتُها .. بل إلى طريقٍ آخر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مددتُ يدي ونكشتُ كتفها بخفّة لتشهق وتنتفض .. اتّسعت عيناها بذعر وراحت تتلفّت حولها سريعاً .. تنظر من النافذة ثم إليّ .. وسألتني:
- هل وصلنا؟
أومأتُ برأسي :
- نعم لقد وصلنا .. يمكنكِ النزول
ترجّلتْ من السيارة و لكنني ما إن أغلقتُ الباب حتى رأيتُها تترنّح .. وضعت يدها على رأسها وكأن الأرض تدور بها ثم تمسّكت بذراعي وبباب البناء في آنٍ معاً لتستند إليه بوهن.
أمسكتها بسرعة وقلت:
- ما الذي أصابكِ؟
تنفّست ببطء وكأنها تقاتل لتبقى واقفة و ردت:
- أنا بخير
لم أقتنع فقد كان وجهها محمرّاً أكثر من اللازم .. رفعتُ يدي إلى جبينها وشعرتُ بحرارة واضحة .. فتحت عينيّ وقلت:
- حرارتكِ مرتفعة
أبعدت وجهها بعيداً عن يدي وقالت ببرودٍ مصطنع:
- ليس مهماً
عقدتُ حاجبيّ وقلت :
- ما رأيكِ أن نذهب إلى المستشفى .. إلى والدتكِ وهناك ...
انتفضت فجأة واشتعل صوتها غضباً مقاطعة لي :
- قلتُ لك لا أريد .. كفّ عن الضغط عليّ
تجمّدتُ بمكاني .. كان في كلامها شيءٌ أصابني مباشرة ..نعم كنتُ أضغط عليها مرةً أخرى .. لم أشعر بنفسي .. زفرتُ ببطء وقلت:
- حسناً كما تريدين يا رهف
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
توقّفتُ فجأة وناديتها:
- رهف
التفتت إليّ بضيق وقالت:
- ماذا الآن؟
تردّدتُ لحظة ثم قلتُ:
- هناك أمرٌ أخفيه عن أهلي
ضيّقت عينيها والتفّت بكامل جسدها وقالت:
- وما هو؟
تنفّستُ بعمق و رددت:
- أنا لا أعيش وحدي
توقّفتْ في منتصف الدرجة وحدّقت بي بدهشة وسألت:
- مع مَن تعيش إذن؟
مرّرتُ يدي في شعري بتوتر وقلت:
- هناك فتاة تعيش معي .. قد يبدو الأمر غريباً إن رأتكِ معي هنا
نزلت درجةً إلى الأسفل ونظرت إليّ بمكرٍ لم أتوقّعه منها رغم حرارتها المرتفعة وقالت:
- فتاة؟ ومن أيّ نوعٍ هذه الفتاة يا ترى؟
حدّقتُ بها لحظةً وأنا مصدوماً من حدّتها لأرد:
- قصتها طويلة .. ولكن لا يذهب تفكيركِ لبعيد .. إنها أختي.
ارتسمت الصدمة على وجهها :
- إحدى أخواتك تعيش معك ؟ .. أي واحدة منهنّ .. جنّات أم نور أم سندس؟
هززتُ رأسي نافياً:
- ولا واحدة منهن.
بدت حائرة وكأن الحرارة أثرت على رأسها للحظة .. ثم قالت:
- هل لديك أخت أخرى لا أتذكرها؟
أغمضتُ عينيّ للحظة ثم قلتُ ما لم أكن مستعداً لقوله لأحد بعد .. وكأنني أحيك قصة جديدة لأنجو :
- اكتشفت مؤخراً أن أبي كان متزوجاً من غير علم أمي .. ابنته أصبحت يتيمة الأم وهي الآن عندي ريثما أجد طريقةً أخبر بها أمي وأخواتي وأُعرفها عليهم ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد تعرّضت لحادث سير منذ فترة بعد وفاة والدتها وفقدت ذاكرتها على إثرها
كنتُ أتوقع دهشة أو شفقة .. لكن عيني رهف لمعتا بشيءٍ آخر .. بمكرٍ واضح .. قالت بهدوء :
- وخالتي لا تعلم شيئاً أليس كذلك؟
أومأتُ رأسي ببطء بينما رأيت على شفتيها ابتسامةً خفيفة قد أربكتني .. ثم قالت:
- ممتاز .. هذا هو المطلوب
تجمّدتُ وسألتها باستنكار:
- ماذا تقصدين؟
نظرت إليّ بثبات وقالت بنبرةٍ حاسمة:
- أنا لا تهمني أسراركم العائلية تلك .. فبالكاد كنت أتحمّل ثقل أسراري .. ولكن أيّاً يكن من يسألك عني ستنكر أنك رأيتني .. وإلا فإن قصة أختك التي يخفيها والدك عندك ستُفضح أمام العائلة كلّها في اليوم الذي ستفكر بإخبار أحد عن مكاني .. مفهوم يا ابن خالتي؟
شعرتُ وكأن أحدهم صفعني على وجهي .. وقفتُ مذهولاً من تحوّلها المفاجئ .. قبل دقائق كانت تتماسك بالكاد وتبكي بحرقة .. والآن تساومني ببرود !!
تابعت صعودها الدرج وكأن شيئاً لم يحدث وقالت بصوتٍ عالٍ:
- أنا لا أعرف بيتك .. هيا اصعد وأرشدني إليه
بقيتُ في مكاني لحظة أحدّق في ظهرها .. وأدركت حينها أنني لم أجلب إلى هذا البناء فتاةً هاربة وحسب .. بل عاصفة يمكن أن تحطم كل من يعاندها .. كم هناك فرق بينها وبين حلا .. ثم ما هذه الكذبة التي نطقت بها للتو ! يا لغبائي .. لقد أصبحت أكذب كثيراً في هذه الفترة .. وأنا الذي كان يُشهد لي بالصدق .. إلى أي هاوية أُجر نفسي الآن؟ وماذا ستكون الكذبة التالية يا ترى؟
وصلنا إلى أمام الباب ورننت الجرس وقلبي ينتفض بقوة بينما كانت رهف تمسك رأسها وتستند على كتفي حتى تستطيع الوقوف .. أخيراً فتحت حلا ووقفت أمامي عيناها مفتوحتان على آخرهما .. كانت الصدمة واضحة على وجهها .. تمالكت نفسي وقلت:
- كيف حالكِ يا أختي
كنت أريد الدخول ولكنها وقفت بوجهي وسألتني بنبرة غريبة :
- من هذه؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- في ما بعد .. الفتاة مريضة
تجاوزتها ودخلت بسرعة وأنا أسند رهف ثم أجلستها على الأريكة .. كنت أنظر إلى حلا التي بقيت واقفة وهي تحدق بي بطريقة غريبة .. لا أنكر أن نظراتها سببت لي بعض الخوف .. ثم تمالكت نفسي وقلت:
- إنها تكون رهف ابنة خالتي
أغلقت الباب بقوة وهي مازالت تحدق بي بصمت بينما أنا ازدرت ريقي لتنطق رهف فجأة:
- هل ستبرر لها وجودي أيضاً؟
نظرت بـ رهف ثم بـ حلا التي أمالت رأسها بينما مازال الصمت يغلّف نظراتها الثاقبة .. لا أدري بأي جحيم أوقعت نفسي الآن .. وقفت رهف وهي ترفع خصلات شعرها والتفتت اتجاه حلا التي تغيرت نظراتها بثانية .. وكأن غضبها انطفئ فجأة .. لم أفهم ما حصل للتو .. رأيتها ترمش عدة مرات قبل أن تنطق بدهشة موجهة الكلام لـ رهف :
- هل أعرفك !
ردت رهف بوهن:
- لا أدري .. هل التقينا من قبل؟
اقتربت حلا منا بخطى متأنية وهي تضيق عينيها وكأنها تستحضر ذكرى معينة لها .. ثم وقفت وقالت:
- تذكرتك .. أنتِ تلك الفتاة التي زارتني في المستشفى .. أليس كذلك؟
حل الصمت لحظات قبل أن تسأل رهف بدهشة:
- هل أنتِ حلا !؟
اتسعت ضحكة حلا و أومأت برأسها وقالت:
- أجل أنا حلا .. لم أستطع نسيانك أبداً .. تبدين أجمل من قبل
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أنتِ محمومة .. يا الهي .. أدهم إن حرارتها مرتفعة جداً
اقتربت وأمسكت بيد رهف التي استندت على حلا وأخذناها للغرفة لتتمدد على السرير وتغيب عن الوعي مباشرةً .. جلست حلا بجانبها وهي تمسك يدها والخوف اعتلا ملامحها .. غرقت عيناها بالدموع ونظرت إلي وقالت:
- أدهم .. أرجوك أحضر لها طبيب .. إنها ليست بخير
رأيت في عيني حلا خوفٌ لا يُشبه الشفقة ولا يشبه القلق العابر .. بل يشبه من يعرف أكثر مما ينبغي وعندها فقط بدأتُ أخشى أن تكون الذاكرة قد عادت ولكن ليس بالطريقة التي توقّعتها.