رواية احفاد نصار الفصل الثاني عشر 12 بقلم دنيا كريم
12 =أحفاد نصار "مكتملة" - الفصل 12 "مشاعر مُضطربة " - 12 /
الرواية من 15 بارت فقط - للجميع@
الفصل 12 "مشاعر مُضطربة" .
دق باب شقة «محمود» بقوة لينهض «مازن» من على طاولة الطعام و يقول :
" خليكوا انا ها افتح "
اتجه الي الباب و فتحه ليجد «بسمله» أمامه تلهث اثر ركضها على الدرج و وجهها شاحب ليسألها بقلق :
" في اي يا بسمله مالك ؟ "
" الحق يا مازن... بدر في القسم "
وقعت الكلمات عليهم جميعًا كالصاعقة و لم ينتظر «مازن» أو يستفسر عن أي شيء ، ركض الي غرفته مُسرعًا و امسك اول قميص و اول بنطال جاءوا بيده ليرتديهم سريعًا ، خرج من الغرفة خلال دقائق ليجد ابنة عمته مازالت تقف أمام الباب ليقول وهو يتجه الي المصعد :
" تعالي اركبي و فهميني اي الي حصل "
اومأت له و ركبت معه المصعد ليبدأ بالنزول مع قولها :
" ماعرفش اي الي حصل ، عثمان الولد الي شغال مُتدرب معاه في الصيدلية جالي و قالي بدر الحكومة جت خدته "
اومأ لها بتفهم مراعيًا حالتها التي كانت يرثى لها ليقول محاولًا طمأنتها :
" ماتخافيش انا ها اروح القسم دلوقتي و ها ابقى معاه "
اومأت له لتدعوا قائلة :
" استر يا رب "
وصل المصعد الي الطابق الاول ، خرجت «بسمله» من المصعد و دلفت الي شقة جدتها و «مازن» خلفها ، كانت «حنان» تجلس على الأريكة و تبكي بينما تربت والدتها على كتفها محاولة تهدئتها و كان «عثمان» يجلس على أحد المقاعد و قد أعطته «حنان» مشروبًا ليكسر صيامه ، انتفضت «حنان» من مكانها فور رؤيتها لـ «مازن» لتقترب منه و تقول برجاء :
" هاتلي ابني يا مازن بالله عليك "
ربت «مازن» على كتفها و قال بابتسامة واعدًا اياها :
" و الله العظيم ما ها ارجع من غيره "
شعرت ببعض الطمأنينة من كلماته لينظر إلي «عثمان» و يقول :
" تعالى وريني فين القسم الي خدوه ليه "
اومأ له «عثمان» ليضع كوب العصير جانبًا و يذهب معه ليشرده الي قسم الشرطة .
_________________________________
" و الله العظيم يا باشا ماعرف انت بتتكلم على اي "
قالها «بدر» بضيق ليرد عليه الضابط بسؤاله :
" عندك دليل ؟ "
مسح «بدر» على وجهه بتعب ليقول بهدوء محاولًا إثبات براءته:
" يا باشا انا مش بدخل المخازن اصلًا انا زي ما انت جيت و شوفت كده بقف ابيع للزباين ، بعدين ما تسأل حضرتك مدير الصيدلية هو ادرى "
" انت كمان ها تتاخد حتى لو جبت مدير الصيدلية ، و انا اي يثبتلي انك مش شريك معاهم "
زفر «بدر» بضيق بعدما نفذت كل محاولاته في إقناع الضابط ببراءته ليجلس على تلك الأريكة الموجودة داخل المكتب و يقول بقلة حيلة :
" طب ممكن نستنى لما دكتور عادل يجي ؟ "
اومأ له الضابط و عاد لإكمال عمله بينما شرد هو في ما سيحدث إذا لم يقول مدير الصيدلية الحقيقة و ثبتت التهمة عليه.
في نفس التوقيت في منزل آلـ «نصار» كانوا قد اجتمعوا في شقة «نجاح» ، كانت الأجواء حقًا متوترة و الجميع يدعوا من قلبه أن يمر اليوم على خير ، شعرت «اسيل» بالحزن الشديد على حالة عمتها تلك فقد كانت تبكي بقهر على ولدها و النيران داخل قلبها لا تهدأ من فكرة أن يعود «مازن» من دونه ، اشفقت «مروة» على حالتها فهي قد جربت شعور مشابه لها عندما قام «مازن» بحادثة سير في أول ايام مجيأهم الي «مصر» ، تتذكر ذاك الرعب الذي دب داخل أوصالها عندما اخبروها أنه بالمشفى و كم دعت له و بكت في غيابه حتى عاد لها لكن بالنسبة لـ «حنان» فالأمر اصعب بعدم وجود زوجها لعمله في محافظة اخرى و مجيئه في أيام عطلته فقط و لهذا السبب هي تعيش مع والدتها في منزل العائلة كي لا تبقى وحدها بدون زوجها ، نفضت تلك الأفكار عنها و طلبت من ابنتها بهدوء :
" اتصلي يا اسيل شوفي اخوكِ عمل اي "
اومأت لها ابنتها و قامت بالاتصال على شقيقها كما طلبت منها ، أتاها رده بعد دقائق لتسأله بلهفة :
" ايوا يا مازن عملت اي ؟ "
أجابها بهدوء :
" انا لسه داخل القسم اهو سألت عليه و ودوني مكتب الظابط و لسه ها ادخل "
اومأت له وهي تقول :
" طيب ابقى طمنا علشان عمتو خايفة اوي "
" حاضر اقفلي دلوقتي و ها اكلمك تاني "
ودعته ليغلق الخط و يتقدم من مكتب الضابط ليدق الباب و يسمح له الضابط بالدخول ، دلف الي الداخل و قال برسمية :
" مازن نصار ، محامي "
اومأ له الضابط و قال بابتسامة:
" اتفضل اقعد ، و حضرتك تبع الدكتور "
سأله الضابط بهدوء وهو يُشير بعينه على «بدر» الجالس على الأريكة ليومئ له «مازن» و يقول "
" ابن عمتي يا باشا ، ممكن تقولي هو متاخد في اي ؟"
أخرج الضابط أحد الأكياس البلاستيكية من الدرج ليضعها أمام «مازن» و يقول :
" لقينا كمية من المخدرات في مخازن الصيدلية "
" وهو مش المفروض مدير الصيدلية هو الي يتسأل على الحاجات دي ؟ "
سأله بأستغراب ليقول الضابط موضحًا :
" هو فعلًا المفروض أن مدير الصيدلية الي يتحمل المسؤولية بس الكلام ده لو هو الي حط الحاجات دي في المخزن ، يعني بأختصار كده احنا متحفظين على الدكتور بدر لحد ما المدير يجي و يوضح موقفه و لو كان مساهم في الموضوع ده ها يتحبس هو و المدير "
لم يغفل «مازن» عن هذا فكل ما يقوله الضابط قانوني مائه بالمائه لذلك قال بهدوء :
" بس لو الدكتور جيه و قال إن بدر مالوش علاقة يبقى الموضوع انتهى من ناحيته "
اومأ له الضابط مؤكدًا ليجلس «مازن» بجانب ابن عمته منتظرين حضور مدير الصيدلية و الذي سيثبت براءة «بدر» اهو هكذا تمنى .
في الجهة الأخرى في عمارة نصار كانت مازالت الأجواء متوترة و الجميع ينتظر اتصالًا من «مازن» يطمأنهم به أن كل شيء على ما يُرام و حدث هذا بالفعل ، شعرت «اسيل» بهاتفها يهتز معلنًا اتصال من شقيقها لتُجيب على الهاتف قائلة :
" اي يا مازن عملت اي ؟ "
أتاها رد شقيقها الذي قال بهدوء :
" قاعدين مستنين مدير الصيدلية يجي علشان يسمع الظابط أقواله "
انكمشت تعابيرها لتسأله بعدم فهم :
" اقوال ليه ؟ هو بدر متهم في اي ؟؟ "
صمت «مازن» قليلًا يُفكر هل يخبرها أم أن اخبارهم لم يثير الا الضجة و الرعب بقلوبهم و بعد صمت دام عدة دقائق حسم قراره بعدم اخبارهم الان حتى يعلم ما سيقوله ذاك الطبيب و موقف «بدر» في تلك القضية ماذا سيكون ، ليقول محاولًا مراوغة الإجابة على ذاك السؤال بسؤال آخر:
" هو سوء تفاهم بس ، الا صحيح مين من الشباب عندك ؟ "
نظرت إلي حيث يجلسون جميعًا بالصالة لتُجيب قائلة :
" مؤمن بس و يزن بس قاعد في النادي فوق تقريبًا مايعرفش بالي حصل "
استغرب من عدم ذكرها لأي من «اكرم» و «طارق» ما دفعه لسؤالها:
" و اكرم و طارق فين ؟ "
مطت شفتيها متزامنًا مع رفع كتفيها دلالة على جهلها بمكانهما لتنظر الي زوجة عمها و تسألها :
" هو فين طارق و اكرم يا طنط ؟ "
انتبهت إليها «داليا» لتجيب بحزن :
" و اللهِ يا بنتي ماعرف هما اتخانقوا و عمك طردهم من البيت لحد ما يتصالحوا "
دُهش الجميع من ما قالته فقد كان من الواضح أن علاقتهما كـ أخوة ليست بعلاقة بها الكثير من الشجار و الخلافات فقد كان كل من «اكرم» و «طارق» شخصين ناضحين بما يكفي إضافة الي عمرهم و الذي ليس بصغير لكي يتشاجروا مثل الاطفال .
أخبرت «اسيل» شقيقها بما أخبرتها به زوجة عمها عن سبب اختفائهما لتغلق معه المكالمة بعد أن أخبرها أن الطبيب قد وصل أخيرًا و سيبدأ الضابط بالتحقيق معه ، شعرت «هدى» بالحزن لأجل «طارق» و «اكرم» لتقول بحزن :
" دي عين و صابتهم علشان هما ماشاء الله عليهم و على ادبهم و تربيتهم "
ابتسمت لها «داليا» على مدحها لأولادها لتسألها «هدى» بأستغراب :
" بس ده اي الي خلاهم يتخانقوا جامد اوي كده ؟ "
حركت «داليا» كتفيها دلالة على عدم علمها لتقول بسرعة بعد أن تذكرت شيئًا ما:
" هما كانوا ماسكين في بعض و لقيت اكرم بيقول لطارق في اي بينك و بينها يالا هو ده الي انا سمعته بس مافهمتش بيتكلم على مين "
وقعت كلماتها كالصاعقة على الجميع و لكن كان هناك من بينهم من كانت صدمته مُضاعفة ، نعم انها «سما» و التي شحب وجهها مع كلمات زوجة عمها و تسارعت دقات قلبها ، هل من المعقول أن «اكرم» قد علم أن هناك شيئًا بينها و بين شقيقه أو أن شقيقه يحاول التقرب لها ؟ ، عادت بذاكرتها الي الصباح عندما قابلت «طارق» بالنادي و تشاجرت معه لتتذكر أنها قد قابلت «اكرم» على الدرج و هي عائدة الي شقتها لتفكر هل من المعقول أنه قد علم بسبب عودتها الي منزلها منزعجة أم أن هناك طريقة أخرى علم بها ؟ اخذت الأفكار تتخبط داخل رأسها لتنهض من مكانها مقررة أن تذهب الي المطبخ لكي لا يلاحظ أحد حالتها التي تغيرت بعدما فشلت في إخفاء توترها !
تحركت متجهة إلي المطبخ ظنًا منها أن لا أحد رأى تغيرها لكنها غفلت عن أعين شقيقها التي لاحظت شحوب وجهها المفاجئ و هروبها كي لا يلاحظ أحد ليضيق «مؤمن» عيناه وهو يراقب هروبها بصمت و قد علم الان هوية تلك التي كان يتحدث عنها «اكرم» مع شقيقه .
___________________________________
مجددًا داخل قسم الشرطة كان الطبيب «عادل» مدير الصيدلية يجلس أمام الضابط ليقول بهدوء :
" يا باشا انا ها اعترف بكل صراحة و مش ها اخبي على حضرتك حاجة لاني انا الغلطان و كان لازم اتصرف من الاول "
اومأ له الضابط قائلًا :
"يبقى افضل شيء عملته "
تنهد «عادل» قبل أن يبدأ حديثه ليقول :
" من فترة جيه دكتور جديد يشتغل معانا في الصيدلية كان لسه مخلص جامعة و انا وافقت لأن كان عندنا عجز في الصيدلية ، دكتور محسن كان باين عليه شاطر و كان شغال كويس حتى أنه أصر أنه هو الي يمسك مخازن الصيدلية و انا وافقت لانه كان شاطر و يعتمد عليه... في مرة بالصدفة و انا داخل المخازن اجيب لمريض نوع دوا كان خلصان من على الرف و دكتور محسن نسي يجيب غيره لقيت في كراتين كده شكلها مش مألوف ولا شكل أدوية من الي بنبعها "
ابتلع ريقه بصعوبة ليكمل بحسرة :
" لما فتحت الكراتين عرفت أن جواها مخدرات في الوقت ده ماعرفتش اعمل اي واجهته و قولتله اني ها ابلغ عنه بس هو فضل يترجاني و يقولي أنه ها يبطل بس ماعرفش يخلص من الصفقة دي علشان كده اضطر يجبها و يخبيها في الصيدلية "
اكمل حديثه بتنهيدة أظهرت ندمه ولكن بماذا يفيد الندم بعد وقوع الكارثة :
" انا كان المفروض أوقفه عن الي بيعمله بي اي طريقة لكن انا جاريته و افتكرت أنه فعلًا ندمان و ها يتغير "
شعر «مازن» بالشفقة تجاه ذاك الطبيب المسكين و الذي وقع ضحية لخبث الطبيب أو الذي يسمي نفسه طبيبًا ليصل الي هنا جراء أفعال ذاك الفاسد و يتحمل هو المسؤولية و رغم تعاطفه الشديد معه إلا أنه يعرف جيدًا كيف يفصل بين عمله و مشاعره الشخصية لذلك سأله بثبات :
" يعني قصدك يا دكتور أن الدكتور محسن هو الي كان بيدخل الحاجات دي المخزن و بدر مالهوش علاقة مش كده ؟ "
انتبه لم الدكتور «عادل» و كإنه لاحظ وجوده للتو ليومئ برأسه سريعًا و يقول :
" ايوا يا باشا بدر مالهوش دعوة بكل ده وهو ماكنش يعرف حاجة عن الموضوع ده اصلًا لانه مش بيدخل المخازن "
" يعني ها تتحمل انت المسؤولية ؟ "
سأله الضابط ليومئ برأسه قائلًا بحزن :
" ايوا يا باشا الدكتور بدر انسان محترم و غلبان و حرام يشيل مسؤولية غلط واحد مستهتر زيي "
بدأ الضابط بكتابة المحضر لينظر إلي كل من «مازن» و «بدر» و يقول :
" طيب كده انتوا تقدروا تمشوا "
اومأ له «مازن» و اتجه الي الباب لكي يغادروا لكنه توقف عندما وجد ابن عمته ابتعد عن الباب و ذهب إلي ذاك الذي يقبع على الكرسي ينظر إلي الأرض بخزي ليقول بابتسامة :
" دكتور عادل "
انتبه له ليكمل «بدر» ما أراد قوله :
" انت شخص عظيم و دكتور بيتقي الله في شغله و انا متأكد أن ربنا مش ها يسيبك و ها يكون معاك في محنتك دي "
أعطاه «عادل» ابتسامة ممتنة و كاد «بدر» يغادر لكنه عاد له مرة أخرى و قال :
" اه و حاجة كمان... شكرًا لانك فضلتني عن نفسك و قررت تتحمل كل حاجة لوحدك "
نفى «عادل» برأسه ليقول بابتسامة :
" انت مالكش ذنب علشان تتحمل مسؤولية اي حاجة انا الي غلطت و لازم اتعاقب على غلطي "
احتضنه «بدر» قبل أن يغادر ليبادله العناق ثم يقوم بتوديعه ليعود برفقة «مازن» الي المنزل .
_________________________________
أغمضت «سما» التي كانت تقف بالمطبخ وحدها عيناها بقوة تحاول دفع تلك الأفكار عن رأسها أو ربما التبرير لنفسها أنها ليست السبب فيما حدث ولكن شعورها بالندم تغلب عليها و جعلها تشعر بأنها سبب كل ما حدث ، تنهدت بعمق لتجلس على أحد مقاعد الطاولة الموجودة بالمطبخ تحاول التفكير في حل لتلك الورطة ، تخشى ان يتفوه «اكرم» بشيء يضعها في نقطة سوداء أمامهم جميعًا وهي لم تفعل شيئًا ، اخذتها دوامة أفكارها بعيدًا حتى أنها لم تنتبه لدلوف شقيقها الي المطبخ و الذي رقمها بنظرات ساخرة ليضرب بيده على الطاولة قاصدًا لفت انتباهها ، رفعت نظرها له بفزع ليسألها بتهكم سؤال هو يعلم إجابته جيدًا لكنه اراد أن يعلم هل ستصارحه بالحقيقة ام أنها ستخفي كعادتها :
" مالك ؟ "
حركت كتفيها قائلة بتوتر :
" مالي ما انا كويسة اهو "
اومأ لها و قد ارتسم على ثغره ابتسامة ساخرة ليتحرك صوب الخارج و هو يتوعد لها بأشد عقاب إذا كانت ظنونه صحيحة بينما هي تنهدت براحة لمغادرته دون أي تحقيقات فهذا ما ينقصها الان تحقيقات شقيقها و التي ستزيد من توترها الان و حسب .
بالخارج كان الجميع على نفس حالتهم السابقة ، كان الصمت يعم الأجواء لتكسره «هنا» و التي قالت بنبرة درامية :
" بقى بدر الي بينقذنا كلنا بقى هو دلوقتي الي عايز حد ينقذه "
لم تشعر بنظراتهم لها الا عندما رفعت نظرها لهم لتجدهم ينظرون لها بتهكم و والدتها تنظر لها بتحذير لترفع كفيها بسرعة قائلة ببلاهة محاولة تبرير ما تفوهت به :
" جماعة انا عبيطة ماتاخدوش بالكم من الي بقوله "
حل الصمت مرة أخرى على الأجواء لتحرك والدتها رأسها بيأس من ابنتها التي تتفوه بأشياء غبية دائمًا و تفسد اي جلسة بغبائها ، مرت دقائق قليلة ليسمعوا صوت طرقات الباب لتندفع «بسمله» قائلة وهي تتجه الي الباب :
" ها افتح "
فتحت الباب لتنفجر اساريرها بسعادة و عدم تصديق حينما أبصرت شقيقها برفقة «مازن» الذي وعدهم و أوفى بوعده أنه سيعود بشقيقها سالمًا و ها قد عاد به بالفعل ، ابتعدت عن الباب بسرعة لتسمح لهم بالدخول ، دلف كلاهما الي الداخل لتنتفض «حنان» من مكانها عند رؤيتها ابنها لتهرول إليه قائلة بدموع :
" انت كويس يا حبيبي ؟ "
اومأ لها «بدر» قائلًا بابتسامة :
" انا الحمد لله يا ماما كويس "
احتضنته والدته تتأكد من أنه سالم لم يصبه أذى لتتغلب عليها دموعها و تهبط عند تذكرها أن ولدها كان في قسم الشرطة و لولا «مازن» لما عاد إليها مرة أخرى ربما ، أخرجته من بين أحضانها ليجفف دموعها و يُشير لشقيقته قائلًا :
" تلاقيها ماكلتش يا بسمله هاتيلها حاجة تاكلها "
اومأت له شقيقته و قبل أن تتجه الي المطبخ اوقفتها جدتها التي قالت :
" و انت كمان يابني تلاقيك ماكلتش غير أن ماحدش فينا فطر علشان كده روحي حضري يا بسمله و ها نفطر كلنا سوا "
وافقتها حفيدتها و اتجهت الي المطبخ لتنهض كل من «مروة» و «هدى» ليساعدوها بعدما رأوا حالة «حنان» التي يرثى لها بسبب تلف أعصابها كل تلك المدة حتى عودة «بدر» سالمًا
انتهوا من تجهيز المائدة ليلتفوا جميعًا حولها و يبدأون بتناول طعامهم في هدوء ، و أثناء انشغال الجميع بطاعمه لاحظ «محمد» أن زوجته تجلس مهمومة لا تأكل شيئًا فقط تنظر إلي الطعام ليربت على كفها و يسألها برفق :
" مش بتاكلي ليه يا داليا ؟ "
أخرجت «داليا» تنهيدة أدلت على حزنها خوفها و قلقها أيضًا ، كل تلك المشاعر المتضاربة داخلها فقط لأجل ولديها و اللذان لا تعلم عنهم شيء منذ أكثر من ثلاث ساعات لتنظر الي زوجها في صمت ولكن بنظرات مترجية أخبرته بها كل ما تريده و أمام نظراتها قال بأستسلام :
" حاضر يا داليا كلي بس و انا ها اتصل بيهم اقولهم يرجعوا "
ابتسمت له بأمتنان ليُشير لها على الصحن أمامها قائلة بمرح و كأنه يحدث طفلة في السادسة من عمرها :
" بس بشرط تاكلي أكلك كله تمام "
ضحكت «داليا» بعدم تصديق لما يقوله ليبتسم هو بعدما وصل الي مبتغاه و هو التخفيف عنها
حتى يفكر فيما سيفعله بشأن ولديه و كيف سيحل ذاك الشجار الذي بينهم .
انتهوا من طعامهم جميعًا و قضوا بعض الوقت في شقة «نجاح» يستفسرون من «مازن» عن تفاصيل ما حدث و لم يُقصر «مازن» و أخبرهم بكل ما حدث لتهتف «حنان» قائلة بحسم :
" سيب الصيدلية دي يا بدر و شوف حتة تانية اشتغل فيها "
تنهد «بدر» ليقول محاولًا إقناع والدته برأيه :
" يا ماما دكتور عادل و الله راجل كويس و كل الي حصل ده بسبب دكتور محسن الله يسامحه عايزاني بعد كل الي عمله معايا ده اسيب الصيدلية و امشي بدل ما احطها تحت عيني و اخد بالي منها لحد ما ربنا يطلعه من السجن على خير ؟ "
نفت والدته برأسه قائلة بجدية :
" لا يا بدر هو ماعملش معاك حاجة تشيلهاله هو غلطان و خد جزاءه و انت مالكش دعوة بكل ده "
تنهد بقلة حيلة فهو يعرف جيدًا أن والدته عنيدة ولا تقتنع بسهولة ليقول محاولة بيأس إقناعها :
" يا ماما ربنا بيغفر للناس و بيسامحها احنا مش ها نسامحه ؟ ، بعدين الراجل هو اه غلط بس نيته كانت خير ، ماكنش عايز يضيع مستقبل شاب لسه في بداية حياته يبقى بعد الي عمله ده اسيبه انا كده ؟... اسف يا ماما بس مش ها اقدر "
ظلت «حنان» تنظر إلي ولدها بعتاب ليؤيد «محمود» فكرة «بدر» في محاولة لإقناع شقيقته بعد أن اقتنع بحديث ابنها :
" بدر عنده حق يا حنان ، ممكن يكون الراجل غلط بس ده مش معناه أنه مش كويس و انا شايف أن ابسط حاجة ممكن نساعده بيها هي إن بدر ياخد باله من الصيدلية لحد ما يرجع ولا اي يا جماعة ؟ "
كان يقصد والدته و شقيقيه بحديثه ليؤيد الجميع فكرته و تحت ضغطهم عليها اضطرت «حنان» للموافقة على عودة «بدر» للعمل في الصيدلية مرة أخرى و انتهى النقاش عند تلك النقطة ليعود كل منهم الي شقته ليكمل كل منهم باقي امُسيته مع عائلته عدا «محمد» و الذي عاد الي شقته محاولًا الاتصال بولديه بعدما أصبح هادئًا و قرر إعادتهم الي المنزل .
_________________________________
كان يجلس على أحد الارائك بالسطح يعبث في هاتفه بملل بعد أن اصر عليه والده بأن يعود و كان شرطه للعودة هو أن لا يجتمع بشقيقه في نفس المكان ليوافق والده على مضضٍ بعد أن وعده أنه سيهدأ و يتصالحوا ، ظن أن اليوم أخيرًا مر بهدوء و أنه سيرتاح قليلًا و لكن لم يحدث هذا حيث وجد شقيقه يدلف الي الغرفة التي يجلس بها ليعلم في تلك اللحظة أنه قد ضرب بكلمات والده عرض الحائط و أتى ليراه رغم رفضه ؛
زفر «اكرم» بأنزعاج مقررًا أن يتبع مع شقيقه نهج التجاهل فهو حاليًا لا يُطيقه أو يُطيق رؤيته ، و لكن إذا كنت تتعامل مع شخص احب الطب النفسي و اخذ دروسًا كثيرة به مثل «طارق» فهو سيستطيع أن يلعب على اوتار مشاعرك بكل براعة و يمتص غضبك بسهولة و هذا ما فعله «طارق» تحديدًا حيث قال :
" يعني ضاربني و كمان زعلان ؟ ، سيبتلي اي طيب اعمله ؟؟ "
ولكن «اكرم» قرر التمسك بتجاهله ليكمل التقليب بهاتفه دون إلقاء عليه نظرة واحدة و لكننا مع ذلك نتحدث هنا عن «طارق» و الذي اذا كنت لا تعرف المخترع الحقيقي لمصطلح العناد فـ «طارق» هو من اخترع هذا المصطلح ربما لهذا اكمل دون يأس و لكن هذه المرة بجدية فهو يدري أن شقيقه ليس من النوع الذي قد يفلح معه المزاح :
" انا عارف اني غلطان على فكرة بس انت كمان غلطان برضو و اهو انا جايلك لحد عندك علشان نتعاتب زي ما بنعمل على طول "
عند تلك النقطة استمع له «اكرم» و قرر التخلي عن صمته بعد أن شعر بجدية حديث شقيقه و أنه يرغب في البوح بما بداخله و بالطبع لم يجد حاويًا لما بداخله سوا توأمه و شقيقه العزيز و الذي قد اعتاد دائمًا أن يبوح له بكل ما بداخله إذا كان حزينًا و كان «اكرم» يفعل المثل و هذا ما جعل علاقتهما قوية بعيدة كل البُعد عن أي مشاكل و لكن هكذا هم الإخوة على كل حال دائمًا قد تنشب بينهم مشاكل و هذا طبيعي حتى إذا حدثت نادرًا فهذا لا يقلل من نسبه حبهم لبعضهم أبدًا ربما قد يزيدها أكثر ، وضع «اكرم» هاتفه جانبًا ينظر إلي شقيقه في هدوء ليقول «طارق» بحزن و غصة مريرة في حلقه:
" سما كويسة يا اكرم هي انسانة محترمة و متربية متدينة و تعرف ربنا مش... مش زيي "
كانت كلماته الاخير قد حملت الكثير من الخزي الذي يشعر به تجاه نفسه بعدما تذكر افعاله ، و رغم رغبة شقيقه في التخفيف عنه و أخباره أنه ليس سيئًا كما يشعر إلا أنه فضل ان ينتظر حتى ينتهي من كل ما بداخله أولًا و لم يطل انتظاره حتى اكمل «طارق» يسرد له كل ما يشعر به و ما حدث معه في تلك الفترة منذ مجيأهم و أبصرت عيناه تلك التي قلبت كيانه و جعلته ليس على طبيعته :
" انا حسيت انها مش بخير و حبيت اساعدها و تقريبًا انا كنت مخلي دي حجة مش اكتر ابرر بيها رغبتي في اني دايمًا عايز اشوفها... و فجأة لقيت نفسي برتاح لما ببصلها و بتكلم معاها "
أخرج تنهد متعبة قبل أن يكمل :
" انا مش ها اقولك اني بحبها أو مش قادر اعيش من غيرها و كل الكلام ده ، انا مش مراهق علشان في الفترة دي اقدر احبها بس انا معجب بيها و معجب بشخصيتها و طريقة تفكيرها و شكلها في حاجات كتيرة فيها بتشدني ليها غصب عني و بتخليني اقرب منها "
صمت وهو ينظر إلي شقيقه الذي كان يستمع له بأنصات ليقول برجاء بان في عيناه :
" اكرم قولي اعمل اي انا... انا تايه مش قادر افكر فكرة أننا ها نمشي و كل واحد ها يروح لحاله بتخليني عايز ابعد علشان ماتعلقش بيها بس في نفس الوقت مش عارف و حاسس اني كل يوم بتعلق بيها اكتر من اليوم الي قبله "
تنهد «اكرم» ليقول مجيبًا على جميع الاسئلة التي تدور في رأس شقيقه ، فإذا كان «طارق» يحب الطب النفسي و هذا ما يساعده على مجاراة الآخرين فـ «اكرم» يحفظ شقيقه عن ظهر قلب و هذا يكيفه لكي يعلم ما يشعر به و يأتي له بحل لمشكلته ذاك الذي لم يستطع ايجاد حل لمشكلته هو حتى الآن :
" طارق انت مش وحش و انا و انت عارفين كده كويس و اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده ، بس انت حسيت انك ما تستاهلهاش علشان هي طيبة و كويسة ده أولًا ثانيًا بقى لو انت عايز حل لانك مش عارف تبعد عنها فا اعتبر ده شرط ليا مش نصيحة علشان انسى الي حصل "
انتبه له «طارق» بكل حواسه ليقول شقيقه ما لديه :
" ادام انت لسه مش عارف دنيتك ولا متأكد من مشاعرك يبقى ابعد عنها حتى لو ها تراقبها من بعيد من غير ما تكلمها ، خليها تاخد و تدي مع نفسها ماتفضلش كاتم على نفسها كده و في نفس الوقت ادي لنفسك فرصة تفكر في الموضوع من جهات كتير أظن ده ها يساعدك "
اومأ له شقيقه وهو يفكر بجدية فيما قاله ليسمع «اكرم» يقول بنبرة محذرة :
" مالكش دعوة بيها ولا تقرب منها غير في الوقت الي انت متأكد فيه من مشاعرك و انك عايز تاخد خطوة جد معاها "
اومأ له عدة مرات سائلًا إياه بابتسامة :
" يعني لو عملت كده ها تصالحني ؟ "
اومأ له «اكرم» بابتسامة لينهض «طارق» و يقوم باحتصانه قائلًا بصدق :
" و الله العظيم انا بتعبرك اخويا الكبير حتى لو احنا قد بعض "
ليقبل رأسه و يقول بابتسامة :
" ماتزعلش مني "
اومأ له شقيقه ليعبث بخصلاته قائلًا له بأعتذار عن ما بدر منه بالصباح:
" ولا انت تزعل مني انت عارف اني بحبك و بخاف عليك صح ؟ ، علشان كده اتضايقت لما عرفت انك بتعمل حاجة غلط و ماجتش قولتلي "
احتضن الاثنين بعضهما بحب اخوي و قد شعر كل منهم بالغُربة في تلك الساعات القليلة و هم بعيدين عن بعضهم فهم لم يعتادوا الخصام و الابتعاد لأن كل منهم هو الداعم للآخر و اذا هربوا من العالم بأكمله فلم يهربوا من بعضهم لأنهم ليسوا فقط مجرد إخوة بل هم توأم اشتركوا في نفس المظهر و التصقوا ببعضهما البعض منذ بداية تكوينهم في أحشاء والدتهم حتى هذه اللحظة و سيبقون معًا لآخر لحظة لهم في حياتهم كما قضوا اول لحظة لهم في حياتهم معًا ؛ انتهى هذا اليوم أخيرًا بسلام بعد عدة كوارث حدثت به و ها قد مرة يوم اخر في ايام الشهر المبارك و الذي قد تغير فيه الكثير من الأشياء و المشاعر ، قد يكون اليوم قد انتهى و حل الهدوء في المنزل و لكن لم يحل اي هدوء على عقل معظم من يقطنون به بل ظلت عقولهم شاردة في الكثير و الكثير حتى أن بعضهم لم يتلقى نومًا هادئًا من كثرة التفكير في الماضي و فيما هو قادم و ما ينتظرهم بالغد ، لكن عليك التذكر دائمًا انج مهما كنت على استعداد للغد فالغد دائمًا سيفاجأك !
وووويُتبع
الرواية من 15 بارت فقط - للجميع@
الفصل 12 "مشاعر مُضطربة" .
دق باب شقة «محمود» بقوة لينهض «مازن» من على طاولة الطعام و يقول :
" خليكوا انا ها افتح "
اتجه الي الباب و فتحه ليجد «بسمله» أمامه تلهث اثر ركضها على الدرج و وجهها شاحب ليسألها بقلق :
" في اي يا بسمله مالك ؟ "
" الحق يا مازن... بدر في القسم "
وقعت الكلمات عليهم جميعًا كالصاعقة و لم ينتظر «مازن» أو يستفسر عن أي شيء ، ركض الي غرفته مُسرعًا و امسك اول قميص و اول بنطال جاءوا بيده ليرتديهم سريعًا ، خرج من الغرفة خلال دقائق ليجد ابنة عمته مازالت تقف أمام الباب ليقول وهو يتجه الي المصعد :
" تعالي اركبي و فهميني اي الي حصل "
اومأت له و ركبت معه المصعد ليبدأ بالنزول مع قولها :
" ماعرفش اي الي حصل ، عثمان الولد الي شغال مُتدرب معاه في الصيدلية جالي و قالي بدر الحكومة جت خدته "
اومأ لها بتفهم مراعيًا حالتها التي كانت يرثى لها ليقول محاولًا طمأنتها :
" ماتخافيش انا ها اروح القسم دلوقتي و ها ابقى معاه "
اومأت له لتدعوا قائلة :
" استر يا رب "
وصل المصعد الي الطابق الاول ، خرجت «بسمله» من المصعد و دلفت الي شقة جدتها و «مازن» خلفها ، كانت «حنان» تجلس على الأريكة و تبكي بينما تربت والدتها على كتفها محاولة تهدئتها و كان «عثمان» يجلس على أحد المقاعد و قد أعطته «حنان» مشروبًا ليكسر صيامه ، انتفضت «حنان» من مكانها فور رؤيتها لـ «مازن» لتقترب منه و تقول برجاء :
" هاتلي ابني يا مازن بالله عليك "
ربت «مازن» على كتفها و قال بابتسامة واعدًا اياها :
" و الله العظيم ما ها ارجع من غيره "
شعرت ببعض الطمأنينة من كلماته لينظر إلي «عثمان» و يقول :
" تعالى وريني فين القسم الي خدوه ليه "
اومأ له «عثمان» ليضع كوب العصير جانبًا و يذهب معه ليشرده الي قسم الشرطة .
_________________________________
" و الله العظيم يا باشا ماعرف انت بتتكلم على اي "
قالها «بدر» بضيق ليرد عليه الضابط بسؤاله :
" عندك دليل ؟ "
مسح «بدر» على وجهه بتعب ليقول بهدوء محاولًا إثبات براءته:
" يا باشا انا مش بدخل المخازن اصلًا انا زي ما انت جيت و شوفت كده بقف ابيع للزباين ، بعدين ما تسأل حضرتك مدير الصيدلية هو ادرى "
" انت كمان ها تتاخد حتى لو جبت مدير الصيدلية ، و انا اي يثبتلي انك مش شريك معاهم "
زفر «بدر» بضيق بعدما نفذت كل محاولاته في إقناع الضابط ببراءته ليجلس على تلك الأريكة الموجودة داخل المكتب و يقول بقلة حيلة :
" طب ممكن نستنى لما دكتور عادل يجي ؟ "
اومأ له الضابط و عاد لإكمال عمله بينما شرد هو في ما سيحدث إذا لم يقول مدير الصيدلية الحقيقة و ثبتت التهمة عليه.
في نفس التوقيت في منزل آلـ «نصار» كانوا قد اجتمعوا في شقة «نجاح» ، كانت الأجواء حقًا متوترة و الجميع يدعوا من قلبه أن يمر اليوم على خير ، شعرت «اسيل» بالحزن الشديد على حالة عمتها تلك فقد كانت تبكي بقهر على ولدها و النيران داخل قلبها لا تهدأ من فكرة أن يعود «مازن» من دونه ، اشفقت «مروة» على حالتها فهي قد جربت شعور مشابه لها عندما قام «مازن» بحادثة سير في أول ايام مجيأهم الي «مصر» ، تتذكر ذاك الرعب الذي دب داخل أوصالها عندما اخبروها أنه بالمشفى و كم دعت له و بكت في غيابه حتى عاد لها لكن بالنسبة لـ «حنان» فالأمر اصعب بعدم وجود زوجها لعمله في محافظة اخرى و مجيئه في أيام عطلته فقط و لهذا السبب هي تعيش مع والدتها في منزل العائلة كي لا تبقى وحدها بدون زوجها ، نفضت تلك الأفكار عنها و طلبت من ابنتها بهدوء :
" اتصلي يا اسيل شوفي اخوكِ عمل اي "
اومأت لها ابنتها و قامت بالاتصال على شقيقها كما طلبت منها ، أتاها رده بعد دقائق لتسأله بلهفة :
" ايوا يا مازن عملت اي ؟ "
أجابها بهدوء :
" انا لسه داخل القسم اهو سألت عليه و ودوني مكتب الظابط و لسه ها ادخل "
اومأت له وهي تقول :
" طيب ابقى طمنا علشان عمتو خايفة اوي "
" حاضر اقفلي دلوقتي و ها اكلمك تاني "
ودعته ليغلق الخط و يتقدم من مكتب الضابط ليدق الباب و يسمح له الضابط بالدخول ، دلف الي الداخل و قال برسمية :
" مازن نصار ، محامي "
اومأ له الضابط و قال بابتسامة:
" اتفضل اقعد ، و حضرتك تبع الدكتور "
سأله الضابط بهدوء وهو يُشير بعينه على «بدر» الجالس على الأريكة ليومئ له «مازن» و يقول "
" ابن عمتي يا باشا ، ممكن تقولي هو متاخد في اي ؟"
أخرج الضابط أحد الأكياس البلاستيكية من الدرج ليضعها أمام «مازن» و يقول :
" لقينا كمية من المخدرات في مخازن الصيدلية "
" وهو مش المفروض مدير الصيدلية هو الي يتسأل على الحاجات دي ؟ "
سأله بأستغراب ليقول الضابط موضحًا :
" هو فعلًا المفروض أن مدير الصيدلية الي يتحمل المسؤولية بس الكلام ده لو هو الي حط الحاجات دي في المخزن ، يعني بأختصار كده احنا متحفظين على الدكتور بدر لحد ما المدير يجي و يوضح موقفه و لو كان مساهم في الموضوع ده ها يتحبس هو و المدير "
لم يغفل «مازن» عن هذا فكل ما يقوله الضابط قانوني مائه بالمائه لذلك قال بهدوء :
" بس لو الدكتور جيه و قال إن بدر مالوش علاقة يبقى الموضوع انتهى من ناحيته "
اومأ له الضابط مؤكدًا ليجلس «مازن» بجانب ابن عمته منتظرين حضور مدير الصيدلية و الذي سيثبت براءة «بدر» اهو هكذا تمنى .
في الجهة الأخرى في عمارة نصار كانت مازالت الأجواء متوترة و الجميع ينتظر اتصالًا من «مازن» يطمأنهم به أن كل شيء على ما يُرام و حدث هذا بالفعل ، شعرت «اسيل» بهاتفها يهتز معلنًا اتصال من شقيقها لتُجيب على الهاتف قائلة :
" اي يا مازن عملت اي ؟ "
أتاها رد شقيقها الذي قال بهدوء :
" قاعدين مستنين مدير الصيدلية يجي علشان يسمع الظابط أقواله "
انكمشت تعابيرها لتسأله بعدم فهم :
" اقوال ليه ؟ هو بدر متهم في اي ؟؟ "
صمت «مازن» قليلًا يُفكر هل يخبرها أم أن اخبارهم لم يثير الا الضجة و الرعب بقلوبهم و بعد صمت دام عدة دقائق حسم قراره بعدم اخبارهم الان حتى يعلم ما سيقوله ذاك الطبيب و موقف «بدر» في تلك القضية ماذا سيكون ، ليقول محاولًا مراوغة الإجابة على ذاك السؤال بسؤال آخر:
" هو سوء تفاهم بس ، الا صحيح مين من الشباب عندك ؟ "
نظرت إلي حيث يجلسون جميعًا بالصالة لتُجيب قائلة :
" مؤمن بس و يزن بس قاعد في النادي فوق تقريبًا مايعرفش بالي حصل "
استغرب من عدم ذكرها لأي من «اكرم» و «طارق» ما دفعه لسؤالها:
" و اكرم و طارق فين ؟ "
مطت شفتيها متزامنًا مع رفع كتفيها دلالة على جهلها بمكانهما لتنظر الي زوجة عمها و تسألها :
" هو فين طارق و اكرم يا طنط ؟ "
انتبهت إليها «داليا» لتجيب بحزن :
" و اللهِ يا بنتي ماعرف هما اتخانقوا و عمك طردهم من البيت لحد ما يتصالحوا "
دُهش الجميع من ما قالته فقد كان من الواضح أن علاقتهما كـ أخوة ليست بعلاقة بها الكثير من الشجار و الخلافات فقد كان كل من «اكرم» و «طارق» شخصين ناضحين بما يكفي إضافة الي عمرهم و الذي ليس بصغير لكي يتشاجروا مثل الاطفال .
أخبرت «اسيل» شقيقها بما أخبرتها به زوجة عمها عن سبب اختفائهما لتغلق معه المكالمة بعد أن أخبرها أن الطبيب قد وصل أخيرًا و سيبدأ الضابط بالتحقيق معه ، شعرت «هدى» بالحزن لأجل «طارق» و «اكرم» لتقول بحزن :
" دي عين و صابتهم علشان هما ماشاء الله عليهم و على ادبهم و تربيتهم "
ابتسمت لها «داليا» على مدحها لأولادها لتسألها «هدى» بأستغراب :
" بس ده اي الي خلاهم يتخانقوا جامد اوي كده ؟ "
حركت «داليا» كتفيها دلالة على عدم علمها لتقول بسرعة بعد أن تذكرت شيئًا ما:
" هما كانوا ماسكين في بعض و لقيت اكرم بيقول لطارق في اي بينك و بينها يالا هو ده الي انا سمعته بس مافهمتش بيتكلم على مين "
وقعت كلماتها كالصاعقة على الجميع و لكن كان هناك من بينهم من كانت صدمته مُضاعفة ، نعم انها «سما» و التي شحب وجهها مع كلمات زوجة عمها و تسارعت دقات قلبها ، هل من المعقول أن «اكرم» قد علم أن هناك شيئًا بينها و بين شقيقه أو أن شقيقه يحاول التقرب لها ؟ ، عادت بذاكرتها الي الصباح عندما قابلت «طارق» بالنادي و تشاجرت معه لتتذكر أنها قد قابلت «اكرم» على الدرج و هي عائدة الي شقتها لتفكر هل من المعقول أنه قد علم بسبب عودتها الي منزلها منزعجة أم أن هناك طريقة أخرى علم بها ؟ اخذت الأفكار تتخبط داخل رأسها لتنهض من مكانها مقررة أن تذهب الي المطبخ لكي لا يلاحظ أحد حالتها التي تغيرت بعدما فشلت في إخفاء توترها !
تحركت متجهة إلي المطبخ ظنًا منها أن لا أحد رأى تغيرها لكنها غفلت عن أعين شقيقها التي لاحظت شحوب وجهها المفاجئ و هروبها كي لا يلاحظ أحد ليضيق «مؤمن» عيناه وهو يراقب هروبها بصمت و قد علم الان هوية تلك التي كان يتحدث عنها «اكرم» مع شقيقه .
___________________________________
مجددًا داخل قسم الشرطة كان الطبيب «عادل» مدير الصيدلية يجلس أمام الضابط ليقول بهدوء :
" يا باشا انا ها اعترف بكل صراحة و مش ها اخبي على حضرتك حاجة لاني انا الغلطان و كان لازم اتصرف من الاول "
اومأ له الضابط قائلًا :
"يبقى افضل شيء عملته "
تنهد «عادل» قبل أن يبدأ حديثه ليقول :
" من فترة جيه دكتور جديد يشتغل معانا في الصيدلية كان لسه مخلص جامعة و انا وافقت لأن كان عندنا عجز في الصيدلية ، دكتور محسن كان باين عليه شاطر و كان شغال كويس حتى أنه أصر أنه هو الي يمسك مخازن الصيدلية و انا وافقت لانه كان شاطر و يعتمد عليه... في مرة بالصدفة و انا داخل المخازن اجيب لمريض نوع دوا كان خلصان من على الرف و دكتور محسن نسي يجيب غيره لقيت في كراتين كده شكلها مش مألوف ولا شكل أدوية من الي بنبعها "
ابتلع ريقه بصعوبة ليكمل بحسرة :
" لما فتحت الكراتين عرفت أن جواها مخدرات في الوقت ده ماعرفتش اعمل اي واجهته و قولتله اني ها ابلغ عنه بس هو فضل يترجاني و يقولي أنه ها يبطل بس ماعرفش يخلص من الصفقة دي علشان كده اضطر يجبها و يخبيها في الصيدلية "
اكمل حديثه بتنهيدة أظهرت ندمه ولكن بماذا يفيد الندم بعد وقوع الكارثة :
" انا كان المفروض أوقفه عن الي بيعمله بي اي طريقة لكن انا جاريته و افتكرت أنه فعلًا ندمان و ها يتغير "
شعر «مازن» بالشفقة تجاه ذاك الطبيب المسكين و الذي وقع ضحية لخبث الطبيب أو الذي يسمي نفسه طبيبًا ليصل الي هنا جراء أفعال ذاك الفاسد و يتحمل هو المسؤولية و رغم تعاطفه الشديد معه إلا أنه يعرف جيدًا كيف يفصل بين عمله و مشاعره الشخصية لذلك سأله بثبات :
" يعني قصدك يا دكتور أن الدكتور محسن هو الي كان بيدخل الحاجات دي المخزن و بدر مالهوش علاقة مش كده ؟ "
انتبه لم الدكتور «عادل» و كإنه لاحظ وجوده للتو ليومئ برأسه سريعًا و يقول :
" ايوا يا باشا بدر مالهوش دعوة بكل ده وهو ماكنش يعرف حاجة عن الموضوع ده اصلًا لانه مش بيدخل المخازن "
" يعني ها تتحمل انت المسؤولية ؟ "
سأله الضابط ليومئ برأسه قائلًا بحزن :
" ايوا يا باشا الدكتور بدر انسان محترم و غلبان و حرام يشيل مسؤولية غلط واحد مستهتر زيي "
بدأ الضابط بكتابة المحضر لينظر إلي كل من «مازن» و «بدر» و يقول :
" طيب كده انتوا تقدروا تمشوا "
اومأ له «مازن» و اتجه الي الباب لكي يغادروا لكنه توقف عندما وجد ابن عمته ابتعد عن الباب و ذهب إلي ذاك الذي يقبع على الكرسي ينظر إلي الأرض بخزي ليقول بابتسامة :
" دكتور عادل "
انتبه له ليكمل «بدر» ما أراد قوله :
" انت شخص عظيم و دكتور بيتقي الله في شغله و انا متأكد أن ربنا مش ها يسيبك و ها يكون معاك في محنتك دي "
أعطاه «عادل» ابتسامة ممتنة و كاد «بدر» يغادر لكنه عاد له مرة أخرى و قال :
" اه و حاجة كمان... شكرًا لانك فضلتني عن نفسك و قررت تتحمل كل حاجة لوحدك "
نفى «عادل» برأسه ليقول بابتسامة :
" انت مالكش ذنب علشان تتحمل مسؤولية اي حاجة انا الي غلطت و لازم اتعاقب على غلطي "
احتضنه «بدر» قبل أن يغادر ليبادله العناق ثم يقوم بتوديعه ليعود برفقة «مازن» الي المنزل .
_________________________________
أغمضت «سما» التي كانت تقف بالمطبخ وحدها عيناها بقوة تحاول دفع تلك الأفكار عن رأسها أو ربما التبرير لنفسها أنها ليست السبب فيما حدث ولكن شعورها بالندم تغلب عليها و جعلها تشعر بأنها سبب كل ما حدث ، تنهدت بعمق لتجلس على أحد مقاعد الطاولة الموجودة بالمطبخ تحاول التفكير في حل لتلك الورطة ، تخشى ان يتفوه «اكرم» بشيء يضعها في نقطة سوداء أمامهم جميعًا وهي لم تفعل شيئًا ، اخذتها دوامة أفكارها بعيدًا حتى أنها لم تنتبه لدلوف شقيقها الي المطبخ و الذي رقمها بنظرات ساخرة ليضرب بيده على الطاولة قاصدًا لفت انتباهها ، رفعت نظرها له بفزع ليسألها بتهكم سؤال هو يعلم إجابته جيدًا لكنه اراد أن يعلم هل ستصارحه بالحقيقة ام أنها ستخفي كعادتها :
" مالك ؟ "
حركت كتفيها قائلة بتوتر :
" مالي ما انا كويسة اهو "
اومأ لها و قد ارتسم على ثغره ابتسامة ساخرة ليتحرك صوب الخارج و هو يتوعد لها بأشد عقاب إذا كانت ظنونه صحيحة بينما هي تنهدت براحة لمغادرته دون أي تحقيقات فهذا ما ينقصها الان تحقيقات شقيقها و التي ستزيد من توترها الان و حسب .
بالخارج كان الجميع على نفس حالتهم السابقة ، كان الصمت يعم الأجواء لتكسره «هنا» و التي قالت بنبرة درامية :
" بقى بدر الي بينقذنا كلنا بقى هو دلوقتي الي عايز حد ينقذه "
لم تشعر بنظراتهم لها الا عندما رفعت نظرها لهم لتجدهم ينظرون لها بتهكم و والدتها تنظر لها بتحذير لترفع كفيها بسرعة قائلة ببلاهة محاولة تبرير ما تفوهت به :
" جماعة انا عبيطة ماتاخدوش بالكم من الي بقوله "
حل الصمت مرة أخرى على الأجواء لتحرك والدتها رأسها بيأس من ابنتها التي تتفوه بأشياء غبية دائمًا و تفسد اي جلسة بغبائها ، مرت دقائق قليلة ليسمعوا صوت طرقات الباب لتندفع «بسمله» قائلة وهي تتجه الي الباب :
" ها افتح "
فتحت الباب لتنفجر اساريرها بسعادة و عدم تصديق حينما أبصرت شقيقها برفقة «مازن» الذي وعدهم و أوفى بوعده أنه سيعود بشقيقها سالمًا و ها قد عاد به بالفعل ، ابتعدت عن الباب بسرعة لتسمح لهم بالدخول ، دلف كلاهما الي الداخل لتنتفض «حنان» من مكانها عند رؤيتها ابنها لتهرول إليه قائلة بدموع :
" انت كويس يا حبيبي ؟ "
اومأ لها «بدر» قائلًا بابتسامة :
" انا الحمد لله يا ماما كويس "
احتضنته والدته تتأكد من أنه سالم لم يصبه أذى لتتغلب عليها دموعها و تهبط عند تذكرها أن ولدها كان في قسم الشرطة و لولا «مازن» لما عاد إليها مرة أخرى ربما ، أخرجته من بين أحضانها ليجفف دموعها و يُشير لشقيقته قائلًا :
" تلاقيها ماكلتش يا بسمله هاتيلها حاجة تاكلها "
اومأت له شقيقته و قبل أن تتجه الي المطبخ اوقفتها جدتها التي قالت :
" و انت كمان يابني تلاقيك ماكلتش غير أن ماحدش فينا فطر علشان كده روحي حضري يا بسمله و ها نفطر كلنا سوا "
وافقتها حفيدتها و اتجهت الي المطبخ لتنهض كل من «مروة» و «هدى» ليساعدوها بعدما رأوا حالة «حنان» التي يرثى لها بسبب تلف أعصابها كل تلك المدة حتى عودة «بدر» سالمًا
انتهوا من تجهيز المائدة ليلتفوا جميعًا حولها و يبدأون بتناول طعامهم في هدوء ، و أثناء انشغال الجميع بطاعمه لاحظ «محمد» أن زوجته تجلس مهمومة لا تأكل شيئًا فقط تنظر إلي الطعام ليربت على كفها و يسألها برفق :
" مش بتاكلي ليه يا داليا ؟ "
أخرجت «داليا» تنهيدة أدلت على حزنها خوفها و قلقها أيضًا ، كل تلك المشاعر المتضاربة داخلها فقط لأجل ولديها و اللذان لا تعلم عنهم شيء منذ أكثر من ثلاث ساعات لتنظر الي زوجها في صمت ولكن بنظرات مترجية أخبرته بها كل ما تريده و أمام نظراتها قال بأستسلام :
" حاضر يا داليا كلي بس و انا ها اتصل بيهم اقولهم يرجعوا "
ابتسمت له بأمتنان ليُشير لها على الصحن أمامها قائلة بمرح و كأنه يحدث طفلة في السادسة من عمرها :
" بس بشرط تاكلي أكلك كله تمام "
ضحكت «داليا» بعدم تصديق لما يقوله ليبتسم هو بعدما وصل الي مبتغاه و هو التخفيف عنها
حتى يفكر فيما سيفعله بشأن ولديه و كيف سيحل ذاك الشجار الذي بينهم .
انتهوا من طعامهم جميعًا و قضوا بعض الوقت في شقة «نجاح» يستفسرون من «مازن» عن تفاصيل ما حدث و لم يُقصر «مازن» و أخبرهم بكل ما حدث لتهتف «حنان» قائلة بحسم :
" سيب الصيدلية دي يا بدر و شوف حتة تانية اشتغل فيها "
تنهد «بدر» ليقول محاولًا إقناع والدته برأيه :
" يا ماما دكتور عادل و الله راجل كويس و كل الي حصل ده بسبب دكتور محسن الله يسامحه عايزاني بعد كل الي عمله معايا ده اسيب الصيدلية و امشي بدل ما احطها تحت عيني و اخد بالي منها لحد ما ربنا يطلعه من السجن على خير ؟ "
نفت والدته برأسه قائلة بجدية :
" لا يا بدر هو ماعملش معاك حاجة تشيلهاله هو غلطان و خد جزاءه و انت مالكش دعوة بكل ده "
تنهد بقلة حيلة فهو يعرف جيدًا أن والدته عنيدة ولا تقتنع بسهولة ليقول محاولة بيأس إقناعها :
" يا ماما ربنا بيغفر للناس و بيسامحها احنا مش ها نسامحه ؟ ، بعدين الراجل هو اه غلط بس نيته كانت خير ، ماكنش عايز يضيع مستقبل شاب لسه في بداية حياته يبقى بعد الي عمله ده اسيبه انا كده ؟... اسف يا ماما بس مش ها اقدر "
ظلت «حنان» تنظر إلي ولدها بعتاب ليؤيد «محمود» فكرة «بدر» في محاولة لإقناع شقيقته بعد أن اقتنع بحديث ابنها :
" بدر عنده حق يا حنان ، ممكن يكون الراجل غلط بس ده مش معناه أنه مش كويس و انا شايف أن ابسط حاجة ممكن نساعده بيها هي إن بدر ياخد باله من الصيدلية لحد ما يرجع ولا اي يا جماعة ؟ "
كان يقصد والدته و شقيقيه بحديثه ليؤيد الجميع فكرته و تحت ضغطهم عليها اضطرت «حنان» للموافقة على عودة «بدر» للعمل في الصيدلية مرة أخرى و انتهى النقاش عند تلك النقطة ليعود كل منهم الي شقته ليكمل كل منهم باقي امُسيته مع عائلته عدا «محمد» و الذي عاد الي شقته محاولًا الاتصال بولديه بعدما أصبح هادئًا و قرر إعادتهم الي المنزل .
_________________________________
كان يجلس على أحد الارائك بالسطح يعبث في هاتفه بملل بعد أن اصر عليه والده بأن يعود و كان شرطه للعودة هو أن لا يجتمع بشقيقه في نفس المكان ليوافق والده على مضضٍ بعد أن وعده أنه سيهدأ و يتصالحوا ، ظن أن اليوم أخيرًا مر بهدوء و أنه سيرتاح قليلًا و لكن لم يحدث هذا حيث وجد شقيقه يدلف الي الغرفة التي يجلس بها ليعلم في تلك اللحظة أنه قد ضرب بكلمات والده عرض الحائط و أتى ليراه رغم رفضه ؛
زفر «اكرم» بأنزعاج مقررًا أن يتبع مع شقيقه نهج التجاهل فهو حاليًا لا يُطيقه أو يُطيق رؤيته ، و لكن إذا كنت تتعامل مع شخص احب الطب النفسي و اخذ دروسًا كثيرة به مثل «طارق» فهو سيستطيع أن يلعب على اوتار مشاعرك بكل براعة و يمتص غضبك بسهولة و هذا ما فعله «طارق» تحديدًا حيث قال :
" يعني ضاربني و كمان زعلان ؟ ، سيبتلي اي طيب اعمله ؟؟ "
ولكن «اكرم» قرر التمسك بتجاهله ليكمل التقليب بهاتفه دون إلقاء عليه نظرة واحدة و لكننا مع ذلك نتحدث هنا عن «طارق» و الذي اذا كنت لا تعرف المخترع الحقيقي لمصطلح العناد فـ «طارق» هو من اخترع هذا المصطلح ربما لهذا اكمل دون يأس و لكن هذه المرة بجدية فهو يدري أن شقيقه ليس من النوع الذي قد يفلح معه المزاح :
" انا عارف اني غلطان على فكرة بس انت كمان غلطان برضو و اهو انا جايلك لحد عندك علشان نتعاتب زي ما بنعمل على طول "
عند تلك النقطة استمع له «اكرم» و قرر التخلي عن صمته بعد أن شعر بجدية حديث شقيقه و أنه يرغب في البوح بما بداخله و بالطبع لم يجد حاويًا لما بداخله سوا توأمه و شقيقه العزيز و الذي قد اعتاد دائمًا أن يبوح له بكل ما بداخله إذا كان حزينًا و كان «اكرم» يفعل المثل و هذا ما جعل علاقتهما قوية بعيدة كل البُعد عن أي مشاكل و لكن هكذا هم الإخوة على كل حال دائمًا قد تنشب بينهم مشاكل و هذا طبيعي حتى إذا حدثت نادرًا فهذا لا يقلل من نسبه حبهم لبعضهم أبدًا ربما قد يزيدها أكثر ، وضع «اكرم» هاتفه جانبًا ينظر إلي شقيقه في هدوء ليقول «طارق» بحزن و غصة مريرة في حلقه:
" سما كويسة يا اكرم هي انسانة محترمة و متربية متدينة و تعرف ربنا مش... مش زيي "
كانت كلماته الاخير قد حملت الكثير من الخزي الذي يشعر به تجاه نفسه بعدما تذكر افعاله ، و رغم رغبة شقيقه في التخفيف عنه و أخباره أنه ليس سيئًا كما يشعر إلا أنه فضل ان ينتظر حتى ينتهي من كل ما بداخله أولًا و لم يطل انتظاره حتى اكمل «طارق» يسرد له كل ما يشعر به و ما حدث معه في تلك الفترة منذ مجيأهم و أبصرت عيناه تلك التي قلبت كيانه و جعلته ليس على طبيعته :
" انا حسيت انها مش بخير و حبيت اساعدها و تقريبًا انا كنت مخلي دي حجة مش اكتر ابرر بيها رغبتي في اني دايمًا عايز اشوفها... و فجأة لقيت نفسي برتاح لما ببصلها و بتكلم معاها "
أخرج تنهد متعبة قبل أن يكمل :
" انا مش ها اقولك اني بحبها أو مش قادر اعيش من غيرها و كل الكلام ده ، انا مش مراهق علشان في الفترة دي اقدر احبها بس انا معجب بيها و معجب بشخصيتها و طريقة تفكيرها و شكلها في حاجات كتيرة فيها بتشدني ليها غصب عني و بتخليني اقرب منها "
صمت وهو ينظر إلي شقيقه الذي كان يستمع له بأنصات ليقول برجاء بان في عيناه :
" اكرم قولي اعمل اي انا... انا تايه مش قادر افكر فكرة أننا ها نمشي و كل واحد ها يروح لحاله بتخليني عايز ابعد علشان ماتعلقش بيها بس في نفس الوقت مش عارف و حاسس اني كل يوم بتعلق بيها اكتر من اليوم الي قبله "
تنهد «اكرم» ليقول مجيبًا على جميع الاسئلة التي تدور في رأس شقيقه ، فإذا كان «طارق» يحب الطب النفسي و هذا ما يساعده على مجاراة الآخرين فـ «اكرم» يحفظ شقيقه عن ظهر قلب و هذا يكيفه لكي يعلم ما يشعر به و يأتي له بحل لمشكلته ذاك الذي لم يستطع ايجاد حل لمشكلته هو حتى الآن :
" طارق انت مش وحش و انا و انت عارفين كده كويس و اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده ، بس انت حسيت انك ما تستاهلهاش علشان هي طيبة و كويسة ده أولًا ثانيًا بقى لو انت عايز حل لانك مش عارف تبعد عنها فا اعتبر ده شرط ليا مش نصيحة علشان انسى الي حصل "
انتبه له «طارق» بكل حواسه ليقول شقيقه ما لديه :
" ادام انت لسه مش عارف دنيتك ولا متأكد من مشاعرك يبقى ابعد عنها حتى لو ها تراقبها من بعيد من غير ما تكلمها ، خليها تاخد و تدي مع نفسها ماتفضلش كاتم على نفسها كده و في نفس الوقت ادي لنفسك فرصة تفكر في الموضوع من جهات كتير أظن ده ها يساعدك "
اومأ له شقيقه وهو يفكر بجدية فيما قاله ليسمع «اكرم» يقول بنبرة محذرة :
" مالكش دعوة بيها ولا تقرب منها غير في الوقت الي انت متأكد فيه من مشاعرك و انك عايز تاخد خطوة جد معاها "
اومأ له عدة مرات سائلًا إياه بابتسامة :
" يعني لو عملت كده ها تصالحني ؟ "
اومأ له «اكرم» بابتسامة لينهض «طارق» و يقوم باحتصانه قائلًا بصدق :
" و الله العظيم انا بتعبرك اخويا الكبير حتى لو احنا قد بعض "
ليقبل رأسه و يقول بابتسامة :
" ماتزعلش مني "
اومأ له شقيقه ليعبث بخصلاته قائلًا له بأعتذار عن ما بدر منه بالصباح:
" ولا انت تزعل مني انت عارف اني بحبك و بخاف عليك صح ؟ ، علشان كده اتضايقت لما عرفت انك بتعمل حاجة غلط و ماجتش قولتلي "
احتضن الاثنين بعضهما بحب اخوي و قد شعر كل منهم بالغُربة في تلك الساعات القليلة و هم بعيدين عن بعضهم فهم لم يعتادوا الخصام و الابتعاد لأن كل منهم هو الداعم للآخر و اذا هربوا من العالم بأكمله فلم يهربوا من بعضهم لأنهم ليسوا فقط مجرد إخوة بل هم توأم اشتركوا في نفس المظهر و التصقوا ببعضهما البعض منذ بداية تكوينهم في أحشاء والدتهم حتى هذه اللحظة و سيبقون معًا لآخر لحظة لهم في حياتهم كما قضوا اول لحظة لهم في حياتهم معًا ؛ انتهى هذا اليوم أخيرًا بسلام بعد عدة كوارث حدثت به و ها قد مرة يوم اخر في ايام الشهر المبارك و الذي قد تغير فيه الكثير من الأشياء و المشاعر ، قد يكون اليوم قد انتهى و حل الهدوء في المنزل و لكن لم يحل اي هدوء على عقل معظم من يقطنون به بل ظلت عقولهم شاردة في الكثير و الكثير حتى أن بعضهم لم يتلقى نومًا هادئًا من كثرة التفكير في الماضي و فيما هو قادم و ما ينتظرهم بالغد ، لكن عليك التذكر دائمًا انج مهما كنت على استعداد للغد فالغد دائمًا سيفاجأك !
وووويُتبع