رواية اقدار مؤجلة الفصل الثاني عشر 12 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟐 : مويا ديفوتشكا
by Volny_morya
. . .
العتاب عزيز ، لا يستحقهُ من أَسرف في الاساءة .
5
. . . .
تردّد رنين الهاتف على أذنها بإلحاح وهي على آخر أعصابها، كأن الصوت يطرق داخل جمجمتها لا على الطاولة. مدت يدها أخيرًا، أنفاسها غير منتظمة، ثم أجابت بنبرة مهنية حاولت عبثًا أن تجعلها ثابتة:
"مرحبًا، فيينا من شركة الاستثمارات VEA، بماذا أستطيع المساعدة؟.. "
جاءها الصوت من الطرف الآخر واضحًا، أنثويًا، واثقًا أكثر مما توقعت:
"أنا إيكاترينا فولكوف، أريد أخذ موعد مع VEA للاستثمار.. "
توقفت لثانية، بالكاد رمشت، قبل أن يأتيها الرد الذي لم تكن مستعدة له:
"أوه، آنسة إيكاترينا، أبلغنا السيد ريكاردو بوليكاف عنك..كنتُ على وشك الاتصال بك لإبلاغك بالموعد…"
3
"أوه…"
خرجت الكلمة منها منخفضة، فارغة، كأنها لم تُخلق لتُقال..
أغمضت عينيها للحظة، طويلة بما يكفي لتلعن اسمه في داخلها عشر مرات..
لقد حذّرته..قالت له بوضوح ألا يتدخل، ألا يجرّها إلى هذا المسار، ومع ذلك… فعل.. أخذ لها موعدًا بالفعل، وكأن الأمر شأنه..
1
"الرئيس لديه متّسع من الوقت قرابة الواحدة ظهرًا، هل يناسبك هذا التوقيت؟.. "
سادت ثانية صمت، ثانية واحدة فقط، لكنها بدت لها دهورًا..
"أجل… أجل، بطبع.. "
"وأيضًا، آنسة إيكاترينا، سيكون الاجتماع في المستشفى بما أنه مكان عملك... لقد نوقش هذا الأمر مع السيد بوليكاف.. و الرئيس.. "
7
يا إلهي… كيف فعل هذا؟
هل الرئيس يعرفه أكثر مما ينبغي؟..
1
أحست بانقباض خفيف في صدرها، مزيج من الامتنان القسري والغضب المكتوم..ستكون مدينة له، شاءت أم أبت، وهذه الفكرة وحدها كانت خانقة..
"شكرًا.. "
قالتها ببرود متعمد..
"الشكر لكِ، آنسة إيكاترينا، نتمنى لكِ يومًا طيبًا.. "
أغلقت الخط، وبقي الهاتف في يدها لثوانٍ قبل أن تضعه جانبًا بعنف خفيف..مرّرت كفها على وجهها بإرهاق، كأنها تحاول مسح كل شيء دفعة واحدة:
الهالات السوداء تحت عينيها لم تعد قابلة للإخفاء، والتعب كان منقوشًا في ملامحها دون استئذان..لكن التعب الحقيقي لم يكن جسديًا..
الحقيقة التي ظهرت البارحة… وحدها كانت كافية لتقلب معدتها..
ظهوره المفاجئ..
تحديدا في المدرسة..
وأخذه ابنتها بين يديه بعد ست سنوات كاملة من جهله الأمر..
ست سنوات..
شعرت بارتجافة تمرّ في جسدها وهي تستعيد الصورة..
يا إلهي… الخوف الذي اجتاحها حينها لم يختفِ، بل استقر في صدرها، ينتظر لحظة ضعف ليعود أشد..
ماذا لو…؟
ماذا لو عاد ليطالب بتحليل أبوة؟..
أو الأسوأ… ماذا لو كان قد أخذ عيّنة منها البارحة؟
شعرة، منديلًا، أي شيء؟..
كان هادئًا أكثر من اللازم.. طبيعيًا أكثر مما يجب...
وهذا ما أرعبها..
هل سيطالب بالحضانة؟
هل سيرفع قضية ضدها لأنها لم تخبره بوجود طفلة تحمل اسمه؟
1
احتمالات لا تنتهي، وكل واحد منها كان كفيلًا بأن يدمّرها..
حاولت التمسك بفكرة واحدة، ضعيفة لكنها ضرورية:
"ربما لا يريدها.. "
ربما تزوج خلال هذه السنوات، ربما لديه أطفال، حياة كاملة لا مكان فيها لطفلة لم يكن يعلم بوجودها..
تشبثت بهذه الفكرة كما يتشبث الغريق بخشبة متآكلة..
لأن الحقيقة كانت واضحة في أعماقها، قاسية حد الألم:
إن حاول أن يأخذها منها… ستنهار..
لن تستطيع العيش بدون ابنتها..
لن تتنفس، لن تفكر، لن تبقى هي..
كانت مستعدة للتخلي عن كل شيء—عملها، اسمها، مستقبلها—فقط لتحميها..
ابنتها لم تكن جزءًا من حياتها… كانت حياتها بأكملها..
غسلت ملامحها سريعًا، الماء البارد ينساب على وجهها كصفعة خفيفة لم توقظها بقدر ما زادت ثقل ما في صدرها..
رفعت رأسها نحو المرآة، حدقت في انعكاسها لثانية أطول مما ينبغي، ثم رسمت ابتسامة واسعة…
ابتسامة متقنة، مدروسة، تؤلمها من الداخل كما لو كانت تُشدّ على جرح لم يلتئم..
هذه الابتسامة ليست لها، بل لصغيرتها..
خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، تمسح كفوفها المتعرقة على بنطالها بلا وعي، حركة عصبية متكررة كأنها تحاول محو القلق عن جلدها..
تردد صوت كعبها في الممر الطويل، كل خطوة كانت تُقرَع في صدرها قبل أن تلامس الأرض، حتى توقفت أمام غرفة صوفيا..
دفعت الباب بخفة…
وما إن دخلت حتى تعثرت شفتيها، وتصلب جسدها لبرهة..
كانت صوفيا تقف هناك، صغيرة، مرتبة أكثر من اللازم، ترتدي ملابسها بعناية، حقيبتها المعلقة على كتفها مرسوم عليها بياض الثلج والأقزام السبعة، ألوان طفولية زاهية تناقض ما يعتمل في قلب أمها…
وفي يدها… تلك الكرة الزجاجية..
كرة ثلجية شفافة، بداخلها راقصة باليه تدور حول نفسها كلما اهتزت..
هدية والدها..
هدية فيليب..
5
انقبض صدر إيكاترينا كما لو أن أحدهم ضغط عليه بكفه..
التفتت صوفيا بلهفة، عيناها تلمعان ببراءة موجعة..
"ماما، هل أستطيع أخذها معي؟!.. "
فتحت إيكاترينا فمها..
"لـا… لـ—"
لكن الكلمات علقت، انقطعت، تبخرت..
قفزت صوفيا خطوة للأمام، وخفضت صوتها وهمست بتلك النبرة التي تعرف جيدًا كيف تُربك قلب أمها وتبعثر تماسكها...
"أرجوك يا أمي… أنا أحبها… وأحبه أيضًا.. "
تجمد الهواء..
ابتلعت إيكاترينا ريقها بصوت مسموع، كما لو أن كرة ثلج حُشرت في حلقها فجأة..
تحبه…
تحب والدها..
يا إلهي… ستبكي..
لم تستطع الرد.. لم تجرؤ.. فقط أومأت برأسها ببطء، حركة صغيرة لكنها ثقيلة بما يكفي لتفتح بابًا كانت تحاول إبقاءه مغلقًا..
قفزت صوفيا بسعادة، ضحكتها انطلقت خفيفة، نقية، بينما أمسكت إيكاترينا يدها وقادتها إلى الخارج، أصابعها تشد على يد الصغيرة كأنها تخشى أن تفلت منها إن تراخت لحظة..
أجلستها في السيارة، رتبتها في مقعدها، شدّت حزام الأمان بعناية مبالغ فيها، وعيناها لا تفارقان تلك الابتسامة الحالمة التي ارتسمت على وجه صوفيا وهي تحدق في الكرة الزجاجية، تحركها قليلًا لتسقط الثلوج البيضاء حول الراقصة..
جلست إيكاترينا خلف المقود بعدها، أغلقت الباب، وأسندت رأسها لثانية على المقعد قبل أن تستقيم..
كيف لحياة منضبطة، محسوبة، مثالية… أن تنقلب رأسًا على عقب بهذه السرعة؟…
يا إلهي، الخوف يعصرها حد اللعنة... عليها أن تبقى متماسكة…عليها أن تحمي عقلها… وابنتها..
انطلقت السيارة..
ربع ساعة كاملة من أصوات صوفيا المتداخلة، أسئلتها العشوائية عن كل شيء ولا شيء، بينما عقل إيكاترينا كان في مكان آخر، يسبقها بخطوات، يتوقع الأسوأ..
توقفت أخيرًا بجانب مسرح الباليه، المبنى المرتبط بالمدرسة، حيث لا يُسمح بالدخول إلا لطالبات المدارس المتعاقدة..أخرجت صوفيا من السيارة، أمسكت يدها، ودخلتا..
استقبلتهما مدربة صوفيا بابتسامة رسمية، لكن ما إن تقدمت إيكاترينا حتى حدقت بها بنظرة باردة، نظرة جعلت الابتسامة على وجه المدربة تتقلص وتتهكم..
"راقبي صوفيا لبعض الوقت…"
قالتها بصوت هادئ ظاهريًا، قاطع داخليًا..
"لكن هذه المرة، لا ترميها لأي شخص يأتي ويدّعي أنه يعرفني.. "
"أنا حقًا آسفـ"
لم تمنحها فرصة…كانت قد تجاوزتها بالفعل، وصلت إلى الباب الخشبي العرضي في نهاية الممر... فتحته بقوة، دخلت، ثم أغلقته خلفها بعنف جعل الجدران ترتج، وكتفي الرجل السمين الجالس خلف المكتب الخشبي يهتزان فزعًا..
وضع الهاتف الذي كان على أذنه بسرعة، نهض، وخطا نحوها بخطوات متلاحقة أشبه بالركض، ابتسامة متوترة تتشكل على شفتيه..
"سيدتي… تفضلي بالجلوس من فضلك…"
حدقت به ببرود قاتل..
"أجلس وأطلب كأس قهوة أيضًا، ثم أدردش معك عن عدد الخصلات المتبقية على رأسك الأصلع… ما رأيك؟.. "
تقدمت خطوة..
"هل تمزح معي؟ قدمتَ ابنتي على طبق من ذهب لرجل لا أعرفه، دون إذني.. لم تكلف نفسك حتى إكمال عملك والاتصال بي، أو إخباري بعد ذلك... ما الذي تظن نفسك فاعلًا؟.. "
ارتبك..
"أوه… من فضلك اهدئي… لقد كان مجرد عميل—أقصد مستثمر، رجل أراد أن يهدي نجمة العرض هدية… لا أكثر.. "
عيناها ضاقتا..
"إذا كان كذلك، فلماذا لم أتلقَّ أي إشعار بشأن ذلك؟. "
"أهمم، سيدة فولكوف، لأشرح لك—"
"لا أريد أن أسمع.. "
صوتها كان حادًا، نهائيًا..
"ستقدم لي الآن وثيقة الانتقال الحضوري إلى مؤسسة أخرى.. "
شهق..
"ماذا؟! لا أستطيع … "
الدهشة ارتسمت على ملامحه بوضوح... كان يعلم ما تعنيه خسارة تلميذة من عائلة فولكوف، في منتصف السنة الدراسية، للإحصائيات، للسمعة، للتنافس السنوي... تردد، ثم حاول التماسك..
"أعتذر حقًا عن سوء الفهم، سيدة فولكوف… السيد فيليب كان يحاول المساعدة فقط، لا شيء أكثر من ذلك…"
1
قاطعته بقسوة، نظرتها ثابتة، مركزة، كأنها تثقب جمجمته...
"لن أعيد كلامي.. عجّل… "
"لا يمكننا إتمام طلب الانتقال في منتصف السنة الدراسية… أرجوكِ، امنحينا فرصة أخرى لنصلح الأمر… "
اقتربت أكثر..
"إن لم تنفذ أمري، سأقدم شكوى قضائية بسبب الإهمال الإداري وفوضى الأمن هنا.. "
ارتعد الرجل..
احتمالات تشوه السمعة، الدعاوى، الخسائر… كلها مرت أمام عينيه في ثانية واحدة..
كان عليه أن يختار…
والاختيار كان واضحًا..
"حسنًا، سيدتي… ستصلك وثيقة الانتقال غدًا. لذا أرجوكِ، لا تأخذي أي موقف صعب… نحن نعتذر حقًا… وإن أمكن أن يبقى سبب الانتقال طيّ الكتمان، كما تعرفين عملائنـ…"
تعلقت كلماته الأخيرة في الهواء..
لم تنتظر أن يُكمل، لم تلتفت، لم تمنحه حتى نظرة ختامية…استدارت بصلابة وخرجت من المكتب، الباب يُغلق خلفها بصوتٍ أقل حدّة من السابق، لكنه لا يقل حسمًا..
توقفت في الممر، التقطت أنفاسها مرة واحدة، ثم نادت بصوت ثابت يخفي ارتجافة بالكاد مسيطَر عليها:
"صوفيا.."
رفعت الصغيرة رأسها فورًا.. كانت مستغرقة في الحديث مع معلمتها، تضحك، تلوّح بيديها بحماس طفولي.. تعلّقها بها كان واضحًا، علاقة نسجتها الأيام الطويلة من التدريب، من الثقة، من الإعجاب..
شعرت إيكاترينا بوخز في صدرها…
كيف لم تُخبرها؟..
وكيف ستقول لها الآن… أنها لن تعود؟…
اقتربت صوفيا، قبلت معلمتها على خدها ببراءة، ثم ركضت نحو والدتها وأمسكت يدها بقوة، كأنها تشعر أن هناك ما يجب التشبث به..
تبعتهم المدربة بخطوات مترددة، حاولت أن تتحدث، أن تشرح، أن تعتذر..
لكن إيكاترينا لم تمنحها المساحة... أخرجت بطاقة من حقيبتها، دفعتها نحو صدر المدربة بحركة سريعة، وقالت بنبرة غاضبة، قاطعة، لا تحتمل الجدل:
"إن أردتِ التحدث معي، اتصلي بهذا الرقم وحددي موعدًا..أنتِ لم تعودي مدربة ابنتي.."
اتسعت عينا المدربة..
"ماذا… مهلاً…"
لكن الأبواب كانت قد أُغلقت بالفعل..
خرجت إيكاترينا وصوفيا، تاركتين خلفهما المدربة واقفة في مكانها، الصدمة ترتسم أولًا، ثم تتحول إلى غضبٍ صريح..استدارت أخيرًا واتجهت بخطوات سريعة نحو مكتب المدير….
ما إن جلستا في السيارة حتى خيّم صمت قصير، قطعه صوت صوفيا بنبرة متشككة، حذرة على غير عادتها:
"أمي… ماذا يعني ذلك؟"
أدارت إيكاترينا المحرك، شدّت حزامها، ثم نظرت إلى صغيرتها عبر المرآة الأمامية وقالت بهدوء مصطنع:
"لا شيء يا حبيبتي. سنتحدث لاحقًا عن هذا الأمر.. والآن… ما رأيكِ أن نعود إلى المنزل؟ أو ترافقيني اليوم إلى عملي؟ كنتِ تُلحّين كثيرًا لقضاء يوم معي في المستشفى… هممم؟"
أضاء وجه صوفيا دفعة واحدة..
"حقًا؟! أهذا صحيح؟! أرافقكِ إلى المستشفى طبعًا!"
1
خففت إيكاترينا الجو، أطلقت ضحكة رقيقة، ثم غمزت لها عبر المرآة قائلة:
"لكنني سأكون مشغولة قليلًا، لذا ستبقين مع أولغا.. وحين تنشغل أولغا، ستكونين مع روبي… فتاة الاستقبال، هل تتذكرينها؟"
قلبت صوفيا عينيها بملل مصطنع، ما جعل إيكاترينا تضحك بصوت أعلى وهي تركز على الطريق.. ثم قالت الصغيرة بنبرة متذمرة:
"ألم تقولي إنني سأقضي اليوم معكِ بطوله؟"
"لكن والدتكِ، أيتها الجميلة، طبيبة، تقضي معظم وقتها في إنقاذ الأرواح… ألا يجب أن تكوني فخورة بي؟!"
تأففت صوفيا، ثم ابتسمت..
"حسنًا، حسنًا… سأفتخر بكِ، أكيد.."
مر الطريق هادئًا نسبيًا، طبعًا تحت ثرثرة صوفيا المعتادة، واختياراتها العشوائية للأغاني. شكرت إيكاترينا الإله في سرها لأن الصغيرة لم تذكر والدها..
والدها…
يا له من تعبير غريب..
طوال هذه السنوات، كان مجرد غياب، كأنه فقدٌ بلا جنازة..
أخيرًا، ركنت السيارة في مرآب قريب، ونزلتا معًا... أمسكت إيكاترينا يد صوفيا، دخلتا المستشفى..
كانت الصغيرة لا تزال ترفض إطلاق الكرة الزجاجية، تضغطها إلى صدرها، وكلما ألقت نظرة عليها، ابتسمت من أذن إلى أذن… ابتسامة بريئة، لا تعرف أنها تحمل في داخلها بداية عاصفة…
" ماما، أنظري هناك تيُوتيا أولغا.. "
رمت نظرها إلى أين تشير إبنتها بيدها فرأت أولغا تقف هناك و.. دكتور الأعصاب جوزيف..
كان يقف و يتحدث بإبتسامة مغازلة لا يرى أن أولغا تحاول فقط أن تنسل من المحادثة ببطئ و إخراسه بصفعة لدرجة الضجر الذي كانت تشعر به، بينما تخفي غيضها خلف كوب القهوى التي ترتشف منه ببطئ ….
1
و بينما كانت أولغا تحاول أن تبعد نظراته عنه و لا تريده أن يرى الرفض الذي يرتسم عليهما لكي لا تجرحه… إلتقت نظراتها بــإيكاترينا….
حينها إبتسمت له لأول مرة منذ أن بدأ المحادثة المملة و راحت تتمتم له بشيء ثم…
إلتفتت تتمشى نحوهما بإبتسامة ممتنة لتوقيت الممتاز …
عانقت إيكاترينا ثم صوفيا ثم وضعت يدها على قلبها و هي تزفر الهواء قائلة:
" أوه، كدت أن أفقد عقلي بسبب جوزيف الذي لم يصمت منذ ربع ساعة و لم أرد أن أحرجه و اخرسه… لو لم تأتوا بضبط في هذه اللحظة أنا متأكدة أن الوضع كان سيستمر لساعة.. "
قهقهة صوفيا و هي تغطي ثغرها الصغير… بينما والدتها أدارت عينها في وجه أولغا قائلة بنبرة ماكرة :
" إذ لا شك في أنك تلك المرأة الجميلة و الجذابة و المثيرة أيضا الذي كان يثرثر جوزيف أنه معجب بها في الأونة الأخيرة.."
فتحت أولغا عينيها بصدمة و تمتم قائلة :
" اللهم أحفظ لي عقلي.. "
ضحك كل من إيكاترينا و صوفيا على شكل أولغا الذي بالغت في ردة فعلها و كأن جوزيف مصاب بالطاعون..
1
و قبل أن تعلق أكثر توقف روبي فتاة الإستقبال و هي تبتسم :
" أهلا إيكاترينا، هناك ضيف في إنتظارك في غرفة الإجتماع و يقول أنه مستثمر شركة EAV.. منذ عشر دقائق تقريبا.. "
8
" أوه، هل وصل حقا… وصل مبكرا.. حسنا، أولغا إليك صوفيا لتستطيعي الفرار من جوزيف… "
مسحت كفيها على بنطالها و قبلت خد إبنتها ثم شجعتها أولغا بكلمات حماسية و غادرت بخطوات واثقة نحو هدفها…
هدف أن تبني مشروعها خارج ممتلكات عائلتها و تتحرر من قيود والدها…هذا شيء لن تستلم حتى تحققه…
وقفت أمام الباب الذي يفصلها عن هدفها، ثم تنفست بعمق و أغمضت عينيها الثواني… وضعت كفها على مقبض الباب..
1
و فتحته بإبتسامة واسعة… حتى قابلها المنظر أمامها…
2
رجل بطول أممم مؤلف… رجل طويل القامة بشكل غير طبيعي يقف أمام النافذة العريضة مما أتاح لها النظر إلى ظهره العريض و أكتافه المستقيمة، يرتدي بدلة توكسيدو سوداء… و…
توقف تقييمها له حين بدأ يستدير و… سقطت إبتسامتها الواسعة و تلاشى شعور الحماس الذي زرعته أولغا قبلا ليحل محله قشعريرة باردة جعلت شعر فروة رأسها يقف، وخوف يسري على طول عمودها الفقري ، و أصابع قدميها تتنمل..
8
فيليب…
هو كما زار منامها ليلة أمس، لكن بهالة مختلفة.. أكثر حدة، أكثر قوة، أكثر شراً..
2
لم يكن المكان غريبًا، لكن الهواء فيه كان أثقل، مكهربًا، يضغط على صدرها حتى كادت أنفاسها تنقطع.. أول ما ضرب حواسها لم يكن شكله… بل حضوره... تلك الطاقة المظلمة التي تشع منه، هادئة، مسيطرة، واثقة حد الرعب…
طاقة رجل يعرف تمامًا أين يقف، ومن يقف أمامه..
بعينيه الرماديتين—العينين اللتين لطالما شبّهتهما بعيني صوفيا—ضيّقهما لتتشكل ابتسامة شريرة، بطيئة، محسوبة...
4
تقدم بخطوات ثقيلة، كأن الأرض تفسح له المجال، ثم جلس على الكرسي الأول ليترأس الطاولة..
اتكأ بكلتا يديه على سطحها، عقد أصابعه، ورفع نظره إليها… يراقبها بتلك النظرة التي لم تكن حادة بقدر ما كانت مفترسة..
وهي… بقيت متصلبة..
1
جسدها واقف أمامه، لكن عقلها كان يتراجع خطوة بعد أخرى... رأت كيف مال برأسه إلى جانبها، إلى الأسفل، وكيف تلاشت تلك النظرة القاسية فجأة..
حينها فقط انتبهت..
إلى صوفيا..
كانت الصغيرة تمسك بثوب بنطالها، تبكي وتصرخ..
لم تستغرب إيكاترينا أنها لم تسمعها من قبل؛ طبلة أذنيها كانت تزفر صفيرًا حادًا، كأن العالم كله انضغط في نقطة واحدة.. الخوف جمد عقلها… تمامًا كما حدث ليلة البارحة..
"ماما… لـ… لقد تحطمت كرتي الزجاجية أرضًا… بسبب… عجوز أعمى…"
ركعت إيكاترينا فورًا، سحبت صوفيا إليها، مسحت دموعها بأصابع مرتجفة وهي تهمس بكلمات تهدئة لم تكن متأكدة أنها تسمعها هي نفسها..
وفي الوقت ذاته… كانت تشعر بتلك النظرات تحرق مؤخرة رقبتها..
وقفت أمام ابنتها محاولة—بلا جدوى—أن تحجب عنها من يجلس خلف الطاولة بثقة قاتلة..
كانت تهمس تحت أنفاسها، تصلي، تتمنى معجزة… أي شيء... أن يعود الزمن إلى الوراء، أن يتلاشى هذا المشهد، أن تختفي هي وصوفيا من هنا..
5
عيناها زجاجيتان، ممتلئتان بدموع لم تنهمر، وهي ترى ابنتها تبكي..
ليس فقط بسبب الكرة… بل بسبب هذا الموقف المهين، القاسي، الذي لم يخطر ببالها يومًا..
بسبب حبيبها السابق..
بسبب والد طفلتها..
وبسبب الحقيقة التي سقطت عليها كالصاعقة:
هو رئيس شركة EAV.. المستثمر الذي كانت تظن أنها ستعمل معه مستقبلًا..
جاءها صوته من خلفها..
خشن، ثقيل، منخفض… لكنه كافٍ ليشق الصمت...
"صوفيا."
توقف بكاء الصغيرة فورًا..
أطلت برأسها من جانب والدتها، وما إن رأته حتى أشرق وجهها دفعة واحدة..
ركضت نحوه بخطوات سريعة، وفتح هو ذراعيه دون تردد.. التقطها حين قفزت في حضنه، ضمّها بقوة حتى كادت تختفي في صدره، قبّل رأسها، واستنشق رائحتها بعينين مغمضتين..
12
إيكاترينا… لم تتحرك..
غصة حادة استقرت في حلقها وهي تراقب المشهد، مرفوعة حرفيًا من هول الصدمة وعدم التصديق..
هو يهتم بها..
إن كان هذا حقيقيًا… فهل سيأخذها منها؟..
هل تأكد أنها ابنته؟..
احتضانه لها لا يترك مجالًا للشك…
يا إلهي… قدماها…
شعرت بهما تخونانها…
فتح عينيه عندما التقط صوتًا غريبًا—صوت كعبها وهي تتراجع خطوة إلى الخلف..
استدار بسرعة، فرآها تلتفت وتهرب ركضًا..
3
وقف وهو ما يزال يحمل ابنته، خرج من القاعة، حتى لمح امرأة تقف أمامه وتنظر إليه بصدمة..
شعر أنها تعرفه… لكن لا، لا يعرفها حقًا... كان سيتجاوزها ليتبع المرأة الهاربة، لولا صوت صوفيا وهي تقول ببراءة:
"تيُوتيا…"
2
خالتها..
ليست جليندون..
حتى لو كانت لقاءاته بجَليندون قليلة في الماضي،
لتذكرها دون شك..
لكن هذا اللقب… يعني شخصًا مقرّبًا... من صوفيا، ومن والدتها..
لن يخاطر..
لن يسمح لابنته أن ترى أمها منهارة..
11
أنزل صوفيا على قدميها وقال بنبرة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت:
"ابقي هنا لحظة مع خالتك.. سأعود حالًا.."
تبع الممر الذي سلكته إيكاترينا..
تقدّم في الممر بخطوات ثابتة، صدى حذائه يرتطم بالجدران الضيقة كإنذار متأخر..
لم يكن غاضب..لم يكن مترددًا..
كان يعرف أين ذهبت… ويعرف أنها لن تخرج من تلقاء نفسها.. توقّف أمام باب الحمام.. ثم دفعه..
رائحة مطهّرات خفيفة، ضوء أبيض قاسٍ، وصوت ماء جارٍ من المغسلة..
كانت امرأة تقف هناك، عادية، لا تعرف أنها تشارك لحظة ستنقلب فيها حياة شخصين رأسًا على عقب..
لم ينظر إليها طويلًا..إشارة واحدة من رأسه، حادّة، صامتة…توقّفت المرأة عن فرك يديها..رفعت نظرها، التقت بعينيه…
فقط تلك النظرة الرمادية الجامدة كانت كافية..التقطت حقيبتها وخرجت بسرعة، الباب يُغلق خلفها بصوت مكتوم..
1
ثم حلا ااسكون.. كان السكون أثقل من الضجيج..
وضع لوحة التحذير الصفراء أمام الباب، أغلقه بإحكام، ثم استدار ببطء..
1
الأكشاك مصطفّة.. أبوابها شبه مفتوحة…إلا واحدًا.. واحد فقط مغلق..
تقدّم نحوه..ومع كل خطوة، كان صوتها يصل أوضح:
شهقات مكتومة، أنفاس متكسّرة، صوت بكاء تحاول سحقه داخل صدرها..
1
توقّف أمام الباب.. رفع يده… ولم يطرقه..
"إيكاترينا.."
1
قال اسمها منخفضًا، لكنه اخترقها كالسوط..
في الداخل، تجمّدت..
يدها كانت على فمها، عيناها مغمضتان، ركبتاها بالكاد تحملانها..
انفتح الباب فجأة..وقفت أمامه..
وجنتاها محمرتان، عيناها زجاجيتان، والرعب عالق في ملامحها كطفل ضائع..
ثانية واحدة…ثانية فقط، وتقاطعت أعينهما..
بعينيه الرماديتين، تلك التي لطالما قورنت بعيني صوفيا، ضيّقهما ببطء، وتشكّلت على شفتيه ابتسامة هادئة… شريرة..
5
خطا خطوة واحدة..
تراجعت هي خطوة، ظهرها اصطدم بجدار الكشك..
مدّ يده، لم يلمسها بعد، فقط وضعها على الحائط بجانب رأسها، محاصرًا المساحة.. الهواء انقطع..
1
"هربتِ..."
قالها بهدوء قاتل..
"كما كنتِ تفعلين دائمًا.."
3
هزّت رأسها بعنف...
"ابتعد عني.."
3
صوتها خرج ضعيفًا رغم محاولتها القسوة.. اقترب أكثر..
الآن لم يعد بينهما سوى أنفاس مضطربة..
مدّ يده الأخرى..أصابعه انغلقت على خصرها بقوة مفاجئة، جعلتها تشهق..
5
"لا..."
قالها بصرامة..
"أنتِ من ابتعدتِ… و إحترمت رغبتك، لكن هذه المرة قطعاً.."
11
ارتجف جسدها بالكامل..
"أنت لا تملك الحق فـ.."
همست، والدموع تحرق عينيها..
ضحك بخفة، ضحكة منخفضة، مظلمة.. ثم قال :
"الحق؟"
أنزل رأسه حتى أصبح وجهه بمحاذاة وجهها..
"أنتِ أخذتِ ابنتي، حياتي، ست سنوات من عمري… ثم تتحدثين عن الحق؟"
10
شهقت حين شعرَت بأنفاسه على خدّها.. حاولت دفعه، لكنه لم يتحرك…بينما مرّر إصبعه ببطء على خط دمعة هربت دون إذن..
نظر إليها مباشرة..
"لا تبكي الآن.."
4
قالها بنبرة أخطر من الصراخ..
"ليس بعد.."
ثم، وبفعل متعمّد، قاسٍ..
مرّر لسانه على أثر الدمعة…كأنه يمحوها..وختمها بقبلة قصيرة على عينها المغلقة.. تشنّج جسدها..
انهارت مقاومتها للحظة..
8
"مويا ديفوتشكا…"
15
همس قرب أذنها..
"أنا بالكاد بدأت.."
8
وكانت تعلم…
أن هذه اللحظة ليست لقاء..
إنها بداية حرب...