رواية سكن مشترك الفصل الحادي عشر 11 بقلم نورهان علام
|11|
"وحياة خالته!
أنا مسافر يا بابا...
إجازة إيه اللي اتأجلت!"
زفرت، والله مضايق، بس خمسة هدوء كدة:
"اتنيل اقعد، هما يومين، وبعدين أنا عرفت مايكل، يومين شغل زيادة!
قصادهم يومين إجازة زيادة..."
"طب ما حلو دا..."
ملامحه اتبدلت ١٨٠ درجة، قعد مكانه وهو بيفتح اللاب وبيقول:
"طب باصي التاكسات يا معلم..."
قعدت فعلا أحدد الملفات، بس رسالة رنت على الساعة، ابتسمت وأنا بسيب اللاب وباخد الفون من على الشاحن:
"كريمة بتسأل طيارتك امتى؟"
"الإجازة اتأجلت للأسف... بس يومين يعني وهحجز...."
ثواني مكنش فيه أي رد، لكنها بدأت تكتب والرسالة أخيرا وصلت لعندي، كلمتين كانوا بيكتبوا في ربع الوقت اللي كتبته فيه:
"هتيجي ترانزيت برضو؟"
ابتسامتي اتسعت وأنا بكتب لها:
"مش عارف... ممكن الشركة توجب معانا وتتحجز، وممكن آجي ترانزيت زي ما مخطط..."
"تيجي بالسلامة..."
كنت هرد، محاولة إني أفتح حوار جديد لكنها هي اللي بعتت:
"بص، في حاجة حصلت... حقيقي محرجة أوي منك..."
"إيه اللي حصل بس.. متفكريش في حاجة، احكي وخلاص.."
"إمبارح اتكعبلت وفي كتاب من عندك وقع عليه مياه! حقيقي مكنش قصدي، هو كان على أول الكرتونة وحبيبة لعبت فيها... أنا طلبت لك غيره وهيوصل كمان يومين..."
لحظة ما وصلت الرسالة اتصلت بيها فردت بتوتر وهي بتقول:
"حقيقي آسفة. ..
أنا فعلا طلبته ولو..."
"أنتِ كويسة؟
اتكعبلتي ووقعتي إزاي..."
"ها!؟
أنا... أنا كويسة، والكتاب أنا...."
زفرتُ وأنا بقول من توترها اللي ضايقني، أعتقد هي شافتني كنت مضايق إزاي لما حبيبة بهدلت الرواية:
"ما يولع الكتاب يا غالية...
أنتِ كويسة يا ماما؟"
سكتت لثواني وهي بتنطق بخفوت وكان دماغها عاملة "إيرور" وبتحاول تفهم:
"أيوه كويسة...."
"الحمد لله...
فداكي ألف كتاب يا ستي، وبعدين الغي الأوردر..."
"ليه؟
متخفش أنا اتأكدت إنه أصلي..."
"الغيه... بس قصاده نتفق دلوقتي إننا ننزل نشتري بداله سوا لينا في الإجازة دي..."
مكنش فيه منها رد، والسكوت علامة الرضا...
"تمام... بس على حسابي.."
ضحكت وأنا مدرك إننا هندخل في نقاش ملوش أول من آخر لو قلت لأ، بس "ريح الزبون":
"حاضر يا غالية حاضر..."
" استاذ روميو تعال ابعت الملفات عشان ندغدغش اللاب على راسك! "
================================
"أمم.. معاكي."
قلتها بصوت ناعس ومش مركز، لكن رنة الموبايل خلتني أستوعب إني مفتحتش المكالمة أصلاً، فتحتها وأنا بقول:
"صباح الخير."
"معلش صحيتك، كريمة مصرة إني أصحيّك وأتأكد إن الطيارة مش هتفوتك..."
"قوليلها يا حبيبتي... تسيبني أنام شوية عشان الطيارة متفوتنيش فعلاً... أنا مطبّق بقالي يومين ولسه مرمطة الترانزيت بالليل."
كحّت بقوة، فضحكت بخفة وأنا بتعدل وبتثاءب، يا عيني اتخضت عشان قلت "يا حبيبتي"، الظاهر فكرتني أقولها لأمي، لكن الحقيقة قلتها ليها هي...
"ماشي هقولها... سلام."
"تقوليها إيه؟"
"سلام يا فارس أنا مش فاضية."
قفلت بسرعة، اتعدلت مكاني وأنا مبتسم وخرجت من الأوضة بتمطع لقيت طه واقف في نص الصالة:
"آه... فايق ورايق أنت!
ما تلاقيك صاحي على 'صباح الخير يا حبيبي' من مراتك.. وأنا بحاول أفهم البومة بتاعت الديزاين دي إني إجازة، اتكلمت معها إنجليزي وألماني، برطمت معاها بالعربي وهي مش فاهمة."
صباح الخير يا حبيبي!
مرة واحدة؟
إحنا بعيد أوي يا طه، دا كفاية إنها متقلش في وشي زي زمان، دا كدة تقدم!
ضحكت على صياح طه من المصممة، حق الله تقيلة ورخمة ومش بتفهم بسهولة، اترميت على الكنبة وأنا هموت وأنام وبقول:
"إحنا هنتحرك الساعة ١٢ بالليل صح؟"
"أيوه، هنوصل مصر الساعة ١١ برضو أو
١٢ على بال ما نخرج من المطار."
"طب الحق أغفل لي ساعتين، ابقى صحيني قبلها عشان نجيب أكل."
"نام يا حبيب أخوك نام..."
نبرته كان فيها غيظ واعتراض، بس ميعرفش يتكلم، أنا سلمت الشغل بتاعي من الصبح عشان الإجازة، وهو قاعد محشور بسببي لسه بيسلم حاجات.
==================================
"أنا دقايق وطالع الطيارة، محدش يفضل صاحي الرحلة لسه طويلة، نامي وارتاحي وخلي أمي تنام برضو.."
"حاضر... توصل بالسلامة."
قرأها وعمل قلب، وبعد دقايق اتصاله بالنت وكل حاجة اختفى، كانت كريمة وحبيبة عندها في الشقة، كريمة اللي كانت بتشرف على كل حاجة سواء هنا أو تحت.
"يا جماعة ناموا شوية، هو لسه قدامه بتاع ساعتين ونص على بال ما ينزل من الطيارة دي وهيفضل في المطار ٦ ساعات، ارتاحوا."
"وليه المرمطة دي... طه معاه صح؟"
خوف الأمهات وقلقهم، قعدت أطمنها شوية وبعدين اتفقنا إنها تنام عندي هنا وننزل كلنا سوا الصبح بدري، وأنا فضلت أتقلب الساعتين ونص دول، لغاية ما هدوء الليل عدى ووقتهم خلص ورسالته وصلت:
"أنا وصلت الإمارات...
الطيارة طلعت بعد ٥ ساعات، عشان فرق التوقيت خلاني أحسبها غلط."
"تيجي بالسلامة، أنت نايم كويس؟"
كتبتها من غير ما أفكر كتير، يمكن من قلة النوم، بس يا ريتني فكرت، إيه لزوم السؤال!
"أنا نمت في الطيارة، وأعتقد هنام في النار والطيارة التانية، منمتش من يومين يا غالية، ويمكن أكتر."
"طب ليه هلكت نفسك في الشغل كدة؟
هو كل اللي شغالين زيك بيتعبوا أوي كدة؟"
"في شركتي القديمة كنت بتعب بالمنظر دا من مرتين لأربع مرات في السنة كلها، لأني كنت موظف في مجال التسويق، فلما يبقى فيه مواسم كانوا بيحتاجوا خطة تسويقية فكنت بقعد مع التيم أشتغل وأتعب...
أما ألمانيا بقى، الشركة نفسها علامة تجارية خاصة في التسويق....
يعني شغلنا الأول الحملات والإعلانات، وكل الحاجات اللي بتتشاف دي بتخرج على ورق من تحت يدي، يعني أنا بتاع الأفكار وشغل طه واللي زيه التنفيذ."
محستش بالوقت إيه، يمكن عدى ساعتين تلاتة، كنا بنتكلم، بنضحك، بيحكي عن شغله ويوريني صور القهوة اللي بيطبق بيها، وأنا وريته صور فارس الصغير في الحضانة، لغاية ما...
قفلت الفون، إيه اللي عملته دا!
معرفش إزاي دموعي نزلت، رفضت كل حرف كتبته، كل ضحكة ضحكتها، أنا مش عاوزة كدة، مكنش اتفاقنا، مكنتش مخططة ولا حاسبة كدة.
رسايله بدأت تظهر على الشاشة ورا بعض:
"غالية.."
"أنتِ كويسة طيب... قفلتِ ليه؟"
"حاسة بتعب طيب.. أنا ضايقتك في حاجة؟"
أعتقد لو كنت سيبته كان هيكمل، اتنهدت وأنا بحاول أمسح دموعي اللي نازلة وكتبت له:
"أنا تمام.. مش قادرة أتكلم بس."
"طب ارتاحي ومتفكريش في حاجة... اقرئي أذكار النوم، متناميش وأنتِ مخنوقة أو متضايقة كدة."
================================
وصلت مطار مصر، ونزلت من الطيارة مع طه، عقلي مشغول بقاله ساعات بيها، غفلت في الطيارة غصب عني من التعب، لكن دماغي لسه معاها، خرجنا أنا وهو، عشان برضو فرق التوقيت اللي معرفش حسبناه إزاي.
"هو إحنا كنا مصطبحين عشان نحسب ساعة ونص في الهوا؟"
ضحكت على كلام طه وقلت له:
"يا عم ساعة راحت في الإمارات... ونص ساعة دلوقتي، تلاقيهم أصلا جايين بدري."
فضلنا قاعدين، منظرنا يضحك، كنت ساند على كتفه ولا إني خطيبته، وهو قاعد بيهزق إخواته عشان يجوا ياخدوه، وحبيبة معايا عمالة تطمن عليه وتدلع فيا.
"يا بغال... استحالة تكون دي دماغ بشر، الواد مش عارف عامل دماغ ولا نايم، أقوله استعجل نفسك أنا في المطار يقولي أنت تليفونك مقفول عشان في الطيارة!"
ضحكت عليه، اللي معندوش أخت بنت دا الله يعينه والله.
"اضحك يا أخويا، ما أنت منال اتجوزت وحبيبة استلمت الشفت، وبعدها مراتك، وكمان وحيد أمك، يعني ستات العيلة كلها مش شايفة غيرك.."
"طب بس لأولع!"
"أومال أنا...
عيني عليا أنا، واحد وسط أربع بغال تانيين، ويا ريتني حتى أكبر واحد ولا أصغر واحد."
"طه..
أنا بجد مشفتش في حياتي حد بيرغي زيك، اتقي الله في دماغي لسه فيه أمي وحبيبة ومنال.. وغالية."
آه، وغالية، اللي مش هترغي بس دارسة دماغي أكتر من أي رغاي. بحاول أفهم قفلت ليه، مرت ثواني لكن الاحتمالات صفر، راجعت الشات مرتين عشان أشوف قلت حاجة غلط ولا ضغطت عليها، وبرضو صفر!
وأخيرًا... وصلوا، قمت أنا وطه عليهم، وجريت على اللي أحضان وبوس وعياط؛ حبيبة ومنال كانوا واقفين في حضني كلهم.
"يا أمي اهدي أنا قدامك أهو...
مستنية آجي عشان تعيطي؟"
"تعالي يا غالية واقفة بعيد ليه؟"
شدتها حبيبة بعد ما خلصت كلامها وعلى غفلة كانت قدامي، بيني وبينها كان سنتي وإخواتي وأمي في حضني، رجعت خطوة بخضة من قُربي، لكنها كانت هتقع فإيد حبيبة سندت ظهرها وهي بتقول:
"إيه يا بنتي مش عارفة تقفي!"
خرجوا من حضني، وهي واقفة قدامي بتترعش، قربت منها وضمتها ليا جامد، حاسس برعشتها فمسحت على ظهرها وأنا بقول:
"اهدي يا غالية، إيه حصل لكل دا!
اهدي أنا معاكي."
شهقات!
صوت عياط بسيط خرج منها وهي بتقول بصوت خافت ومكبوت مسمعهوش غيرنا:
"أنا مش عاوزاك معايا.. ابعد."
كنت هبعد، كان المفروض أبعد، معرفش إزاي ضعفت! ضميتها أكتر وأنا أنحني عليها أكتر وهمست لها:
"أبعد إزاي وأنتِ وحشاني يا غالية؟"
"مخلصنا يا عم روميو، أمي عاوزة تسلم عليك."
قالها طه برخامة، فبعدت عنها ببطء، أناني لدرجة إن اللحظة دي عاوزها تفضل العمر كله، حتى وهي بتترعش كنت هحاول أطمنها، بس متحرمونيش منها.
الكل كان مخليها جنبي، حبيبة نفسها اللي بتغير عليا كانت بتزقها لحضني في العربية، روحنا البيت، وبعد إلحاح أمي طلعنا أخيرًا شقتنا، وحشني المكان وحشني صاحبة المكان.
فضلت واقف قصاد الباب شوية وبعدين دخلت قعدت على الكنبة، وعيوني على كل حتة في البيت، وقبل ما أتكلم هي قلعت الكوتشي ودخلت أوضتها وقفلت وراها، اتنهدت بتعب، وقمت أخدت دش وبعده دخلت على أوضتي، وقبل ما أنام ظبطت منبه قبل الظهر بحاجة بسيطة عشان أصحي للصلاة وبعت لها:
"ضروري تتأكدي إني صحيت عشان أنزل أصلي الظهر."
=================================
اليوم عدى، والزحمة خلصت وطلعت أخيرا للشقة، خمس ثوانٍ ومكان طالع هو كمان فسألته:
"أنت مش كنت هتسهر مع إخواتك؟"
"ما أمي طردتني عشان أنتِ طلعتِ... المفروض تعوضيني بسهرة غيرها بقى."
مردتش عليه وجيت أقوم لقيته وقفني بكلامه وقال:
"أنا جعان...
معدتي وجعاني كمان."
"إحنا لسه واكلين تحت... لو جعان انزل كُل."
"يا حجة بقولك اطردت، وأصلاً أنا عاوز آكل حاجة خفيفة، ممكن تعمليلي حاجة في طاسة واحدة؟"
"لأ."
قلب وشه زي العيال الصغيرة وهو بيقول:
"حاسك مضطهداني من الصبح بس مفيش دليل."
دخلت وقفلت في وشه الباب، كأني بقوله "خد الدليل".
زفر وهو بيخبط وبيقول:
"لا مش جاي المسافة دي كلها عشان أملي عيني من الباب...
ممكن اللي ورا الباب تسمح لي بدقيقتين وتتكرم عليا وتخرج؟"
زفرت أنا كمان بضيق وخرجت له، ويدي رجعت تلقائي على كتفي ورقبتي، كنت أصلا لسه بالعباية والطرحة بس دي حركة تلقائية خلاص.
عيوني ركزت أكتر على مكان يدي، حتى بعد ما نزلت يدي كانت عيونه ثابتة على كتفي، اتوترت أكتر، حسيت إن كتفي مكشوف وإنه شايف الحرق، عشان كدة توهت الموضوع وأنا بقول له بحدة:
"أنت عاوز إيه؟"
"ليه لما بتتوترِي أو بتقلقِي بتحطي إيدك على كتفك الشمال ورقبتك؟"
"وأنت مالك... أنجز وقول عاوز إيه."
ضحك لي وهو بيقول:
"عاوز خمسة عقل كدة...
عيب على سننا، اللي قدامنا معاهم عيال، مش قصدي حاجة عشان مترزعيش الباب في وشي تاني..
أقصد بس إننا كبار كفاية وعاقلين كفاية وناضجين كفاية...."
"كفاية رغي وقول عاوز إيه.."
ضحك أكتر وهو رايح يقعد على الكنبة وقال برخامة:
"مش بطلب منك اتنين قهوة أنا عشان نتكلم واحنا واقفين، تعالي اقعدي...
متخافيش مش بعضّ."
روحت قعدت على الكنبة التانية قصاده وبقول:
"ما تنجز يا فارس قول اللي عندك."
"يا ستي بجد عاوزة أعرف ليه بتعملي كدة لما بتتوترِي وتقلقِي، اشمعنى كتفك الشمال، ليه مش اليمين مثلا؟"
هو بيتكلم ببساطة كدة ليه؟
اتعصبت أكتر وأنا بقوله:
"شكلك معندكش حاجة مهمة... أنا داخلة أتخمد."
"غالية، مبتتعبيش يا بنتي؟
وضعية الهروب دي بتقطع الإثارة، يعني مثلا أنتِ اتعصبتِ، أنا ممكن أتعصب أنا كمان، نتخانق...
تيجي نجرب نتخانق طيب؟
نعيش أي حاجة من أولها لآخرها، بدل ما أنتِ بتنقي أكتر حتة مبسوطين فيها وتقفلي...
تعالي لأكتر حتة متعصبين فيها ومتهربيش.. إيه قولك؟"
اتصدمت والله من كلامه وتعبير وشه، كأنه في لعبة، بيحاول يعدي مستوى صعب بس بالتحايل، هو فاضي بجد!
"أنت فاضي!"
"مش أوي بس لو ناوي على حاجة أفضالك."
نبرته الساخرة المستفزة، الباردة زيه!
قمت من مكاني لكنه قام ووقف قصادي بسرعة عشان أقف وفعلا اتجمدت ورجعت خطوتين لورا وأنا بقول:
"أنت عاوز إيه على المسا يا فارس!
بتندب على الخناق.. عاوز نتخانق يعني ولا إيه؟"
عيونه جت على كتفي وهو بيقول:
"تؤ تؤ.. عاوز أعرف إيه هنا."
"يخصك في إيه؟"
"يخصني عادي...
أعتقد إن الحركة دي وراها سبب مش حركة توتر عشوائية بتكرريها كتير أوي معرفش ليه..."
"لا ميخصكش في حاجة، وابعد من قدامي."
"يا ستي ماشي...
مفيش فيه بس عندي فضول عاوز أعرف، يمكن أقدر أساعد."
"تساعد في إيه؟
حد قالك إن عندي مشكلة؟"
"تعرفي؟
في ناس لما بتنكر إن فيه مشكلة بيبقى دي أصل المشكلة أصلاً وهم مخبيين...
أقدر أعتبرك منهم صح؟"
زفرت بضيق، كل ما أتحرك يمين عشان أدخل الأوضة يتحرك معايا، أروح شمال يروح شمال، بحارب أعدي من غير ما ألمسه ودي مستحيلة.
"دفاعك مش حلو."
كان يقصد حاجة في الكورة أعتقد، يعني إحنا حرفيا عاملين زي اللي بيشوط الكورة وحارس المرمى!
"فارس أنت كدة بتضغط عليا."
آخر كارت عشان أعدي، متأكدة إنه لما يسمع كدة هيسيبني أدخل لكنه ضحك بقوة وهو بيقول:
"المفروض أصدق ولا إيه؟
لو فيه بخمسة جنيه ضغط عليكي مكنتش فضلتي واقفة، كنتِ هتعدي عليا وتدخلي عادي...
اسمعي مني أنتِ اعتبرتيني هواء كتير أوي.. أنتِ عاجباكي اللعبة."
"لعبة إيه... وسع من قدامي بدل ما أزقك."
"إيدك لو لمستني ولو بالغلط مش هسيبها على فكرة."
"لا أنت اتجننت."
"بس الجنان عجبك...
لو مش عاوزة اللعبة تبقى عليكي ممكن تبقى عليا عادي، حابة تسألي عن حاجة؟
على فكرة أنا أشجع منك وهجاوب."
"يا فارس لو سمحت."
قلتها بترجي، فبص لي بنظرة طفولية وهو بيقول:
"يا غالية لو سمحتي...
لا أقولك يا ميس غالية يمكن تحني وترضى تقعدي زي البشر نتكلم عادي..."
روحت قعدت على الكنبة وأنا مربعة زي الأطفال، وأول ما جي يقعد جنبي جريت على الأوضة وقفلت الباب وأنا بضحك بقوة وانتصار وقلت:
"شربتها يا كروديا."
==================================
"شربتها يا كروديا."
يا أجمل تغفيلة خدتها في حياتي..
وأجمل "كروديا" سمعتها في حياتي!
ضحكتها كانت جميلة، وهي دي أول ردة فعل عفوية وخفيفة بتضحك معايا فيها!
جريت مني مش بسبب الخوف، دي من أكبر إنجازاتي اللي لازم تُدوّن، فضلت باصص للباب وضحكتي واسعة، مبسوط، لكني قلت لها:
"الأيام بيننا...
الشاطر اللي يضحك في الآخر يا غالية."
الجو كان ليل، وأنا كنت جعان فعلاً، مكدبتش لما قلت معدتي وجعاني، لكني نمت وخلاص. وعلى الفجر كدة، قبل المنبه ما يرن قمت من الوجع بجد، معرفتش آخد نفسي ودخلت الحمام بسرعة جبت اللي في بطني، أعتقد دور برد بسبب تغيرات الجو بين هنا وألمانيا.
"أنت كويس؟"
كان صوتها وهي لسه صاحية باين عليه القلق، فتحت المياه على حوض الحمام وأنا بقولها:
"بقيت أحسن شوية، هنظف الحوض عشان نتوضأ."
"لا وسع أنا هعمله."
كانت مصرة تعمله لكن منعتها ونظفته أنا، وبعدين غسلت شعري وخرجت وأنا بنقط:
"إيه اللي عملته دا!"
"راسي مصدعة حطيتها تحت المياه الباردة عشان أفوق."
قامت بسرعة تجيب لي فوطة وادتهالي وهي بتقول:
"شكلك جالك برد وأنت بتزوده....
نشف شعرك كويس ولو هدومك اتبلت غيرها لغاية ما أعملك حاجة دافية."
وقفتها وأنا بقول:
"الفجر هيأذن وعلى بال ما آجي هتكون بردت... اعمليها بعد ما أطلع."
بصت لي باستغراب، كانت متوقعة أقولها أنا هعملها بنفسي، بس ليه أعملها ومراتي "الكتكوتة" موجودة؟
الأذان أذن ودخلت غيرت هدومي زي ما قالت ونزلت، حاسس إني بردان أوي وجسمي بدأ يوجعني ودي مش مبشرات حلوة خالص، البرد بيجي بيرقدني في السرير بجد، بتحرك للصلاة بالعافية، دخلت الصيدلية وجبت مسكن وأي حاجة للبرد وكان فيه مضاد حيوي.
"أنت جايب إيه معاك؟"
سألتني وهي بتفك طرحة الاستدال فرفعت العلاج:
"طب وأنت عارف إنك عندك عدوى إيه عشان تاخد دوا للبرد من الصيدلية وخلاص و..."
كانت هتكمل كلام بس مش قادر، عشان كدة سألتها:
"طب يا دكتورة، آخد المضاد الحيوي من غير أكل عادي!"
بصت لي وهي بتقول:
"آه عادي، بس دا لو عاوز يجيلك هبوط وحابب تقضي الليلة في المستشفى مثلاً... دا فعلاً أنسب خيار!"
ضحكت وأنا بريح على الكنبة وقلت لها:
"طب لقمة بسيطة وحاجة دافية عشان معدتي."
"حاضر."
قلبتها بطواعية وحنية ودخلت فعلاً، لكني محستش إزاي غفلت بالسرعة دي، لكني حسيت بصوتها:
"فارس.. فارس."
"أمم..."
"قوم يلا كُل لقمة عشان تاخد العلاج."
"مش قادر... هاخده لما أصحى."
فعلاً مكنتش قادر، التعب بدأ يزيد، لكني بعد مدة حسيت بيها بتهز كتفي وهي بتقول:
"قوم قبل ما الأكل يبرد."
لفيت ظهري وبقي وشي لها وأنا باصص لها، وقلت بكلمات مكنتش حاسس إن صوتي عالي وإن دا مش صوت عقلي..
"إنجاز تاني..."
"إنجاز إيه؟
قوم كُل."
================================
أكل ونام مكانه، مكنش قادر يدخل الأوضة، مكنش فيه سخنية صريحة، لكني دخلت نمت. وعلى الساعة ١٠ وأنا بلبس عشان الشغل، خرجت بصيت عليه كان لسه نايم، وجسمه دافي كمان، مكنش راضي يقوم لكن قومته يغسل وشه وأطراف جسمه عشان لو فيه حرارة تطرد، وأكدت عليه إنه كمان ساعتين ياكل وياخد المسكن، وفضل نايم على الكنبة.
روحت الشغل، وانشغلت مع الأطفال، كان يوم لطيف مفيش مشاكل كتير، خلصت كالعادة على الساعة ٢، على بال ما روحت البيت كانت ٣ إلا عشرة مثلاً، نسيت خالص أعدي على كريمة زي كل يوم لأن دماغي مشغولة بفارس.
بس مش محتاجة أعدي على كريمة، عشان كريمة عندي! وصلة تهزيق معتبرة، عن إزاي سايبة جوزك تعبان ونزلتي الشغل..
طب ماتقوليش جوزي، طب!
كان عندها حق، لكن صوت فارس اللي طلع سكتها وهو بيقول:
"صدعتيني يا أمي، وهي إيش عرفها إني هتعب للدرجة دي، خدي بعضك يلا أنتِ وحبيبة وانزلوا أنا كويس."
"يا غالية بالله عليكِ خدي بالك منه، كملي له الكمادات دي، وأنا هعمل شوربة خضار بسرعة وأبعتها."
"يا أمي يلا مع السلامة... غالية هتأكلني متقلقيش."
بصيت له، حسيته بيهرب من شوربة الخضار!
فقلت لكريمة:
"خلي حبيبة طيب تجيب لي كيس من السوبر ماركت وأنا هعملها."
"لا أنا مخزناها في الفريزر هبعتلك كيسين."
"طب الكُرات؟"
"هبعت حبيبة تجيبه."
نزلوا وأنا روحت وقفت قصاده وقلت:
"إيه حصل لكل دا!
كنت كويس الصبح قبل ما أنزل."
يا ربي عليه كان بيكح كمان!
كل دا حصل في ظرف كام ساعة!
"أنت تعبان أوي كدة!"
"ملكيش دعوة بيا.. أنتِ مش جدعة على فكرة، بتلبسيني في شوربة الخضار...
يعني أنا قلت أنتِ هتأكليني عشان أهرب منها.."
كل شوية كان كلامه بيتقطع وبيكح، بس أنا مكنتش مركزة معاه أصلاً، كنت مركزة مع إني - هو أنا بجد فهمته لما بص لي وقال 'غالية هتأكلني' - فهمته إزاي يعني، فهمت إنه بيهرب بجد!
"خلاص هعملك حاجة غير شوربة الخضار... خلي الشوربة ليا أنا."
"أنتِ بتحبيها!"
ضحكت وأنا بقوله:
"بعشقها!
كنت بستنى أتعب أو حد من إخواتي يتعب وأنا صغيرة عشان آكلها."
كان باصص لي وهو تعبان، معرفش مركز ولا هو سرحان، بس عيونه عليا بدرجة وترتني، عشان كدة نزلت أجيب بنفسي الخضار والحاجة من كريمة وطلعت، وبرضو عيونه راحة جاية عليا فقلت:
"نام شوية لغاية ما أخلص."
فعلا سند راسه ونزل بجسمه شوية عشان يتمدد على الكنبة وغمض عيونه، وكنت متأكدة إن مفيش دقايق وكان سافر في النوم.
دخلت المطبخ، وعملت له رز أبيض من غير زيت أو سمنة كتير، وسلقت فرخة صغيرة بعد ما نظفتها كويس، وشوربة الخضار القمر ليا وزودت فيها الكُرات زي ما بحب، طلعت حطيت الصينية على الترابيزة وقربت أصحيه من غير ما ألمسه:
"فارس الأكل جهز."
مستجابش مهما ناديت، قعدت جنبه وقربت من راسه وأنا بهز كتفه براحة، معملش حاجة غير إنه اتقلب بصعوبة...
"فارس أنا عملت الأكل..."
"حاضر."
صوته مكنش طالع أوي، لكنه قام بصعوبة، كنت عاوزة أساعده لكني سيبته في مكانه لغاية ما قعد، حطيت الصينية على حجره وأنا بقوله:
"عملتلك شوية رز أبيض وفراخ مسلوقة."
بص لي بابتسامة وهو بيقول:
"تسلم إيدك يا غالية."
كنت مراقباه وهو بياكل، بياكل براحة وعلى مهله أوي، ومكنش قادر يقطع الفراخ كويس، اتنهدت!
أنا مش عاوزة أعمل كدة بس صعبان عليا برضو، أخدت الفراخ وقعدت أفصصها له على الرز من غير كلام فقال:
"الحمد لله طلعتي بتشوفي!"
إيه!
هو قال كدة بجد!
دامقالش شكرا،
"مستغربيش كدة... المفروض أصلاً تأكليني، أنا بعاني عشان أرفع إيدي وبردان."
تنحت من الصدمة، وأنا مالي بيك!
مهتمتش بكلامه وكملت شوربة الخضار بتاعتي، لكنه مسكتش وقال بتعب:
"أنتِ معندكيش رحمة!
دا أنتِ بتأكلي فارس الصغنن كل يوم وهو الحمد لله سليم، اشمعنى أنا يعني...
على فكرة أنا طفل تحت سن الثلاثين، ممكن تأكليني يعني مش هاكل منك حتة."
دا التعبان!
دا تعبان بيلف ويدور عشان يوصل لهدفه، في حد عيان بيفكر في كل الكلام دا مرة واحدة؟
برضو مش هعمل اللي في باله.
"طب ناوليني الفون طيب."
"ودا ليه؟"
"عشان أتصل بأمي تيجي تأكلني... عشان قلبك جامد عليا، ما أنا لو كنت أصغر ٢٢ سنة كدة كنتِ دلعتيني وأكلتيني."
"لو كنت أصغر ٢٥ سنة ونص... ٢٢ سنة كنت هتبقى قد البغل، ٨ سنين تاكل لوحدك!"
"دا الله يكون في عون العيال منك، بتقولي على طفل بريء عنده ٨ سنين بغل!"
"طفل بريء! دا أنت اللي بريء والله..."
قلتها بنية صافية ولسه هشرح له عمايل العيال اللي بيقول عليهم بريئة، لكنه قطعني بنبرته اللي بعيدة كل البعد عن البراءة وقال:
"مش بريء أوي يعني...
بس تقدري تطمني، أنا دلوقتي مش قاعد أكح حتى."
برضو مهتمتش، ومش ههتم، أنا بس قربت من الصينية فابتسم عشان فاكر إني هأكله لكني سألته:
"شكلك خلصت أكل... أشيل الصينية؟".
ابتسامته اختفت وهو بيقول بقنص:
"شيليها.. شبعت."
شلت الصينية فعلا ودخلتها المطبخ ورجعت كملت أكلي اللي زمانه برد بسبب دلع الأستاذ فارس، كان بيبص لي بقرف طفولي وغضب وأنا مكبرة دماغي وباكل.
لكنه مرة واحدة قام من مكانه بسرعة، ودخل الحمام يرجع، سبت طبقي فوراً وقبل ما أروح له لقيته قفل باب الحمام في وشي:
"متبلش راسك تاني، اغسل وشك واخرج أنا هنظف."
صوته اختفى شوية وبعدين صوت المياه اتفتح، شوية وخرج كان الحمام نظيف، بس مكنش قادر يقف لكنه سألني:
"هو العصر لسه مأذنش؟"
عضيت شفايفي، ممكن يعمل إيه لو عرف إني مصحيتهوش للعصر عشان صعب عليا؟
دا المغرب على أذانه أصلا!
"فين تليفوني...
أنا ضابط منبه، حاسس إن وقت كتير عدى."
ها؟
تليفونك؟
ما أنا شلته عشان متصحاش، أقولها له إزاي وهو واقف بيتكلم جد كدة!
"ما... أنا سيبتك تنام عشان كان شكلك تعبان أوي."
"يعني العصر فاتني؟!"
قالها بخضة وهو بيخرج بسرعة يبص في الساعة، مسك تليفوني عشان كان أقرب له وهو بيقول:
"حرام عليكي يا غالية، الساعة ٦ وأنا مش حاسس!"
"لسه فاضل ساعة وتلت على المغرب، اهدى أنت كنت تعبان"
"تعبان إيه يا ستي دا دور برد.. عديني."
قالها ورجع الحمام اتوضأ، وفعلاً صلى وكان شكله تعبان أوي، وبعد ما خلص رجع مكانه على الكنبة فقلت:
"لو عاوز تغفل شوية لغاية المغرب.. هصحيك."
بص لي بشك وهو بيحاول يلطف الجو شوية وبيقولي:
"تفتكري هثق فيكي تاني؟"
ضحكت وأنا عجبني اهتمامه الشديد بالصلاة، وإنه فعلا حتى لو بيحاول يخفف الدنيا معايا شكله مضايقه بجد، فقمت وسيبته، سخنت شوربة الخضار وجيت بطبق وأنا بقوله:
"خلاص لو هتفضل صاحي... يبقى تتسلى في الطبق دا وأنت قاعد."
بص لي بضيق ورفض وهو بيقول:
"غالباً هفكر أنام.."
"فارس أنت معدتك فاضية... هتاخد خافض الحرارة والمسكنات إزاي؟
الرز تقيل على معدتك ورجعته... اتفضل كُل."
"لا... هاتي المسكن كدة."
كان رافض زي العيال الصغيرة فقلت:
"طب أشغل لك كرتون؟"
بص لي لثواني كدة وهو بيضحك وبيقول:
"عملتِ "إيرور" ولا إيه؟
أنا فارس أبو ٣٠ سنة مش أبو ٦ سنين."
ضحكت بصوت عالي لأول مرة جنبه، وهو ابتسم وهو بياخد مني الطبق مُجبراً فقلت له:
"دا على أساس إنك مبتحبوش مثلاً؟"
ضحك وهو بيشرب أول معلقة باشمئزاز وقال:
"ليه حاسك بتعيريني سيكة؟"
"ما تجرب تتفرج وأنت ساكت... أشغل إيه؟"
كان مستغرب مني، أنا نفسي مستغربة مني والله، بس خلي الساعة وربع دول يعدوا بسرعة ويتلهي في الكرتون شوية وينسى التعب.
"شغلي... مش عارف، ما تختاري أنتِ."
بصيت بحيرة للابتوب شوية، أنا اتفرجت على كذا حاجة وهو مسافر، قعدت أتسلى أنا وحبيبة اللي طبعاً متعرفش إن أخوها عاشق للحاجات دي، لكني افتكرت إنه كان متحمس أوي وهو بيحكي لي عن كرتون التنانين فقلت له:
"ممكن نتفرج على اللي هو.. التنانين.. كان فيه تنين أسود كدة في اللوجو."
ابتسم بحماس وهو بيقول:
"غضب الليل...
بس دا حلاوته مدبلج بصراحة، أنتِ تعرفي أي جزء منهم ولا نبدأ من الأول؟"
"لا نشغل الأول... معرفش حتى بيتكلم عن إيه."
"وحياة خالته!
أنا مسافر يا بابا...
إجازة إيه اللي اتأجلت!"
زفرت، والله مضايق، بس خمسة هدوء كدة:
"اتنيل اقعد، هما يومين، وبعدين أنا عرفت مايكل، يومين شغل زيادة!
قصادهم يومين إجازة زيادة..."
"طب ما حلو دا..."
ملامحه اتبدلت ١٨٠ درجة، قعد مكانه وهو بيفتح اللاب وبيقول:
"طب باصي التاكسات يا معلم..."
قعدت فعلا أحدد الملفات، بس رسالة رنت على الساعة، ابتسمت وأنا بسيب اللاب وباخد الفون من على الشاحن:
"كريمة بتسأل طيارتك امتى؟"
"الإجازة اتأجلت للأسف... بس يومين يعني وهحجز...."
ثواني مكنش فيه أي رد، لكنها بدأت تكتب والرسالة أخيرا وصلت لعندي، كلمتين كانوا بيكتبوا في ربع الوقت اللي كتبته فيه:
"هتيجي ترانزيت برضو؟"
ابتسامتي اتسعت وأنا بكتب لها:
"مش عارف... ممكن الشركة توجب معانا وتتحجز، وممكن آجي ترانزيت زي ما مخطط..."
"تيجي بالسلامة..."
كنت هرد، محاولة إني أفتح حوار جديد لكنها هي اللي بعتت:
"بص، في حاجة حصلت... حقيقي محرجة أوي منك..."
"إيه اللي حصل بس.. متفكريش في حاجة، احكي وخلاص.."
"إمبارح اتكعبلت وفي كتاب من عندك وقع عليه مياه! حقيقي مكنش قصدي، هو كان على أول الكرتونة وحبيبة لعبت فيها... أنا طلبت لك غيره وهيوصل كمان يومين..."
لحظة ما وصلت الرسالة اتصلت بيها فردت بتوتر وهي بتقول:
"حقيقي آسفة. ..
أنا فعلا طلبته ولو..."
"أنتِ كويسة؟
اتكعبلتي ووقعتي إزاي..."
"ها!؟
أنا... أنا كويسة، والكتاب أنا...."
زفرتُ وأنا بقول من توترها اللي ضايقني، أعتقد هي شافتني كنت مضايق إزاي لما حبيبة بهدلت الرواية:
"ما يولع الكتاب يا غالية...
أنتِ كويسة يا ماما؟"
سكتت لثواني وهي بتنطق بخفوت وكان دماغها عاملة "إيرور" وبتحاول تفهم:
"أيوه كويسة...."
"الحمد لله...
فداكي ألف كتاب يا ستي، وبعدين الغي الأوردر..."
"ليه؟
متخفش أنا اتأكدت إنه أصلي..."
"الغيه... بس قصاده نتفق دلوقتي إننا ننزل نشتري بداله سوا لينا في الإجازة دي..."
مكنش فيه منها رد، والسكوت علامة الرضا...
"تمام... بس على حسابي.."
ضحكت وأنا مدرك إننا هندخل في نقاش ملوش أول من آخر لو قلت لأ، بس "ريح الزبون":
"حاضر يا غالية حاضر..."
" استاذ روميو تعال ابعت الملفات عشان ندغدغش اللاب على راسك! "
================================
"أمم.. معاكي."
قلتها بصوت ناعس ومش مركز، لكن رنة الموبايل خلتني أستوعب إني مفتحتش المكالمة أصلاً، فتحتها وأنا بقول:
"صباح الخير."
"معلش صحيتك، كريمة مصرة إني أصحيّك وأتأكد إن الطيارة مش هتفوتك..."
"قوليلها يا حبيبتي... تسيبني أنام شوية عشان الطيارة متفوتنيش فعلاً... أنا مطبّق بقالي يومين ولسه مرمطة الترانزيت بالليل."
كحّت بقوة، فضحكت بخفة وأنا بتعدل وبتثاءب، يا عيني اتخضت عشان قلت "يا حبيبتي"، الظاهر فكرتني أقولها لأمي، لكن الحقيقة قلتها ليها هي...
"ماشي هقولها... سلام."
"تقوليها إيه؟"
"سلام يا فارس أنا مش فاضية."
قفلت بسرعة، اتعدلت مكاني وأنا مبتسم وخرجت من الأوضة بتمطع لقيت طه واقف في نص الصالة:
"آه... فايق ورايق أنت!
ما تلاقيك صاحي على 'صباح الخير يا حبيبي' من مراتك.. وأنا بحاول أفهم البومة بتاعت الديزاين دي إني إجازة، اتكلمت معها إنجليزي وألماني، برطمت معاها بالعربي وهي مش فاهمة."
صباح الخير يا حبيبي!
مرة واحدة؟
إحنا بعيد أوي يا طه، دا كفاية إنها متقلش في وشي زي زمان، دا كدة تقدم!
ضحكت على صياح طه من المصممة، حق الله تقيلة ورخمة ومش بتفهم بسهولة، اترميت على الكنبة وأنا هموت وأنام وبقول:
"إحنا هنتحرك الساعة ١٢ بالليل صح؟"
"أيوه، هنوصل مصر الساعة ١١ برضو أو
١٢ على بال ما نخرج من المطار."
"طب الحق أغفل لي ساعتين، ابقى صحيني قبلها عشان نجيب أكل."
"نام يا حبيب أخوك نام..."
نبرته كان فيها غيظ واعتراض، بس ميعرفش يتكلم، أنا سلمت الشغل بتاعي من الصبح عشان الإجازة، وهو قاعد محشور بسببي لسه بيسلم حاجات.
==================================
"أنا دقايق وطالع الطيارة، محدش يفضل صاحي الرحلة لسه طويلة، نامي وارتاحي وخلي أمي تنام برضو.."
"حاضر... توصل بالسلامة."
قرأها وعمل قلب، وبعد دقايق اتصاله بالنت وكل حاجة اختفى، كانت كريمة وحبيبة عندها في الشقة، كريمة اللي كانت بتشرف على كل حاجة سواء هنا أو تحت.
"يا جماعة ناموا شوية، هو لسه قدامه بتاع ساعتين ونص على بال ما ينزل من الطيارة دي وهيفضل في المطار ٦ ساعات، ارتاحوا."
"وليه المرمطة دي... طه معاه صح؟"
خوف الأمهات وقلقهم، قعدت أطمنها شوية وبعدين اتفقنا إنها تنام عندي هنا وننزل كلنا سوا الصبح بدري، وأنا فضلت أتقلب الساعتين ونص دول، لغاية ما هدوء الليل عدى ووقتهم خلص ورسالته وصلت:
"أنا وصلت الإمارات...
الطيارة طلعت بعد ٥ ساعات، عشان فرق التوقيت خلاني أحسبها غلط."
"تيجي بالسلامة، أنت نايم كويس؟"
كتبتها من غير ما أفكر كتير، يمكن من قلة النوم، بس يا ريتني فكرت، إيه لزوم السؤال!
"أنا نمت في الطيارة، وأعتقد هنام في النار والطيارة التانية، منمتش من يومين يا غالية، ويمكن أكتر."
"طب ليه هلكت نفسك في الشغل كدة؟
هو كل اللي شغالين زيك بيتعبوا أوي كدة؟"
"في شركتي القديمة كنت بتعب بالمنظر دا من مرتين لأربع مرات في السنة كلها، لأني كنت موظف في مجال التسويق، فلما يبقى فيه مواسم كانوا بيحتاجوا خطة تسويقية فكنت بقعد مع التيم أشتغل وأتعب...
أما ألمانيا بقى، الشركة نفسها علامة تجارية خاصة في التسويق....
يعني شغلنا الأول الحملات والإعلانات، وكل الحاجات اللي بتتشاف دي بتخرج على ورق من تحت يدي، يعني أنا بتاع الأفكار وشغل طه واللي زيه التنفيذ."
محستش بالوقت إيه، يمكن عدى ساعتين تلاتة، كنا بنتكلم، بنضحك، بيحكي عن شغله ويوريني صور القهوة اللي بيطبق بيها، وأنا وريته صور فارس الصغير في الحضانة، لغاية ما...
قفلت الفون، إيه اللي عملته دا!
معرفش إزاي دموعي نزلت، رفضت كل حرف كتبته، كل ضحكة ضحكتها، أنا مش عاوزة كدة، مكنش اتفاقنا، مكنتش مخططة ولا حاسبة كدة.
رسايله بدأت تظهر على الشاشة ورا بعض:
"غالية.."
"أنتِ كويسة طيب... قفلتِ ليه؟"
"حاسة بتعب طيب.. أنا ضايقتك في حاجة؟"
أعتقد لو كنت سيبته كان هيكمل، اتنهدت وأنا بحاول أمسح دموعي اللي نازلة وكتبت له:
"أنا تمام.. مش قادرة أتكلم بس."
"طب ارتاحي ومتفكريش في حاجة... اقرئي أذكار النوم، متناميش وأنتِ مخنوقة أو متضايقة كدة."
================================
وصلت مطار مصر، ونزلت من الطيارة مع طه، عقلي مشغول بقاله ساعات بيها، غفلت في الطيارة غصب عني من التعب، لكن دماغي لسه معاها، خرجنا أنا وهو، عشان برضو فرق التوقيت اللي معرفش حسبناه إزاي.
"هو إحنا كنا مصطبحين عشان نحسب ساعة ونص في الهوا؟"
ضحكت على كلام طه وقلت له:
"يا عم ساعة راحت في الإمارات... ونص ساعة دلوقتي، تلاقيهم أصلا جايين بدري."
فضلنا قاعدين، منظرنا يضحك، كنت ساند على كتفه ولا إني خطيبته، وهو قاعد بيهزق إخواته عشان يجوا ياخدوه، وحبيبة معايا عمالة تطمن عليه وتدلع فيا.
"يا بغال... استحالة تكون دي دماغ بشر، الواد مش عارف عامل دماغ ولا نايم، أقوله استعجل نفسك أنا في المطار يقولي أنت تليفونك مقفول عشان في الطيارة!"
ضحكت عليه، اللي معندوش أخت بنت دا الله يعينه والله.
"اضحك يا أخويا، ما أنت منال اتجوزت وحبيبة استلمت الشفت، وبعدها مراتك، وكمان وحيد أمك، يعني ستات العيلة كلها مش شايفة غيرك.."
"طب بس لأولع!"
"أومال أنا...
عيني عليا أنا، واحد وسط أربع بغال تانيين، ويا ريتني حتى أكبر واحد ولا أصغر واحد."
"طه..
أنا بجد مشفتش في حياتي حد بيرغي زيك، اتقي الله في دماغي لسه فيه أمي وحبيبة ومنال.. وغالية."
آه، وغالية، اللي مش هترغي بس دارسة دماغي أكتر من أي رغاي. بحاول أفهم قفلت ليه، مرت ثواني لكن الاحتمالات صفر، راجعت الشات مرتين عشان أشوف قلت حاجة غلط ولا ضغطت عليها، وبرضو صفر!
وأخيرًا... وصلوا، قمت أنا وطه عليهم، وجريت على اللي أحضان وبوس وعياط؛ حبيبة ومنال كانوا واقفين في حضني كلهم.
"يا أمي اهدي أنا قدامك أهو...
مستنية آجي عشان تعيطي؟"
"تعالي يا غالية واقفة بعيد ليه؟"
شدتها حبيبة بعد ما خلصت كلامها وعلى غفلة كانت قدامي، بيني وبينها كان سنتي وإخواتي وأمي في حضني، رجعت خطوة بخضة من قُربي، لكنها كانت هتقع فإيد حبيبة سندت ظهرها وهي بتقول:
"إيه يا بنتي مش عارفة تقفي!"
خرجوا من حضني، وهي واقفة قدامي بتترعش، قربت منها وضمتها ليا جامد، حاسس برعشتها فمسحت على ظهرها وأنا بقول:
"اهدي يا غالية، إيه حصل لكل دا!
اهدي أنا معاكي."
شهقات!
صوت عياط بسيط خرج منها وهي بتقول بصوت خافت ومكبوت مسمعهوش غيرنا:
"أنا مش عاوزاك معايا.. ابعد."
كنت هبعد، كان المفروض أبعد، معرفش إزاي ضعفت! ضميتها أكتر وأنا أنحني عليها أكتر وهمست لها:
"أبعد إزاي وأنتِ وحشاني يا غالية؟"
"مخلصنا يا عم روميو، أمي عاوزة تسلم عليك."
قالها طه برخامة، فبعدت عنها ببطء، أناني لدرجة إن اللحظة دي عاوزها تفضل العمر كله، حتى وهي بتترعش كنت هحاول أطمنها، بس متحرمونيش منها.
الكل كان مخليها جنبي، حبيبة نفسها اللي بتغير عليا كانت بتزقها لحضني في العربية، روحنا البيت، وبعد إلحاح أمي طلعنا أخيرًا شقتنا، وحشني المكان وحشني صاحبة المكان.
فضلت واقف قصاد الباب شوية وبعدين دخلت قعدت على الكنبة، وعيوني على كل حتة في البيت، وقبل ما أتكلم هي قلعت الكوتشي ودخلت أوضتها وقفلت وراها، اتنهدت بتعب، وقمت أخدت دش وبعده دخلت على أوضتي، وقبل ما أنام ظبطت منبه قبل الظهر بحاجة بسيطة عشان أصحي للصلاة وبعت لها:
"ضروري تتأكدي إني صحيت عشان أنزل أصلي الظهر."
=================================
اليوم عدى، والزحمة خلصت وطلعت أخيرا للشقة، خمس ثوانٍ ومكان طالع هو كمان فسألته:
"أنت مش كنت هتسهر مع إخواتك؟"
"ما أمي طردتني عشان أنتِ طلعتِ... المفروض تعوضيني بسهرة غيرها بقى."
مردتش عليه وجيت أقوم لقيته وقفني بكلامه وقال:
"أنا جعان...
معدتي وجعاني كمان."
"إحنا لسه واكلين تحت... لو جعان انزل كُل."
"يا حجة بقولك اطردت، وأصلاً أنا عاوز آكل حاجة خفيفة، ممكن تعمليلي حاجة في طاسة واحدة؟"
"لأ."
قلب وشه زي العيال الصغيرة وهو بيقول:
"حاسك مضطهداني من الصبح بس مفيش دليل."
دخلت وقفلت في وشه الباب، كأني بقوله "خد الدليل".
زفر وهو بيخبط وبيقول:
"لا مش جاي المسافة دي كلها عشان أملي عيني من الباب...
ممكن اللي ورا الباب تسمح لي بدقيقتين وتتكرم عليا وتخرج؟"
زفرت أنا كمان بضيق وخرجت له، ويدي رجعت تلقائي على كتفي ورقبتي، كنت أصلا لسه بالعباية والطرحة بس دي حركة تلقائية خلاص.
عيوني ركزت أكتر على مكان يدي، حتى بعد ما نزلت يدي كانت عيونه ثابتة على كتفي، اتوترت أكتر، حسيت إن كتفي مكشوف وإنه شايف الحرق، عشان كدة توهت الموضوع وأنا بقول له بحدة:
"أنت عاوز إيه؟"
"ليه لما بتتوترِي أو بتقلقِي بتحطي إيدك على كتفك الشمال ورقبتك؟"
"وأنت مالك... أنجز وقول عاوز إيه."
ضحك لي وهو بيقول:
"عاوز خمسة عقل كدة...
عيب على سننا، اللي قدامنا معاهم عيال، مش قصدي حاجة عشان مترزعيش الباب في وشي تاني..
أقصد بس إننا كبار كفاية وعاقلين كفاية وناضجين كفاية...."
"كفاية رغي وقول عاوز إيه.."
ضحك أكتر وهو رايح يقعد على الكنبة وقال برخامة:
"مش بطلب منك اتنين قهوة أنا عشان نتكلم واحنا واقفين، تعالي اقعدي...
متخافيش مش بعضّ."
روحت قعدت على الكنبة التانية قصاده وبقول:
"ما تنجز يا فارس قول اللي عندك."
"يا ستي بجد عاوزة أعرف ليه بتعملي كدة لما بتتوترِي وتقلقِي، اشمعنى كتفك الشمال، ليه مش اليمين مثلا؟"
هو بيتكلم ببساطة كدة ليه؟
اتعصبت أكتر وأنا بقوله:
"شكلك معندكش حاجة مهمة... أنا داخلة أتخمد."
"غالية، مبتتعبيش يا بنتي؟
وضعية الهروب دي بتقطع الإثارة، يعني مثلا أنتِ اتعصبتِ، أنا ممكن أتعصب أنا كمان، نتخانق...
تيجي نجرب نتخانق طيب؟
نعيش أي حاجة من أولها لآخرها، بدل ما أنتِ بتنقي أكتر حتة مبسوطين فيها وتقفلي...
تعالي لأكتر حتة متعصبين فيها ومتهربيش.. إيه قولك؟"
اتصدمت والله من كلامه وتعبير وشه، كأنه في لعبة، بيحاول يعدي مستوى صعب بس بالتحايل، هو فاضي بجد!
"أنت فاضي!"
"مش أوي بس لو ناوي على حاجة أفضالك."
نبرته الساخرة المستفزة، الباردة زيه!
قمت من مكاني لكنه قام ووقف قصادي بسرعة عشان أقف وفعلا اتجمدت ورجعت خطوتين لورا وأنا بقول:
"أنت عاوز إيه على المسا يا فارس!
بتندب على الخناق.. عاوز نتخانق يعني ولا إيه؟"
عيونه جت على كتفي وهو بيقول:
"تؤ تؤ.. عاوز أعرف إيه هنا."
"يخصك في إيه؟"
"يخصني عادي...
أعتقد إن الحركة دي وراها سبب مش حركة توتر عشوائية بتكرريها كتير أوي معرفش ليه..."
"لا ميخصكش في حاجة، وابعد من قدامي."
"يا ستي ماشي...
مفيش فيه بس عندي فضول عاوز أعرف، يمكن أقدر أساعد."
"تساعد في إيه؟
حد قالك إن عندي مشكلة؟"
"تعرفي؟
في ناس لما بتنكر إن فيه مشكلة بيبقى دي أصل المشكلة أصلاً وهم مخبيين...
أقدر أعتبرك منهم صح؟"
زفرت بضيق، كل ما أتحرك يمين عشان أدخل الأوضة يتحرك معايا، أروح شمال يروح شمال، بحارب أعدي من غير ما ألمسه ودي مستحيلة.
"دفاعك مش حلو."
كان يقصد حاجة في الكورة أعتقد، يعني إحنا حرفيا عاملين زي اللي بيشوط الكورة وحارس المرمى!
"فارس أنت كدة بتضغط عليا."
آخر كارت عشان أعدي، متأكدة إنه لما يسمع كدة هيسيبني أدخل لكنه ضحك بقوة وهو بيقول:
"المفروض أصدق ولا إيه؟
لو فيه بخمسة جنيه ضغط عليكي مكنتش فضلتي واقفة، كنتِ هتعدي عليا وتدخلي عادي...
اسمعي مني أنتِ اعتبرتيني هواء كتير أوي.. أنتِ عاجباكي اللعبة."
"لعبة إيه... وسع من قدامي بدل ما أزقك."
"إيدك لو لمستني ولو بالغلط مش هسيبها على فكرة."
"لا أنت اتجننت."
"بس الجنان عجبك...
لو مش عاوزة اللعبة تبقى عليكي ممكن تبقى عليا عادي، حابة تسألي عن حاجة؟
على فكرة أنا أشجع منك وهجاوب."
"يا فارس لو سمحت."
قلتها بترجي، فبص لي بنظرة طفولية وهو بيقول:
"يا غالية لو سمحتي...
لا أقولك يا ميس غالية يمكن تحني وترضى تقعدي زي البشر نتكلم عادي..."
روحت قعدت على الكنبة وأنا مربعة زي الأطفال، وأول ما جي يقعد جنبي جريت على الأوضة وقفلت الباب وأنا بضحك بقوة وانتصار وقلت:
"شربتها يا كروديا."
==================================
"شربتها يا كروديا."
يا أجمل تغفيلة خدتها في حياتي..
وأجمل "كروديا" سمعتها في حياتي!
ضحكتها كانت جميلة، وهي دي أول ردة فعل عفوية وخفيفة بتضحك معايا فيها!
جريت مني مش بسبب الخوف، دي من أكبر إنجازاتي اللي لازم تُدوّن، فضلت باصص للباب وضحكتي واسعة، مبسوط، لكني قلت لها:
"الأيام بيننا...
الشاطر اللي يضحك في الآخر يا غالية."
الجو كان ليل، وأنا كنت جعان فعلاً، مكدبتش لما قلت معدتي وجعاني، لكني نمت وخلاص. وعلى الفجر كدة، قبل المنبه ما يرن قمت من الوجع بجد، معرفتش آخد نفسي ودخلت الحمام بسرعة جبت اللي في بطني، أعتقد دور برد بسبب تغيرات الجو بين هنا وألمانيا.
"أنت كويس؟"
كان صوتها وهي لسه صاحية باين عليه القلق، فتحت المياه على حوض الحمام وأنا بقولها:
"بقيت أحسن شوية، هنظف الحوض عشان نتوضأ."
"لا وسع أنا هعمله."
كانت مصرة تعمله لكن منعتها ونظفته أنا، وبعدين غسلت شعري وخرجت وأنا بنقط:
"إيه اللي عملته دا!"
"راسي مصدعة حطيتها تحت المياه الباردة عشان أفوق."
قامت بسرعة تجيب لي فوطة وادتهالي وهي بتقول:
"شكلك جالك برد وأنت بتزوده....
نشف شعرك كويس ولو هدومك اتبلت غيرها لغاية ما أعملك حاجة دافية."
وقفتها وأنا بقول:
"الفجر هيأذن وعلى بال ما آجي هتكون بردت... اعمليها بعد ما أطلع."
بصت لي باستغراب، كانت متوقعة أقولها أنا هعملها بنفسي، بس ليه أعملها ومراتي "الكتكوتة" موجودة؟
الأذان أذن ودخلت غيرت هدومي زي ما قالت ونزلت، حاسس إني بردان أوي وجسمي بدأ يوجعني ودي مش مبشرات حلوة خالص، البرد بيجي بيرقدني في السرير بجد، بتحرك للصلاة بالعافية، دخلت الصيدلية وجبت مسكن وأي حاجة للبرد وكان فيه مضاد حيوي.
"أنت جايب إيه معاك؟"
سألتني وهي بتفك طرحة الاستدال فرفعت العلاج:
"طب وأنت عارف إنك عندك عدوى إيه عشان تاخد دوا للبرد من الصيدلية وخلاص و..."
كانت هتكمل كلام بس مش قادر، عشان كدة سألتها:
"طب يا دكتورة، آخد المضاد الحيوي من غير أكل عادي!"
بصت لي وهي بتقول:
"آه عادي، بس دا لو عاوز يجيلك هبوط وحابب تقضي الليلة في المستشفى مثلاً... دا فعلاً أنسب خيار!"
ضحكت وأنا بريح على الكنبة وقلت لها:
"طب لقمة بسيطة وحاجة دافية عشان معدتي."
"حاضر."
قلبتها بطواعية وحنية ودخلت فعلاً، لكني محستش إزاي غفلت بالسرعة دي، لكني حسيت بصوتها:
"فارس.. فارس."
"أمم..."
"قوم يلا كُل لقمة عشان تاخد العلاج."
"مش قادر... هاخده لما أصحى."
فعلاً مكنتش قادر، التعب بدأ يزيد، لكني بعد مدة حسيت بيها بتهز كتفي وهي بتقول:
"قوم قبل ما الأكل يبرد."
لفيت ظهري وبقي وشي لها وأنا باصص لها، وقلت بكلمات مكنتش حاسس إن صوتي عالي وإن دا مش صوت عقلي..
"إنجاز تاني..."
"إنجاز إيه؟
قوم كُل."
================================
أكل ونام مكانه، مكنش قادر يدخل الأوضة، مكنش فيه سخنية صريحة، لكني دخلت نمت. وعلى الساعة ١٠ وأنا بلبس عشان الشغل، خرجت بصيت عليه كان لسه نايم، وجسمه دافي كمان، مكنش راضي يقوم لكن قومته يغسل وشه وأطراف جسمه عشان لو فيه حرارة تطرد، وأكدت عليه إنه كمان ساعتين ياكل وياخد المسكن، وفضل نايم على الكنبة.
روحت الشغل، وانشغلت مع الأطفال، كان يوم لطيف مفيش مشاكل كتير، خلصت كالعادة على الساعة ٢، على بال ما روحت البيت كانت ٣ إلا عشرة مثلاً، نسيت خالص أعدي على كريمة زي كل يوم لأن دماغي مشغولة بفارس.
بس مش محتاجة أعدي على كريمة، عشان كريمة عندي! وصلة تهزيق معتبرة، عن إزاي سايبة جوزك تعبان ونزلتي الشغل..
طب ماتقوليش جوزي، طب!
كان عندها حق، لكن صوت فارس اللي طلع سكتها وهو بيقول:
"صدعتيني يا أمي، وهي إيش عرفها إني هتعب للدرجة دي، خدي بعضك يلا أنتِ وحبيبة وانزلوا أنا كويس."
"يا غالية بالله عليكِ خدي بالك منه، كملي له الكمادات دي، وأنا هعمل شوربة خضار بسرعة وأبعتها."
"يا أمي يلا مع السلامة... غالية هتأكلني متقلقيش."
بصيت له، حسيته بيهرب من شوربة الخضار!
فقلت لكريمة:
"خلي حبيبة طيب تجيب لي كيس من السوبر ماركت وأنا هعملها."
"لا أنا مخزناها في الفريزر هبعتلك كيسين."
"طب الكُرات؟"
"هبعت حبيبة تجيبه."
نزلوا وأنا روحت وقفت قصاده وقلت:
"إيه حصل لكل دا!
كنت كويس الصبح قبل ما أنزل."
يا ربي عليه كان بيكح كمان!
كل دا حصل في ظرف كام ساعة!
"أنت تعبان أوي كدة!"
"ملكيش دعوة بيا.. أنتِ مش جدعة على فكرة، بتلبسيني في شوربة الخضار...
يعني أنا قلت أنتِ هتأكليني عشان أهرب منها.."
كل شوية كان كلامه بيتقطع وبيكح، بس أنا مكنتش مركزة معاه أصلاً، كنت مركزة مع إني - هو أنا بجد فهمته لما بص لي وقال 'غالية هتأكلني' - فهمته إزاي يعني، فهمت إنه بيهرب بجد!
"خلاص هعملك حاجة غير شوربة الخضار... خلي الشوربة ليا أنا."
"أنتِ بتحبيها!"
ضحكت وأنا بقوله:
"بعشقها!
كنت بستنى أتعب أو حد من إخواتي يتعب وأنا صغيرة عشان آكلها."
كان باصص لي وهو تعبان، معرفش مركز ولا هو سرحان، بس عيونه عليا بدرجة وترتني، عشان كدة نزلت أجيب بنفسي الخضار والحاجة من كريمة وطلعت، وبرضو عيونه راحة جاية عليا فقلت:
"نام شوية لغاية ما أخلص."
فعلا سند راسه ونزل بجسمه شوية عشان يتمدد على الكنبة وغمض عيونه، وكنت متأكدة إن مفيش دقايق وكان سافر في النوم.
دخلت المطبخ، وعملت له رز أبيض من غير زيت أو سمنة كتير، وسلقت فرخة صغيرة بعد ما نظفتها كويس، وشوربة الخضار القمر ليا وزودت فيها الكُرات زي ما بحب، طلعت حطيت الصينية على الترابيزة وقربت أصحيه من غير ما ألمسه:
"فارس الأكل جهز."
مستجابش مهما ناديت، قعدت جنبه وقربت من راسه وأنا بهز كتفه براحة، معملش حاجة غير إنه اتقلب بصعوبة...
"فارس أنا عملت الأكل..."
"حاضر."
صوته مكنش طالع أوي، لكنه قام بصعوبة، كنت عاوزة أساعده لكني سيبته في مكانه لغاية ما قعد، حطيت الصينية على حجره وأنا بقوله:
"عملتلك شوية رز أبيض وفراخ مسلوقة."
بص لي بابتسامة وهو بيقول:
"تسلم إيدك يا غالية."
كنت مراقباه وهو بياكل، بياكل براحة وعلى مهله أوي، ومكنش قادر يقطع الفراخ كويس، اتنهدت!
أنا مش عاوزة أعمل كدة بس صعبان عليا برضو، أخدت الفراخ وقعدت أفصصها له على الرز من غير كلام فقال:
"الحمد لله طلعتي بتشوفي!"
إيه!
هو قال كدة بجد!
دامقالش شكرا،
"مستغربيش كدة... المفروض أصلاً تأكليني، أنا بعاني عشان أرفع إيدي وبردان."
تنحت من الصدمة، وأنا مالي بيك!
مهتمتش بكلامه وكملت شوربة الخضار بتاعتي، لكنه مسكتش وقال بتعب:
"أنتِ معندكيش رحمة!
دا أنتِ بتأكلي فارس الصغنن كل يوم وهو الحمد لله سليم، اشمعنى أنا يعني...
على فكرة أنا طفل تحت سن الثلاثين، ممكن تأكليني يعني مش هاكل منك حتة."
دا التعبان!
دا تعبان بيلف ويدور عشان يوصل لهدفه، في حد عيان بيفكر في كل الكلام دا مرة واحدة؟
برضو مش هعمل اللي في باله.
"طب ناوليني الفون طيب."
"ودا ليه؟"
"عشان أتصل بأمي تيجي تأكلني... عشان قلبك جامد عليا، ما أنا لو كنت أصغر ٢٢ سنة كدة كنتِ دلعتيني وأكلتيني."
"لو كنت أصغر ٢٥ سنة ونص... ٢٢ سنة كنت هتبقى قد البغل، ٨ سنين تاكل لوحدك!"
"دا الله يكون في عون العيال منك، بتقولي على طفل بريء عنده ٨ سنين بغل!"
"طفل بريء! دا أنت اللي بريء والله..."
قلتها بنية صافية ولسه هشرح له عمايل العيال اللي بيقول عليهم بريئة، لكنه قطعني بنبرته اللي بعيدة كل البعد عن البراءة وقال:
"مش بريء أوي يعني...
بس تقدري تطمني، أنا دلوقتي مش قاعد أكح حتى."
برضو مهتمتش، ومش ههتم، أنا بس قربت من الصينية فابتسم عشان فاكر إني هأكله لكني سألته:
"شكلك خلصت أكل... أشيل الصينية؟".
ابتسامته اختفت وهو بيقول بقنص:
"شيليها.. شبعت."
شلت الصينية فعلا ودخلتها المطبخ ورجعت كملت أكلي اللي زمانه برد بسبب دلع الأستاذ فارس، كان بيبص لي بقرف طفولي وغضب وأنا مكبرة دماغي وباكل.
لكنه مرة واحدة قام من مكانه بسرعة، ودخل الحمام يرجع، سبت طبقي فوراً وقبل ما أروح له لقيته قفل باب الحمام في وشي:
"متبلش راسك تاني، اغسل وشك واخرج أنا هنظف."
صوته اختفى شوية وبعدين صوت المياه اتفتح، شوية وخرج كان الحمام نظيف، بس مكنش قادر يقف لكنه سألني:
"هو العصر لسه مأذنش؟"
عضيت شفايفي، ممكن يعمل إيه لو عرف إني مصحيتهوش للعصر عشان صعب عليا؟
دا المغرب على أذانه أصلا!
"فين تليفوني...
أنا ضابط منبه، حاسس إن وقت كتير عدى."
ها؟
تليفونك؟
ما أنا شلته عشان متصحاش، أقولها له إزاي وهو واقف بيتكلم جد كدة!
"ما... أنا سيبتك تنام عشان كان شكلك تعبان أوي."
"يعني العصر فاتني؟!"
قالها بخضة وهو بيخرج بسرعة يبص في الساعة، مسك تليفوني عشان كان أقرب له وهو بيقول:
"حرام عليكي يا غالية، الساعة ٦ وأنا مش حاسس!"
"لسه فاضل ساعة وتلت على المغرب، اهدى أنت كنت تعبان"
"تعبان إيه يا ستي دا دور برد.. عديني."
قالها ورجع الحمام اتوضأ، وفعلاً صلى وكان شكله تعبان أوي، وبعد ما خلص رجع مكانه على الكنبة فقلت:
"لو عاوز تغفل شوية لغاية المغرب.. هصحيك."
بص لي بشك وهو بيحاول يلطف الجو شوية وبيقولي:
"تفتكري هثق فيكي تاني؟"
ضحكت وأنا عجبني اهتمامه الشديد بالصلاة، وإنه فعلا حتى لو بيحاول يخفف الدنيا معايا شكله مضايقه بجد، فقمت وسيبته، سخنت شوربة الخضار وجيت بطبق وأنا بقوله:
"خلاص لو هتفضل صاحي... يبقى تتسلى في الطبق دا وأنت قاعد."
بص لي بضيق ورفض وهو بيقول:
"غالباً هفكر أنام.."
"فارس أنت معدتك فاضية... هتاخد خافض الحرارة والمسكنات إزاي؟
الرز تقيل على معدتك ورجعته... اتفضل كُل."
"لا... هاتي المسكن كدة."
كان رافض زي العيال الصغيرة فقلت:
"طب أشغل لك كرتون؟"
بص لي لثواني كدة وهو بيضحك وبيقول:
"عملتِ "إيرور" ولا إيه؟
أنا فارس أبو ٣٠ سنة مش أبو ٦ سنين."
ضحكت بصوت عالي لأول مرة جنبه، وهو ابتسم وهو بياخد مني الطبق مُجبراً فقلت له:
"دا على أساس إنك مبتحبوش مثلاً؟"
ضحك وهو بيشرب أول معلقة باشمئزاز وقال:
"ليه حاسك بتعيريني سيكة؟"
"ما تجرب تتفرج وأنت ساكت... أشغل إيه؟"
كان مستغرب مني، أنا نفسي مستغربة مني والله، بس خلي الساعة وربع دول يعدوا بسرعة ويتلهي في الكرتون شوية وينسى التعب.
"شغلي... مش عارف، ما تختاري أنتِ."
بصيت بحيرة للابتوب شوية، أنا اتفرجت على كذا حاجة وهو مسافر، قعدت أتسلى أنا وحبيبة اللي طبعاً متعرفش إن أخوها عاشق للحاجات دي، لكني افتكرت إنه كان متحمس أوي وهو بيحكي لي عن كرتون التنانين فقلت له:
"ممكن نتفرج على اللي هو.. التنانين.. كان فيه تنين أسود كدة في اللوجو."
ابتسم بحماس وهو بيقول:
"غضب الليل...
بس دا حلاوته مدبلج بصراحة، أنتِ تعرفي أي جزء منهم ولا نبدأ من الأول؟"
"لا نشغل الأول... معرفش حتى بيتكلم عن إيه."