رواية سكن مشترك الفصل الثاني عشر 12 بقلم نورهان علام
|12|
قاعدة مندمجة جدا، "حزوقة" لطيف..
بس "غضب الليل"... دا طلع أهبل، شكله يخوف لكنه بسكوتاية.
الكرتون كان جميل بشكل، حزوقة وأبوه وعلاقتهم الحادة، وإن في الآخر أبوه اقتنع، وكمان كل حاجة اتغيرت في القرية.
"شكلك حبيتيه؟"
قالها وهو بيبص ليا، كان قاعد قريب مني، بس أنا سرحت وقولت بانبهار وأنا ببص لـ "غضب الليل":
"جدا.. بُص جميل إزاي، مطلعش بيخوف، ولا شرير، دا كتكوت وعبيط خالص... وحنين شوفت أنقذ حزوقة إزاي؟"
"أمم... مبسوط إنه أنقذه.. بقى صاحبه الوحيد."
هي نبرته عاملة كدة ليه، وعيونه كمان؟
سألته وأنا بارتبك شوية:
"متأكد إنك بتتكلم على الكرتون؟"
"متأكدة أنتِ إنك كنتِ بتتكلمي على الكرتون؟"
بلعت ريقي، إيه التوتر دا؟
هو اللي كان بيتزنق بالأسئلة، دلوقتي بيرد السؤال بسؤال!
"أكيد كنت بتكلم على الكرتون."
"أكيد طبعاً... وأنا برضو كنت بتكلم على الكرتون."
"أنت كذاب!"
قلتها بدفاعية وأنا بقوم وأشيل الطبق فضحك وهو بيقولي:
"ليه متكونيش أنتِ الكذابة؟"
دخلت المطبخ بسرعة، أنا مش فاهمة حاجة، ومش هفهم، هو مش بيقول أي حاجة ليها معنى أصلاً، فكرة الكرتون كانت غلط من البداية ومينفعش تتكرر، مش هتتكرر أصلاً.
================================
عدي أربع أيام، وخلاص فاضل يوم ويسافر.
اليوم دا مروحتش الشغل، لأن "كريمة" أصرت نعمل غدا عائلي، أهلي وأهله وكان طه وعيلته، كنا كتير فعلاً، وهو الحمد لله بقى كويس. نزلنا السوق سوا جبنا الطلبات، ومكنتش شايلة حاجة، هو كان شايل كل حاجة. وصلنا البيت وطلع الحاجة عند أمه عشان العزومة عندها، لأن الشقة عندي مش هتكفي العدد دا.
"هروح أجيب اللحمة من عند الجزار، محتاجين حاجة تانية؟"
بصيت له، كنت مترددة بصراحة، لكن اتشجعت وقولت:
"ممكن تجيب كيلو رقاق، ونص كيلو قشطة؟".
بص لي بانبهار وهو بيقول:
"أمي هتعمل أم علي؟"
هو مش كريمة اللي هتعملها، أنا اللي هعملها، بعملها حلوة أوي من زمان وبحبها، وهو كانت نفسه فيها وكمان مفيش حلو يتقدم بعد الأكل، فكريمة قالت نعمل رز بلبن بس أنا هفاجئها إني هعمل أم علي.
"أمم هتعملها نحلي بيها بعد الأكل... هتلاقي رقاق دلوقتي أصلا؟"
"هتصرف أنا متقلقيش."
الأكل اتعمل، والحلو اتعمل، حتى طه وأهله وصلوا، اللهم بارك كانوا خمس شباب، وفارس كان مندمج معاهم هو وأحمد، شلة شكلها حلو رغم إن أعمارهم مختلفة، في الأكبر من ٣٠ وفي أوائل العشرينات.
دخلوا أوضة فارس القديمة وصوتهم كان جايب لآخر الشارع، مش المطبخ بس. وبعدها أهلي جم وكمان، بقيت أنا وكريمة وماما، وأم طه وكمان منال في المطبخ، الدنيا كانت زحمة والأطباق مكفتش، عشان كدة كريمة قالت لي:
"معلش يا غالية، اطلعي هاتي كام طبق من عندك عشان الأطباق مش مكفية."
"من عنيا حاضر."
خرجت وهي خرجت ورايا، وبعتت لي فارس اللي يجي ورايا وأول ما اتكلم اتخضيت:
"هتشيلي إيه؟
إيه اتخضيتي ليه؟
اهدى!"
"مكنتش أعرف إنك طالع ورايا...
هنزل أطباق ناكل فيها."
جي ورايا المطبخ وفعلا شال اللي طلعته، كانوا تقال فعلا، الحمد لله إنه موجود لأن أمي كانت هتتحسر على الصيني دا لو جراله حاجة.
"يا عيني الحلو لما تبهدله الأيام... جاي من السوق ونازل بالأطباق... بتسيق الأرضية يا فارس ولا لسه؟"
"بمسح الأرض وأروح السوق وأنشر غسيل كمان...
أنتِ اتعلمتِ الحاجات دي في الغربة وأنا أتعلمها عشان مراتي وأخواتي."
"بصي يا كريمة ابنك بيذلني إزاي، عشان جوزتيه وأنا لا."
كان نقار فارس وطه صاحبه، واتدخلت أم طه وهي بتقول بسخرية على ابنها:
"وأنت مين اللي هترضى بيك يا خايب، عاوز واحدة فشتها عايمة بتضحك ليل نهار زيك."
"أديله يا خالتي."
قالها فارس بتشجيع وطه راح على طول يحط يده على كتف كريمة وهو بيقول:
"طب بصي يا كريمة...
مش هتجوزيني يعني زي ما جوزتِ البغل دا؟"
"شاور أنت بس وأنا الليلة أكون مخلية البيت كله زغاريط عشانك."
"إيدك يالا..."
قالها أبو فارس اللي لسه داخل وهو بيبص ليد طه اللي على كتف كريمة فالكل ضحك وطه راح باس يدها وهو بيقول:.
"دي أمي دي يا حج."
لكنه سابها بسرعة وجري ناحية فارس اللي بيقوله:
"بتستخبى فيا... دا أبويا يا ابني يعني أسلمك ليه عادي."
الكل ضحك ودخلنا نغرف الأكل، حطينا للشباب مع الآباء كلهم في الصالة وإحنا دخلنا الأوضة الصغيرة ناكل، لكن وأنا داخلة المطبخ مع حبيبة ندخل الأطباق كان فارس وطه قصاد الفرن:
"طلاق تلاتة يا فارس لو كلت أكتر من اتنين لأزعلك... الباقي أمك هتشيله ليا أروح بيه."
"دا عند خالتك...
هم طبقين كترت عنهم هطفحها ليك."
"طب خمسة هدوم عشان لو واحد فيك ادانا كتفه وأنتم بتهزروا هنتعمل بوستر على الحيطة."
قالتها حبيبة وهي داخلة بتحط الأطباق في الحوض وبتجيب أطباق أم علي، طه لما شافنا وقف مكانه بهدوء وفارس قال:
"بت... شيلي لي أربع خمس أطباق عشان أطلعهم، لأحسن الواد دا ميتضمنش."
"أمك اللي عملاهم لينا كلنا، تاخدخمسة لوحدك غير اللي هطفحه دلوقتي بتاع إيه؟"
كانت البنات بتناول لي الأطباق وأنا بفضيها في الحلل وأرمي البواقي في الزبالة، وطه بيتكلم لكن حبيبة قطعته وقالت:
"اتهدوا بقى واخرجوا من المطبخ، وبعدين أمي مش هي اللي عملاها... غالية اللي عملته."
ضحك فارس بقوة وانتصار وهو بيقوله:
"مراتي اللي عملاه، يعني ليك طبقين لإكرام الضيافة وإيدك تتقطع لو هوبت على طبق تالت."
"ماشي يا فارس، أول عزومة في بيتي بس والله لأحنسك على الأكل.".
قالها وهو حاضن الطباقين وخارج، وفارس قرب أوي بحماس لكنه لحق نفسه ورجع خطوة وهو بيقول بانتصار:
"شكرا يا رافعة راسي."
ولا أكني كسبت كأس الدوري، خرج هو كمان بطبقين، وحبيبة خرجت توزع على كل واحد طبق.
==================================
العزومة عدت، والمواعين كتير أوي.
حبيبة صعبت عليا تغسلهم لوحدها، فشغلنا أغاني بدون موسيقى عشان فارس ميجريش وراها، ووقفت أغسل أنا شوية وهي تغسل شوية.
" عارف كام سنة
وأنا جنبك هنا
بحلم يجي يوم
نبقى لبعضنا
لا مكانك إتملى
ولا يوم حبيت ولا
أتخيل قلبي أنا مع غيرك يا أنا
صورة رسمتها
ليك وصاحبتها
قصه حبنا
في خيالي عشتها"
حبيبة كانت مندمجة مع الأغنية، ورغم إني سمعت كتير لعمرو دياب، لكن الأغنية دي أول مرة أسمعها. كنت أنا اللي واقفة بغسل، فدخل هو وهو بيحط يده على كتف حبيبة وهو بيغني معاها وبيقول:
" ياما شغلتني، ياما وحشتني
وإتعلقت بيك لما قابلتني
عيني فتحتها
شافت حلمها
والصورة الليلة دي
جيت كملتها "
" أنا اللي شغلتك برضو؟"
قالتها حبيبة وهي بتهزر معه، كان باصص لي ولكنه قال لها:
" أه.. شغلتني ووحشتني كمان."
ضحكت حبيبة وهي بتقوله:
" طب سيبني أوحشك أكتر... سلاموز يا حب."
قالتها وهي خارجة، الكلبة تسيبني وتمشي!
اشتغلت أغنية بعدها فسكت يسمعها وهو بيسند على الرخامة وبياكل طبق أم علي بشهية وإعجاب كبير:
" لأ ما تقلقش إنت أبدًا
لأ ما تشغلش إنت بالك
أقلق أنا وأتعب بدالك
فكرك أنا جاي في حياتك ليه؟
جاي أنسيك أي ماضي جاي
أدلع فيك وأراضي
أرضى بس لو إنت راضي
طبعًا أمال إنت فاهم إيه؟ "
جرى إيه يا عمرو دياب؟
الأغاني دي عملتها إمتى؟
وفارس بيدندن بيها إزاي؟
تمارين تنظيم النفس مش عاملة نتيجة يا إسراء الكلب!
" دي الدقيقة معاك بعمري
يا اللي عمري ما ببتداش غير وإنت جنبي
كل يوم يسألني قلبي ما إتقابلناش بدري ليه؟ "
باخد أنفاسي وهو بياكل مستمتع، بيدندن شوية وشوية، لغاية ما قام حط الطبق في الحوض ورجع مكانه وهو بيغني المرة دي مع الأغنية:
"إبتسامتك أنا أشتريها بالحياة دي واللي فيها
هو مين حسسني بيها غيرك إنت
وإنت عارف ليه
أأمر إنت الأمر يمشي
حد هنا ضايقك هيمشي
من وجودك ما تحرمشي
ما إنت عارف إنت عندي إيه"
دقتين الأغنية وتكرار الكوبليهات، ونبرته وهو بيدندن، ونظرته اللي مش بتروح في حتة غيري!
ما صدقت الأغنية خلصت وكان هيشتغل غيرها لكني رحت طفيت الفون والسماعة بسرعة ورجعت للمواعين فقال:
" مبتحبيش عمرو دياب ولا إيه؟ "
" لأ بحب أسمعه... بس كفاية."
ضحك بخفة وفضل واقف فسألته:
" واقف ليه؟"
" أمي قالت لي ادخل ساعد مراتك."
" وأنت هتبدأ تساعدني؟"
" أحياناً المساعدة بتبقى إني أسليكي..."
" مكنتش أعرف إنك بتسمع أغاني يعني."
ضحك وهو بيقول:
" بقالي سنين، من وأنا في الكلية تقريبا مروحتش شغلت أغنية بموسيقى وسمعتها، ممكن أسمعها صدف في الشارع أو في البيت بس بخليهم يطفوها..
لكن من غير موسيقى بسمع كل فترة كدة."
" باين إنك بتسمعها كل فين وفين."
===============================
اليوم أخيرا خلص، والكل روح. على الفجر كدة كنت جهزت له هدوم مكوية، واستنيته يطلع من الفجر، ولما دخل ولاقاني قاعدة بص لي وهو بيسألني:
" صليتي يا غالية؟ "
عقدت حواجبي!
يعني هو أنا مصلتش؟
بس إيه علاقته بالسؤال؟
أنا كنت صليت قبل ما ننزل بصراحة.
" لأ..."
"طب قومي صلي وأنا أعمل لنا اتنين شاي بالنعناع..."
عملت "إيرور"؛ هو أنت مش عندك طيارة! المفروض تسافر وكدة، نعناع إيه؟
إحنا أصلا معندناش نعناع!
ومعرفش إيه الغباء اللي أصابني وأنا سبت كل الأسئلة اللي في دماغي وقلت:
" إحنا معندناش نعناع.."
ضحك وهو بيرفع يده وبيقول "من دي"، وثواني خرج الحزمة من الشنطة، كانت كبيرة وريحتها... تجنن!
قمت صليت الفجر ورحت على البلكونة فعلا وأنا لسه بالإسدال، دخلت له:
" شايك سكر خفيف؟"
هزيت راسي، مستغربة إزاي عرف، لكن ملقطش على الموضوع، واستنيته دقايق ينطق ويتكلم لكنه بيشرب الشاي وشوية يبص لي وشوية للسحاب.
" فارس..."
" نعم يا غالية..."
لسانه كان في شَبَح مشاكسة، فسألته:
" أنت مش مسافر كمان كام ساعة!..."
ابتسم والمتعة في عيونه وهو بيقول:
" لأ... لسه يومين، وبصراحة عندي بروجرام هيعجبك..."
طب ليه ما قالش!
ابتسمت وأنا بفكر في موضوع الكتاب وكدة أخيراً هعرف أجيب له غيره.
" بروجرام إيه؟
هتخرج يعني؟"
" أيوه، خارجين بعد شغلك...
النهارده هندور على الكتاب..."
" أنت مأجل السفر عشان الكتاب!..".
ضحك وهو بيقول:
" والله لو في يدي أأجله أسبوعين كمان بس الموضوع جه بالصدفة، لما أتهزقت على الإجازة طلبت يومين التأخير يبقوا زيادة على إجازتي..."
هزيت راسي وأنا بشرب شاي وبقول له:
" فهمت..."
" أنتِ شغلك الساعة كام؟ "
قالها ورفع كوبايته بيشرب منها، عيونه مركزة معايا، فقلت:
" الساعة ٨ مثلا... وهخلص على ١ أو ٢ مثلاً."
زفر اعتراض وماتكلمش بعدها، وأنا كالعادة سكت وفضلت واقفة بدل ما أدخل، السما كان شكلها جميل فعلا.
==================================
لا، اهدى يا فارس!
اهدى عشان خاطرها!
كنت بقول كدة لنفسي، لكن في الآخر، النسخة المجنونة مني خرجت وأخذت بعضي بدري ساعة ونص روحت على الحضانة، ولما وصلت لقيتها بتقفل الباب وجنبها.. فارس الصغير العسل، ابتسمت وأنا رايح ناحيتهم وهي أول ما شافتني شهقت وهي بتقول:
" أنت عرفت منين إني خلصت!"
ضحكت وأنا بمسح على شعر فارس اللي سبقني وقال:
" مين دا يا ميس غالية..."
بصيت لها وأنا مبسوط من الكلمة اللي نطقتها، وفعلاً ابتسمت له بحب، وخيبت أملي وهي بتقول:
" دا... ممكن نقول له عمو فارس..."
" واو... عمو أنت اسمك زي اسمي... "
كان مبهور وأنا شلته وأنا بقول..
" صدفة جامدة مش كدة؟.."
" جامدة جداا... صح يا ميس غالية.. "
ابتسمت له من غير كلام، وعيونها مش بتتحرك من على فارس الصغير كإنه شفاف، عشان كدة قربت عليها وأنا بقول:
" تحبي أشربي إيه يا ميس غالية؟
عشان أنا وفارس هنجيب عصير... صح يا بطل؟"
الصغنن اتوتر شوية لما حس إني هبعد عن غالية وقال بسرعة:
" ميس غالية... عادي أروح مع عمو فارس؟"
بصيت له بحنان ورحت بايس خده وأنا بقوله:
" ميس غالية هتيجي معانا... متخافش..."
صفق بحماس وفعلاً عدينا الطريق ومشينا كام خطوة للسوبر ماركت، وبعد ما اشترينا العصير إحنا الثلاثة، جيت أجيب حلويات تانية فراحت أخذت الشنطة مني وهي غالباً فاهمة أنا هعمل إيه فقالت:
" لمين الحلويات دي؟؟"
" لفارس..."
كان باين عليه مكسوف شوية لكنه متحمس، بس من بصة منها له، خليته يروح في حضنها هي وينزل من على إيدي وهي بتقول:
" لا كفاية على فارس العصير... مش بابا جاب لك شيبسي الصبح!"
زفرت وأنا بحاسب، شكلها كان جميل لغاية ما قالت "بابا"!
بابا مين يا أم بابا أنتِ!.
المفروض متقولش كدة غير عليا أنا!
لابنها هي... يعني لأبننا، لكن تقول "بابا" على راجل تاني!
رجعنا قصاد الحضانة وهو ماسك فيها وبيشرب العصير معها وكل شوية يشرب فيها ويلمس ملامحها ويضحكوا، كنت مستمتع بالمنظر وصورتهم بالموبايل
" ميس غالية هو بابا هيجي إمتى..."
" قرب يجي يا حبيبي..."
" أوف!"
قالها باعتراض طفولي جدا وهو بيربع يده، لكنها فكت ذراعه من بعضها وهي بتقول بحزم بسيط:
" عيب..."
" أسف يا ميس غالية"
كان شكلهم عسل أوي، وشوية بسيطة والحمد لله جه أبو فارس وأخذه، وطبعاً الكلام كان معايا أنا وهي شبه واقفة وراء ظهري، أخيراً اتحركنا.
=============================
معرفش خرجت مني إزاي، بس فضولي بقى بيغلب صمتي أحياناً مع فارس....
" هو أنت محتل عربية طه!
بشوفها معاك أكتر مما هو يركبها!"
ضحك بقوة وهو بيقول:
" حاجاتي هي حاجة طه والعكس صحيح... ماشيين طول عمرنا بالأولوية، يا عم أنا حالياً أولى بالعربية عشان أنتِ معايا، أكيد مش هنططك مواصلات بدل ما أنا مقتدر على عربية تحت رجلي...
مثلا زمان لما كان بيبقى علينا جمعيات وأنا أقبض قبله، مرتبي كان أنا بنشد بيه الجمعيات بتاعته وبعدين لما مرتبه ينزل بنمشي بيه لآخر الشهر... "
حقيقي عسل أوي، إزاي في اتنين صحاب بالجمال دا!
أصلاً يوم العزومة كان شكلهم برضو عسل وهما بيتناقشوا ويرجعوا يدافعوا عن بعض لو حد ضايق واحد فيهم....
" ربنا يديم صداقتكم... "
كان بيحاول ينكشني بالكلام، ومرة أرد ومرة لا لغاية ما وصلنا مكتبة في المعادي، كان شكلها مختلف عن الرفوف والمكاتب المعتادة، دخل فارس وسلم على صاحبها، ودخلنا وسط كتب كتير مش مرصوصة كويس:
" المكان حلو أوي... بس هو ليه مش شبه المكتبات التانية؟ "
" هنا كتب أصلية لكن مستعملة، وأنا بحب أصلاً الطبعات القديمة من أي كتاب، بحب أقعد أنكش هنا وألاقي عجب العجاب...
في مرة اشتريت كتاب من هنا، كان فيه جواب من اتنين صحاب، كان واحد فيهم بعته للتاني في البريد وبيقول إنه قرأه وكان كتاب مفيد جدا... وكاتب له بعض النقاط اللي انتفع بيها.
معرفش وصل إزاي لهنا، تاريخ الرسائل كان من حوالي ١٤ سنة تقريباً، بس كل ما بفتح الكتاب عندي بحزن على صاحب الكتاب إن ضاع منه ذكرى صديقه وهديته! "
شكله كان جذاب وهو بيحرك عيونه وأصابعه على عناوين الكتب وبيحكي، دايماً عنده نظرة مختلفة، حبه للقراءة والكتب مش عادي، حسيته لوهلة بيعيش بين الصفحات والورق، مش شرط عنده نوع أو تصنيف الكتاب، هو بيلمس الزمن والمشاعر اللي فيه!
فضلنا شوية وكل شوية يخرج كتاب ويكلمني عنه لغاية ما بص بانبهار:
" لقيته!"
بصيت بفضول، فكرته بقى الكتاب اللي أنا بوظته لكنه خرج بكتاب تاني خالص فقلت:
" مش دا الكتاب اللي أنا بوظته"
ابتسم وهو بيقرب يوريني الكتاب وبيقول بشغف:
" بس دا الكتاب اللي كنت بدور لك عليه...
مكنتش حابب أشتريه جديد.... جميل أوي إنك تشوفي لمسة ونظرة حد غيرك في الكتاب...
إزاي شوية حروف الكاتب كتبهم بشعور، وإزاي كل قارئ شاف شعور مختلف في الحروف دي! "
هو بجد إيه العشق اللي شايفاه في عينه دا وهو بيبص للكتاب، مش للكتاب بذاته بس للكتب والمكان و.. عيونه اللي جات في عيوني وهو بيقول:
" دا علشانك... شبهك أوي على فكرة "
معرفتش أبتسم، فضولي غلبني مرة تانية وسألته:
" بتتكلم عن إيه؟... "
" مش بيتكلم عن حاجة.. "
عقدت حواجبي استغراب، ومعرفش ليه يعني توقعت إنه يقول حاجة كويسة عن الكتاب لكنه صدمني باللي قاله، بس رجع كمل وقال:
" "السلام عليك يا صاحبي" مش كتاب تحت تصنيف معين، ولا بيتكلم عن حاجة معينة، وهو بيغوص في حاجات كتير أوي... بس صدقني الكتاب دا طبطبة غير متناهية... هتلاقي فيه المواساة والحب... هتلاقي فيه بعض التاريخ وحتت من السيرة، هتلاقيه بيلعب بمشاعر النفس وحدة وحدة... مش هتخرجي من الكتاب دا زي ما دخلتيه أنا واثق... "
كلامه حلو، بس لسه مفهمتوش أوي هو ليه شبهي، معترضتش على وجهة نظره إنه شبهي إزاي؟
هو رمى لي الطعم وأنا فعلا أكلته وعيوني تعلقت على الكتاب بفضول ورغبة إني آخد ركن وأقعد دلوقتي حالاً أقرأه...
==================================
"فارس.. ما تعمل إنك ناسي تحضني مثلاً."
مبتزهقش بجد!
كنت بحضر الشنطة وهي واقفة في الأوضة معايا، أول مرة تدخل لي الأوضة وأنا فيها.
"في حد بينسى يحضن مراته...
اتهدي شوية عشان منساش حاجة."
"أنا غسلت لك الهدوم السودا على إيدي... ينشفوا وأجيبهم لك."
كانت بتلف حواليا وكل شوية تديني حاجة أنا ناسيها أصلاً لغاية ما سألتها بسرعة:
"فين الجاكيت اللي كنت لابسه لما جيت؟"
"الرمادي..."
هزيت راسي بأيوه فراحت تجيبه وقعدت أقلب في الجيوب بتاعته، إزاي ضاعت!
إزاي نسيت أديها لها أصلاً؟ قعدت وأنا متضايق لكنها قالت:
"بتدور على حاجة؟"
"كان فيه ميدالية شكلها روبونزل.."
كنت بوصفها وأنا متضايق إزاي ضاعت عليا.
"أنا لقيتها.. فكرت جايبها لحبيبة واديتها لها."
"نعم! اديتها لحبيبة ليه؟"
"فكرتك جايبها لها... تجيبها لمين غير حبيبة؟"
"أوف عليكي يا غالية!"
قلتها ونزلت أجيبها من حبيبة، الدنيا ليل وكانوا نايمين، بس أنا ماشي كمان كام ساعة. فتحت حبيبة وجابت لي الميدالية فعلاً فطلعت لقيتها قاعدة جنب الشنطة ومركزة في تليفونها:
"غالية... "
"ثواني يا فارس.. "
رفعت حاجبي وأنا بقرب منها وبحط الميدالية قصاد عينيها..
"اهدى يا فارس..."
قالتها بانزعاج، اتضايقت جدا بس مسيكت نفسي بدل ما انفعل وسألتها:
"حاجة مضيقاكي؟"
"قمر... راحت المستشفى وشكلها هتولد، أنا مش عارفة أعمل إيه... هتصل ببابا دلوقتي."
"لا قومي البسي..."
"ألبس ليه؟"
"البسي نروح لها، ولو عاوزة تعدي على أهلك ناخدوهم في سكتنا، كدة كدة قمر في التاسع يعني احتمال تولد بجد."
بصت لي بذهول، فانحنيت شوية ناحيتها وأنا بقولها:
"قومي يلا... هروح أجيب عربية طه على طول عقبال ما تجهزي، بس قفلي الشنطة بتاعتي.. اتفقنا؟"
"بجد هتوديني؟ أنا ممكن أستنى بابا يوديني لها... بعدين أنت عندك طيارة كمان كام ساعة، المفروض تنام."
"مش هغيب عليكي، عرفي أهلك إننا هنعدي عليهم."
================================
مكنتش مصدقة، لكني دلوقتي جنبه، وبابا وماما قاعدين ورا.
أقل من ساعة كنا وصلنا المستشفى، متوترة وماما حتى ولادة عيال أختي الكبيرة مكنتش بتعرف تتصرف؛ كنت أنا وقمر اللي رايحين جايين. سبته مع ماما ودخلت الفحص لقمر.
يا حبيبتي عليها، أول ولادة فالموضوع مرعب ومقلق وصعب، وبعد ما كانت هتولد طبيعي، اضطرت تدخل قيصري، وفعلاً كنت بجهزها للعمليات مع الممرضة.
"غالية... أنا خايفة أوي."
"اهدي يا حبيبتي عشان ضغطك ميوطاش أكتر من كدة، اذكري الله واذكري ذكر سيدنا يونس كدة وربنا هيطمنك."
"غالية... لبسيني أنتِ لما أخرج من العملية، وخليهم يغطوني كويس وأنا جاية من أوضة العمليات."
بست راسها وقعدت أطمنها وفعلاً دخلت العمليات، وكلنا متوترين. جه فارس وقف جنبي وقرب وبيقول:
"هتبقى كويسة... اشربي العصير دا واهدي كدة."
رفعت عيني له وأنا بفتح العصير وبقوله:
"شكراً... تعبتك معايا بجد."
"مافيش لا تعب ولا شكر بينا يا غالية، أنا معملتش إعجاز دا حقك عليا.. أنا جوزك."
مردتش أرد، فضلت واقفة بس وساندة راسي على الحيطة، لكنه سحب إيدي، مرات قليلة أوي اللي مسكها، خلاني أقعد جنب ماما، سندت راسي على كتف ماما اللي حضنتني.
"ماما... أنا خايفة أوي على قمر."
"يا حبيبتي مش هتاخد نص ساعة هتلاقيها خرجت بالسلامة ومعها الباشا الصغير، هتبقى كويسة متخافيش."
كانت قلقانة، لكنها بتهديني. قامت لجوز قمر وهو جه قعد جنبي...
"كتفي موجود علشانك على فكرة."
قالها بابتسامة لكني قلت:
"مش عاوزة كتفك في حاجة."
"جربي تعملي حاجة مش عاوزاها كدة... يمكن تعجبك."
بصيت له، أنا بستوعب، رفعت إيدي بسرعة عشان أشوف الساعة كام من ساعته:
"أحيه... الساعة ٤ الفجر!"
"اهدي لسه فاضلك ٤ ساعات."
"لا، أنت تقوم تمشي دلوقتي.. كدة هتتأخر."
"مش هتتأخر ولا حاجة... مش هسيبك غير لما نطمن على قمر والصغنن... ناوية تسمي إيه؟"
"مش عارفة.. كانت بتفكر في تيّم ومعاذ."
"أنا من زمان أوي نفسي أسمي علي، حتى في فترة كان معظم أصحابي بيقولولي يا أبو علي."
هو قالها من غير ما ياخد باله، كان سرحان، ولما أخد باله اتعدل في قعدته، مكنش عارف يقول إيه فقلت:
"أمم... اسم علي حلو.. أخدت بالي أخوات طه كانوا بينادوا عليك بكدة."
"عارفين إني بحبه..."
"هو أنت بتخطط لحياتك من زمان؟"
معرفش سألته كدة إزاي، لكنه ابتسم وقعدته ارتاحت شوية بعد ما كانت متوترة:
"أكيد... فكرة البيت جميلة أوي وبيسعي لها من زمان، يعني عيال بتنادي تقول بابا وطلبات كتير رايح جاي أعملها، وحد يبقى مستنيني في البيت، الفكرة حنينة... التعب بيترمي برا عتبة البيت."
سكت شوية، كلام قمر ومنال، كلام كل اللي اتجوزوا بجد ناس كويسة، دايماً بيقولوا إن الحياة المتعبة بتهون لو حد تعبان سندك وأنتِ تعبانة، التعب مش بيختفي بس بيهون، الأحمال التقيلة بتتقسم على اتنين.
"وأنتِ؟
مفكرتيش في مرة... بيت، عيال، دوشة؟"
"مش عارفة... مجاش في بالي قبل كدة، من زمان وأنا شايفة العيال الصغيرة زن وقرف، حتى لما اشتغلت في الحضانة كنت شايفة كدة، نظرتي اختلفت شوية
لكن... معرفش متخيلتش نفسي أم...
وعندي بيت وحياة، معرفش عمري ضاع في إيه."
كنت بتكلم بصراحة، بكل صراحة كمان، فضل ساكت وبعدين ابتسم لي كأنه جات له فكرة حلوة وهو بيقول:
"طب ما تتخيلي كدة...
مش هقولك فكري، بس غمضي لحظة وتخيلي بيت على ذوقك...
طفلين ولا تلاتة كدة، واحد بيلعب وحد أكبر منه مراقبه عشان ميقعش، والأكبر ماشي في ديلك بيساعدك، شوية زعيق على تعب كدة لكن لما شوية قرود يجوا يقولولك 'آسفين يا ماما' تقرري إن خلاص مافيش عقاب...
والبيت كله يهدي ويجري على الباب وهما بيقولوا 'بابا جي' فكرة دافية وجميلة مش كدة؟"
مش عارفة أوصف إحساسي، رفض لكلامه ولا قبول له، بس الأكيد، إني مش عاوزة أتخيله هو في صورة "بابا جي".
"قوم امشي."
"نعم!"
قالها بصدمة فكررتها تاني:
"قوم امشي."
"مش همشي غير لما تطمني على قمر وأشوف الولد قبل ما أمشي."
فضل قاعد وبعد شوية فعلا قمر خرجت، وأنا وماما انتهينا معها وسبته برا، بعد ساعة تقريباً خلاتي خرجتني أبص على الولد وجوز قمر، لكني خرجت لقيت بابا شايله فقلت:
"فين محمد؟"
"طلبوه من الحسابات تاني."
كان فارس واقف وعيونه على الطفل مش بتتحرك، وبابا تليفونه رن، محمد كان محتاجه تحت فأدى الطفل لفارس وقاله:
"بلاش الخيبة دي تمسكه عشان بتخاف."
فارس أخذه وضمه وهو بيضحك له ومنبهر بحجمه:
"إيه الحجم دا.... عيال منال كانوا أكبر من كدة.. دا صغير خالص يا غالية."
قربت منه وأنا بشب عشان فارس رفعه أوي، فلما لاحظ نزل إيده شوية عشان أبص عليه..
" شكله يخوف!"
"نعم!
يخوف إيه، دا عسل وصغير أوي."
"أيوه يخوف... أخاف أقرب له أو ألمسه حتى، ممكن أؤذيه من غير ما أقصد."
بص لي وهو بيقول:
"بكرة تتعلمي، هي سبحان الله فطرة، الأم بتعرف تريح ابنها حتى لو مكنتش بتعرف تشيل وتمسك أطفال، هتعرف تمسكه وتشيله ومش هيرتاح غير بين إيديها هي."
"ماما على طول بتقول لنا كدة."
"... دا يخوف دا.. دا أنت سكر."
==================================
للأسف اضطريت أمشي، ابن قمر كان حتة سكر، كان نفسي أشوفها شايلاه، روحت البيت بسرعة سلمت على أهلي اللي اتفاجئوا إني مش في البيت، وبرضو أمي بتقطم فيا إني مأخدتش غالية معايا زي ما كنت متفق مع الكل، حتى أهلها زعلانين لكن غصب عني والله. لو عليا عاوز أقعد ومسافرش أو على الأقل أخدها معايا، لكن حكم القوي بقى، عديت على طه وأخوه وصلنا بالعربية، وطلعنا الطيارة اللي اتحركت، والحمد لله مكنتش ترانزيت لأنها على حساب الشركة المرة دي.
"معرفناش نتكلم طول الأسبوع دا."
حتى أنت يا طه!
شبعت تهزيق عشان كدة قلت:
"طه بالله مش عاوزة أتكلم في الموضوع دا."
"ما أنت عارف إنك غلطان...
إيه منعك المرة دي كمان، كنت على الأقل تعمل لها ورق الباسبور والفيزا كان هيبقي أمرها سهل خلاص شهر نطلعها وتسافر لك."
"صدقني دا قراري أنا وغالية، هي راضية وأنا راضي."
زفر وسكت، مكنش عاجبه الموضوع بس شكلي كان متضايق عشان كدة سكت، الرحلة خلصت، روحنا ارتحنا كام ساعة وبعدين نزلنا على الشركة بعد الظهر كدة، أخدت تليفوني واتصلت بيها، مرة واتنين وردت في التالتة فقلت:
"أكيد مكنتش نايمة؟"
"لا... كنت بعمل رضعة لتيّم، محمد لسه جايب له اللبن."
ابتسمت وأنا بقول:
"استقروا على اسم تيّم خلاص؟
قمر عاملة إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله، ولادتها كانت بدون ألم فالوجع الشديد اللي بيحسوا بيه بعد الولادة هي مش حاسة بيه أوي."
"ربنا يقومها بالسلامة... أنتِ أكلتِ وسط الزحمة دي؟ إحنا آخر مرة أكلنا كانت الساعة ١٢ بليل إمبارح."
"أنت مأكلتش أنت كمان؟"
"لا، المهم أنتِ أُكلي تيّم، واطلبي أكل من أي مطعم جنب المستشفى.. أشوفلك مطاعم قريبة؟"
سكتت للحظة وهي بتقول:
"تشوف لي إزاي؟"
"كدة يا ستي... "
قلتها وفتحت موقع المستشفى على جوجل ماب، وكان ظاهر لي المطاعم اللي قريبة منها:
"بصي في شاورما، وكمان في كشري، وفي مشاوي، والأفضل ليكي دلوقتي ماركت كبير جنبكم بيوصل...
اطلبي جبنة ولانشون وفينو حاجات خفيفة عشان معدتك متوجعكيش."
"أنت إزاي بجد!"
قالتها بصوت واطي كأنها بتكلم نفسها فضحكت وأنا بقول:
"لازم تستفسري على كل حاجة كدة... روحي أكلي الواد..."
"لا أنا مش هاكله طبعا، ماما هي اللي هتأكله..."
"أيوه أيوه عشان أنتِ بتخافي.."
اتعصبت وبان دا على نبرتها وهي بتقول:
"أنت معندكش شغل؟
سلام... أنا مش فاضية لك."
وقفلت في وشي فعلاً، وأنا مبتسم زي الأهبل، دخل ساعتها طه من غير استئذان كعادته وهو بيقول:
"اضحك يا أخويا اضحك...
ما أنت تلاقي مراتك بتطمن عليك وصلت الشركة ولا لا، وأنا أمي لسه مسمعاني ربع محترم."
آه، حياتي بايظة فعلاً بسبب عين طه اللي راشقة فيها، عشان كدة ابتسامتي اختفت وأنا بقوله:
"إحنا نجوزك يا طه... بالمنظر دا أنا هطلق عينك يا أخي بترد من مصر لألمانيا."
ضحك وهو بيقول:
"يا ريت، والله جوزوني ومش هتسمعوا ليا حس ولا خبر."
================================
عدى أسبوع وأنا بايتة مع قمر، والكل بيحاول يقنعني أروح بيتي بس أنا مش موافقة أسيبها، كنت بطبق الغسيل بعد ما جبته من على الحبل، وتيّم مع عمته، متعصبة من أهل محمد، مهتمين بالواد ماشي هو ابن ابنهم، لكن عيب لما يرموا قمر كدة وهي فاتحة بطنها، ومش مهتمين بيها!
لو أنا مش موجودة محدش هيسندها تدخل الحمام ولا يسخن لها لقمة، الأكل اللي أصلاً أمي عاملاه! بس روحت عشان منبقاش تُقال، كفاية أنا.
الموبايل رن!
يا لهوي أنا نسيت فارس، كنت بكلمه على الفجر وقلت له هتصل بيك لما أصحى!
"أسف والله، اتسحلت طول اليوم مع قمر والغسيل."
"الله يعينك، أنا كمان انشغلت أوي..."
سكت للحظة وبعدين سمعت صوت ست بتتكلم، طبعاً مش فاهمة حرف وهو كان بيرد لبلب ما شاء الله، ثواني ورجع ليا:
"معلش كان فيه حد بيسألني على حاجة، لسه مخرجتش من الشركة."
"الساعة عندك ١١ دلوقتي، لسه مخلصتش شغل!"
"شغلي مش بمواعيد أوي، أيام مش بروح الشركة أصلا، وأيام تانية ممكن أقضيها ميتنج أونلاين، وأوقات تانية ممكن أبات في الشركة عادي."
"الله يعينك.."
سكت تاني، كأنه بيفكر يقول حاجة وفعلاً قال:
"أنتِ مش بتفكري تروحي... قمر الحمد لله بقت أحسن...
ممكن على فكرة أخلي أحمد يجي ويوديكي لها كل يوم... بس روحي بيتك، بقالك أسبوع قاعدة وصدقيني مكنتش عاوز أضايقك وعارف إنه مينفعش تسيبي أختك...
بس اهتمي وروحي على بيتك، مينفعش تقعدي أكتر من كدة في بيت فيه راجل."
كنت متفهمة، ونبرته الحذرة ريحتني، مش بيجبرني أروح، بس برضو فهمني إني مينفعش مروحش، عشان كدة قلت له:
"حاضر... هروح بكرة."
"طب ما تروحي دلوقتي، أخلي أحمد يجي، وعلى ما تجهزي، وبكرة لما تصحي يوديكي لها."
"مش هعرف دلوقتي...
لسه هعمل أكل لها قبل ما أمشي يكفيها يومين ويومين كدة أبقى أجي لها تاني مع ماما."
"طب معلش اسمعي كلامي، اعملي الأكل دلوقتي وأول ما تخلصي حتى لو ٣ الفجر هتلاقي أحمد مستنيكي."
ضحكت وأنا بقوله:
"وهو أحمد شغال عندي... صدقني هروح بكرة."
"يا ستي مليكيش دعوة بأحمد، وعشان خاطري روحي النهاردة، بيتك موحشكيش؟
روحي ارتاحي، نامي كويس وخدي دش، اقلعي طرحتك."
بيتك!
يا ربي، للأسف للأسف البيت فعلاً وحشني!
مشج عارفة أنام كويس هنا لأسباب كتير، ومنهم إني مش في البيت، وهموت وآخد دش كل يوم زي ما متعودة بس محروجة، زفرت وأنا بقوله:
"ماشي خلي أحمد يجي لي... ارتحت كدة؟"
"ارتحت إيه، دا أنا أخيراً أخدت نفسي."
قاعدة مندمجة جدا، "حزوقة" لطيف..
بس "غضب الليل"... دا طلع أهبل، شكله يخوف لكنه بسكوتاية.
الكرتون كان جميل بشكل، حزوقة وأبوه وعلاقتهم الحادة، وإن في الآخر أبوه اقتنع، وكمان كل حاجة اتغيرت في القرية.
"شكلك حبيتيه؟"
قالها وهو بيبص ليا، كان قاعد قريب مني، بس أنا سرحت وقولت بانبهار وأنا ببص لـ "غضب الليل":
"جدا.. بُص جميل إزاي، مطلعش بيخوف، ولا شرير، دا كتكوت وعبيط خالص... وحنين شوفت أنقذ حزوقة إزاي؟"
"أمم... مبسوط إنه أنقذه.. بقى صاحبه الوحيد."
هي نبرته عاملة كدة ليه، وعيونه كمان؟
سألته وأنا بارتبك شوية:
"متأكد إنك بتتكلم على الكرتون؟"
"متأكدة أنتِ إنك كنتِ بتتكلمي على الكرتون؟"
بلعت ريقي، إيه التوتر دا؟
هو اللي كان بيتزنق بالأسئلة، دلوقتي بيرد السؤال بسؤال!
"أكيد كنت بتكلم على الكرتون."
"أكيد طبعاً... وأنا برضو كنت بتكلم على الكرتون."
"أنت كذاب!"
قلتها بدفاعية وأنا بقوم وأشيل الطبق فضحك وهو بيقولي:
"ليه متكونيش أنتِ الكذابة؟"
دخلت المطبخ بسرعة، أنا مش فاهمة حاجة، ومش هفهم، هو مش بيقول أي حاجة ليها معنى أصلاً، فكرة الكرتون كانت غلط من البداية ومينفعش تتكرر، مش هتتكرر أصلاً.
================================
عدي أربع أيام، وخلاص فاضل يوم ويسافر.
اليوم دا مروحتش الشغل، لأن "كريمة" أصرت نعمل غدا عائلي، أهلي وأهله وكان طه وعيلته، كنا كتير فعلاً، وهو الحمد لله بقى كويس. نزلنا السوق سوا جبنا الطلبات، ومكنتش شايلة حاجة، هو كان شايل كل حاجة. وصلنا البيت وطلع الحاجة عند أمه عشان العزومة عندها، لأن الشقة عندي مش هتكفي العدد دا.
"هروح أجيب اللحمة من عند الجزار، محتاجين حاجة تانية؟"
بصيت له، كنت مترددة بصراحة، لكن اتشجعت وقولت:
"ممكن تجيب كيلو رقاق، ونص كيلو قشطة؟".
بص لي بانبهار وهو بيقول:
"أمي هتعمل أم علي؟"
هو مش كريمة اللي هتعملها، أنا اللي هعملها، بعملها حلوة أوي من زمان وبحبها، وهو كانت نفسه فيها وكمان مفيش حلو يتقدم بعد الأكل، فكريمة قالت نعمل رز بلبن بس أنا هفاجئها إني هعمل أم علي.
"أمم هتعملها نحلي بيها بعد الأكل... هتلاقي رقاق دلوقتي أصلا؟"
"هتصرف أنا متقلقيش."
الأكل اتعمل، والحلو اتعمل، حتى طه وأهله وصلوا، اللهم بارك كانوا خمس شباب، وفارس كان مندمج معاهم هو وأحمد، شلة شكلها حلو رغم إن أعمارهم مختلفة، في الأكبر من ٣٠ وفي أوائل العشرينات.
دخلوا أوضة فارس القديمة وصوتهم كان جايب لآخر الشارع، مش المطبخ بس. وبعدها أهلي جم وكمان، بقيت أنا وكريمة وماما، وأم طه وكمان منال في المطبخ، الدنيا كانت زحمة والأطباق مكفتش، عشان كدة كريمة قالت لي:
"معلش يا غالية، اطلعي هاتي كام طبق من عندك عشان الأطباق مش مكفية."
"من عنيا حاضر."
خرجت وهي خرجت ورايا، وبعتت لي فارس اللي يجي ورايا وأول ما اتكلم اتخضيت:
"هتشيلي إيه؟
إيه اتخضيتي ليه؟
اهدى!"
"مكنتش أعرف إنك طالع ورايا...
هنزل أطباق ناكل فيها."
جي ورايا المطبخ وفعلا شال اللي طلعته، كانوا تقال فعلا، الحمد لله إنه موجود لأن أمي كانت هتتحسر على الصيني دا لو جراله حاجة.
"يا عيني الحلو لما تبهدله الأيام... جاي من السوق ونازل بالأطباق... بتسيق الأرضية يا فارس ولا لسه؟"
"بمسح الأرض وأروح السوق وأنشر غسيل كمان...
أنتِ اتعلمتِ الحاجات دي في الغربة وأنا أتعلمها عشان مراتي وأخواتي."
"بصي يا كريمة ابنك بيذلني إزاي، عشان جوزتيه وأنا لا."
كان نقار فارس وطه صاحبه، واتدخلت أم طه وهي بتقول بسخرية على ابنها:
"وأنت مين اللي هترضى بيك يا خايب، عاوز واحدة فشتها عايمة بتضحك ليل نهار زيك."
"أديله يا خالتي."
قالها فارس بتشجيع وطه راح على طول يحط يده على كتف كريمة وهو بيقول:
"طب بصي يا كريمة...
مش هتجوزيني يعني زي ما جوزتِ البغل دا؟"
"شاور أنت بس وأنا الليلة أكون مخلية البيت كله زغاريط عشانك."
"إيدك يالا..."
قالها أبو فارس اللي لسه داخل وهو بيبص ليد طه اللي على كتف كريمة فالكل ضحك وطه راح باس يدها وهو بيقول:.
"دي أمي دي يا حج."
لكنه سابها بسرعة وجري ناحية فارس اللي بيقوله:
"بتستخبى فيا... دا أبويا يا ابني يعني أسلمك ليه عادي."
الكل ضحك ودخلنا نغرف الأكل، حطينا للشباب مع الآباء كلهم في الصالة وإحنا دخلنا الأوضة الصغيرة ناكل، لكن وأنا داخلة المطبخ مع حبيبة ندخل الأطباق كان فارس وطه قصاد الفرن:
"طلاق تلاتة يا فارس لو كلت أكتر من اتنين لأزعلك... الباقي أمك هتشيله ليا أروح بيه."
"دا عند خالتك...
هم طبقين كترت عنهم هطفحها ليك."
"طب خمسة هدوم عشان لو واحد فيك ادانا كتفه وأنتم بتهزروا هنتعمل بوستر على الحيطة."
قالتها حبيبة وهي داخلة بتحط الأطباق في الحوض وبتجيب أطباق أم علي، طه لما شافنا وقف مكانه بهدوء وفارس قال:
"بت... شيلي لي أربع خمس أطباق عشان أطلعهم، لأحسن الواد دا ميتضمنش."
"أمك اللي عملاهم لينا كلنا، تاخدخمسة لوحدك غير اللي هطفحه دلوقتي بتاع إيه؟"
كانت البنات بتناول لي الأطباق وأنا بفضيها في الحلل وأرمي البواقي في الزبالة، وطه بيتكلم لكن حبيبة قطعته وقالت:
"اتهدوا بقى واخرجوا من المطبخ، وبعدين أمي مش هي اللي عملاها... غالية اللي عملته."
ضحك فارس بقوة وانتصار وهو بيقوله:
"مراتي اللي عملاه، يعني ليك طبقين لإكرام الضيافة وإيدك تتقطع لو هوبت على طبق تالت."
"ماشي يا فارس، أول عزومة في بيتي بس والله لأحنسك على الأكل.".
قالها وهو حاضن الطباقين وخارج، وفارس قرب أوي بحماس لكنه لحق نفسه ورجع خطوة وهو بيقول بانتصار:
"شكرا يا رافعة راسي."
ولا أكني كسبت كأس الدوري، خرج هو كمان بطبقين، وحبيبة خرجت توزع على كل واحد طبق.
==================================
العزومة عدت، والمواعين كتير أوي.
حبيبة صعبت عليا تغسلهم لوحدها، فشغلنا أغاني بدون موسيقى عشان فارس ميجريش وراها، ووقفت أغسل أنا شوية وهي تغسل شوية.
" عارف كام سنة
وأنا جنبك هنا
بحلم يجي يوم
نبقى لبعضنا
لا مكانك إتملى
ولا يوم حبيت ولا
أتخيل قلبي أنا مع غيرك يا أنا
صورة رسمتها
ليك وصاحبتها
قصه حبنا
في خيالي عشتها"
حبيبة كانت مندمجة مع الأغنية، ورغم إني سمعت كتير لعمرو دياب، لكن الأغنية دي أول مرة أسمعها. كنت أنا اللي واقفة بغسل، فدخل هو وهو بيحط يده على كتف حبيبة وهو بيغني معاها وبيقول:
" ياما شغلتني، ياما وحشتني
وإتعلقت بيك لما قابلتني
عيني فتحتها
شافت حلمها
والصورة الليلة دي
جيت كملتها "
" أنا اللي شغلتك برضو؟"
قالتها حبيبة وهي بتهزر معه، كان باصص لي ولكنه قال لها:
" أه.. شغلتني ووحشتني كمان."
ضحكت حبيبة وهي بتقوله:
" طب سيبني أوحشك أكتر... سلاموز يا حب."
قالتها وهي خارجة، الكلبة تسيبني وتمشي!
اشتغلت أغنية بعدها فسكت يسمعها وهو بيسند على الرخامة وبياكل طبق أم علي بشهية وإعجاب كبير:
" لأ ما تقلقش إنت أبدًا
لأ ما تشغلش إنت بالك
أقلق أنا وأتعب بدالك
فكرك أنا جاي في حياتك ليه؟
جاي أنسيك أي ماضي جاي
أدلع فيك وأراضي
أرضى بس لو إنت راضي
طبعًا أمال إنت فاهم إيه؟ "
جرى إيه يا عمرو دياب؟
الأغاني دي عملتها إمتى؟
وفارس بيدندن بيها إزاي؟
تمارين تنظيم النفس مش عاملة نتيجة يا إسراء الكلب!
" دي الدقيقة معاك بعمري
يا اللي عمري ما ببتداش غير وإنت جنبي
كل يوم يسألني قلبي ما إتقابلناش بدري ليه؟ "
باخد أنفاسي وهو بياكل مستمتع، بيدندن شوية وشوية، لغاية ما قام حط الطبق في الحوض ورجع مكانه وهو بيغني المرة دي مع الأغنية:
"إبتسامتك أنا أشتريها بالحياة دي واللي فيها
هو مين حسسني بيها غيرك إنت
وإنت عارف ليه
أأمر إنت الأمر يمشي
حد هنا ضايقك هيمشي
من وجودك ما تحرمشي
ما إنت عارف إنت عندي إيه"
دقتين الأغنية وتكرار الكوبليهات، ونبرته وهو بيدندن، ونظرته اللي مش بتروح في حتة غيري!
ما صدقت الأغنية خلصت وكان هيشتغل غيرها لكني رحت طفيت الفون والسماعة بسرعة ورجعت للمواعين فقال:
" مبتحبيش عمرو دياب ولا إيه؟ "
" لأ بحب أسمعه... بس كفاية."
ضحك بخفة وفضل واقف فسألته:
" واقف ليه؟"
" أمي قالت لي ادخل ساعد مراتك."
" وأنت هتبدأ تساعدني؟"
" أحياناً المساعدة بتبقى إني أسليكي..."
" مكنتش أعرف إنك بتسمع أغاني يعني."
ضحك وهو بيقول:
" بقالي سنين، من وأنا في الكلية تقريبا مروحتش شغلت أغنية بموسيقى وسمعتها، ممكن أسمعها صدف في الشارع أو في البيت بس بخليهم يطفوها..
لكن من غير موسيقى بسمع كل فترة كدة."
" باين إنك بتسمعها كل فين وفين."
===============================
اليوم أخيرا خلص، والكل روح. على الفجر كدة كنت جهزت له هدوم مكوية، واستنيته يطلع من الفجر، ولما دخل ولاقاني قاعدة بص لي وهو بيسألني:
" صليتي يا غالية؟ "
عقدت حواجبي!
يعني هو أنا مصلتش؟
بس إيه علاقته بالسؤال؟
أنا كنت صليت قبل ما ننزل بصراحة.
" لأ..."
"طب قومي صلي وأنا أعمل لنا اتنين شاي بالنعناع..."
عملت "إيرور"؛ هو أنت مش عندك طيارة! المفروض تسافر وكدة، نعناع إيه؟
إحنا أصلا معندناش نعناع!
ومعرفش إيه الغباء اللي أصابني وأنا سبت كل الأسئلة اللي في دماغي وقلت:
" إحنا معندناش نعناع.."
ضحك وهو بيرفع يده وبيقول "من دي"، وثواني خرج الحزمة من الشنطة، كانت كبيرة وريحتها... تجنن!
قمت صليت الفجر ورحت على البلكونة فعلا وأنا لسه بالإسدال، دخلت له:
" شايك سكر خفيف؟"
هزيت راسي، مستغربة إزاي عرف، لكن ملقطش على الموضوع، واستنيته دقايق ينطق ويتكلم لكنه بيشرب الشاي وشوية يبص لي وشوية للسحاب.
" فارس..."
" نعم يا غالية..."
لسانه كان في شَبَح مشاكسة، فسألته:
" أنت مش مسافر كمان كام ساعة!..."
ابتسم والمتعة في عيونه وهو بيقول:
" لأ... لسه يومين، وبصراحة عندي بروجرام هيعجبك..."
طب ليه ما قالش!
ابتسمت وأنا بفكر في موضوع الكتاب وكدة أخيراً هعرف أجيب له غيره.
" بروجرام إيه؟
هتخرج يعني؟"
" أيوه، خارجين بعد شغلك...
النهارده هندور على الكتاب..."
" أنت مأجل السفر عشان الكتاب!..".
ضحك وهو بيقول:
" والله لو في يدي أأجله أسبوعين كمان بس الموضوع جه بالصدفة، لما أتهزقت على الإجازة طلبت يومين التأخير يبقوا زيادة على إجازتي..."
هزيت راسي وأنا بشرب شاي وبقول له:
" فهمت..."
" أنتِ شغلك الساعة كام؟ "
قالها ورفع كوبايته بيشرب منها، عيونه مركزة معايا، فقلت:
" الساعة ٨ مثلا... وهخلص على ١ أو ٢ مثلاً."
زفر اعتراض وماتكلمش بعدها، وأنا كالعادة سكت وفضلت واقفة بدل ما أدخل، السما كان شكلها جميل فعلا.
==================================
لا، اهدى يا فارس!
اهدى عشان خاطرها!
كنت بقول كدة لنفسي، لكن في الآخر، النسخة المجنونة مني خرجت وأخذت بعضي بدري ساعة ونص روحت على الحضانة، ولما وصلت لقيتها بتقفل الباب وجنبها.. فارس الصغير العسل، ابتسمت وأنا رايح ناحيتهم وهي أول ما شافتني شهقت وهي بتقول:
" أنت عرفت منين إني خلصت!"
ضحكت وأنا بمسح على شعر فارس اللي سبقني وقال:
" مين دا يا ميس غالية..."
بصيت لها وأنا مبسوط من الكلمة اللي نطقتها، وفعلاً ابتسمت له بحب، وخيبت أملي وهي بتقول:
" دا... ممكن نقول له عمو فارس..."
" واو... عمو أنت اسمك زي اسمي... "
كان مبهور وأنا شلته وأنا بقول..
" صدفة جامدة مش كدة؟.."
" جامدة جداا... صح يا ميس غالية.. "
ابتسمت له من غير كلام، وعيونها مش بتتحرك من على فارس الصغير كإنه شفاف، عشان كدة قربت عليها وأنا بقول:
" تحبي أشربي إيه يا ميس غالية؟
عشان أنا وفارس هنجيب عصير... صح يا بطل؟"
الصغنن اتوتر شوية لما حس إني هبعد عن غالية وقال بسرعة:
" ميس غالية... عادي أروح مع عمو فارس؟"
بصيت له بحنان ورحت بايس خده وأنا بقوله:
" ميس غالية هتيجي معانا... متخافش..."
صفق بحماس وفعلاً عدينا الطريق ومشينا كام خطوة للسوبر ماركت، وبعد ما اشترينا العصير إحنا الثلاثة، جيت أجيب حلويات تانية فراحت أخذت الشنطة مني وهي غالباً فاهمة أنا هعمل إيه فقالت:
" لمين الحلويات دي؟؟"
" لفارس..."
كان باين عليه مكسوف شوية لكنه متحمس، بس من بصة منها له، خليته يروح في حضنها هي وينزل من على إيدي وهي بتقول:
" لا كفاية على فارس العصير... مش بابا جاب لك شيبسي الصبح!"
زفرت وأنا بحاسب، شكلها كان جميل لغاية ما قالت "بابا"!
بابا مين يا أم بابا أنتِ!.
المفروض متقولش كدة غير عليا أنا!
لابنها هي... يعني لأبننا، لكن تقول "بابا" على راجل تاني!
رجعنا قصاد الحضانة وهو ماسك فيها وبيشرب العصير معها وكل شوية يشرب فيها ويلمس ملامحها ويضحكوا، كنت مستمتع بالمنظر وصورتهم بالموبايل
" ميس غالية هو بابا هيجي إمتى..."
" قرب يجي يا حبيبي..."
" أوف!"
قالها باعتراض طفولي جدا وهو بيربع يده، لكنها فكت ذراعه من بعضها وهي بتقول بحزم بسيط:
" عيب..."
" أسف يا ميس غالية"
كان شكلهم عسل أوي، وشوية بسيطة والحمد لله جه أبو فارس وأخذه، وطبعاً الكلام كان معايا أنا وهي شبه واقفة وراء ظهري، أخيراً اتحركنا.
=============================
معرفش خرجت مني إزاي، بس فضولي بقى بيغلب صمتي أحياناً مع فارس....
" هو أنت محتل عربية طه!
بشوفها معاك أكتر مما هو يركبها!"
ضحك بقوة وهو بيقول:
" حاجاتي هي حاجة طه والعكس صحيح... ماشيين طول عمرنا بالأولوية، يا عم أنا حالياً أولى بالعربية عشان أنتِ معايا، أكيد مش هنططك مواصلات بدل ما أنا مقتدر على عربية تحت رجلي...
مثلا زمان لما كان بيبقى علينا جمعيات وأنا أقبض قبله، مرتبي كان أنا بنشد بيه الجمعيات بتاعته وبعدين لما مرتبه ينزل بنمشي بيه لآخر الشهر... "
حقيقي عسل أوي، إزاي في اتنين صحاب بالجمال دا!
أصلاً يوم العزومة كان شكلهم برضو عسل وهما بيتناقشوا ويرجعوا يدافعوا عن بعض لو حد ضايق واحد فيهم....
" ربنا يديم صداقتكم... "
كان بيحاول ينكشني بالكلام، ومرة أرد ومرة لا لغاية ما وصلنا مكتبة في المعادي، كان شكلها مختلف عن الرفوف والمكاتب المعتادة، دخل فارس وسلم على صاحبها، ودخلنا وسط كتب كتير مش مرصوصة كويس:
" المكان حلو أوي... بس هو ليه مش شبه المكتبات التانية؟ "
" هنا كتب أصلية لكن مستعملة، وأنا بحب أصلاً الطبعات القديمة من أي كتاب، بحب أقعد أنكش هنا وألاقي عجب العجاب...
في مرة اشتريت كتاب من هنا، كان فيه جواب من اتنين صحاب، كان واحد فيهم بعته للتاني في البريد وبيقول إنه قرأه وكان كتاب مفيد جدا... وكاتب له بعض النقاط اللي انتفع بيها.
معرفش وصل إزاي لهنا، تاريخ الرسائل كان من حوالي ١٤ سنة تقريباً، بس كل ما بفتح الكتاب عندي بحزن على صاحب الكتاب إن ضاع منه ذكرى صديقه وهديته! "
شكله كان جذاب وهو بيحرك عيونه وأصابعه على عناوين الكتب وبيحكي، دايماً عنده نظرة مختلفة، حبه للقراءة والكتب مش عادي، حسيته لوهلة بيعيش بين الصفحات والورق، مش شرط عنده نوع أو تصنيف الكتاب، هو بيلمس الزمن والمشاعر اللي فيه!
فضلنا شوية وكل شوية يخرج كتاب ويكلمني عنه لغاية ما بص بانبهار:
" لقيته!"
بصيت بفضول، فكرته بقى الكتاب اللي أنا بوظته لكنه خرج بكتاب تاني خالص فقلت:
" مش دا الكتاب اللي أنا بوظته"
ابتسم وهو بيقرب يوريني الكتاب وبيقول بشغف:
" بس دا الكتاب اللي كنت بدور لك عليه...
مكنتش حابب أشتريه جديد.... جميل أوي إنك تشوفي لمسة ونظرة حد غيرك في الكتاب...
إزاي شوية حروف الكاتب كتبهم بشعور، وإزاي كل قارئ شاف شعور مختلف في الحروف دي! "
هو بجد إيه العشق اللي شايفاه في عينه دا وهو بيبص للكتاب، مش للكتاب بذاته بس للكتب والمكان و.. عيونه اللي جات في عيوني وهو بيقول:
" دا علشانك... شبهك أوي على فكرة "
معرفتش أبتسم، فضولي غلبني مرة تانية وسألته:
" بتتكلم عن إيه؟... "
" مش بيتكلم عن حاجة.. "
عقدت حواجبي استغراب، ومعرفش ليه يعني توقعت إنه يقول حاجة كويسة عن الكتاب لكنه صدمني باللي قاله، بس رجع كمل وقال:
" "السلام عليك يا صاحبي" مش كتاب تحت تصنيف معين، ولا بيتكلم عن حاجة معينة، وهو بيغوص في حاجات كتير أوي... بس صدقني الكتاب دا طبطبة غير متناهية... هتلاقي فيه المواساة والحب... هتلاقي فيه بعض التاريخ وحتت من السيرة، هتلاقيه بيلعب بمشاعر النفس وحدة وحدة... مش هتخرجي من الكتاب دا زي ما دخلتيه أنا واثق... "
كلامه حلو، بس لسه مفهمتوش أوي هو ليه شبهي، معترضتش على وجهة نظره إنه شبهي إزاي؟
هو رمى لي الطعم وأنا فعلا أكلته وعيوني تعلقت على الكتاب بفضول ورغبة إني آخد ركن وأقعد دلوقتي حالاً أقرأه...
==================================
"فارس.. ما تعمل إنك ناسي تحضني مثلاً."
مبتزهقش بجد!
كنت بحضر الشنطة وهي واقفة في الأوضة معايا، أول مرة تدخل لي الأوضة وأنا فيها.
"في حد بينسى يحضن مراته...
اتهدي شوية عشان منساش حاجة."
"أنا غسلت لك الهدوم السودا على إيدي... ينشفوا وأجيبهم لك."
كانت بتلف حواليا وكل شوية تديني حاجة أنا ناسيها أصلاً لغاية ما سألتها بسرعة:
"فين الجاكيت اللي كنت لابسه لما جيت؟"
"الرمادي..."
هزيت راسي بأيوه فراحت تجيبه وقعدت أقلب في الجيوب بتاعته، إزاي ضاعت!
إزاي نسيت أديها لها أصلاً؟ قعدت وأنا متضايق لكنها قالت:
"بتدور على حاجة؟"
"كان فيه ميدالية شكلها روبونزل.."
كنت بوصفها وأنا متضايق إزاي ضاعت عليا.
"أنا لقيتها.. فكرت جايبها لحبيبة واديتها لها."
"نعم! اديتها لحبيبة ليه؟"
"فكرتك جايبها لها... تجيبها لمين غير حبيبة؟"
"أوف عليكي يا غالية!"
قلتها ونزلت أجيبها من حبيبة، الدنيا ليل وكانوا نايمين، بس أنا ماشي كمان كام ساعة. فتحت حبيبة وجابت لي الميدالية فعلاً فطلعت لقيتها قاعدة جنب الشنطة ومركزة في تليفونها:
"غالية... "
"ثواني يا فارس.. "
رفعت حاجبي وأنا بقرب منها وبحط الميدالية قصاد عينيها..
"اهدى يا فارس..."
قالتها بانزعاج، اتضايقت جدا بس مسيكت نفسي بدل ما انفعل وسألتها:
"حاجة مضيقاكي؟"
"قمر... راحت المستشفى وشكلها هتولد، أنا مش عارفة أعمل إيه... هتصل ببابا دلوقتي."
"لا قومي البسي..."
"ألبس ليه؟"
"البسي نروح لها، ولو عاوزة تعدي على أهلك ناخدوهم في سكتنا، كدة كدة قمر في التاسع يعني احتمال تولد بجد."
بصت لي بذهول، فانحنيت شوية ناحيتها وأنا بقولها:
"قومي يلا... هروح أجيب عربية طه على طول عقبال ما تجهزي، بس قفلي الشنطة بتاعتي.. اتفقنا؟"
"بجد هتوديني؟ أنا ممكن أستنى بابا يوديني لها... بعدين أنت عندك طيارة كمان كام ساعة، المفروض تنام."
"مش هغيب عليكي، عرفي أهلك إننا هنعدي عليهم."
================================
مكنتش مصدقة، لكني دلوقتي جنبه، وبابا وماما قاعدين ورا.
أقل من ساعة كنا وصلنا المستشفى، متوترة وماما حتى ولادة عيال أختي الكبيرة مكنتش بتعرف تتصرف؛ كنت أنا وقمر اللي رايحين جايين. سبته مع ماما ودخلت الفحص لقمر.
يا حبيبتي عليها، أول ولادة فالموضوع مرعب ومقلق وصعب، وبعد ما كانت هتولد طبيعي، اضطرت تدخل قيصري، وفعلاً كنت بجهزها للعمليات مع الممرضة.
"غالية... أنا خايفة أوي."
"اهدي يا حبيبتي عشان ضغطك ميوطاش أكتر من كدة، اذكري الله واذكري ذكر سيدنا يونس كدة وربنا هيطمنك."
"غالية... لبسيني أنتِ لما أخرج من العملية، وخليهم يغطوني كويس وأنا جاية من أوضة العمليات."
بست راسها وقعدت أطمنها وفعلاً دخلت العمليات، وكلنا متوترين. جه فارس وقف جنبي وقرب وبيقول:
"هتبقى كويسة... اشربي العصير دا واهدي كدة."
رفعت عيني له وأنا بفتح العصير وبقوله:
"شكراً... تعبتك معايا بجد."
"مافيش لا تعب ولا شكر بينا يا غالية، أنا معملتش إعجاز دا حقك عليا.. أنا جوزك."
مردتش أرد، فضلت واقفة بس وساندة راسي على الحيطة، لكنه سحب إيدي، مرات قليلة أوي اللي مسكها، خلاني أقعد جنب ماما، سندت راسي على كتف ماما اللي حضنتني.
"ماما... أنا خايفة أوي على قمر."
"يا حبيبتي مش هتاخد نص ساعة هتلاقيها خرجت بالسلامة ومعها الباشا الصغير، هتبقى كويسة متخافيش."
كانت قلقانة، لكنها بتهديني. قامت لجوز قمر وهو جه قعد جنبي...
"كتفي موجود علشانك على فكرة."
قالها بابتسامة لكني قلت:
"مش عاوزة كتفك في حاجة."
"جربي تعملي حاجة مش عاوزاها كدة... يمكن تعجبك."
بصيت له، أنا بستوعب، رفعت إيدي بسرعة عشان أشوف الساعة كام من ساعته:
"أحيه... الساعة ٤ الفجر!"
"اهدي لسه فاضلك ٤ ساعات."
"لا، أنت تقوم تمشي دلوقتي.. كدة هتتأخر."
"مش هتتأخر ولا حاجة... مش هسيبك غير لما نطمن على قمر والصغنن... ناوية تسمي إيه؟"
"مش عارفة.. كانت بتفكر في تيّم ومعاذ."
"أنا من زمان أوي نفسي أسمي علي، حتى في فترة كان معظم أصحابي بيقولولي يا أبو علي."
هو قالها من غير ما ياخد باله، كان سرحان، ولما أخد باله اتعدل في قعدته، مكنش عارف يقول إيه فقلت:
"أمم... اسم علي حلو.. أخدت بالي أخوات طه كانوا بينادوا عليك بكدة."
"عارفين إني بحبه..."
"هو أنت بتخطط لحياتك من زمان؟"
معرفش سألته كدة إزاي، لكنه ابتسم وقعدته ارتاحت شوية بعد ما كانت متوترة:
"أكيد... فكرة البيت جميلة أوي وبيسعي لها من زمان، يعني عيال بتنادي تقول بابا وطلبات كتير رايح جاي أعملها، وحد يبقى مستنيني في البيت، الفكرة حنينة... التعب بيترمي برا عتبة البيت."
سكت شوية، كلام قمر ومنال، كلام كل اللي اتجوزوا بجد ناس كويسة، دايماً بيقولوا إن الحياة المتعبة بتهون لو حد تعبان سندك وأنتِ تعبانة، التعب مش بيختفي بس بيهون، الأحمال التقيلة بتتقسم على اتنين.
"وأنتِ؟
مفكرتيش في مرة... بيت، عيال، دوشة؟"
"مش عارفة... مجاش في بالي قبل كدة، من زمان وأنا شايفة العيال الصغيرة زن وقرف، حتى لما اشتغلت في الحضانة كنت شايفة كدة، نظرتي اختلفت شوية
لكن... معرفش متخيلتش نفسي أم...
وعندي بيت وحياة، معرفش عمري ضاع في إيه."
كنت بتكلم بصراحة، بكل صراحة كمان، فضل ساكت وبعدين ابتسم لي كأنه جات له فكرة حلوة وهو بيقول:
"طب ما تتخيلي كدة...
مش هقولك فكري، بس غمضي لحظة وتخيلي بيت على ذوقك...
طفلين ولا تلاتة كدة، واحد بيلعب وحد أكبر منه مراقبه عشان ميقعش، والأكبر ماشي في ديلك بيساعدك، شوية زعيق على تعب كدة لكن لما شوية قرود يجوا يقولولك 'آسفين يا ماما' تقرري إن خلاص مافيش عقاب...
والبيت كله يهدي ويجري على الباب وهما بيقولوا 'بابا جي' فكرة دافية وجميلة مش كدة؟"
مش عارفة أوصف إحساسي، رفض لكلامه ولا قبول له، بس الأكيد، إني مش عاوزة أتخيله هو في صورة "بابا جي".
"قوم امشي."
"نعم!"
قالها بصدمة فكررتها تاني:
"قوم امشي."
"مش همشي غير لما تطمني على قمر وأشوف الولد قبل ما أمشي."
فضل قاعد وبعد شوية فعلا قمر خرجت، وأنا وماما انتهينا معها وسبته برا، بعد ساعة تقريباً خلاتي خرجتني أبص على الولد وجوز قمر، لكني خرجت لقيت بابا شايله فقلت:
"فين محمد؟"
"طلبوه من الحسابات تاني."
كان فارس واقف وعيونه على الطفل مش بتتحرك، وبابا تليفونه رن، محمد كان محتاجه تحت فأدى الطفل لفارس وقاله:
"بلاش الخيبة دي تمسكه عشان بتخاف."
فارس أخذه وضمه وهو بيضحك له ومنبهر بحجمه:
"إيه الحجم دا.... عيال منال كانوا أكبر من كدة.. دا صغير خالص يا غالية."
قربت منه وأنا بشب عشان فارس رفعه أوي، فلما لاحظ نزل إيده شوية عشان أبص عليه..
" شكله يخوف!"
"نعم!
يخوف إيه، دا عسل وصغير أوي."
"أيوه يخوف... أخاف أقرب له أو ألمسه حتى، ممكن أؤذيه من غير ما أقصد."
بص لي وهو بيقول:
"بكرة تتعلمي، هي سبحان الله فطرة، الأم بتعرف تريح ابنها حتى لو مكنتش بتعرف تشيل وتمسك أطفال، هتعرف تمسكه وتشيله ومش هيرتاح غير بين إيديها هي."
"ماما على طول بتقول لنا كدة."
"... دا يخوف دا.. دا أنت سكر."
==================================
للأسف اضطريت أمشي، ابن قمر كان حتة سكر، كان نفسي أشوفها شايلاه، روحت البيت بسرعة سلمت على أهلي اللي اتفاجئوا إني مش في البيت، وبرضو أمي بتقطم فيا إني مأخدتش غالية معايا زي ما كنت متفق مع الكل، حتى أهلها زعلانين لكن غصب عني والله. لو عليا عاوز أقعد ومسافرش أو على الأقل أخدها معايا، لكن حكم القوي بقى، عديت على طه وأخوه وصلنا بالعربية، وطلعنا الطيارة اللي اتحركت، والحمد لله مكنتش ترانزيت لأنها على حساب الشركة المرة دي.
"معرفناش نتكلم طول الأسبوع دا."
حتى أنت يا طه!
شبعت تهزيق عشان كدة قلت:
"طه بالله مش عاوزة أتكلم في الموضوع دا."
"ما أنت عارف إنك غلطان...
إيه منعك المرة دي كمان، كنت على الأقل تعمل لها ورق الباسبور والفيزا كان هيبقي أمرها سهل خلاص شهر نطلعها وتسافر لك."
"صدقني دا قراري أنا وغالية، هي راضية وأنا راضي."
زفر وسكت، مكنش عاجبه الموضوع بس شكلي كان متضايق عشان كدة سكت، الرحلة خلصت، روحنا ارتحنا كام ساعة وبعدين نزلنا على الشركة بعد الظهر كدة، أخدت تليفوني واتصلت بيها، مرة واتنين وردت في التالتة فقلت:
"أكيد مكنتش نايمة؟"
"لا... كنت بعمل رضعة لتيّم، محمد لسه جايب له اللبن."
ابتسمت وأنا بقول:
"استقروا على اسم تيّم خلاص؟
قمر عاملة إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله، ولادتها كانت بدون ألم فالوجع الشديد اللي بيحسوا بيه بعد الولادة هي مش حاسة بيه أوي."
"ربنا يقومها بالسلامة... أنتِ أكلتِ وسط الزحمة دي؟ إحنا آخر مرة أكلنا كانت الساعة ١٢ بليل إمبارح."
"أنت مأكلتش أنت كمان؟"
"لا، المهم أنتِ أُكلي تيّم، واطلبي أكل من أي مطعم جنب المستشفى.. أشوفلك مطاعم قريبة؟"
سكتت للحظة وهي بتقول:
"تشوف لي إزاي؟"
"كدة يا ستي... "
قلتها وفتحت موقع المستشفى على جوجل ماب، وكان ظاهر لي المطاعم اللي قريبة منها:
"بصي في شاورما، وكمان في كشري، وفي مشاوي، والأفضل ليكي دلوقتي ماركت كبير جنبكم بيوصل...
اطلبي جبنة ولانشون وفينو حاجات خفيفة عشان معدتك متوجعكيش."
"أنت إزاي بجد!"
قالتها بصوت واطي كأنها بتكلم نفسها فضحكت وأنا بقول:
"لازم تستفسري على كل حاجة كدة... روحي أكلي الواد..."
"لا أنا مش هاكله طبعا، ماما هي اللي هتأكله..."
"أيوه أيوه عشان أنتِ بتخافي.."
اتعصبت وبان دا على نبرتها وهي بتقول:
"أنت معندكش شغل؟
سلام... أنا مش فاضية لك."
وقفلت في وشي فعلاً، وأنا مبتسم زي الأهبل، دخل ساعتها طه من غير استئذان كعادته وهو بيقول:
"اضحك يا أخويا اضحك...
ما أنت تلاقي مراتك بتطمن عليك وصلت الشركة ولا لا، وأنا أمي لسه مسمعاني ربع محترم."
آه، حياتي بايظة فعلاً بسبب عين طه اللي راشقة فيها، عشان كدة ابتسامتي اختفت وأنا بقوله:
"إحنا نجوزك يا طه... بالمنظر دا أنا هطلق عينك يا أخي بترد من مصر لألمانيا."
ضحك وهو بيقول:
"يا ريت، والله جوزوني ومش هتسمعوا ليا حس ولا خبر."
================================
عدى أسبوع وأنا بايتة مع قمر، والكل بيحاول يقنعني أروح بيتي بس أنا مش موافقة أسيبها، كنت بطبق الغسيل بعد ما جبته من على الحبل، وتيّم مع عمته، متعصبة من أهل محمد، مهتمين بالواد ماشي هو ابن ابنهم، لكن عيب لما يرموا قمر كدة وهي فاتحة بطنها، ومش مهتمين بيها!
لو أنا مش موجودة محدش هيسندها تدخل الحمام ولا يسخن لها لقمة، الأكل اللي أصلاً أمي عاملاه! بس روحت عشان منبقاش تُقال، كفاية أنا.
الموبايل رن!
يا لهوي أنا نسيت فارس، كنت بكلمه على الفجر وقلت له هتصل بيك لما أصحى!
"أسف والله، اتسحلت طول اليوم مع قمر والغسيل."
"الله يعينك، أنا كمان انشغلت أوي..."
سكت للحظة وبعدين سمعت صوت ست بتتكلم، طبعاً مش فاهمة حرف وهو كان بيرد لبلب ما شاء الله، ثواني ورجع ليا:
"معلش كان فيه حد بيسألني على حاجة، لسه مخرجتش من الشركة."
"الساعة عندك ١١ دلوقتي، لسه مخلصتش شغل!"
"شغلي مش بمواعيد أوي، أيام مش بروح الشركة أصلا، وأيام تانية ممكن أقضيها ميتنج أونلاين، وأوقات تانية ممكن أبات في الشركة عادي."
"الله يعينك.."
سكت تاني، كأنه بيفكر يقول حاجة وفعلاً قال:
"أنتِ مش بتفكري تروحي... قمر الحمد لله بقت أحسن...
ممكن على فكرة أخلي أحمد يجي ويوديكي لها كل يوم... بس روحي بيتك، بقالك أسبوع قاعدة وصدقيني مكنتش عاوز أضايقك وعارف إنه مينفعش تسيبي أختك...
بس اهتمي وروحي على بيتك، مينفعش تقعدي أكتر من كدة في بيت فيه راجل."
كنت متفهمة، ونبرته الحذرة ريحتني، مش بيجبرني أروح، بس برضو فهمني إني مينفعش مروحش، عشان كدة قلت له:
"حاضر... هروح بكرة."
"طب ما تروحي دلوقتي، أخلي أحمد يجي، وعلى ما تجهزي، وبكرة لما تصحي يوديكي لها."
"مش هعرف دلوقتي...
لسه هعمل أكل لها قبل ما أمشي يكفيها يومين ويومين كدة أبقى أجي لها تاني مع ماما."
"طب معلش اسمعي كلامي، اعملي الأكل دلوقتي وأول ما تخلصي حتى لو ٣ الفجر هتلاقي أحمد مستنيكي."
ضحكت وأنا بقوله:
"وهو أحمد شغال عندي... صدقني هروح بكرة."
"يا ستي مليكيش دعوة بأحمد، وعشان خاطري روحي النهاردة، بيتك موحشكيش؟
روحي ارتاحي، نامي كويس وخدي دش، اقلعي طرحتك."
بيتك!
يا ربي، للأسف للأسف البيت فعلاً وحشني!
مشج عارفة أنام كويس هنا لأسباب كتير، ومنهم إني مش في البيت، وهموت وآخد دش كل يوم زي ما متعودة بس محروجة، زفرت وأنا بقوله:
"ماشي خلي أحمد يجي لي... ارتحت كدة؟"
"ارتحت إيه، دا أنا أخيراً أخدت نفسي."
الثالث عشر من هنا