📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الحادي عشر 11 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الحادي عشر 11 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

في صباح ربيعي هادئ، كانت شعاع ترتب البضاعة أمام البقالة عندما ظهر الأستاذ كاظم عند باب الدكان.
ابتسم وهو يقول:
شعاع... عندي خبر يفرحج.
رفعت رأسها باستغراب.
خير أستاذ؟
جلس على الكرسي الخشبي الصغير أمام الدكان وقال:
المدرسة تحتاج فراشة جديدة.
ومدير المدرسة وافق أعينج.
تجمدت شعاع في مكانها.
أني؟
ضحك الأستاذ كاظم.
إي إنتِ.
شبيج مستغربة؟
صرتِ معروفة بالمدرسة كلها.
نظرت نحو سلمان وكأنها لا تصدق.
أما سلمان فابتسم وقال:
مبروك شعاع.
تستاهلين كل خير.
امتلأت عيناها بالدموع.
لأول مرة في حياتها شعرت أنها أصبحت موظفة محترمة لها راتب آخر الشهر.
في اليوم التالي وصلت إلى المدرسة قبل شروق الشمس.
فتحت الأبواب.
وكنست الممرات.
ورشت الماء في الساحة الترابية.
وبدأت تسمع أصوات التلاميذ وهم يدخلون.
كان بعضهم يناديها:
صباح الخير خالة شعاع.
فترد بابتسامة واسعة.
ولأول مرة منذ طفولتها شعرت أنها تنتمي إلى مكان لا يخاف منها أحد فيه.
ولا ينظر إلى آثار الحريق على وجهها.
بل إلى طيبة قلبها فقط.
.....
مرّت الشهور.
وكان رزق سلمان وشعاع يزداد يوماً بعد يوم.
أصبح راتب شعاع يساعد البيت.
أما سلمان فبدأ يفكر بتوسيع البقالة.
وفي أحد الأيام جاء أبو حسين ومعه صندوق خشبي مليء بالخضار.
وقال:
جرب بيع مخضر ويا المواد الغذائية.
الناس تحتاجها كل يوم.
أعجب سلمان بالفكرة.
وبدأ يشتري الخضار من العلوة فجراً.
ويبيعها أمام الدكان.
وسرعان ما أصبح المكان يعج بالنساء كل صباح.
واحدة تشتري الطماطم.
وأخرى تشتري البصل.
وثالثة تأخذ الرقي والبطيخ.
وأصبحت شعاع بعد انتهاء دوام المدرسة تساعد سلمان في ترتيب البضاعة.
وكانت ضحكات الزبائن تملأ المكان.
حتى صار أهل المحلة يقولون:
رزق البيبية بعده يبارك بيهم.
أما سلمان فكان كل ليلة يجلس تحت شجرة الرمان ويقول:
الله يرحمج يمه.
تعبج ما راح هدر.
......
مرت سنوات على زواج شعاع وسلمان.
ورغم السعادة والرزق...
بقي شيء واحد ينقص حياتهما.
طفل.
كانت شعاع تبتسم كلما سمعت بزغرودة في المحلة.
لكن قلبها كان يتألم بصمت.
وفي أحد الأيام...
شعرت بدوار شديد أثناء تنظيف أحد الصفوف.
جلست على الكرسي وهي تضع يدها على رأسها.
فلاحظت إحدى المعلمات شحوب وجهها.
وقالت:
روحي للمستوصف خالة شعاع.
يمكن عندج هبوط.
بعد انتهاء الدوام ذهبت إلى المستوصف.
ودخلت على الطبيبة.
وبقيت هناك أكثر من ساعة.
ثم خرجت وهي تحمل ورقة صغيرة بين يديها.
وكانت الدموع تملأ عينيها.
عادت مسرعة إلى البيت.
ودخلت البقالة.
كان سلمان يرتب صناديق الخضار.
فسمع خطواتها المتسارعة.
وقال:
شعاع؟
شبيج؟
اقتربت منه.
وأمسكت يده.
ثم وضعت الورقة في كفه.
سألها بقلق:
شنو بيها؟
خرج صوتها مرتجفاً من شدة الفرح:
سلمان...
راح تصير أب.
تجمد سلمان في مكانه.
وسقطت من يده الورقة.
ثم رفع وجهه نحو السماء.
وأخذ يبكي.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
أما شعاع...
فوضعت رأسها على صدره.
وبكت هي الأخرى.
وفي تلك الليلة...
ارتفعت الزغاريد من بيت شعاع.
وعرف أهل المحلة كلهم...
أن الله أخيراً استجاب لدعاء انتظرته شعاع سنوات طويلة...
....
الكتابة
المشهد: ثلاث حوامل وغيرة قديمة لا تموت
مرّت أشهر قليلة على خبر حمل شعاع.
وكانت فرحتها تكبر يوماً بعد يوم.
كل صباح تضع يدها على بطنها وتبتسم.
وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلم انتظرته سنوات طويلة.
أما سلمان...
فكان لا يكف عن الدعاء.
كل ليلة.
وكل فجر.
وكلما سمع حركة شعاع داخل البيت.
كان يسألها:
شلونج اليوم؟
فتضحك وتقول:
مثل البارحة.
فيبتسم وكأنه سمع أجمل خبر بالدنيا.
وفي أحد الأيام...
ارتفعت الزغاريد من بيت علي.
خرجت النسوة إلى الأزقة.
وتناقلن الخبر بسرعة.
زوجة علي حامل.
فرحت شعاع كثيراً.
وأسرعت إلى بيتهم تحمل صينية حلوى.
وضمت زوجة علي إلى صدرها.
وقالت:
الله يتمم عليج بالخير يمه.
إن شاء الله نفرح سوه.
وبعدها بشهرين فقط...
جاء خبر آخر.
زوجة حسين حامل أيضاً.
وامتلأ بيت سعاد بالنسوة والمباركات.
جلست سعاد وسط النساء.
تحاول أن تبدو سعيدة.
لكن شيئاً في داخلها كان يحترق.
كلما سمعت اسم شعاع...
شعرت بوخزة في قلبها.
وكلما سمعت النسوة يقلن:
الله عوض شعاع بعد صبر.
كانت تعض على شفتيها غيظاً.
وفي صباح أحد الأيام...
كانت نساء المحلة يتبضعن من دكان شعاع.
فقالت إحداهن:
ما شاء الله.
هالسنة كلها مواليد.
زوجة علي حامل.
وزوجة حسين حامل.
وشعاع حامل.
ابتسمت النساء.
لكن سعاد التي كانت تشتري بعض الحاجيات سمعت الكلام.
فتجمد وجهها.
وقالت ببرود:
منو كال شعاع حامل؟
استغربت النسوة.
وقالت إحداهن:
المحلة كلها تعرف.
ضحكت سعاد ضحكة ساخرة.
وقالت:
سوالف نسوان.
لو حامل جان شفنا دليل.
ساد الصمت للحظات.
ثم أضافت:
يمكن دتتمنى بس.
مو كلشي ينحچى يصير صدگ.
شعرت النسوة بالحرج.
أما شعاع...
فكانت تقف خلف الميزان.
وسمعت كل كلمة.
لكنها لم ترد.
عادت سعاد إلى بيتها.
وبدأت تردد الكلام نفسه لكل من تلقاه.
لا تصدگون.
بعده ماكو شي مؤكد.
هاي إشاعات.
وكأنها تريد إقناع نفسها أكثر من إقناع الناس.
لكن الأيام لا تكذب.
وبدأ بطن شعاع يكبر يوماً بعد يوم.
حتى لم يعد أحد يستطيع إنكار الحقيقة.
وفي إحدى الأمسيات...
كانت شعاع جالسة أمام البيت.
تخيط ثوباً صغيراً لطفلها القادم.
فمرت إحدى نساء المحلة.
وقالت مبتسمة:
ها شعاع...
باين عليج مو طفل واحد.
يمكن اثنين.
ضحكت شعاع بخجل.
وأكملت خياطتها.
أما في الجهة الأخرى من الزقاق...
فكانت سعاد تراقبها من بعيد.
تشاهد الناس يلتفون حولها.
ويباركون لها.
ويفرحون لفرحها.
وشعرت بشيء قديم يعود إلى قلبها.
ذلك الشعور الذي ظنت أنه مات منذ سنوات.
الحسد.
الحسد نفسه الذي أشعل حياتها يوماً...
وما زال يحرق ما تبقى منها حتى الآن.
....
كانت السماء فوق أهوار العمارة حمراء تلك الليلة.
ليست حمرة الغروب...
بل حمرة القذائف.
جلس علي داخل خندق ترابي ضيق.
وقد التصق الطين ببدلته العسكرية.
بينما كان يمسك بندقيته ويستمع إلى أصوات الانفجارات البعيدة.
إلى جانبه جلس جندي من أبناء مدينة الثورة.
اسمه جاسم.
كانا يعرفان بعضهما منذ أشهر.
وأصبحا مثل الأخوين.
أشعل جاسم سيجارة.
ثم قال وهو ينظر إلى السماء:
مشتاق للدربونة.
ابتسم علي.
وأني هم.
مشتاق لريحة الخبز الصبح.
ولمّة الناس قدام البيوت.
ضحك جاسم.
وأني مشتاق لاستكان الجاي مال أمي.
ساد الصمت للحظات.
ثم دوى انفجار قريب.
واهتزت الأرض تحت أقدامهم.
تطاير التراب فوق الخندق.
فقال جاسم:
الله يستر هالليلة.
أجاب علي وهو يمسح الغبار عن وجهه:
كل ليلة نكول الله يستر.
ثم سكت قليلاً.
وأضاف:
بس هاي أرضنه.
وإذا إحنا ما نوقف إلها...
منو يوقف؟
هز جاسم رأسه موافقاً.
في تلك اللحظة...
مرّ ضابط الموقع بين الخنادق.
وهو يطمئن على الجنود.
كان التعب واضحاً على الجميع.
عيون ساهرة.
ووجوه متعبة.
لكن أحداً لم يفكر بالانسحاب.
قال جاسم:
علي...
إذا نزلت إجازة شتسوي أول شي؟
ابتسم علي.
وأجاب فوراً:
أروح لدكان سلمان.
ضحك جاسم.
مو لبيتكم؟
ضحك علي هو الآخر.
لا...
أول شي أروح أشوف شعاع.
استغرب جاسم.
لهالدرجة تحبها؟
تنهد علي.
وقال:
هاي مو أختي وبس.
هاي ربتني أكثر من مرة.
من جانت أمي مشغولة بالتوم.
ومن جانت الدنيا كلها ضدها.
سكت قليلاً.
ثم أكمل:
سمعت من رسالة أبويه أن الأستاذ كاظم عينها بالمدرسة.
وسمعت هم حامل.
ابتسم وهو ينظر إلى الظلام.
والله فرحت أكثر من نفسي.
قبل أن يجيب جاسم...
انطلقت صافرة الإنذار.
وقف الجنود بسرعة.
وأمسك كل واحد سلاحه.
صرخ آمر الفصيل:
الكل بمواقعه!
أكو قصف!
وبعد ثوانٍ فقط...
سقطت أول قذيفة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وامتلأت السماء بالنار والدخان.
ارتمى علي داخل الخندق.
بينما كان صوت الانفجارات يهز المكان كله.
رفع رأسه قليلاً.
ونظر إلى جهة الغرب.
إلى حيث تقع بغداد.
وإلى حيث توجد الدربونة الصغيرة.
ودكان سلمان.
وشعاع.
وأبوه.
وأمه.
ثم ابتسم رغم الخوف.
وتمتم:
بعد كم يوم وأنزل إجازة...
وأشوفهم كلهم.
.....
كانت جبال الشمال تختلف عن كل ما عرفه حسين في حياته.
لا نخيل.
لا أزقة ضيقة.
لا رائحة خبز الصباح التي اعتادها في مدينة الثورة.
فقط جبال صامتة.
وصخور باردة.
وريح تعوي طوال الليل.
جلس حسين قرب موقد صغير داخل أحد المواقع العسكرية.
وقد لف بطانية عسكرية حول كتفيه.
بينما كانت قطرات المطر تضرب سقف الملجأ المعدني.
إلى جانبه جلس جندي من الموصل.
يحرك النار بعصا صغيرة.
وقال:
شبيك حسين؟
من يومين وأنت ساكت.
تنهد حسين.
ونظر نحو الظلام خلف باب الملجأ.
وقال:
مشتاق للبيت.
ابتسم الجندي.
كلنا مشتاقين.
هز حسين رأسه.
لا...
مو بس للبيت.
مشتاق للدربونة.
للصريفة.
لصوت البياعين الصبح.
ثم سكت قليلاً.
وأضاف:
حتى للدكان مال سلمان.
ضحك الجندي.
صدگ؟
ابتسم حسين رغم نفسه.
إي والله.
تذكر أيام الطفولة.
حين كان يركض مع علي خلف الكرة.
ويشتري الحلوى من جنبر شعاع.
قبل أن تكبر الأيام بينهم.
وتذكر علي.
منذ أسابيع لم يلتقيا.
كل واحد يخدم بقاطع مختلف.
ولا يعرف عن الآخر إلا ما تنقله الرسائل القليلة.
سأل الجندي:
أخوك وين يخدم؟
أجاب حسين:
بالعمارة.
بالفيلق الرابع.
ثم تنهد.
صار مدة ما سامع صوته.
في داخله كان يشعر بقلق لا يعترف به لأحد.
كان علي أكبر منه.
وأقرب الناس إليه.
حتى عندما اختلفا أحياناً.
كان يعرف أن أخاه هو السند الوحيد له.
وفجأة دوى صوت المدفعية في الجبال.
واهتز الملجأ بعنف.
رفع الجنود رؤوسهم.
وصاح أحد الضباط:
الكل يستعد!
نهض حسين بسرعة.
وأمسك خوذته.
لكن قبل أن يخرج...
توقف للحظة.
وأخرج صورة قديمة من جيبه.
صورة باهتة تجمعه مع علي أمام بيتهم.
يوم كانا صغيرين.
نظر إليها لثوانٍ.
ثم ابتسم.
وقال بصوت خافت:
دير بالك على روحك يمعود.
وأعاد الصورة إلى جيبه.
وخرج نحو الظلام.
حيث كانت أصوات المدافع تملأ الجبال.
وفي مكان بعيد...
على جبهة أخرى...
كان علي ينظر إلى السماء نفسها.
دون أن يعلم أن أخاه يفكر به في هذه اللحظة.
وأن القدر...
كان يقترب من أحدهما أكثر من الآخر.
....
كان صباحاً عادياً في مدينة الثورة.
الشمس بدأت ترتفع ببطء.
والنساء خرجن مبكراً يشترين الخضار للغداء.
أما شعاع...
فكانت في المدرسة.
تمسح السبورة في أحد الصفوف بعد انتهاء الحصة الأولى.
وبين حين وآخر تضع يدها على بطنها المنتفخ وتبتسم.
في الجهة الأخرى من الشارع ...
توقفت سيارة تكسي عند مدخل الزقاق.
وكان فوقها نعش ملفوف بالعلم العراقي.
نزل منها جندي شاب.
بوجه متعب وملابس مغبرة.
نظر يميناً ويساراً.
ثم سأل أول رجل شاهده:
عمي... وين بيت أبو شعاع؟
تغيرت ملامح الرجل فجأة.
وشعر بشيء بارد يسري في جسده.
سأله بتردد:
خير إن شاء الله؟
لم يجب الجندي.
واكتفى بالسؤال مرة أخرى:
تعرف وين بيت أبو شعاع؟
بدأ الخبر ينتشر أسرع من النار.
"أكو شهيد..."
"سيارة تكسي تحمل نعش شهيد وصلت..."
"جاي يدورون على أبو شعاع..."
وخلال دقائق...
خرجت النسوة من البيوت.
كل واحدة تحمل خوفها في قلبها.
ففي زمن الحرب...
لم يكن النعش يخص عائلة واحدة.
بل كانت ترتجف له المحلة كلها.
خرجت أم كرار من بيتها.
وخرجت أم عباس.
وخرجت أم فلاح.
وكل واحدة تسأل الأخرى:
منو الشهيد؟
ابن منو؟
الله يستر.
أما سعاد...
فكانت تكنس الحوش عندما سمعت الهمسات.
توقفت المكنسة من يدها.
ثم خرجت إلى الباب بسرعة.
رأت النسوة متجمعات عند رأس الزقاق.
ورأت السيارة العسكرية.
وشعرت بأن الدم انسحب من وجهها.
همست:
لا...
ثم تقدمت خطوات مرتجفة.
كانت عيناها معلقتين بالنعش.
لكنها لم تجرؤ على الاقتراب أكثر.
في تلك اللحظة...
كان الجندي يسأل رجلاً آخر:
عمي...
وين دكان شعاع؟
ساد الصمت.
وتبادلت النسوة النظرات.
أما سعاد...
فشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
أبو شعاع خرج من البيت.
وقد لاحظ تجمع الناس.
نظر إلى سيارة التكسي التي تحمل النعش الملفوف بالعلم العراقي.
ثم إلى الجندي.
ثم إلى النعش الملفوف بالعلم.
ولم ينطق بكلمة.
وفي المدرسة...
كانت شعاع تضحك مع إحدى المعلمات.
دون أن تعلم أن الزقاق كله يعيش لحظات من الرعب.
ودون أن تعلم...
أن نعشاً وصل قبل قليل إلى مدخل الدربونة.
وأن عشرات القلوب أصبحت معلقة باسم واحد.
لكن...
من هو؟؟
تعليقات