📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثاني عشر 12 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثاني عشر 12 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أيّ قلبٍ سيُكسر اليوم؟
توقفت الحياة في الزقاق.
كأن الزمن نفسه وقف عند السياره التي تحمل النعش
العيون دامعه والقلوب موجوعه الاجساد ترتجف
ان لم يكن ابنك كان اخوك او ابن جارك الذي تربى في بيتك
كان النعش ما يزال في فوق السيارة.
ملفوفاً بالعلم العراقي.
والجندي واقف قربه بصمت.
أما سعاد...
فكانت واقفة عند باب بيتها.
يداها ترتجفان.
وعيناها لا تفارقان النعش.
اقتربت منها أم عباس.
وأمسكت ذراعها.
وقالت:
لا تخافين يمه.
يمكن مو واحد من أولادج.
لكن سعاد لم تسمع شيئاً.
كانت تنظر إلى العلم فقط.
وتتذكر آخر مرة رأت فيها علي.
وآخر مرة رأت فيها حسين.
تتذكر ضحكاتهما وهما صغيران.
وتتذكر أيام الكرة والطين والشجارات.
وفجأة انفجرت بالبكاء.
وقالت:
يمه يارب مو أولادي...
يارب مو أولادي...
بدأت النسوة يلتففن حولها.
واحدة تمسك يدها.
وأخرى تمسح دموعها.
وثالثة تردد:
الله كريم.
الله كريم.
أما أبو شعاع...
فكان واقفاً بعيداً.
وجهه شاحب.
وعيناه معلقتان بالجندي.
لكنه لم يسأل.
كأنه يخشى سماع الجواب.
وبدأ رجال المحلة يتجمعون عند رأس الزقاق.
الحاج جبار.
وأبو حسين.
وأبو علي.
وغيرهم.
كلهم ينظرون إلى النعش بصمت.
ففي الحرب...
لم يكن هناك كلام يقال أمام نعش ملفوف بالعلم.
اقترب الحاج جبار من الجندي.
وسأله بهدوء:
ابني ... ابن منو الشهيد؟
نظر الجندي إلى الوجوه المتجمعة.
ثم إلى أبو شعاع.
لكن قبل أن يتكلم...
اختنق صوته.
فأنزل رأسه للحظة.
فالجندي كان قبل ساعات مع الشهيد ينامون سويه وياكلون سويه ويضحكون والشهيد كان يكتب رسائله فالجندي لم يكن يعرف الكتابه
أما سعاد...
فشهقت شهقة قوية.
وكادت تسقط لولا النسوة اللاتي أمسكنها.
وقالت وهي تبكي:
گول...
لا تخليني أموت ألف مرة.
گول منو؟
وفي تلك اللحظة...
كان الخوف قد دخل كل بيت في الدربونة.
كل أم تتذكر ولدها.
وكل زوجة تتذكر زوجها.
وكل أب يدعو في قلبه.
أما شعاع...
فكانت في المدرسة.
تحمل دلو الماء.
وتمشي بين الصفوف.
وتبتسم للأطفال.
دون أن تعلم أن الدربونة كلها مجتمعة أمام بيت أبيها.
ودون أن تعلم أن أمها سعاد تبكي كأن قلبها يُنتزع من صدرها.
وفي الزقاق...
رفع الجندي رأسه أخيراً.
وأخذ نفساً عميقاً.
واستعد ليقول الاسم...
....
ساد الصمت في الزقاق.
صمت ثقيل حتى أن الجميع صار يسمع أنفاس الآخر.
كانت سعاد واقفة بين النسوة.
ترتجف.
وتضغط على طرف عباءتها بقوة.
أما أبو شعاع فوقف كالصخرة.
لا يتحرك.
ولا يتكلم.
رفع الجندي رأسه أخيراً.
ونظر إلى الرجل العجوز.
ثم قال بصوت مبحوح:
الحاج...
أنت أبو علي؟
شعر أبو شعاع أن الدنيا دارت حوله.
لكنه هز رأسه بصمت.
أما سعاد...
فأطلقت صرخة قصيرة.
ثم وضعت يدها على فمها.
وأكمل الجندي:
البقاء لله.
ابنك المقاتل علي...
استشهد أثناء الواجب.
في تلك اللحظة...
انفجر كل شيء.
صرخت سعاد صرخة هزت الزقاق كله.
علييييي...
وسقطت على الأرض.
أخذت تضرب صدرها.
وتبكي كأن قلبها انكسر إلى الأبد.
يمه علي...
ولك يمه...
گتلك لا تروح...
التفتت النسوة حولها.
يحاولن رفعها.
لكنها كانت كالغريقة.
تتشبث بالأرض.
أما أبو شعاع...
فبقي واقفاً.
ينظر إلى النعش.
وكأنه لا يفهم ما يسمع.
ثم اقترب خطوة.
وأخرى.
حتى وصل إلى السيارة التي تحمل النعش.
ومد يده المرتجفة.
ولمس العلم العراقي الملفوف فوق النعش.
عندها فقط...
انهارت قوته.
وأخذ يبكي بصمت.
بكاء الرجال الذي لا يسمعه إلا الله.
أما حسين...
فلم يكن هناك.
ولا أحد يعلم أن الخبر سيحطم حياته هو الآخر.
اقترب الحاج جبار من الجندي.
وقال:
شلون استشهد؟
أجاب الجندي:
تعرض موقعهم لهجوم.
وقاتلوا للنهاية.
علي الله يرحمه أنقذ أكثر من جندي قبل استشهاده.
تعالت أصوات البكاء.
وقال أبو حسين:
الله يرحمه.
خوش ولد.
ورد آخر:
رجال من ظهر رجال.
وفي المدرسة...
كانت شعاع تمسح السبورة في أحد الصفوف.
وفجأة شعرت بضيق غريب في صدرها.
توقفت للحظة.
ونظرت من النافذة نحو السماء.
دون أن تعرف لماذا امتلأت عيناها بالدموع.
وفي الزقاق...
التفت الزلم حول السيارة.
واستعدوا لإنزال النعش.
بينما كانت سعاد تزحف على ركبتيها نحوه.
وتصرخ:
خلوني أشوف ابني...
خلوني أشوف علي...
لكن القدر...
كان قد كتب فصلاً جديداً من الحزن في حياة هذه العائلة.
ففي ذلك الصباح...
عاد علي إلى مدينة الثورة.
لكن ليس كما وعدهم.
ولا كما انتظروه.
عاد محمولاً على أكتاف الرجال...
ملفوفاً بالعلم الذي قاتل من أجله.
......
كانت شعاع في ساحة المدرسة.
تحمل دلو الماء وتسقي الأشجار الصغيرة المزروعة قرب الصفوف.
أما الأطفال فكانوا يركضون في الساحة أثناء الاستراحة.
كانت تبتسم وهي تراقبهم.
ثم وضعت يدها على بطنها المنتفخ.
وابتسمت أكثر.
وفجأة...
ظهر طفل من أبناء الدربونة عند باب المدرسة.
كان يركض بأقصى ما يستطيع.
وجهه أحمر.
وأنفاسه متقطعة.
صاح من بعيد:
خالة شعاع!
خالة شعاع!
التفتت إليه باستغراب.
ركض الطفل نحوها.
حتى كاد يسقط من التعب.
وضعت شعاع يدها على كتفه.
وقالت:
شبيك يمه؟
شصاير؟
كان الصبي يلهث بقوة.
ولا يستطيع الكلام.
ثم رفع رأسه بصعوبة.
وقال:
خالة شعاع...
وسكت.
شعرت شعاع بأن قلبها انقبض فجأة.
قالت بقلق:
احچي يمه.
فخرجت الكلمات من فمه كالسهم:
علي استشهد.
تجمد كل شيء.
حتى أصوات الأطفال اختفت من حولها.
حتى الهواء توقف.
حتى قلبها نسي كيف ينبض.
حدقت بالطفل.
وكأنها لم تفهم ما قاله.
همست:
شنو...؟
أعاد الطفل وهو يبكي:
علي استشهد.
الجيش جابوه للدربونة.
سقط الدلو من يدها.
وانسكب الماء على أرض الساحة.
أما هي...
فبقيت واقفة مكانها.
تنظر إلى الفراغ.
كأن عقلها يرفض تصديق الكلمات.
تذكرت علي طفلاً صغيراً.
يلاحقها في الزقاق.
تذكرت يوم كان يجلس قرب الجنبر.
ويأكل العلوجة.
تذكرت زيارته الأخيرة.
حين وقف أمام الدكان ببدلته العسكرية.
وقال ضاحكاً:
أريد أشيل الطفل من يجي للدنيا.
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
ثم انفجرت دموعها فجأة.
وضعت يدها على فمها.
وأطلقت شهقة موجوعة.
علي...
وتكاثرت الدموع.
حتى لم تعد ترى شيئاً أمامها.
ركضت إحدى المعلمات نحوها.
وأمسكتها قبل أن تقع.
وقالت بخوف:
شعاع!
انتبهي على نفسج!
لكن شعاع لم تكن تسمع أحداً.
كانت تسمع صوت علي فقط.
وتتذكر ضحكته.
وكلماته الأخيرة.
ثم وضعت يدها على بطنها.
وبكت أكثر.
ففي اللحظة التي كانت تنتظر فيها طفلاً جديداً يدخل العائلة...
كان الموت قد خطف واحداً من أحب الناس إلى قلبها.
وفي تلك الأثناء...
كانت الزغاريد التي حلمت بها يوماً لطفلها القادم...
تختلط في قلبها بصوت النواح القادم من الدربونة.
أما خارج المدرسة...
فكانت شعاع تركض نحو بيت أبيها.
وقلبها يردد سؤالاً واحداً:
هل حقاً عاد علي...
داخل نعش؟
...
احتشد رجال المحلة حول السيارة التي تحمل النعش
وكانت النساء يملأن الزقاق بالبكاء والنحيب.
أما سعاد...
فكانت جالسة على الأرض.
تضرب صدرها وتبكي بحرقة.
وفي تلك اللحظة...
اقترب أبو شعاع من النعش.
ومد يده المرتجفة نحو الغطاء.
لكنه سمع صوت الجندي يصرخ:
لا عمي... لا تفتحوه.
توقف الرجل.
ونظر إليه بذهول.
اقترب الجندي بخطوات بطيئة.
وكانت الدموع تلمع في عينيه.
وقال بصوت خافت:
أوصيكم بالله لا تفتحون النعش.
هاي أوامر رسمية.
سأله الحاج جبار:
ليش يابه؟
خفض الجندي رأسه.
ثم قال بصعوبة:
موقعهم تعرض لقصف مدفعي مباشر.
وقذيفة سقطت قريب منهم.
وسكت للحظات.
ثم أكمل:
الله يرحمه...
الشهيد علي ما بقت ملامحه مثل ما تعرفوها.
ساد الصمت.
حتى البكاء خفت للحظات.
وقال الجندي:
خلي تبقى صورته ببالكم مثل ما كان.
مو مثل ما صار.
انخفض رأس أبو شعاع.
وأخذ يبكي بصمت.
أما سعاد...
فأطلقت صرخة موجوعة.
لاااا...
أريد أشوف ابني...
ولو مرة أخيرة.
لكن النسوة أمسكن بها.
وأخذن يهدئنها.
في الجانب الآخر من الزقاق...
كانت زوجة علي جالسة قرب الجدار.
تضم بطنها بيديها.
وجهها شاحب.
وعيناها متسعتان من الصدمة.
لم تبكِ.
ولم تصرخ.
كانت فقط تنظر إلى النعش.
كأن عقلها يرفض تصديق ما يحدث.
منذ أسابيع فقط...
كان يجلس معها.
ويحدثها عن البيت.
وعن الطفل الذي ينتظر ولادته.
والآن...
عاد داخل صندوق خشبي.
اقتربت منها إحدى النساء.
وقالت:
ابچي يمه...
طلعي اللي بقلبج.
لكنها لم تجب.
كانت تنظر إلى النعش فقط.
وكأن روحها ذهبت معه.
وفي تلك اللحظة...
ظهر صوت بكاء جديد عند مدخل الزقاق.
التفت الجميع.
كانت شعاع تركض.
عباءتها تتطاير خلفها.
وأنفاسها متقطعة.
والدموع تنهمر من عينيها.
ركضت بين الرجال.
وهي تصرخ:
علي...
علي...
حتى وصلت إلى السيارة التي تحمل النعش
ووقفت أمام النعش.
وضعت يدها فوق العلم العراقي.
ثم انهارت.
وسقطت على ركبتيها.
وأخذت تبكي كما لم تبكِ منذ وفاة أمها فاطمة.
يمه علي...
ولك وعدتني ترجع...
وعدتني تشيل طفلي بإيدك...
كان بكاؤها يمزق القلوب.
حتى الرجال خفضوا رؤوسهم.
أما سلمان...
فكان واقفاً خلفها.
يمد يده باحثاً عنها بين الزحام.
حتى لمس كتفها.
فوضعت رأسها على يده.
وأجهشت بالبكاء.
وفي وسط ذلك الحزن كله...
كان النعش صامتاً.
لا يجيب أمه.
ولا زوجته.
ولا أخته.
وكأن الحرب...
سرقت منه حتى فرصة الوداع الأخير.
.
...
حلّ المساء على مدينة الثورة.
وكان بيت العزاء قد امتلأ بالرجال.
جلس أبو شعاع في صدر المجلس.
عيناه حمراوان من كثرة البكاء.
لكنه لم يعد يبكي.
فقد وصل الحزن إلى مرحلة الصمت.
كانت أمامه صورة علي ببدلته العسكرية.
وبجانبها أباريق الشاي وأكواب الماء.
أما الرجال فجلسوا صفوفاً طويلة.
يقرأون الفاتحة.
ويستذكرون أخلاق الشهيد.
قال أبو حسين:
الله يرحمه.
خوش ولد.
عمره ما آذى أحد.
ورد الحاج جبار:
رجال ومربي.
الله يصبر أهله.
وفي زاوية المجلس...
كان الأستاذ كاظم جالساً صامتاً.
يفكر بأمر آخر.
حسين.
لا أحد أخبر حسين بعد.
ولا أحد يعلم كيف ستكون ردة فعله عندما يعرف أن أخاه الأكبر استشهد.
قطع الحاج جبار الصمت قائلاً:
زين...
منو يروح يبلغ حسين؟
ساد المجلس صمت ثقيل.
فالشمال بعيد.
والحرب مشتعلة.
والوصول إلى القطعات ليس أمراً سهلاً.
قال أحد الرجال:
الجيش لازم يبلغه.
هز الجندي الذي رافق النعش رأسه.
وقال:
إجراءاتهم طويلة.
ويمكن تتأخر أيام.
فقال أبو علي:
ما يصير.
لازم يحضر عزا أخوه.
هز الرجال رؤوسهم موافقين.
ثم التفت الحاج جبار نحو الأستاذ كاظم.
وقال:
أستاذ...
ماكو غيرك.
رفع كاظم رأسه.
وأكمل الحاج جبار:
حسين يعرفك.
ويحترمك.
وأنت أهدى واحد يگدر يوصله الخبر.
ساد الصمت.
ثم تنهد الأستاذ كاظم.
وقال:
أروح.
نظر الجميع إليه.
فأكمل:
باچر الصبح أطلع.
وأوصل للفيلق الخامس.
وأجيب حسين.
تنفس أبو شعاع بعمق.
ولأول مرة منذ وصول النعش...
تكلم.
قال بصوت مكسور:
جيبولي ولدي.
فقط هذه الكلمات.
ثم خنقته العبرة.
وخفض رأسه من جديد.
أما الرجال...
فأخذوا يقرأون الفاتحة.
وخارج بيت العزاء...
كانت أصوات النساء ما تزال ترتفع بالبكاء.
وكانت سعاد جالسة بينهن.
تضم صورة علي إلى صدرها.
بينما في أقصى شمال العراق...
كان حسين يقف في موقعه العسكري.
يحمل بندقيته.
وينظر إلى الجبال المظلمة.
دون أن يعلم...
أن أخاه الذي كان يفكر به قبل أيام...
عاد إلى بغداد.
محمولاً على أكتاف الرجال.
ودون أن يعلم...
أن أستاذ كاظم يستعد للسفر إليه مع أول ضوء للفجر.
ليحمل إليه أثقل خبر سيسمعه في حياته.



الثالث عشر من هنا
تعليقات