📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل الحادي عشر 11 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل الحادي عشر 11 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

(الجزء الحادي عشر )

" حلا "

لم أكن أتذكّر شيئًا .. هكذا يفترض بي أن أكون.
الفتاة المسكينة التي فقدت ذاكرتها .. تنظر إلى الأشياء بدهشة طفلٍ تائه وتسأل عن أسمائها كما لو أنها تراها للمرة الأولى.
والحقيقة؟ كنت أتذكّر كلّ شيء .. أتذكّر الضرب و الجدران التي طالما ارتطمت بها و كيف كنت أعدّ الثواني بين صفعةٍ وأخرى .. لكنني كنت أمثل دوري بإتقان .. كم أنا بارعة

كنت أجلس على طرف الاريكة أحرّك قدميّ في الهواء بمللٍ وانا أقلب بين قنوات التلفاز .. أعدّ المحطات في الشاشة كما لو أنني أتعرف إليه للمرة الأولى .. حين انفتح الباب فجأة.
دخل أدهم بسرعة وأنفاسه متلاحقة وعيناه تلمعان بطريقة لم أرها من قبل.
رفعت رأسي نحوه بتباطؤ متعمّد وسألته:
- ماذا حدث؟
اقترب خطوتين و رد بصوت يحمل ارتعاش انتصارٍ حاول كتمه:
- مؤيد وافق .. لقد وقّع أوراق الطلاق و انتهى الأمر يا حلا.
للحظة نسيت نفسي .. نسيت التمثيل ونسيت الهدوء .. نسيت حتى كيف كنت أتنفس قبل ثانية.
قفزت من مكاني دون وعي واندفعت نحوه وارتميت عليه وأنا أحيطه بذراعيّ بقوة.
- حقاً انتهى؟! أنا حرة الآن ؟!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كنت أضحك بصدقٍ هذه المرة .. ضحكة خرجت من أعماق سجني الطويل .. فجأة شعرت بتصلّب جسده تحت يديّ.
ثم سكونٍ مفاجئ .. تجمّدت مكاني حين جاءتني لحظة إدراك .. ماذا فعلت؟
ابتعدت عنه بسرعة وكأنني لمسته بطريق الخطأ ووضعت يديّ خلف ظهري وانخفض صوتي فجأة:
- أنا آسفة.
كان ينظر إليّ بذهولٍ خفيف حاجباه معقودان ووجنتيه محمرّتين بوضوح .. اغمض عينيه لثانية ثم فتحها وسألني:
- حلا .. هل تذكرتِ شيئاً؟
سؤالُه جاء حذراً وهو يبتعد عني خطوة وكأنه يأخذ مساحة أمان .. لكن عينيه كانتا تفتشان وجهي بشك .. اتسعت عيناي فوراً وهززت رأسي بسرعة بإنكار :
- لا لا .. لم أتذكر شيئاً.
ترددت لحظة ثم أشرت إليه بخفةٍ مرتبكة:
- لكنك دخلت وأنت مبتسم وسعيد جداً .. لم أرك هكذا من قبل ؛فظننت أن الأمر جيد .. فرحتُ لأنك كنت فرِحاً .. ثم أننا تخلصنا من الذي فعل بي هذا .. أليس كذلك ؟ ألا يستدعي هذا الاحتفال ؟
حل الصمت بيننا لحظات .. راقبني طويلاً و كأنه يحاول قراءة ما خلف كلماتي .. أما أنا فكنت أقاتل كي لا تعود تلك الضحكة إلى شفتيّ.
حرة .. الكلمة كانت تدور داخلي كطفلةٍ تركض في ساحةٍ واسعة للمرة الأولى .. لكنني خفضت بصري مجدداً وسألت ببراءةٍ مدروسة:
- الطلاق يعني أنني لن أعود إلى ذلك الرجل من جديد صحيح ؟
اقترب خطوة و رد بهدوءٍ حاسم:
- أجل .. لن تعودي إليه أبداً ولن يكون له الحق في استرجاعك .. خذي احتفظي بهذه الورقة
- ما هذه ؟
- إنها ورقة طلاقك .. مبارك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتسمت هذه المرة بهدوء ولكن لم أكن أستطيع كبت دموعي وأنا آخذ هذه الورقة .. ورقة خلاصي .. فكرة أن مؤيد لم يعد يملك الحق لا في رؤيتي ولا في إيذائي كانت غير قابلة للتصديق .. في داخلي كنت أرقص فوق أنقاض اسمه .. أخيراً تخلّصت منك أيها المتوحش .. أما أنا .. فقد بدأت حياتي للتو .. فتحت الورقة وحاولت قراءتها ولكنني لم أستطع .. أنا لا أجيد القراءة .. فجأة سألني أدهم:
- ألا يمكنكِ القراءة؟
- لا .. ليس كثيراً

رأيته ابتسم لي وقال :
- لا مشكلة في ذلك
قال هذه الكلمة وتجاوزني ودخل وهو يقول :
- سأسجّلك في مركز لمحو الأمّية
- وما هذا المركز ؟
التفت لي بكامل جسده و رد بثقة وهو يرسم ضحكة عريضة :
- حتى تتعلمين القراءة والكتابة .. هل أنتِ موافقة ؟
شعرت بقلبي يرفرف وبالتأثر أيضاً .. ضحكته تلك أعادت لي الأمل الذي كنت قد نسيته .. إنه لم يكتفي بتحريري من ذلك المتوحش .. بل يريدني أن أبني مستقبلي .. انهمرت دموعي لتتلاشى ضحكته ويقترب مني ويسألني:
- ولكن لماذا البكاء الآن يا حلا ؟
- أشعر أنني أريد احتضانك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هذه المرة استأذنته ولففت يدي حول خصره ووضعت رأسي على صدره وأنا أبكي .. لأول مرة في عمري أشعر بالدفء بعد وفاة أمي .. لقد فهمت الآن معنى أن يكون للفتاة أخ وسند في هذه الحياة .. وأدهم مثّل دوره على أكمل وجه .. كنت أضمه بهدوء لا أسمع سوى صوت شهقاتي ودقات قلبه القريبة من أذني .. ثم شعرت بيديه تمسح على شعري بحنو وتربت على كتفي بتوتر .. كنت أعرف أنه يتحاشى لمسي ولكنني كنت بحاجة لحضنٍ يحتويني في ذلك الوقت

نفّذ ما وعدني به وسجلني بمركز لمحو الأمّية .. حتى أنه اشترى لي جوالاً جديداً حتى نستطيع التواصل مع بعضنا في وقت الحاجة .. لا أعرف كيف سأوفي له كل هذا المعروف .. بعد يومين من هذا وفي الصباح الباكر خرجنا من الشقة سويّاً .. أدهم قاصداً جامعته وسيوصلني إلى ذلك المركز بطريقه

كان يحمل حقيبتي على كتفه ويمسك المفاتيح بيده بينما كنت أسير إلى جانبه أحاول أن أبدو طبيعية .. ولكنني كنت متحمّسة وأطير من الفرح .. أشعر أنني أبدأ الحياة من جديد .. فجأة سألني مازحاً :
- مستعدة لمركز “الشيء الذي سيجعلك تستطيعين القراءة ”؟
نظرت إليه باستياء .. لقد أمسك الكلمة عليّ .. قلت بتذمر :
- لا تستخفّ بي .. سأصبح قارئةً أفضل منك.
ضحكنا معاً ونحن نهبط السلالم .. لكن عند المنعطف الأول ظهرت فتاة تنزل بخفة من الطابق العلوي .. كانت ترتدي زياً مدرسياً وشعرها مصففٌ بعناية وابتسامتها واسعة أكثر من اللازم .. ما إن رأت أدهم حتى أشرقت ملامحها .. وقالت بسرعة :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- صباح الخير .. كيف حالك سيد أدهم
ثُبتت قدماي بالأرض عندما رأيتها تكلم أدهم .. سيد !! نظر أدهم إليها و رد باختصار:
- صباح الخير آنسة رولا .. أنا بخير والحمد لله.
رولا !! اسمٌ خفيف .. ولكن نطقه مزعج.
رأيت ابتسامتها اتسعت وهي تنزل درجة إضافية لتصبح بمحاذاته تقريباً متجاهلة وجودي تماماً وقالت :
- كيف هي دراستك ؟
أجاب بهدوء:
- جيدة
ثم تحرك ليكمل النزول .. تحركتُ معه بسرعة ولكنها لحقت بنا كالقطة الماكرة وقالت :
- أي سنة أنت الآن؟ الرابعة أليس كذلك؟ هل ستكمل دراسات عليا؟ أبي يقول إن الجامعة التي تدرس بها ممتازة جداً .. أتنصحني بارتيادها بعد أن أنهي المرحلة الثانوية ؟

كانت تمشي بجانبه مباشرة تميل برأسها نحوه وهي تتحدث كأنني غير موجودة .. كم هي وقحة .. شعرت بشيءٍ ساخن يصعد من صدري إلى وجهي .. لا أعرف لماذا ولا متى
ولكنني فجأة لم أعد أسمع كلماتها .. فقط أرى ابتسامتها وتوددها الفاضح لـ أدهم
تظاهرت بالانشغال بترتيب القبعة التي كانت تخفي ضماد رأسي ثم نظرت إلى أدهم الذي كان يجيبها بإجاباتٍ قصيرة ومختصرة .. نعم .. ربما .. إن شاء الله.
خطوة أخرى وكانت لا تزال ملتصقة به .. كورت يدي و توقفتُ فجأة وقلت بنبرةٍ هادئة أكثر مما ينبغي:
- عذراً
التفتت رولا أخيراً وكأنها انتبهت لوجودي للتو :
- نعم؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتسمتُ لها ابتسامة صغيرة وسألتها ببرود :
- ألن تتأخري عن مدرستك؟
رمشت بدهشة.
- لا .. ما زال هناك وقت.
اقتربت خطوة أخرى وهذه المرة وقفت بينهما حرفياً لتتراجع حتى أمسكت بسور السلم وقلت :
- جميل .. ولكن نحن على وشك التأخر
نظرتُ إلى أدهم وقلت ببراءةٍ مصطنعة:
- أليس كذلك .. أخي؟
توقفت رولا عند كلمة “أخي” رغم أن الجميع في البناء يعلم ذلك .. لكن سماعها بهذه الطريقة بدا وكأنه حدّ فاصل.
أدهم فهم النبرة فوراً و رد :
- نعم علينا الذهاب يا حلا
وحاول النزول مجدداً ولكن رولا لم تستسلم وقالت :
- في الحقيقة كنت أريد أن أسألك عن مراجع مادة الرياضيات التي كنتُ سبق وطلبت منك أن تساعدني بها .. هل يمكنك أن ...
قاطعتها قبل أن تكمل :
- لا يمكنه ولن يفعل ؛ فهو مشغولٌ بدراسته
- ولكنني لم أسألكِ أنتِ
- أعرف ولكنني أعرف أيضاً انشغاله وضيق وقته لهذا اذهبي واحصلي لكِ على مدرّسٍ خاص بدل التذلل لـ .. أخي
كان أدهم يقف خلفي صامت .. ربما لأنه أراد إجابتها بذات الجواب لأكمل:
- أعذرينا .. لقد تأخرنا عن مواعيدنا
صوتي لم يكن عالياً .. ولكنه لم يكن لطيفًا أيضاً .. كنت أشعر بالاشمئزاز منها .. كيف لها أن تكون بتلك الوقاحة والجرأة أمام شاب غريب لا يبادلها سوى اللامبالاة
سادت لحظة صمت قصيرة .. نظرت رولا إليّ بنظرة سريعة مزيج بين استغراب واستياء ثم نظرت إلى أدهم وقالت :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- حسناً لا بأس بذلك .. أراك لاحقاً سيد أدهم.
تركتنا أخيراً ونزلت الدرج بصمت .. كانت مازالت رائحتها المزعجة تلف المكان بينما كنت أتنفس بسرعة دون أن أشعر وفجأة قال أدهم :
- هل أنتِ بخير؟
التفت اليه وقلت :
- نعم.
ضيق عينيه :
- متأكدة؟
- بالطبع.
نزل عدة درجات وتوقف عند أسفل الدرج و التفت إليّ بالكامل ورفع حاجبه:
- إذاً لماذا كنتِ على وشك إعلان الحرب على الفتاة ؟
اتسعت عيناي وسألت ببراءة :
- أنا ..؟! لم أفعل شيئاً
ابتسم بخفة و رد وهو ينزل بخطى بطيئة :
- حلا .. ذلك كان واضحاً
شعرت بحرارة وجهي تشتعل لكنني تجاهلته ولحقته بينما نظر إلي وسألني بتردد :
- هل شعرتِ .. بالغيرة ؟
وقفت ونظرت إليه وقلت باندفاع :
- لا .. أنا فقط .. لا أحب الفتيات اللواتي يلتصقن بالناس أثناء الحديث .. وهي كانت وقحة وغير مؤدبة
اقترب خطوة مني وخفّض صوته:
- في الناس؟ أم بي؟
تلعثمتُ للحظة وأنا أنظر بعينيه المليئة بالشك ثم أدرت وجهي وقلت باستنكار :
- قلتُ الناس .. هل حاسة السمع لديك ضعيفة ؟

ضحك بهدوء وهو يفتح باب البناء وخرجنا منه .. أما أنا
فكنت أحاول إخفاء مشاعري وغيرتي حتى لا يكتشف أمري .. ولكن يبدو أنه لم يكن مقتنعاً بتمثيلي .. كان يشك بي وهذا واضح بعينيه .. ركبنا السيارة وانطلق بها وأنا ما زلت أفكر بتلك الوقحة .. نظرت إليه وسألته:
- منذ متى تعرف تلك الفتاة ؟
- أي فتاة ؟
- المدعوّة رولا
قلت اسمها بغيظ لينظر إلي ويبتسم بتوتر و رد :
- إنها ابنة جيراننا كما ترين
- بدا لي وكأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن
- صادفتها مرتين على السلالم وأنا ذاهب لدوام جامعتي .. عرّفتني عن نفسها وأنا من باب الأدب فقط عرّفتها عن نفسي
- ومن أين تعرف اسم جامعتك وأنك طالبٌ بها ؟
- وما أدراني .. ربما لأنها الجامعة الوحيدة القريبة من هنا .. ثم لماذا تعتقدين أنني أتودد لفتاةٍ تدرس في الثانوية .. أليس الأولى أن أرافق طالبة جامعية مثلي

جحظت عيناي وارتفعت أنفاسي وقلت من دون وعي :
- هل أنت على علاقة بفتاةٍ جامعية !!!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

شعرته ارتبك وبدأت السيارة تميل عدة مرات ثم ثبت المقود و رد بارتباك :
- ما هذا الكلام يا حلا .. !
- أنت قلت ذلك
- كان مجرد مثال صدقيني أنا لا علاقة لي بأحد
- ولماذا ارتبكت !
- لأنكِ فاجأتني بسؤالك ذاك
- لا أستطيع تصديقك
- أقسم أنني لا أتحدث مع الفتيات

ساد الصمت لحظاتٍ بيننا حينها شعرت أنني فقدت السيطرة على نفسي .. بدأ الخوف يسيطر عليّ .. هل يعقل أنه يأخذ دور الأخ على محمل الجد .. إذاً هو سيتركني .. سيأتي يوم ويجد فتاةً يتزوجها وأبقى أنا وحيدة في النهاية .. يا إلهي مجرد التفكير في الأمر يصيبني بالجنون

بقيت هذه الفكرة تدق كالطبول برأسي .. كنت اتمدد في السرير أعدّ الشقوق في السقف كما لو أنني أتعرف إليه للمرة الأولى .. أفكر بذلك الموقف الذي حصل في الصباح وتلك المزعجة المدعوّة رولا .. نهضت ونظرت لنفسي في المرآة .. وأخذت أنظر إلى الندوب الواضحة على وجهي الذي كان بعكس وجه رولا الخال من الندوب والخدوش .. تنهدت بحرقة وهمست وأنا أتلمس وجهي .. كيف له أن يفكر بفتاة تمتلك وجهاً مشوّهاً كهذا .. أرجوا أن يُبتلى مؤيد بقطع كلتا يديه على ما فعله بي .. وقفت وخرجت وبدأت أمشي على أطراف أصابعي لأصل للصالة حيث ينام أدهم على الأريكة ووقفت بعيداً أنظر إليه .. كنت أتحاشى الاقتراب منه حتى لا أزعجه لأن نومه خفيف وأي حركة مهما كانت صغيرة ستوقظه .. مع ذلك خطوتُ خطوةً أخرى نحوه .. كان مستلقياً على الأريكة ذراعه فوق عينيه وأنفاسه منتظمة. ضوء المصباح الخافت يرسم ظلالاً هادئة على وجهه.
لا أعرف لماذا اقتربت .. ربما لأتأكد أنه ما زال هنا ..أو لأقنع قلبي أنني لم أتخيل وجوده في حياتي .. تحركتُ بحذر و لكن قدمي اصطدمت بطرف الطاولة الصغيرة لتهتزّ ، ويسقط عنها كتابه ليرتطم بالأرض بقوة
شهقتُ وفي اللحظة ذاتها انتفض أدهم من مكانه وهو يقول :
- ما ماذا حصل ؟

نظر إلي بريبة وهمس :
- حلا !!!
أضاء المصباح سريعاً ونهض متجهًا نحوي.
كنتُ قد أمسكتُ بكاحلي أجلس على الأرض متظاهرةً بالألم .. وإن لم يكن التظاهر كاملاً فقد التوى كاحلي فعلاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- ماذا تفعلين هنا؟ هل سقطتِ؟
اقترب وجثا أمامي يبعد يدي برفق ليتفقد قدمي لأرد:
- لا أنا بخير .. فقط أتألم قليلاً
رفع نظره إليّ بقلق واضح وسأل:
- لماذا خرجتِ من الغرفة أصلاً ؟
ترددتُ نصف ثانية ثم قلتُ بسرعة:
- شعرتُ بالعطش و أردتُ شرب الماء.
تنهد ثم ساعدني على النهوض وأجلسني على الأريكة وقال :
- كان بإمكانك إيقاظي
اتجه إلى المطبخ وبعد لحظات عاد يحمل كأس ماء.
ناولني إياها وهو ما يزال يرمقني بنظرة فاحصة .. شربتُ رشفةً صغيرة فقط بالكاد لامست شفتيّ الماء ثم وضعتُ الكأس على الطاولة .. عقد حاجبيه وقال :
- أليس من المفترض أنك عطشى؟
ارتبكتُ ثم تمتمت:
- نعم .. و لكن…
سكتُّ بينما جلس على الأريكة المجاورة يفرك عينيه بإرهاق خفيف وقال :
- لا تستطيعين النوم .. أليس كذلك؟
رفعتُ نظري إليه وقلت :
- ربما.
مال برأسه قليلًا وابتسم ابتسامةً باهتة :
- هل لأنكِ اتهمتِني صباحاً بأنني أتحدث مع فتاةٍ في الجامعة؟
شعرتُ بحرارةٍ تعود إلى وجهي.
- لم أتهمك .. أنا فقط سألت.
ضحك بخفة و قال وهو يفرك وجهه بيديه:
- لا بأس يا حلا .. لم آخذ الأمر بحساسية .. كان واضحاً أنكِ منفعلة فقط.
سادت لحظة صمت كنتُ أراقب يديه و الطريقة التي يفرك بهما عينيه .. الطريقة التي يجلس بها مطمئنًا و كأن شيئاً لم يهزه .. لكنني لم أكن مطمئنة وسألتُ دون أن أنظر إليه:
- ماذا ستفعل بعد أن تتخرج من الجامعة ؟

نظر إليّ و رد بعفوية :
- ما يفعله أي شاب خرّيج .. سأبحث عن وظيفة وأعمل
- وبعد ذلك ؟
- دعيني أفكر .. قد أؤمن مستقبلي وأشتري شقة أفضل من هذه
- جميل وبعد ذلك ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظر إليّ بطريقة غريبة وقال :
- إلى أين تريدين الوصول يا حلا ؟

نظرته أربكتني فعلاً ثم أخفضت رأسي و قلت بتوتر :
- إذا أردتَ يومًا أن .. أن تبني حياتك فهل ستراني عائقاً لك ؟
سكتَ وبقي يطالعني باستغراب بينما رفعتُ عينيّ نحوه وقلبي يخفق بقوة وقلت :
- أعني .. إن قررت يوماً الزواج و وجدتَ فتاة مناسبة
ساد الصمت بيننا لحظات قبل أن يطلق ضحكة عالية لأنزل رأسي بإحراج .. ما هذا الذي تفوهت به ! مع أن الكلمات كانت تخنقني .. ولكنه ضحك عليها
نطق وهو يضحك :
- أهذا ما يشغل تفكيرك الآن...!
سحب نفس ونظر إليّ و قال بهدوءٍ مختلف عمّا كان عليه قبل قليل :
- حلا… انظري إليّ.
نظرتُ .. لم يكن يضحك .. حتى الابتسامة قد مسحها عن شفتيه ثم نطق بجديّة :
- أنا لن أترككِ في منتصف الطريق
ابتلعتُ ريقي وقلت :
- ماذا تعني ؟
- أقصد أنني بدأت معروفاً وأقسمت على إكماله للنهاية
- لم أفهم

ابتسم وقال :
- أقصد أنني سأبقى معكِ يا حلا
- لكنك في النهاية .. ستتزوج .. صحيح !
تنهد بخفة و رد :
- ربما .. يوماً ما و لكن ذلك لا يعني أنني سأختفي من حياتك .. أنتِ لستِ عبئاً عليّ .. ولستِ مرحلة مؤقتة و طالما تحتاجينني .. سأكون هنا ومعكِ
تعلّقت عيناي بعينيه الهادئتين .. ابتلعت ريقي وقلت :
- هل تعدني؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

خرج السؤال مني كهمسة طفلة .. نظر إليّ طويلاً ثم مدّ يده ووضعها فوق رأسي برفق و رد :
- أعدكِ أنني لن أترككِ وحدكِ مهما حدث.
ارتجف صدري .. لم أكن بحاجة لأكثر من ذلك ابتسمتُ بخفة وأنا أشعر بأن الهواء عاد إلى رئتيّ وقلت :
- حسناً إذاً يمكنك النوم مطمئناً الآن
ضحك هذه المرة أيضاً و قال :
- وهل ستتركين الطاولات وشأنها بقية الليل؟
رفعتُ حاجبيّ باستياء مصطنع :
- لم تكن الطاولة كانت الأرض هي المذنبة.
ضحك بخفوت .. أما أنا تمددت على الأريكة لينظر إلي باستغراب لأقول:
- أشعر بالخوف فقط .. دعني أنام هنا الليلة

هز رأسه باستسلام وأحضر غطاءً ووضعه عليّ ثم تمدد مكانه على الأريكة الأخرى بعد أن أطفئ الأنوار وقال :
- هيا نامي فغداً كلانا لديه دوام
ضحكت وقلت بطريقة طفولية :
- حاضر
تكورت على نفسي وقلبي غدى أكثر هدوءً .. لم أعد أخاف من الغد لأنني صرت أملك وعداً منه بأنه لن يتركني أبداً

مرت الأيام بعدها بهدوءٍ غريب .. هدوءٌ لم أعتد عليه في حياتي من قبل .. صرت أتنقل بين البيت والمركز كأنني أتعلم المشي من جديد وكان أدهم يرافقني صباحاً ثم يعود ليصحبني عصراً .. يسألني عمّا تعلمت ويجلس معي ليلاً يراجع الدروس .. كنت أكتب الحروف ببطءٍ أول الأمر .. ثم بسرعةٍ أكبر ثم بثقة .. أدهشني أنني لم أنسَ كل شيء.
فأنا لم أترك المدرسة إلا في الصف الرابع الابتدائي وما زالت بعض الكلمات تسكن ذاكرتي تنتظر فقط من يوقظها.
حين أمسكت القلم بحرية لأول مرة شعرت أنني أستعيد شيئاً كان مسروقاً مني.
وكان أدهم يجلس قبالتي يصحح لي برفق ويبتسم حين أخطئ ويقول دائماً :
- التعلّم لا يرتبط بالعمر بل بالشجاعة.
لكن رغم هذا السلام الظاهري .. كانت هناك المزعجة المدعوّة رولا .. كوبرا هذا البناء .. تحاول الالتفاف حول أدهم بشتى الطرق .. لا أعرف كيف تحولت سلالم البناء إلى مسرحٍ لظهورها اليومي .. مرةً تنتظر نزوله بحجة أنها ذاهبة للمدرسة في الوقت ذاته ومرةً تصادفه صدفة مخططاً لها وهي تمسك دفتر الرياضيات .. لا أدري من أخبرها أن أدهم سليل عائلة آينشتاين .. ومرةً تدق الباب لتستعير شيئاً ثم تعيده بعد ساعة مع صحنٍ من الطعام وكنتُ أنا من يفتح الباب ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بصوتها المزعج تقول :
- لقد صنعت هذه الكعكة
- لسنا بحاجة.
- و لكنني صنعته خصيصاً لـ …

قاطعتها ببرود :
- يمكنكِ إهداؤه لعائلتكِ

وأغلقت الباب بابتسامةٍ شامتة لا تحمل ذرة امتنان.
وذات مرة .. كنتُ أغسل أرضية الصالة وأنا أرتدي مريولي المنزلي وقد رفعتُ شعري المنكوش بإهمال فوق رأسي بينما قال لي أدهم:
- سأخرج لأسقي النباتات خارجاً
- حسناً ولكن لا تكثر سكب الماء عليها
خرج أدهم ووقف أمام الباب بينما أنا أكملت مسح الشقة وأنا أغني بهمس .. فجأة وقفت متجمدة لحظة حين سمعتُ صوتاً خافتاً عند باب الشقة المفتوح.
خرجتُ ورأيت رولا تقف أمام أدهم .. تعبث بأصابعها وهي تتصنع الخجل تلك عديمة الحياء .. وصوتها كان منخفضاً وتحاول محاولاتٍ مستميتة أن تنعمه لأسمعها تقول :

- في الحقيقة .. أردتُ أن أخبرك بشيء منذ فترة.
وقف أدهم بهدوء :
- تفضلي.
تنحنحت بخجلٍ مصطنع ومكشوف وقالت :
- أنا معجبةٌ بك.
تجمّدتُ مكاني وبقيت أنظر بها ودمي يغلي في شراييني .. وهمست وأنا أصك أسناني:
- معجبة… به؟!!!
أما أدهم كان ينظر إليها بهدوء رجل ناضج لم يبدي أي اهتمام
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أكملت:
- أعلم أنني ما زلت في الثانوية و لكنني سألتحق بالجامعة العام القادم وأردت فقط أن تعرف أنني .. أراك مختلفاً عن بقية الشباب.
رد بصوت هادئ :
- رولا .. أنتِ صغيرة على هذه الأمور و…
هنا خرجتُ لا أعرف إن كان الماء ما يزال يقطر من يدي أم أن الغضب هو الذي كان يقطر من عيني .. وقفتُ بينهما مباشرة ونظرتُ إليها من أعلى إلى أسفل ثم قلتُ بنبرةٍ ثابتة:
- معجبة به؟
تكتفت و ردت بلؤم :
- أنا كنتُ أتحدث مع ادهم لا معكِ
- سمعتُ جيداً .. أذناي تعملان بكفاءة على عكس عقلكِ الصغير
اتسعت عيناها و قالت :
- هذا ليس من شأنكِ
رفعتُ حاجبيّ :
- بل هو من شأني جداً
- ولماذا؟
اقتربتُ خطوة وقلت والنار تأكل داخلي :
- لأنه أخي
قلتُ الكلمة ببطءٍ واضح ثم أضفتُ بابتسامةٍ باردة:
- وأخي لا يستقبل طلبات الإعجاب على باب منزلنا
تدخل أدهم أخيراً:
- حلا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قاطعته وأنا أنظر به بعينين غاضبتين :
- ابقى جانباً أنت
لم أكن قد انتهيت و لا أعلم ما الذي أصابني فجأة .. ولكنني شعرت بطاقةٍ غريبة تسري في عروقي
أشرتُ بإصبعي نحو الأسفل وقلت:
- اسمعي جيداً أيتها المتحذلقة .. إن أردتِ التركيز على مستقبلك؛ فافعلي ذلك بعيداً عن بابنا .. وإلا سأقوم بكسر ذلك الباب على رأسكِ السميك هذا
- أنتِ حقاً وقحة
خطوتُ نحوها أكثر وأنا أرفع الممسحة بوجهها وصرخت :
– هل تريدين أن أشرح لكِ الفرق بين الإعجاب والوقاحة عملياً؟
بدت وكأنها على وشك التراجع .. بالفعل رفعتُ يدي وكنت أنوي ضربها وتأديبها لكن فجأة شعرتُ بذراعين تلتفان حول خصري وفي لحظةٍ واحدة ارتفعت قدماي عن الأرض لأفاجئ وأصرخ:
- أدهم! أنزلني
- كفى يا حلا .. هذا يكفي
كان صوته نصف ضاحك ونصف متوسل بينما حملني كما تُحمل ريشة وأدار بي نحو داخل الشقة.
كنتُ ألوّح بيدي في الهواء وأنا أصرخ بوجه رولا :
- دعني أعود .. لم أنهِ حديثي مع تلك الوقحة بعد
- بالنسبة لي انتهى ذلك الحديث.
- لم ينتهِ .. كنتُ سألقّنها درساً بالتربية
أغلق الباب بقدمه ثم أنزلني أخيراً .. وقفتُ أعدل مريولي و ألتقط أنفاسي بينما هو يستند إلى الباب يحاول كتم ضحكته .. نظرت إليه باستياء وقلت :
- ماذا؟!
قال بين ضحكاته:
- لقد كنتِ شرسة
اقتربت منه وضربته على كتفه بـ غلّ وقلت :
- كنتُ أدافع عن شرف العائلة.
- لقد كدّتِ تعتدين على الفتاة
رددت بصراخ :
- ولكنها كانت تعتدي على أعصابي .. دعني أخرج لأعلّمها الأدب
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

عاد ليمسك بي ويضحك بصوتٍ عالٍ أما أنا عدتُ للوراء وأمسكت الممسحة وكأن شيئًا لم يحدث لكنني في داخلي كنتُ أشعر بانتصارٍ غريب .. ومنذ ذلك اليوم .. اختفت رولا ولم نعد نصادفها على الدرج .. وأدركتُ أنني رغم كل شيء .. أجيد الدفاع عمّا أعتبره لي .. حتى لو اضطررتُ لتفعيل “وضعية مؤيّد” مرةً أخرى.

عدة أيام أخرى مرّت .. كنت أعيش أسعد أيام حياتي فيها .. كنت جالسة أراجع دروسي حينما رنّ جرس المنزل .. فتحته ووقفت مصدومة مما تراه عيناي ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات