📁 آخر الروايات

رواية اقدار مؤجلة الفصل الحادي عشر 11 بقلم volny_morya

رواية اقدار مؤجلة الفصل الحادي عشر 11 بقلم volny_morya


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟏: داء القلب

by Volny_morya

. . .

لم أرث سوى الغضب ‏لا أستطيع اليوم أن أمنح
أحدهم عاطفة هادئة.
6

. . . .

ارتفع رقم 2 على الشاشة الصغيرة بوميضٍ أخضر خافت، فرفعت نظرها إليه، ثم أزاحت خصلاتها الشقراء عن عينيها بحركة سريعة اعتادت عليها، وأعادت تثبيت قبضتها على عصا التزلج وعصا القدمين...
1

نفخت زفيرًا دافئًا من بين شفتيها، فتشكّل أمامها بخار أبيض كثيف سرعان ما تلاشى بفعل برودة الجو، اختناق خفيف تسببه الملابس الثقيلة التي ابتلعتها من كتفيها حتى كاحليها..

رنّ المصعد، توقّف لثانية بدت أطول مما ينبغي، ثم انفتح ببطء.. وما إن ظهرت الملامح خارج الباب حتى استقامت في وقفتها دون وعي..

دخل أرتيوم وهو يحمل ابنه بين ذراعيه، جسده ثابت، حضوره صامت لكنه حاد.. لحظة وقعت عيناه عليها، أجرى مسحًا دقيقًا، نظرة باردة أشبه بعدسة لا تفوّت تفصيلًا..
7

سفيتلانا... لم يعتد رؤيتها هكذا..

لا فساتين جريئة، لا أكتاف مكشوفة، لا ألوان فاضحة..سروال أسود يلتصق بجسدها بانضباط، معطف ثقيل طويل حتى الركبتين ينسجم مع الطقس القاسي، قبعة صوفية بيضاء تمتزج بخصلاتها الشقراء، ووشاح بنفس اللون يلتف حول عنقها ليخفي ذقنها وشفّتها السفلى..
3

لكن عينيها...

عيناها كانتا أكثر حضورًا من أي وقت مضى، تلمعان وهي تنظر إلى الطفل بين ذراعيه، نظرة دافئة أربكته للحظة، أزاحت شيئًا في صدره لم يكن مستعدًا له..
2

تماسك بسرعة، ضغط على زر الطابق نفسه الذي تقطن فيه، ثم استدار نحو الباب، فكّيه مشدودان، ونظراته حادّة كعادته..
1

كانت تعلم أنه يسكن في الطابق ذاته...وتعلم أيضًا أن الأيام التي لا تصادفه فيها تمرّ بسلام...أما اليوم... فقد نجح، كعادته، في تلويث مزاجها بنظرة واحدة..
1

وشومها غير ظاهرة الآن، ولا بيرة في يدها، ولا ضحكة مستفزة في طريقها إلى الأمام...ومع ذلك... ها هو ينظر إليها وكأنها خطأ بصري..
4

لأول مرة فقط، أرادت يومًا بلا أحكام...بعض الوقت الهادئ مع إيغور، بعيدًا عن نظرات أبٍ أعزب يختصرها في ماضيه عنها..

ثم..توقفت الفكرة فجأة...وتبًّا له..

لن تفسد صباحها من أجله..
3

ليس بعد فطورٍ مثالي خططت له، ولا بعد تزلجٍ مبكر جعل الدم يتدفق في عروقها بنشوة، ولا بعد وجوه ودودة قابلتها اليوم، وجوه بلا تجهم... بعكس وجهه الوسيم المتصلّب دائمًا..

لكن-تلك الابتسامة..

ابتسامة الصغير وهو يحدّق بها، واسعة، صافية، بلا أسنان..بينما هي حقدها الموجّه نحو والده تلاشى لحظة، واستبدلته رغبة مفاجئة في ضمّ هذا الكائن الصغير..

سمعت شهقة صغيرة..

رفعت رأسها لتجد الصغير يركل بقدميه الصغيرتين و يضحك، قطرات ماء دقيقة تناثرت على وجهه..
1

أوه...كانت بعض حبيبات الثلج قد طارت نحوه...و ظنّها لعبة.. يا له من لطيف!!!!..
1

قهقه أكثر، صوته يملأ المصعد بفرح عدوى، وكأن عينيه تقولان: مرة أخرى..

ضحكت دون أن تشعر، واستمرت في النفض، حبيبات الثلج تتطاير حولهما، والمصعد يتحوّل إلى مساحة صغيرة من الضحك الخالص.. لم ترفع رأسها نحوه.. لم ترد أن ترى نظرته، لم ترد أن يسرق منها هذه اللحظة..

لكن أرتيوم...كان متهجمًا بالفعل..

لم يعرف سبب انقباض صدره...هل ضحكتها التي جعلت ابنه يضحك بلا توقف؟

أم تلك النظرة التي نسي فيها العالم وركّز على ملامحها؟

أم الأمر الأسوأ...
أنه يرى ابنه يعيش لحظة كان يظنها مستحيلة، مع امرأة غريبة، بهذا الانغماس، بهذا الأمان، وكأنها جزء طبيعي من المشهد؟

شدّ قبضته حول الطفل قليلًا، وكأنما يستعيده إلى واقعه، بينما المصعد يواصل صعوده ببطء...

ومع كل طابق، كانت المسافة بين الانزعاج والفضول تضيق أكثر مما ينبغي..

قبل أن ينبس أرتيوم بكلمة واحدة كفيلة بتخريب تلك الفقاعة القصيرة، انفتح باب المصعد فجأة، وظهر وجه إيغور في الخارج، بعكازيه وابتسامته المرهقة، فتبعثر انتباه الجميع في لحظة واحدة..

لم تُفوّت سفيتلانا الفرصة..

بينما كان أرتيوم منشغلًا بلفتة غير واعية نحو صديقه، انحنت بسرعة وخطفت قبلة خفيفة من خدّ الصغير، قبلة دافئة وسريعة كسرقة ناجحة، ثم خرجت من المصعد بخطوة خفيفة نحو ابن عمّها..
4

أمسكته من ذراعه، قربت نفسها منه دون تكلّف، وقالت بصوتها المعتاد، الدافئ:

" كيف كانت الحصة اليوم؟ "

" بخير، كل شيء بخير..."

أجابها بابتسامة صادقة..

" جيد.. "

قالتها وهي تتكئ على كتفه بحميمية عفوية، كتلك التي لا تُصطنع..

في الخلف، كان أرتيوم يحدق بهما بصمتٍ خالٍ من أي تعبير. . وجه جامد، عينان تراقبان أكثر مما ينبغي..

" تعافَ بسرعة، خطّ الدفاع يحتاجك.. "

قالها ببرود وهو يتجاوزهما بخطوة طويلة..

توقف إيغور، عقد حاجبيه باستغراب وهو يلتفت خلفه...ما الذي أصابه الآن؟

" أوه... انتظر.. "


ناداه..

توقف أرتيوم واستدار نحوهما ببطء...تنحنح إيغور ثم قال:

"البارحة كان عندي موعد مع طبيب الفريق وطبيب العظام في المستشفى... وبالصدفة لاحظت شقيقك أورلوف هناك.. وسمعت أن زوجته، المحامية جليندون، كانت ترقد في المستشفى.. "
2

" اللعنة! "
2

انفلتت من فم أرتيوم بصوتٍ مرتفع، خشن، غير محسوب..

رفعت سفيتلانا حاجبها بخفة، التقطت اهتزاز صوته، والشرخ الذي عبر ملامحه للحظة قبل أن يعيد ارتداء قناعه..

استدار دون كلمة أخرى، خطواته سريعة، حادة، كمن يفرّ من فكرة أكثر مما يفرّ من أشخاص.. لكن الصغير لم يسمح له..

صرخة حادة، احتجاجية، تبعتها حركة تخبّط صغيرة بين ذراعيه، يدان صغيرتان ترتفعان في الهواء باتجاهٍ واحد فقط..

توقف أرتيوم...استدار، يتتبع نظرة ابنه... لتلتقي بعيني سفيتلانا..

نظرة رقيقة، مفتوحة، بلا خوف ولا تحفظ..

لعن تحت أنفاسه، حاول أن يتجاهل بكاءه ويتقدم خطوة أخرى، لكن مع كل خطوة كان الصراخ يعلو، حادًا، مكشوفًا، يجذب أنظار المارة في الرواق..

تنفست سفيتلانا بعمق، ثم تقدمت..مدّت يديها نحوه بهدوء..

في تلك اللحظة رأى أرتيوم بوضوح كيف كان ابنه يتلوّى للوصول إليها، جسده الصغير يطالب بحضنٍ بعناد لا يُجادل..
3

" لن آكله... أوه لن أستطيع أن أعدك بهذا الشأن، من شدة لطافته "
2

قالتها بابتسامة مستفزّة، ناعمة، موجّهة إليه مباشرة..
1

حدّق بها لثانية طويلة، ثم ألقى نظرة حادة على إيغور، الذي اكتفى بهزّة كتف خفيفة، قبل أن يلوّح بهاتفه قائلًا إنه بحاجة لإجراء مكالمة عاجلة..

ضغط أرتيوم قبلة سريعة على رأس ابنه، سلّمه لها، ثم نظر إليها بنبرة جافة:

" اعتني به... ولا تشربي الكحول بقربه.. "

كانت سفيتلانا قد جهّزت سلسلة كاملة من الردود البذيئة، لكنّه لم يمنحها الفرصة...استدار وابتعد بسرعة عبر الرواق، خطواته تختفي قبل أن تلحق به كلماتها..
2

وبقيت هي...والطفل بين ذراعيها، يهدأ شيئًا فشيئًا، وكأن العالم عاد فجأة إلى مكانه الصحيح..

. . . .

ب

عد أن طردت أخيرًا زوجها المعذَّب مركز الأعصاب هذا الصباح، كانت لا تزال تشعر بحرارة الغضب تتأجج في صدرها، كأنها لم تهدأ منذ لحظة استيقاظها...
3

فكرة أن تفتح عينيها وتجد منزلها، ملاذها الوحيد، يعجّ بالبشر... أيّ بشر، كانت كافية لتشعل فيها ثورة صامتة..
2

لم يكن الغضب وحده، بل ذلك الإحساس الخانق بأنها تُحاصر من جديد، أن المساحة التي بنتها بجهد تُنتزع منها دون استئذان..

كان يلعب لعبته القذرة، وتدرك ذلك الآن بوضوح لم تعرفه من قبل...لم يكن تهوّرًا، بل تخطيطًا بارعًا، خبيثًا، يعرف تمامًا أين يضغط..
4

بعد أن بدّلت ملابسها، اختارت بنطال جينز بقصة مستقيمة، لا يلتصق ولا يتراخى، كعبًا قصيرًا ثابتًا يلامس الأرض بثقة تناسب أرضية مكسوة بالجليد، وقميصًا صوفيًا بلون نبيذي يعانق عنقها برقبة عالية، كأنها تبني حاجزًا إضافيًا حول نفسها..

فوقه جاكيت جلدي داكن، زادها حدة وصلابة...تركت شعرها الأشقر ينسدل خلف ظهرها دون تكلّف، وأضافت لمسة مكياج خفيفة تخفي إرهاقها ولا تمحو أثر السهر والتوتر، ثم أمسكت حقيبتها بخفة حاسمة..
1

كانت تستعد للمغادرة... للهرب إن صحّ التعبير، حين دوّى جرس الباب..
1

صوتٌ لم تسمعه منذ زمن، رنينه ارتطم بجدران البيت كأنه إعلان حرب... توقفت في مكانها، حاجباها ينخفضان بتوجّس، قلبها ينبض بنغمة غير مريحة..

تقدّمت بخطوات حذرة، فتحت الباب...

وتجمّد الزمن..

لم يكن شخصًا..

كانوا أشخاصًا... عائلة كاملة..
9

وقف والدا أورلوف في المقدمة، ملامحهما غير رسمية قليلا ، نظرات تحمل دفئًا..

إلى جانبهما، لودميلا تمسك بيد إبنها أليوشا..ناديجدا وقفت إلى جانبهم تحمل باقة ورود ضخمة، مبالغ فيها، كأنها تحاول شراء الغفران مسبقًا..
7

خلفهم ديمتري، يراقب بصمت متحفّظ...ثم أرتيوم... يحمل صغيره فلاد، يقف بثبات يشي بأن وجوده مقصود، محسوب..وبقربه امرأة لم ترها من قبل، ملامحها مرتّبة، عيناها تدرسان المكان لا الأشخاص..
2

وخلف الجميع، يصعد الدرج أرتشر، زوج لودميلا، متأخرًا كعادته، أنفاسه متسارعة..

توقفت جليندون عند العتبة، لم تتقدم ولا تتراجع...الهواء أصبح أثقل، وكأن البيت نفسه يتنفس بتوتر..

لم يزوروا منزلها منذ زواجها منه...ولا مرة، ليس بدافع الانشغال، بل اختيارًا.. و كانت قد علمت هذا من تصرفاتهم..

والآن... يقفون جميعًا هنا؟
2

رفعت ذقنها ببطء، وعيناها الزرقاوان تلمعان بتفاجئ...

تقدّمت بيري، حماتها، نحوها بخطوات دافئة، واحتوتها بعناقٍ قصير لكنه صادق، ثم قبّلت خدها قائلة بنبرة لطيفة مشوبة بالقلق:
5

"كيف حالك يا عزيزتي... جليندون؟ سمعنا أنكِ مريضة... لماذا لم تخبريني؟"

شدّت جليندون كتفيها بالكاد، واستجمعت ما تبقّى من اتزانها، وردّت الابتسامة بأخرى مترددة...

كان ثِقل الأجساد التي ملأت منزلها فجأة يضغط على صدرها، إحساس غريب بأن بيتها لم يعد لها وحدها...

تراجعت خطوة ودعتهم للدخول، فتقدّم الجميع بعد عبارات ترحيب مقتضبة، تحيّات تتداخل مع نظرات فاحصة..

كانت بيري دائمًا لطيفة معها... ربما أكثر من اللازم.. لطيفة إلى حدّ يُشبه الشفقة أحيانًا..في كل مناسبة، كانت تجعلها محور اهتمامها، تمنحها إحساسًا بالاحتواء افتقدته طويلًا..
2

إحساسًا جعلها تشعر بأنها مرئية، مرغوبة، وكأن هناك من ينتبه لوجودها فعلًا..

لكن ذلك لم يمنعها من التراجع..قبل ما يقارب العامين، بدأت ترفض الدعوات، تتحجّج بالانشغال... الحقيقة أنها كانت تشعر بوحدةٍ أعمق كلما حضرت..

كانت تذهب وحدها، تعود وحدها، تجلس وسط عائلة زوجها بينما هو غائب، دائم الغياب.. ومع الوقت، اختارت الانسحاب..
2

رغم ذلك، لم ينقطع التواصل تمامًا.. بقيت علاقتها أكثر قربًا مع لودميلا، ومع بيري التي كانت تتصل بها مرات قليلة في كل شهر..

كانت تعتز بتلك المكالمات على ندرتها، لأنها حين تقارنها بعدد اتصالات والدتها، أو حتى والدها وشقيقتها إيكاترينا، تدرك أن حماتها كانت الأكثر حضورًا..
1

عائلتها؟..كانت الرسائل الإلكترونية كافية لديهم... عند الضرورة فقط..

بعد أن استقر الجميع في غرفة المعيشة، قالت جليندون بنبرة رسمية محاولة استعادة دور المضيفة:

"سأُحضِر شايًا سريعًا.."

"سأرافقك.."

قالتها لودميلا وهي تنهض فورًا، وتبعها أليوشا بحماس، يقفز فرحًا نحو جليندون.. انحنت الأخيرة لترفعه، لكن صوت بيري أوقفها بحنان ممزوج بالحزم:

"لا تحمليه، إنه ثقيل عليكِ... إنك مريضة.."

عبس أليوشا بخيبة، فضحكت جليندون بخفة، شبكت يدها بيده وجرّته معها، تحت قهقهات بيري وديمتري... وبينما كانت تسير، تمنّت لو أن لودميلا بقيت جالسة... فقط لتتمكّن هي من الاتصال بزوجها الوغد دون أعين تراقبها..
1

دخلت المطبخ ولودميلا خلفها.. ما إن أغلقت الباب حتى استدارت لودميلا نحوها، اقتربت قليلًا، وعيناها تضيقان بقلق صريح:

"هل أنتِ بخير فعلًا، جليندون؟ هل فعل أورلوف لكِ شيئًا؟ هل كان الإغماء بسببه؟ يمكنكِ أن تخبريني..."
6

تجمّدت جليندون للحظة... تعابير وجهها أصبحت لغزًا عصيًّا على القراءة.. قالت أخيرًا بصوت متعب لكنه ثابت:

"أنا بخير... لا تقلقي. لا يوجد شيء من هذا القبيل."

كيف يمكنها أن تصدّق هذا القلق؟..
1

كيف يمكنها أن تستوعب أن هناك من يخاف عليها، بينما رأت بأمّ عينيها والدتها تتجاوز سريرها في المستشفى دون أن يرفّ لها جفن؟ كيف عوملت كرقم، كحالة، لا كابنة..
2

كيف يمكنها أن تثق بحنانٍ يأتي من عائلة زوجٍ غائب، حين لم تجده يومًا من دمها؟..

التقطت لودميلا هذا الثقل، فابتسمت بحزن، محاوِلة تغيير الجو:

"دلّيني على مكان البقالة، سأحضّر الشاي. . ارتاحي أنتِ.."

أومأت جليندون بامتنان، وأرشدتها لكل شيء، ثم انسحبت بسرعة نحو الممر الجانبي..أخرجت هاتفها بعجلة، ولم تنتظر أكثر من رنة واحدة..

"عُد إلى المنزل الآن... عائلتك بأكملها هنا.."
1

سمعت خشخشة خافتة، ثم صوته الخشن:
1

"ماذا؟"

"قلت لك، والداك وأخواتك هنا. تعال الآن... وبسرعة.."

جاءها صوته التالي محمّلًا بالغرور، بابتسامة وقحة شعرت بها دون أن تراها:

"ترجّيني.."
6

"ماذا؟"

صرخت فعلًا، صوتها ارتفع رغم محاولتها كتمه... أسرعت خطواتها، وما إن دخلت غرفة جانبية حتى قالت بغضب مكبوت:

"أقسم يا أورلوف... إن لم تعد خلال عشر دقائق، سأطردهم جميعًا.. كما طردتُكَ أنت قبل خمس دقائق.."
4

أغلقت الخط بعنف..صدرها يعلو ويهبط، الغضب يهزّها من الداخل..نعم، زوجها وغد... وغد حقيقي... ولولا طوله الذي يتجاوز المئة وثلاثة وتسعين، وبنيته الحديدية التي تقارب المئة كيلو من العضلات، لكانت فكرت جديًا في التخلّص منه... لكن حتى الجريمة تحتاج خطة... وهي ليست في مزاج للتفكير..
1

تنفّست بعمق واتجهت إلى المطبخ. . وجدت لودميلا تصبّ الشاي في الفناجين..وقفت للحظة، لا تعرف ماذا تُضيف.. لم يزرها أحد منذ زمن... لم تعتد الضيافة..
1

ولن تحسب زيارة موظفيها هذا الصباح، فهؤلاء لم يكونوا ضيوفها أصلًا... بل ضيوف زوجها الكلب..
10

"هل قلتِ شيئًا؟"

سألتها لودميلا..

أدركت جليندون متأخرة أنها نطقت الكلمة بصوت مسموع... هزّت رأسها بسرعة:

"أمم... لا، ليس حقًا.. فقط... ماذا يمكننا أن نضيف بجانب الشاي؟"

فكّرت لودميلا قليلًا:

"ربما بعض المكسرات.."

أومأت جليندون بحرج.. نعم... المكسرات... فكرة لم تخطر ببالها أصلًا..
2

رتّبت أنواعًا مختلفة في صحون أنيقة، ثم حملتا الشاي معًا وعادتا إلى غرفة المعيشة، بينما كانت في داخلها تشعر أن هذا الصباح لم يصل بعد إلى ذروته... وأن الأسوأ لم يأتِ بعد.. كانت تشعر في داخلها أن الأسوأ قريب.. و حقا وهي لا تريد الإعتراف لكن شعورها دائما لا يخيبها و تتمنى أي يخيبها هذه المرة و يحل عليه شيء جميل.. كالطلاق من زوجها.. أورلوف...
3

بعد سبع دقائق كاملة من مكالمتها معه، كان جرس الباب يرن أخيرًا...

رنّته جاءت حادة، متسللة إلى صدرها كنبضة متأخرة، فرفعت رأسها ببطء وكأنها كانت تنتظرها منذ دهر، ثم همّت بالنهوض... لكن صوتًا سبقها..

"سأفتح الباب.. "

قالها أرتيوم بنبرة هادئة، ثابتة، خالية من أي تردد..
1

تابعته بنظرة قصيرة، ولاحظت - للمرة التي لا تحصى - كم كان مختلفًا عنه...

أقل قسوة، أقل صمتًا، أقل حِدة.. شيء ما في ملامحه يشبه النسخة التي كانت تتمنى أن يكون عليها زوجها، فشعرت بوخزة خفيفة في صدرها، تلتها تنهيدة صامتة شكرت فيها الرب أنه لا يحمل صفاته القاسية..
4

انحنى أرتيوم والتقط طفله، وضعه بحذر في حجر المرأة التي لم تعرف بعد من تكون، ولم يسأل أحد، فالجميع كان مشدود الأعصاب، مترقبًا، كأن الهواء نفسه متوتر في أرجاء المنزل..
1

مرّت ثوانٍ بدت أطول من حقيقتها... كانت تسمع صوت الباب يُفتح ثم يُغلق، لكن لا أحد دخل بعد... انتظروا.. طال الانتظار.. وانقبض صدرها أكثر، حتى شعرت بأن جدران بيتها تضيق عليها..

ثم...

دخل..
5

وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها عليه، لعنت نفسها، ولعنت كل سلالتها...ولعنت فكرة أنها لم تفكر ولو للحظة أن صورته ستكون هكذا..

جرح جديد يشق جانب وجهه، طريّ، أحمر، فاضح...وتحت حاجبه ذلك الجرح القديم الذي لم يلتئم بعد، كأن الزمن يصر على أن يترك بصمته عليه وحده..
8

شهقة خرجت من صدر والدته قبل أن يتمكن أحد من إيقافها..
2

" يا إلهي..."

اندفعت نحوه بخطوات سريعة، وذراعاها الصغيرتان تطوقانه، وانفجرت باكية عند صدره، شهقاتها تتكسر، وجسدها يهتز بين ذراعيه...

رفع ذراعه الأخرى واحتواها، طبع قبلة هادئة على رأسها، وراح يربّت عليها بحركة مألوفة، تلقائية... كأن هذا العناق محفوظ في ذاكرته العضلية..

راقبت جليندون المشهد بصمتٍ ثقيل، وهي تفكر بمرارة:

يراهن أنه لا يتصل بها سوى مرة في السنة... ومع ذلك تبكي كأنها فقدته..
1

اقترب والده، أثاريوس، بخطوات ثابتة، أمسك بزوجته وسحبها برفق من بين ذراعي ابنه، محتضنًا إياها هو هذه المرة، بينما كانت نظرته الموجهة لابنه حادة، قاسية، كأنها سيوف غير مرئية..
2

مدّ يده..

تبادل أورلوف النظرة نفسها، نظرة صدام صامت، ثم صافحه على مضض..

سحب أثاريوس زوجته إلى جانبه، وراح يمسح على خدها محاولًا تهدئتها، بينما كانت جليندون تراقب المشهد من بعيد، تشعر بشيء يضغط على حلقها... شيء يشبه الغصة، يشبه الإقصاء..

لم يلتفت إليها أحد..

تقدّم الجميع واحدًا تلو الآخر، عناق، كلمات مطمئنة، لمسات حنان... بينما جلست هي بهدوء، رفعت فنجان الشاي، وارتشفت منه محاولة أن تبتلع تلك الكتلة المؤلمة في صدرها..
1

ثم تحرك..

اتجه نحوها..

رفعت عينيها ببطء، من تحت أهدابها، تراقبه وهو يقترب، وقلبها يطرق صدرها بعنف.. تمنت للحظة أن يتجاوزها، أن يجلس في أي مكان آخر... لكنه لم يفعل..

جلس بجانبها.. قريبًا جدًا..
2

قريبًا لدرجة أن أنفاسه لامست بشرتها..
1

اختنق نفسها، وانسحب جسدها قليلًا إلى الطرف، لكن قبل أن تبتعد أكثر، شعرت بيده تستقر على خصرها من الجهة الأخرى، ثم ذراعه تلتف حولها، يجذبها نحوه بثبات، وكأنه يعلن امتلاكه لها أمام الجميع..
3

كادت تبصق الشاي من فمها..
4

تصلبت عضلاتها، وتيبست أناملها وهي تضع الفنجان ببطء فوق الطاولة، خشية أن يرتجف ويسقط..لم تجرؤ على النظر إليه، لكنها شعرت بحرارة جسده، بثقله، بثباته المزعج..

ثم رأت بعينيها وهو يشير لوالدته لتقترب..

نهضت المرأة فورًا، بعينين دامعتين، وجلسَت إلى جانبه، ليطوقها بذراعه الأخرى، ثم مال وقبّل جبهتها بحنان صادق..

شيء في صدر جليندون انكسر..

كانت تشاهده يوزع حنانه، حضوره، دفئه... بينما هي عالقة بين ذراعه، لا هي زوجة يُحتفى بها، ولا غريبة يمكنها الانسحاب..
3

انحنى قليلًا، تمتم لوالدته بكلمات لم تسمعها، ثم استدار فجأة وطبع قبلة خفيفة على شعر جليندون..
14

اتسعت عيناها..

تشنج جسدها..

وشعرت بدمها يغلي..

لا... هذا كثير..

كثير جدًا..

هذا ليس تمثيلًا... هذا استفزاز متعمّد..
5

شدّت فكها، وارتسم في عينيها بريق خطر...

إن لم يبعد يده حالًا...فهي فعلًا ستلتقط إبريق الشاي وتسكبه فوق رأسه دون أي ندم...
1

ساد صمت قصير بعد تلك الحركة، صمتٌ مشحون كخيط مشدود بين قلوب متوترة..

كان صوت أنفاسهم جميعًا مسموعًا تقريبًا، قبل أن يقطعه صوت والدته، ناعمًا لكنه يحمل نبرة امرأة اعتادت أن تُسمَع:

" أربع سنوات... أربع سنوات كاملة يا أورلوف.. "

لم ترفع صوتها، لكنها قالتها وكأنها تحاكمه أمام الجميع...

رفع رأسه قليلًا، وعيناه الداكنتان استقرتا عليها بثبات رجل يعرف أن التبرير لن يُنقذه، ومع ذلك لم يُظهر أي اعتذار واضح، فقط قال بصوت خفيض:

"كنتُ في الخدمة، أمي.. "

ضحكت ضحكة قصيرة، بلا فرح..

" الجميع في الخدمة... لكن ليس الجميع يختفي هكذا.. "

تبادل ديميتري نظرة سريعة مع ناديجدا، التي كانت تجلس باستقامة عسكرية رغم كونها في إجازة، شعرها مشدود للخلف، كتفاها مشدودان كما لو أنها لا تزال على متن إحدى السفن الحربية.. قالت بهدوء رسمي:

" الترقية التي تنتظره الشهر القادم يا أمي ليست أمرًا بسيطًا، ... منصب جنرال ميداني لا يُمنح إلا لمن ابتلع عمره في الخدمة.. "
5

رفعت جليندون عينيها عند هذه الجملة، نظرت إليه دون وعي، كأنها تسمع الأمر للمرة الأولى..

جنرال...الكلمة اصطدمت بصدرها بقوة..

لم تكن تعرف...لم يخبرها.. ضحكت في نفسها و ضربتها لحظة إدراك.. و كأنه يخبرها بكل شيء...

رأت زاوية فكه تشدّ، ورأت في صمته اعترافًا غير مباشر.. لا يزال ذراعه يحاصر خصرها، ثابتًا، كأنه يعلن ملكيته دون إذن..

أثاريوس، والده، جلس أكثر استقامة، صوته حين خرج كان صوت رجل اعتاد أن تُطاع أوامره:

"مجلس الأمن صادق على القرار.. ترقيتك مسألة وقت، لا أكثر.. أنت تعلم ما يعنيه ذلك للعائلة... وللمؤسسة.. "

ثم أضاف بنبرة أخف لكنها لا تقل حزمًا:

" لقد حملتَ اسمنا بما فيه الكفاية من الأعباء، و إجازة ما قبل الترقية قريبة و لتجعلها تعوض شيء فاتك و لو القليل.. "

رفعت جليندون فنجانها مرة أخرى، لكن يدها كانت ترتجف قليلًا..

تساءلت في داخلها:

وهل حمل أحد اسمي؟

هل سأل أحد إن كنت أحتمل هذا الوزن كله وحدي؟

تحركت لودميلا في مكانها، بابتسامتها الدافئة التي كانت دائمًا محاولة لردم الفجوات، وقالت بلطف:

" جليندون... لا بد أن الأمر كان صعبًا عليكِ أيضًا. أربع سنوات ليست قليلة.. "
2

رفعت جليندون نظرها إليها، ابتسامة خفيفة مرت على شفتيها، لكنها لم تصل إلى عينيها..

"العمل يُعلّم الإنسان الصبر... أو يستهلكه، لا فرق كبير.. "

راقبها أورلوف من طرف عينه..

كانت ملامحها مختلفة، أنحف، أكثر صلابة، وكأن شيئًا فيها قد تصلّب بدل أن يلين..

لاحظ الهالات الخفيفة تحت عينيها رغم أنها أخفتهم في وقت سابق، الطريقة التي تشد فيها كتفيها كلما طالت الجلسة، وكأنها مستعدة للهروب في أي لحظة..

أرتشر، زوج لودميلا، تدخل وهو يعتدل في جلسته، صوته هادئ لكنه يحمل ثقة رجل يعمل في الظل:

" العمل الأمني لا يترك خيارات كثيرة... نحن نعرف ذلك جميعًا.. "

هزّ أورلوف رأسه ببطء، ثم قال بنبرة محايدة:

"أعرف... لكنني لم أكن الوحيد الذي اختفى أو يريد أن يختفي.. "

التفتت جليندون نحوه ببطء، عيناها تضيقان تحذيرًا..

أكمل، وكأنه يتعمد جرّها إلى الساحة:

"بعض الغيابات تكون اختيارًا.. "

ساد صمت ثقيل..

كانت عيناه مثبتتين عليها، لا عدائية فيهما، بل شيء أخطر... شيء يشبه العتاب المكبوت..
2

ارتفعت حرارة الغرفة فجأة، أو هكذا شعرت..

شدّت جليندون قبضتها تحت في حجرها، ثم رفعت رأسها، صوتها خرج هادئًا حد القسوة:

" وبعض الاختيارات تُفرض عندما يُترك الإنسان وحده طويلًا.. "
8

كانت تقصد الطلاق..
2

ساد صمت أثقل..

نظرات تبادلت...تشنج خفيف في فكّه..ابتسامة والدته تلاشت ببطء..

وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع - دون أن يُقال شيء - أن ما بينهم لم يكن غيابًا فقط... بل حربًا صامتة، لم تنتهِ بعد...

وأن هذه الجلسة...ليست سوى بدايتها..

تحرّك أرتيوم بخطوة محسوبة، وكأنه شعر بثقل النظرات المتشابكة التي بدأت تُصبح أكثر حدة مما ينبغي، فغيّر مجرى الحديث بمهارة سلسلة اكتسبها من سنوات الخدمة، نبرته بدت أخف:
5

" بالمناسبة... المباراة القادمة ستكون في سان بطرسبورغ، المدرب متحمس هذه المرة، يقول إننا سنفاجئ الجميع.. "

تحولت الأنظار إليه تلقائيًا، وكأن الجميع كان يبحث عن طوق نجاة يخرجهم من ذلك التوتر الخفي..

ابتسمت ناديجدا بخفة، وعلّق ديميتري بشيء من الحماس المعتاد، بينما انفرجت ملامح بيري قليلًا، وكأنها امتنت له داخليًا لأنه أعاد التوازن إلى الغرفة..

في تلك اللحظة التفت أرتيوم إلى المرأة التي تجلس إلى جانبه، وقال بنبرة عملية ولكنها غير خالية من شيء دافئ:

" بالمناسبة... هذه سفيتلانا.. "
3

رفعت سفيتلانا رأسها قليلًا، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها، وفي عينيها لمعان صريح لا يعرف الالتفاف..

نظرت إلى جليندون نظرة فاحصة، فضولية، بلا عداء ولا تودد مصطنع، فقط اهتمام مباشر..

"تشرفت بمعرفتك، قالتها بنبرة صافية.. "

جليندون بادلتها الابتسامة، لكنها كانت واعية لكل تفصيلة؛ لطريقة وقوفها القريبة من أرتيوم، لراحة الطفل بين ذراعيها، ولتلك السعادة غير المتكلفة التي تحيط بها... سعادة أثارت شيئًا لاذعًا في صدرها دون أن تفهم سببه.. ربما أنها تحمل طفل لطيف في حضنها..

أما أرتيوم، فكان يراقب المشهد من طرف عينه.. لم تفته تلك اللمعة العابرة في عيني والدته حين رأت سفيتلانا، ولا ارتياحها المفاجئ، ولا تلك النظرة التي حملت شيئًا من القبول السريع... وربما أكثر من ذلك...

تضايق.. لم يُظهره، لكنه شعر به كشوكة صغيرة تستقر في صدره..
3

كان واضحًا أن سفيتلانا قد فازت بنقطة غير معلنة حين وافقت على المجيء معه، رغم تأخره، ورغم اعتراضها الأولي...

وفلاد... فلاد كان السبب الأكبر..لم يشأ أن يتركها، تشبث بثيابها كأنها جزء من أمانه، ولم يكن لأرتيوم قلب ليجبره على غير ذلك، فوجد نفسه يطلب منها المجيء، وهو يدرك جيدًا أن هذا القرار سيضعها في قلب مشهد معقد..
2

تسللت نظراته أحيانًا إلى والدته، ولاحظ كيف كانت تراقب سفيتلانا بنوع من الرضا، كيف انفرجت ملامحها بعد بكائها، وكيف بدا حضور الجميع حولها كبلسم قديم أعاد إليها شيئًا من الطمأنينة..

وحين كانت تقع عيناها على جليندون وأورلوف معًا، كانت نظرتها تطول... كأنها تبحث عن صدع، عن أثر غياب، عن دليل يطمئنها أن ما بينهما لم ينكسر تمامًا..

جليندون، من جهتها، كانت تشعر بكل ذلك... تشعر بتلك النظرات، بذلك التقييم الصامت، وبأنها موضوعة في مقارنة غير معلنة..كانت ترى قرب أورلوف منها الآن، وتشعر بثقل ذراعه حين يقترب، وتلاحظ في الوقت ذاته تلك المسافة الدقيقة التي تفصلها عنه رغم قرب الأجساد..

توزعت الأحاديث بعدها، تفرعت وتداخلت.. تحدثوا عن السفر، عن التدريب، عن العمل، عن شؤون صغيرة لا وزن لها لكنها ضرورية لتفادي الحديث الأثقل...

ضحكات متفرقة، تعليقات جانبية، وذكريات قديمة أعيدت بصيغة أخف..

وكانت بيري، وسط كل ذلك، تراقب أبناءها بعين دامعة وابتسامة ممتنة..هذا الاجتماع، رغم توتره، كان كافيًا ليعيد إليها شعور العائلة الذي افتقدته طويلًا.. كانت تنظر إليهم جميعًا وكأنها تحفظ ملامحهم في ذاكرتها من جديد..

أما قضية أورلوف... فبقيت معلقة في الهواء، لم يذكرها أحد..

لم يتجرأ أحد..

كان الجميع يعلم أن الخوض فيها الآن قد يشعل ما لا يُراد إشعاله، وأن القرار قد اتُّخذ بالفعل، بصمت، بأمر من أثاريوس نفسه..

وإن كان هناك من يعارض... فهو يفعل ذلك بصمت أيضًا..

أما جليندون، فكانت تعرف في أعماقها أن هذه الهدنة مؤقتة، وأن هذا الهدوء ليس إلا غطاءً رقيقًا لشيء أكبر، أقسى، لم يقل كلمته بعد..

قاطع رنين الهاتف انسجام الحديث الدافئ في صالة المعيشة، فاخترق الجوّ كنبضة نشاز أربكت الجميع..

أورلوف اعتدل في جلسته، أخرج هاتفه من جيبه ببطء مدروس، وحين وقعت عيناه على الاسم المدوّن على الشاشة، انعقد حاجباه فورًا..

مستشفى الصحة - موسكو..

نهض دون أن ينبس بكلمة، لكن قبل أن يبتعد ضغط بكفه على خصر جليندون في حركة لا واعية، جعلتها تجفل وتلتفت نحوه بنظرة حادة مشتعلة..
6

رفع حاجبه في رد صامت، كأنه يسأل: ما بكِ؟

لكن تلك النظرة لم تصمد طويلًا... إذ لمحت ارتجافة خفيفة تسللت إلى زاوية فمه، سرعان ما أخفاها حين استدار مبتعدًا بخطوات ثابتة نحو المطبخ..

أغلق خلفه نصف الباب، ورفع الهاتف إلى أذنه..
"مرحبًا سيد أورلوف كوزوسوف، تتحدث معك الطبيبة ناتالي بورتمان... طبيبة السيدة جليندون كوزوسوف.. "

رد بصوت خالٍ من أي دفء:

"أستمع.. "

ساد صمت قصير، ثم عاد الصوت النسائي بنبرة مهنية مترددة:

"كنت أحاول الوصول إلى رقم السيدة الموجود في ملفها الطبي منذ هذا الصباح، لكن يبدو أن هناك خللًا في الرقم... لذلك اتصلت بك بما أنك مدرج ضمن قائمة التواصل التي ملأتها البارحة.. "
2

أومأ لا إراديًا، وكأنها تراه.. نعم... كانت قد غيّرت رقمها منذ فترة، ولم تخبره..

قال ببرود مقتضب:

"تابعي.. "

تنحنحت الطبيبة، وكأنها تحاول تهيئة نفسها لما ستقوله:

"ظهرت نتائج تحاليل السيدة هذا الصباح... وأردت إبلاغها بالحضور إلى المستشفى، أو إن رغبت يمكنني إطلاعك عليها بما أنك زوجها.. "

شدّ أصابعه حول الهاتف، ومال بجسده على الرخام البارد:

"تحدثي.. "

ساد صمت قصير، ثم انطلق صوتها هذه المرة محمّلًا بشيء من الحذر:

"تحاليل الدم طبيعية، لكن تحليل البول أظهر ارتفاعًا ملحوظًا في معدل السكر... مستوى لا يمكن تجاهله..أكتشفت السيدة تعاني من داء السكري، وقد ارتفع بشكل غير طبيعي مؤخرًا.. "
17

توقف الزمن..

لم يعد يسمع سوى طنين حاد يخترق أذنيه، وكأن جدارًا زجاجيًا سقط داخله..

مرض السكري؟
1

جليندون؟

المثالية، المنضبطة، التي تحسب سعراتها كما تحسب أنفاسها؟..

تابعت الطبيبة، وكأنها تشعر بجموده:

"بصراحة، هذا ما أثار استغرابي... زوجتك نباتية، تتبع حمية صارمة، فكيف وصلت القيم إلى هذا الحد؟ هل تفرط في تناول الحلويات؟ هل تميل للسكريات؟ أحتاج إجابة دقيقة.. "
2

لم يخرج صوته..

لم يستطع..

اختفى كل شيء من حوله، حتى صوتها بدأ يتلاشى، إلى أن لم يبقَ سوى صدى بعيد ينادي اسمه... ثم انقطع الاتصال...

ظل واقفًا بلا حركة، الهاتف في يده، أنفاسه محبوسة في صدره، ثم فجأة..

هوى الهاتف على الأرض بقوة، تناثر زجاجه، وارتد الصوت في أرجاء المطبخ..

فتح الثلاجة بعنف..

أخرج صحن كعكة شوكولاتة... ورماه أرضًا..
4

ثم طبق كعكات بالكريمة... فتناثر..
ثم آخر... وآخر...

كأن كل قطعة كانت طعنة، وكل سقوط صرخة مكتومة..
1

كان يرى صورتها أمامه؛ تجلس بهدوء، تأكل الحلوى بلا تعبير، لا فرح، لا شغف... فقط فراغ..
1

يتذكر كيف كانت تفعل ذلك حين تحزن، حين تكبت، حين لا تريد أن تتكلم..
1

لم يسمع صوت التحطيم، ولا ضجيج الصحون المتكسرة..

لم يسمع شيئًا سوى صوت واحد داخله يكرر:
إنها مريضة.. أصيبت بداء السكري بسبب إفراطها في تناول الحلويات اللعينة..
3

وللمرة الأولى في حياته، تمنى لو أن المرض انتقل إليه، لو أن المرض نزل في جسده هو، لا جسدها...
5

سنوات وهو يراقبها من بعيد، يحاول حمايتها بابتعاده، يعتقد أن الغياب درع...
3

لكن الحقيقة صفعته بقسوة:

لقد بدأ يفقدها بينما كان يظن أنه ينقذها..
2

وها هو الآن، يحطم فوضى المطبخ، قلبه مكسور، وعقله يصرخ بعجز لم يعرفه يومًا...

لأن فكرة أن تمسها الحياة بأذى...

كانت أثقل عليه من أي حرب خاضها..
1

صرخةُ والدته شقّت المكان كالسوط، تبعتها شهقات متلاحقة متتالية، قبل أن يشعر بذراعٍ تُطبق على كتفه بقوة وتجرّه للخلف بعنف..

كانت ذراع أرتيوم، وقد انقضّ عليه قبل أن تتفاقم الفوضى أكثر، كأنما انتشله من هاوية كان على وشك السقوط فيها..

حينها فقط، وكأن الضباب انقشع دفعة واحدة، أدرك حجم ما فعله..

لم تكن الحلوى وحدها من تحطّمت...

المطبخ بأكمله كان خرابًا..
3

شظايا زجاج متناثرة، صحون مكسورة، أكواب مهشّمة، وبقع كريمية ولطخ شوكولاتة ملتصقة بالجدران والأرض، كأن إعصارًا مرّ من هنا وترك غضبه شاهدًا..

مطبخها... ذاك الذي صمّمته بعناية، واختارت ألوانه، واعتنت بكل تفصيلة فيه، صار حطامًا تحت قدميه..
رفع رأسه ببطء، وعيناه تبحثان في الوجوه المذهولة، حتى توقفتا عندها..
3

كانت واقفة بلا حراك..

لم تصرخ.. لم تتحرك.. كانت فقط... تنظر..

نظرة صامتة، ثقيلة، غارقة بالذهول، تمتد من الفوضى الملقاة عند قدميه إلى عينيه مباشرة..

حلوياتها التي سهرت لتحضيرها، التي رتّبتها بعناية، التي أرادت بها أن تصنع لحظة دفء وسط ذلك الجمع... صارت الآن بقايا مهانة على الأرض..
2

وحين رفعت عينيها نحوه، التقت نظراتهما..
تلك النظرة... لم تكن غاضبة.. لم تكن صارخة.. كانت أعمق من ذلك بكثير..

كانت مثقلة بخيبة صامتة، بتعب قديم، وبانكسارٍ اعتاد أن يعود إليها كل مرة.. عينان زرقاوان تلمعان بدموع لم تسقط، لكن ثقلهما كان أثقل من البكاء ذاته..
2

في تلك اللحظة، شعر وكأن شيئًا انهار داخله بلا صوت..

لم يستطع احتمال..

سحب نظره منها بسرعة، كمن أُصيب بسهم في صدره، وتجاهل الجميع.. تجاوز أرتيوم، مرّ من جوار والدته التي ما زالت تلهث، عبر الصالة بخطوات مضطربة، ثم خرج من المنزل كله، كأن الجدران تضيق عليه..

كان يريد أن يعود...

أن يحتضنها، أن يضمها إليه، أن يربت على ظهرها ويهدئ ارتجافها، أن يخبرها بكل شيء: عن التحاليل، عن خوفه، عن ارتباكه، عن أنه لم يقصد تحطيم شيء... وأن غضبه لم يكن إلا خوفًا فادحًا عليها..
2

لكنه لم يستطع..

لم يكن مستعدًا بعد ليعترف لنفسه قبل أن يعترف لها..
2

لم يستوعب بعد فكرة مرضها، ولا فكرة أنه كسر شيئًا أعمق من الأطباق... كسر ثقتها، وطمأنينتها، وربما شيئًا هشًا ظلّت تحمله له رغم كل شيء..

خرج إلى الهواء البارد، استقل سيارته بعصبية، وأدار المحرك بعنف، ثم انطلق في الطريق السريع بلا وجهة، والريح تصفع زجاج النوافذ، بينما صدره يشتعل بحرارة خانقة لا علاقة لها بالطقس..

كان يعرف، في قرارة نفسه، أن نظرتها تلك ستطارده طويلًا... لأنها لم تكن نظرة دهشة، بل نظرة من اعتادت الخذلان، وتوقّعت الخيبة...
3


. . . .

Flash back.

السابع السابع من أغسطس، سنة xxxx.

عزيزي غراهام...
2

أمل أن تصلك رسالتي هذه قريبًا..

أعلم أنني وعدتك ألا أكتب، وأعلم أن الصمت كان قرارًا مشتركًا، لكنني خذلته كما خذلت نفسي، وها أنا أعود إلى الورق كما أعود دائمًا حين يضيق صدري ولا أجد سواك ملاذًا ولو على هيئة حبرٍ لا يُجاب..
1

أتذكّر ذلك اليوم جيدًا...
اليوم الذي دخلتَ فيه المخبز، يوم ظننتُ أن العالم توقف لثوانٍ حين وقعت عيناي عليك. كنتَ تقف هناك بزيّك العسكري، مهيبًا أكثر مما ينبغي لرجل يدخل ليطلب قطعة خبز... ارتبك قلبي حينها، وخفت أن تسمع صوته قبل أن تسمع كلماتي. لم أصدق أنك جئت فقط من أجل طلبٍ لشقيقك... ولم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستقودنا إلى كل هذا..
1

منذ رحيلك للمهمة، وكلما فُتح باب المخبز ورنّ الجرس، يتقلّص قلبي أملًا أن تكون أنت. أعرف أن أسبوعًا واحدًا فقط مرّ منذ وداعنا، وأدرك أن غيابك ليس طويلًا بعد، لكن الانتظار يا غراهام... ثقيل.
ربما حين تعود، إن عدت، نستطيع أن نذهب إلى شاطئ بلوشينو كما وعدتني... أن نمشي هناك دون أن نعدّ الوقت أو نخشى الغد..
1

بإخلاص، جريس إلى غراهام كوزوسوف..
5

❀•°❀°•❀

ابتسمت جليندون ابتسامة باهتة وهي تراقب الحنين المرتسم على وجه عمتها بعد أن انتهت من قراءة الرسالة.. كانت تلك الابتسامة مزيجًا من دفءٍ موجع وحزنٍ ساكن، يشبه الغروب حين يلامس البحر..
1

اليوم كان من الأيام الجيدة، أو هكذا أقنعت نفسها..

جريس استطاعت أن تنهض من سريرها، أن تمشي ببطء حتى النافذة، وأن تجلس قرب البركة الصغيرة في فناء مستشفى غرينفيل.. و تعود لتندثر تحت ملائات البيض..حتى أنها طلبت منها صباحًا أن تحضر الرسائل... جميعها... أرادت أن تُقرأ لها واحدة تلو الأخرى، وكأنها تستعيد أجزاءً من ذاتها المبعثرة بين السطور..

راقبت جليندون شعر عمتها الأشقر المبعثر على الوسادة البيضاء، خصلات فقدت بريقها لكنها ما زالت جميلة على نحوٍ موجع. ملامحها الرقيقة لم تفقد نعومتها رغم الشحوب، وعيناها الزرقاوان الباهتتان كانتا تحملان أثر حياة كاملة أُنهكت مبكرًا..

لم تكن جريس تكبر جليندون إلا بثماني سنوات فقط، ومع ذلك بدت أحيانًا كأنها أكبر من العمر نفسه، مثقلة بخيبات لم تُخلق لتحملها امرأة واحدة..

لم تنادِها جليندون يومًا "عمّتي"..

كانت بالنسبة لها الصديقة الوحيدة داخل عائلة يغلب عليها الصمت والصرامة.. جري الفتاة الوحيدة بين أربعة شبّان، المدللة، الحسّاسة، والمتمردة على تقاليد لم تناسب روحها..

وكانت جريس... الوحيدة التي تفهم تمرّد جليندون، وتبتسم له بدل أن تقمعه..

"هل تشعرين بتحسّن الآن يا جريس؟!"

سألتها برفق، لكن الرد لم يأتِ..

كانت عينا جريس معلقتين بالنافذة، حيث تسبح البطّات بكسل فوق سطح الماء، وكأن العالم خارج تلك الجدران لا يعرف شيئًا عن الألم..

تقلّص قلب جليندون..

كرهت هذا المكان..

كرهت المستشفى، والجدران البيضاء، والرائحة المعقمة، وكرهت أكثر فكرة أن تكون جريس هنا أصلًا..

كرهت عائلتها... وبالأخص والدها، الذي كان أول من اقترح إدخال جريس إلى مصحة عقلية، وكأن الألم يُعالج بالعزل، وكأن الحزن جريمة تستوجب الإبعاد..
2

كيف يمكن لعائلة أن تتخلى عن أحد أفرادها بهذه السهولة؟..

جريس... تلك التي لم تتجاوز الحادية والثلاثين، تلك التي وقعت في حب عسكري... أو بالأحرى، رجل علّمها كيف تحب ثم تركها تتعلّم كيف تنكسر وحدها..
2

تعرفت عليه بعد تخرجها، حين افتتحت مخبزها الصغير في موسكو. أحبّته ببراءة، باندفاع، دون حساب للعواقب. ثلاث سنوات من علاقة معلّقة بالمسافات والانتظار، ثم زواج جاء كحلم متأخر...

لينتهي بعد أربع سنوات فقط..

لا أطفال..

وحين اكتشف الأطباء أنها لا تستطيع الإنجاب، انكسر شيء داخلها، لكنه لم يكن الكسر الأخير..
2

الضربة القاضية كانت حين عاد من مهمة طويلة، وترك لها أوراق الطلاق ورسالة باردة يخبرها فيها أنها السبب، وأنه لا يستطيع أن يعيش مع امرأة "ناقصة"، وأنه رجل عسكري يريد وريثًا... لا ذكرى..
8

ذلك اليوم قتل فيها ما تبقّى من ضوء..

منذ ذلك الحين، لم تعد جريس كما كانت..

الفتاة المشرقة، الضاحكة، صارت ظلًا لنفسها، وانتهى بها الأمر هنا، في مصحّ عقلي، لأن قلبها لم يحتمل أن يُكسر مرتين: مرة بالحب، ومرة بالخيانة..

و هكذا بدأت العدواة بين العائلتين.
2

وقفت جليندون قرب سريرها، تشعر بثقل العجز، وبغضبٍ صامت يتخم صدرها..

كانت تكره غراهام كوزوسوف...
4

تكره الاسم، والتاريخ، وكل ما يرتبط به..

وفي تلك اللحظة، أقسمت في داخلها، دون أن تنطق، أن لا تسمح أبدًا بأن تُكسر كما كُسرت جريس..
1

حتى لو كلّفها ذلك أن تكون قاسية... أو وحيدة..



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات