📁 آخر الروايات

رواية هوية منسية الفصل العاشر 10 بقلم بسملة محمد

رواية هوية منسية الفصل العاشر 10 بقلم بسملة محمد


|هوية منسية|
"الحلقة العاشرة_لعنة عمير!"

"_____"

_بصي يارنا أنا أقسم بربي ما يفرق معايا ولا مليم من مالك، ولا حتى أعرف جوز خالتك إللي بتتكلمي عليه، أنا معرفش غير أهلي وبس هتعامليهم المعاملة دي مش هعرفك...
، أنا طبعًا مستحيل أظلم زوجتي لأن ربنا والرسول موصيني عليكِ لكن أنا عيلتي غالية أوي على قلبي ورودينا أختي هي كل حياتي ومقدرش أزعلها.
2

دافعت عن نفسها بهدوء"هي دي طريقتي يا إياد، وأظن أنا مخدعتكش ولا قولتلك إني ملاك بجناحين! أنا بس بحبك وإنت طبيعي يبقا ليك بيت Alone بعيد عن أهلك، أنا متعودتش على جو الدلع والرفاهية في التعامل دا!"

_ودا مش دلع ولا رفاهية؛ أنا أمي وأبويا تعبوا على تربيتي أنا وأختي وحببونا في بعض عشان نبقا سند بعض، وأنا الوحيد إللي عارف أنا أختي بتمر بإيه.
وضح لها الصورة بتريث ونبرته هادئة للغاية، وهي اعترضت على الصمت وسخرت منه"هي عشان أطلقت لازم نقعد ندلع فيها يا إياد؟"

"أنا أختي مش بس أطلقت أنا أختي عاشت أسوء أيام حياتها قبل وبعد الطلاق يا رنا، أنا مش عايز أدخل في تفاصيل كتير بس أنا مش عايزك تيجي على أختي عشان هي طيبة وعشان مش هتلاقي منها غير معاملة بكل ود وحب حتى وإنتِ بتعامليها وحش لكن إللي مش هضمنه ليكِ هي أمي لأنها مش بتسكت لو حد من ولادها زعل فاتعاملي كويس."

شقيقته معقدة إذن! يا حرام! مسكينة الفتاة وتحتاج إلى الشفقة، تنهي فقط ما اتفقت عليه مع أصدقائها وستنفصل عنه بعدما تجعل شقيقته تلك عدوة له!
20

هي تغار من علاقات الأخوة مع بعضهم بل تُجن عندما ترى شقيق مع شقيقته؛ لماذا هي بمفردها؟ هي لا تمتلك عائلة رغم كُبر عائلة أبيها المتوفي ووالدتها الحية تُرزق لكن كل منهم بعالم، حتى والدتها تزوجت مرة ثانية بعد وفات أبيها ومن ثم انفصلت وصبت كامل إهتمامها في عملها والتنقل من بلد إلى آخرى! وتركتها هي مع خالتها وحيدة بدون شيء! وحتى تلك سما! اللعنة عليها لا تكره سواها!
7

"_______"

ثلاثة ليالي، ثلاثة ليالي والأمور تمر كما هي، ثلاثة ليالي ورودينا لم تذهب إلى عملها إلا في اليوم الرابع، وقفت تستمد من أحب مكان لديها طاقة، الزهور، والصور القديمة، والعبارات، والألوان الهادئة يعطوها قوة وسكينة في ذات الوقت، خرجت من محلها ودلفت المقهى المجاورة لها الذي بداخله مكتبة صغيرة مليئة بجميع الكتب، بحثت بعيونها عنه، وجدته جالس يقرأ من مصحفه، اقتربت منه تحدثه ببسمة هادئة_:
_يا أستاذ عامل إيه؟

رفع أنظاره يرى صاحبة الصوت، ووجدها صاحبة المحل المجاور له، هبط بأنظاره إلى الأرضية، وحدثها بهدوء"بخير، إنتِ شو أخبارك؟"

_الحمدلله، أنا كنت جاية أشكر حضرتك على الموقف إللي عملته معايا أنت وصحابك، ربنا يباركلكم يارب، والله من غير الموقف دا لا كان حصلي حاجات كتير أوي، أنت أنقذتني.
شكرته بامتنان حقيقي، لولاه لكانت في مصيبة لن تخرج منها، ابتسم لها وحدثها بنبرة جادة"هادا واچبي".

..
أخرجت من حقيبتها ورقتين من الأموال وهي تشكره مرة ثانية"دول بتوع التاكسي شكرًا."

_خليهم مَعِك يعني هدول مانم شي.
امتنع عن أخذهم وهو يهز رأسه برفض قاطع، وهي الأخرى رفضت ورددت بودٍ"شكرًا بجد بس ما ينفعش يا أستاذ...اسمك إيه؟"

أجابها فورًا بهدوء"منقذ".
سمعت الكلمة ولم تفهمها، هل يسخر منها الآن؟ أم يعبر عن ما فعله معها! وهي رددت برقة مستغربة"منقذ؟"
3

_إيه اسمي هو منقذ.
أكد بعدما سمع نبرتها، وهي ضحكت بعدم تصديق مع جملتها المرحة"وأنت بتعمل باسمك وبتروح تنقذ الناس دايمًا؟"

هز منكبيه بعدم معرفة وهو يردد ببسمة حنونة لينة"ما بعرف، بس إذا بيقع حد في شي وأنا بعرف ساعده أكيد بساعده".
6

وضعت أمامه الأموال وأخبرته بصدق"وأنا هفضل ممتنة طول العمر ليك، مقدرش أقبل فلوس من حد معرفوش معلش اعذرني".

حرك رأسه بتفهم، وابتسمت له ورحلت، لكنها عادت مرة آخرى وهي تطلب منه برقة"ممكن تعملي فنجان قهوة زي المرة إللي فاتت؟"

سمعت سؤاله السعيد"عچبتك القهوة ياللي طلبتيها من قبل؟"

أجابته بتأكيد"جدًا، كانت حلوة أوي، حاولت أقلدها في البيت بس معرفتش، أنا أول مرة أدوقها حلوة أوي كدا كإنها مش قهوة عادية وسادة كمان!".

ابتسم بثقة وهو يخبرها بغرورٍ مرح"وعمرك ما رح تعرفي تعمليها؛ هادا سر الصنعة، دقايق وبتكون عندك."
4

وعلى الجهة الآخرى داخل محلها هي وقف في المشتل بمفرده يستكشفه بشغف، نفس كل شيء كانت تتمنى أن تفعله فعلته! الزهور! والأقتباسات القديمة الملصقة على الحائط، وجميع المغنين القدماء، والحائط من اللون البني والأبيض المائل للإصفرار، كإنه رجع إلى جيل السبعينات! لفت نظره مكتب في بداية محل الزهور مدون فوقه بخط الرقعة "نظرَّ المحبَّ إلى المُحبَّ سلام.."، وفي نهاية المحل بجانب مكتبها مكتب مشابه للأول ومدون فوقه"تاهت بيننا الأقدار وصارت أيامنا ذكرى.."

تلقائي اتجه إلى المكتب الثاني، وجد عليه أظرف كثيرة، سحب ظرف عشوائي يخرج ورقة مطبوعة عليها منزل قديم كلاسيكي ومدون فوقها بطريقة منمقة"شو كانت حلوة الليالي!!"

ردد بخفوت غير مقصود ممتزج بالحنين"كانت حلوة أوي!"

وصدر صوتها من حيث لا يحتسب من خلفه، صوتها الحاد الذي كان رقيق دائمًا"كانت أيام الله لا يعودها، كنا قاعدين وواكلين وشاربين مع ناس لا بيحبونا ولا بيتمنوا لينا الخير، ناس أول ما حصل لينا مشكلة راحوا يطعنوا فينا وفي سمعتنا، كانت جِيرة **** الله لا يعودها تاني."

وقف متصنم لا يصدق أذنه؛ القطة الرقيقة تغيرت تمامًا!، استدار نصف استدارة لها، وهي تقدمت منه وفي لحظات كانت حركت يديها بعصبية مفرطة تدفعه، وأكملت ببغضٍ ولم تعبأ أو تهتم لصدمته المرسومة على وجهه_:
_كنتم جيرانا! كنا واكلين مش عيش وملح مع بعض لاء! كنا واكلين أحسن وأجمل أكل، كنا واحد بس! بس مامتك ظهرت على حقيقتها! طلع جواها سواد من جواها لينا! سواد بجد! وقفت قدام إللي المفروض متربية على إيدها تكدبها! وقفت تتكلم عليها مع جيران عمارتها؟ وشمتت فيها! ليه بالله؟ بالله عليك هي متعرفش إن سامر كداب؟ هي متعرفش إن سامر أكبر زبالة في الدنيا؟ أكيد تعرف بس وقفت تشمت وتتكلم على إللي ربتها عشان ابنها إللي هي زعلته! عشان ابنها إللي بردو راح كتب كتابه على زميلته بردو! وبعد ما هي وأهلها مشيوا وسابوا كل دا! قابلها ابن الجيران، ورجع يدوس عليها هو وأمه ننوس عين أمه!
4


في منتصف حديثها بدأت دموعها بالهطول، وفي النهاية ختمت جملتها بشهقة عالية باكية، وهو ابتلع لعابه بخوفٍ عليها، وأكملت ببكاءٍ عنيف"وعشان عايزينها تبعد تاني وتهرب كالعادة قالوا لكابوسها على مكانها عشان يجي ويتهجم عليها في أكل عيشها! ياريتني ما شوفتك تاني يا معاذ لا أنت ولا عيلتك، ياريتنا أنا وأهلي كنا في حالنا ومش بنختلط بحد عشان لا كنت حبيتك، ولا اتجوزت ابن عمك."

كان يريد قول حديث كثير للغاية لكن جملتها الأخيرة ألجمته..هل ابن عمه عاد؟ وعرف مكانها؟ اعتدل في وقفته وهو يحدثها بنبرة جادة خشنة"أنا معرفش سامر عرف مكانك منين، أنا عمري ما أقوله عليكِ، أنا أصلًا قاطع علاقتي بيه".

_ماهو لو مش أنت يبقا مامتك!
قالتها بحقدٍ واضح على ملامحها ونبرتها المشتعلة، وهو تحدث بصدق"أقسم بربي لا أنا ولا أمي لينا علاقة بسامر، أقسم بالله ما كلمناه من زمان أوي".

أغمضت عيونها تحاول منع دموعها، وتحدثت بحرقة"ربنا ينتقم منك ومنه يا معاذ".

ملَّ من تلبسها دور الضحية، هو الضحية وليست هي! هو مَن ظُلم منها ومن أنانيتها! هي الأنانية وليس هو! صاح عليها بنبرة عالية، ونظراته مشتعلة ودَّ بها أن يحرقها، وتمنى أن يفيقها حديثه المنفعل المغلول_:
_أنا! أنا؟؟ أنا معملتش حاجة! كفاية ظلم بقا! عايزة تعيشي دور الضحية؟ طب تعالي أفكرك بقا مين إللي ظلم نفسه بنفسه يا ملاك بجناحات، فاكرة لما اتقدمتلك وكنت هموت وأخطبك وإنتِ قولتي استنى لبعد الدراسة؟ وكنت كدا يعتبر متكلم عليكِ مع باباكِ وأخوكِ، وكنت بعد الأيام عشان تخلصي تعليم واتقدملك، بس فجاءة ظهر ابن عمي وانتي اتغيرتي أوي، وهو فرجني حاجات أنا مكنتش أتوقعها منك! وللأن مش مصدق إنك عملتيها؟ أنا ذنبي إيه إنك اتجوزتيه وطلع ***؟ ما أنا حذرتك؟ أنتِ هتعملي نفسك ملاك؟ ما إنتِ كنتِ بتكلميه طول الليل والنهار قبل ما يخطبك، وعرفت منه وقالي عليكِ **** الكلام، وقالي إنه بيتسلى بيكِ، وأنا مكنتش مصدق وروحت عشان أواجهك لاقيتك بتقوليلي آه بكلمه، آه بحبه، آه بينا شات، آه أنت ولا حاجة بالنسبالي! إيه يا بنتي؟ نسيتي كل دا؟ نسيتي إن أنتِ إللي كنتي بتكلميه وعشان كدا هو اتجوزك؟

_أنا عمري ما كلمته قبل الخطوبة! عمري في حياتي! أنا قولت كدا عشان هو قالي إنك بتحب زميلتك وأنا شوفتك بتكلمها وواقف معاها قدام جامعتك!
بررت بصراخ هي الأخرى، والثاني رفع حاجبه الأيمن باستنكار ساخر"ياسلام! فتقومي متهمة نفسك إنك كدا؟ أي مبدأ دا يا محترمة إللي يخليكِ ترمي على نفسك تهم كدا؟"
2

تساقطت دموعها تتسابق من جديد، وأجابته بتعبٍ وبحتها كانت خافتة وهي تجلس على المقعد بعدما شعرت إن قدميها لا يتحملاها"كنت عايزة أقهرك زي ما قهرتني لإنك كنت متكلم عليا ورايح تحب وتكلم دي! سامر هو إللي قالي وأنا صدقته! وبعدين أنت كمان بلاش تعيش دور الضحية ما إنت روحت كتبت كتابك عليها!"

"لاء لاء أنا روحت كتبت كتابي بعد ما إنتِ يا ماما اتخطبتي وقولت طالما هي كدا أشوف حياتي بقا، بس للأسف بعد ما إنتِ سافرتي معرفتش أظلم بنت الحلال إللي معايا وسيبتها تروح لحالها".
2

هزت رأسها كثيرًا وهي تردد بوهنٍ"مليش دعوة، أنا مليش دعوة، أنا خلاص واللهِ مبقتش قادرة".

جلس أمامه على قدميه نصف جلسة، ووضحت ملامحه الحزينة عليها، حدثها بنبرة متأثرة"حقك عليا أنا، أنا آسف، أوعدك إني مش هكلمك ولا هخلي أمي تكلمك نهائي، حقك عليا".

كانت ستقول شيء لكن سمعت شخص بجانبها يحمحم لتستدير فورًا وهو فعل نفس الشيء، رأت المنقذ! في الحال اعتدلت في جلستها بفزع، وازدردت لعابها بخجلٍ بعدما رأها مع معاذ هكذا، وهو تحدث فورًا مخفض نظراته"القهوة بألف هنا".

رمى حديثه وغادر سريعًا، وهي انفعلت بحديثها"امشي بقا أنت كدا هتخلي الناس هنا يتكلموا عليا، واللهِ أنا ما ناقصة فضايح هنا وفي بيتنا القديم وفي أمريكا أنا مش همشي مكتوب على وشي المفضوحة أهي!"

_حاضر.
خرجت مع تنهيدة مثقلة، واعتدل في وقفته يهندم ملابسه ثم رحل من المحل، وهي تمنت لو يظل بعيد عنها! آه لو يبتعد آه!

قبل أن يبتعد تمامًا نهضت تركض عليه وهي تنادي باسمه ودموعها تهطل، وقف متصنم ولم يستدير وهي ظلت في مكانها مبتعدة عنه، وتحدثت بقلبها المجروح_:
_سيبني يا معاذ، سيبني في حالي.
1

رمقها بطرف عيونه، وحرك رأسه بإذعان وهو الآخر يتألم من داخله، وعيونه أدمعت وهو يتذكر ذكريات طفولتهم، وإمساكها بقوة في سترته تستمد منه قوتها وهو يسير معها بدراجته الجديدة"أوعا تسيبني، أنا هقع كدا!"

_عمري ما هسيبك متخافيش.
وكانت جملة من صغير خرجت منه على هيئة وعد صادق! والآن هي دخلت محلها مبتعدة عنه تعطيه ظهرها، وهو ذهب في طريقه المختلف يبتعد عنها مدير ظهره لها! وخلف الوعد! ونهايتهم كانت وداع فاتر للغاية! وداع ظالم!

"____"

_علي علي، هي مين البنت الجامدة *** دي؟
نطق بها عمير بخفوت لزميله وهو يشير بعيونه على شابة شعرها طويل من اللون الأصفر، متفجرة الأنوثة، تسير بمنتهى العنجهية بعدما ألقت لعمير مفتاح سيارتها تخبره بأمر رقيق"اركن العربية".
4

والثاني لم يكلف نفسه ويرفع رأسه يراها وأخبره بجدية"احترم نفسك الأول وأنت بتتكلم وبطل تبص على جسم البنات حتى لو هما إللي قالعين".
2

استنكر من هجومه بحديثه"في إيه ياسطا؟ ماهيَّ إللي قالعة فعلًا!"

_بقولك إيه ياعمير في حاجة اسمها غض بصر، يعني لو هي قالعة فعلًا أنت مطلوب تغض بصرك، وتصون لسانك الزفر دا فاهم؟
حدثه بحدة، والثاني تبرم بجملته"ياسطا وربنا أنا كدا قدامك محترم أوي، أنا نفسي أسمعك بتشتم أو أي حاجة عشان أخد راحتي، دا أنا وأوس أوس لو قعدت معانا ربع ساعة هتبقا عايز تعيد تربيتنا من أول وجديد!"
1

لم يضحك كما ضحك عمير في النهاية، وردد بنبرة حزينة"دي لوحدها كارثة يا عمير! ربنا يهديكم بس دي مش شطارة".

زفر بضيقٍ وردد باختناق"خلاص ياعم الشيخ مش هبص على حد تاني، قولي بقا مين دي؟"

_دي سكرتيرة "بدر" بيه، هو جي دلوقتي هو ومدير الحسابات بتاعه، أنت عارف الصفقة إللي بينهم.
أجابه بإيجاز، وهو أغمض عيونه بقوة، كم مرة سيأتي بدر هذا! سأله بتوتر"هو جي دلوقتي حالًا يعني؟"

"آه ياسطا وربنا".
هز رأسه وابتعد عنه، دخل غرفتهم الخاصة يبحث عن نظارته وقبعته، وظل يلعن في والده هذا الذي ظهر مرة واحدة أمامه ليهدم حياته فوق رأسه!، خرج لصديقه ورأه يضحك وهو يستفهم منه"يابني هو أنت فاكر إنك كدا بتتنكر؟ أموت وأعرف بتتنكر من إيه كل ما بدر بيه يجي!"

_معلش يالول بس أنا بيجيلي حساسية كل ما بدر بيه دا يجي.
ضحك معه بجملته، والثاني حرك رأسه بقلة حيلة، وسأله بانتباه"أنت قولتلي صحيح معاك إيه؟"

أجابه بهدوء"إعدادية"والثاني تعالى عليه بمرحه"حلو أنا كدا أشطر منك! أنا معايا دبلون صنايع".
1

ابتسم شبه بسمة وردد ب"حلو والله، ربنا يرزقك ياسطا".

في خلال نصف ساعة كانت السيارات تقف أمام البوابة، اقترب منهم علي يأخذ منهم المفاتيح، ونزل "بدر" هذا من سيارته بثقته المعهودة، وعمير للآسف كان يقف أمامه مباشرةً، بدون قصد تقابلت النظرات، وبدر هذا وقف بتعجب يرمق الوجه المألوف بالنسبة له، والنظرات معتادة! نظرات الكره تشع! وعمير ابتعد بعيونه عنه وهو يقترب من صديقه، وسار هو تجاه الشركة وبرأسه يسأل بصدمة"هل هو؟" هو أم ماذا؟ نظرات الكره نفسها؟ وهو لن ينسى نظرات ابنه الكارهة له، ياالله هل انتهى به المطاف وأصبح خادم عند صديقه؟ آخر لقاء لهم ضرب رأسه وكلماته الباغضة المتوعدة ترددت_:
_وربنا إللي ما بحلف بيه كدب أنا عمري ما اعتبرتك أبويا، ملعون أبو الذلة إللي خلتني أجيلك! بس ملحوقة أنا أنزل أشحت ولا إني أحتاج ليك!

لو هذا ابنه فحقًا هو أصبح مثل الشحاذين بحق!

"________"

سحبها من وسط ضحكاتها التي تملأ المكان ودخل بها إلى المكان المخصص للوشاحات، استنكرت بحديثها"يونس أنت كدا داخل مكان الطُرح، أنا عايزة أجيب شنطة".
1

_وأنا عايز أجيبلك هدية ياعيون يونس.
قالها بهدوء وهو يتركها، تفحص بنظراته المهتمة الوشاحات، وهي اقتربت منه باستغراب وهي تتحدث بعدم فهم"يونس أنا مش محجبة! هتجيب طرحة ليه؟ ملهاش أي لازمة!"

ابتسم بسمة صغيرة واثقة كالعادة وصمت، بحث بعيونه حتى رأى المطلوب أخيرًا! أخرج وشاح خفيف تقليدي للغاية من اللون الوردي، قربه من وجهها الأبيض ليتحدث بانبهار، وعيونه صادقة تقسم بحبها، عيونه الجميلة التي يراها بها جميلة للغاية!
"واو بجد! كل مرة بنبهر بجمالك! سبحان الله ! جميلة أوي!"

توترت من نظراته العاشقة، وابتسمت بخجلٍ تشكره بخفوت"حبيبي يا يونس".

دفعها بخفة تجاه المرآة الطويلة الملونة، وطلب من العاملة بأدب معهود"من فضلك ممكن دبوس مشبك؟"

حركت رأسها وأحضرته له بعد لحظات، أخذ المشبك منها وسما تستفهم بنظراتها المدهوشة، ضحك وسحب حقيبتها الملونة من ذراعها يبحث بداخلها عن مشبك شعرها، وجده مشبك صغير أسود مزخرف، أمسك شعرها أمام ضحكتها المتعالية بدهشة حقيقية، رائحة شعرها الجميل ضربت أنفاسه باستمتاع، ولملم شعرها بخفة على هيئة كعكة مبعثرة غير مهندمة، سألته بخفوت"بتعمل إيه يا يونس؟"

_ثقي فيا.
جملة خافتة صدرت منه بطمأنينة كانت كفيلة ببث أمان العالم كله بداخلها! وطلب من العاملة الوشاح الصغير الذي يوضع أسفل الوشاح الرئيسي ليخفي شعرها، أحضرته وهو ألبسه لها وهو يضحك على هيئتها المبهرجة التي فعلها بها، لكن النهاية كانت مبهرة بالنسبة له! وشاح وردي يزين وجهها الأبيض ليزيدها جمالًا! نظر لها نظرة مطولة معجبة بدايةً من بنطالها الواسع الثلجي، وبلوزتها البيضاء السادة، وفوقها معطف خفيف صيفي وردي! جميلة للغاية بحق! لا يصدق مدى جمالها! سألها بمراوغة_:
_حبيبة عيوني حلوة مش كدا؟

هزت رأسها بسعادة واضحة، ورددت بنبرة متهللة"أوي أوي يا يونس! بس..."ختمت جملتها بغمغمة خافتة، استفسر السبب وأجابته بتوتر"مش هعرف اتحجب دي مسؤولية! وكمان..مش عارفة".

حمحم بتفهم، وابتسم بسمة لطيفة حنونة مع جملته المتريثة"بصي أنا أبعد ما أكون عن إني أنصحك أو أو أو بس أنا صراحة متربي على إن مامتي محجبة، وعيلتي البنات فيهم محجبين لإنه أمر من ربنا، يعني وكمان أنا بغير، عايزك تبقي ليا لوحدي، عايز كمان أكسب فيكِ ثواب، لحد ما تنتظمي كدا وتلبسي لبس واسع فضفاض".

تنهدت بقلة حيلة، ستفعل أي شيء لأجل يونس حبيبها، هزت رأسها بموافقة وهي تهتف"حاضر، تعالى بقا نشتري طرح كتير".
5

حمحم مرة ثانية وهو يحدثها بجدية"وحاجة كمان؛ اخفي صورك إللي بشعرك".
2

كان يظنها ستنفعل لكن على عكس ذلك ابتسمت بسمة جميلة ووافقت!

دعنا من حديث العشاق وكل هذه الأسباب الغير منطقية! ونتركنا من الغيرة_ لا أقول إنَّ الغيرة والرجولة ليست مهمة لا سمح الله! لكن الأهم تلك الأسباب_ وإذا كان أشخاص تلك الحكاية وقعيين للأسف لا يفقهون شيء في دينهم سأتكرم أنا بصفتي_راوي حكايتهم_وأخبرك بـ"لماذا يجب أن ترتدي المرأة الـ"خمار"، الخمار! نعم الخمار وليس الوشاح الذي لا يطلق عليه أيضًا حچاب! لإنَّ الحچاب هو الذي لا يُظهِر وجه المرأة أو حتى عيونها!

والخمار تأتي من كلمة خمر! الخمر الذي يغطي العقل نعم، اتمنى أن لا تكن تعجبت! وبذلك الخمار _يغطي_ الرأس ومنطقة الصدر بالكامل_أنعم الله عليَّ وعليكم به_
إذن ما مواصفات الخمار؟ أن يكون فضفاض أي: لا يصف، لا يشف، ساترًا لجميع البدن إلا الوجه والكفين وبذلك لا يطبق علينا تبرچ الچاهلية قال تعالى: ﴿وقَرْنَ فِي بُيوتِكُنّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليّة الأُولَى) (سورة الأحزاب : 32﴾ _وبالمناسبة التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج_ ونحن الآن لا نتبرچ تبرچ الچاهليى فقط؟ ولا تظهر قلائدنا فقط بل نظهر معظم جسدنا!

وفي الآية 31 من سورة النور يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾

وهذا أمر من الله لنا، إذن يجب تنفيذه، وإذا كلفت نفسك وبحثت عن أجر المرأة العظيم بسبب هذا الزي الشرعي الساتر ستجد إن النساء تعمَّ عليهم الفائدة في الدنيا والآخرة!

هدانا الله، وهدى سما، ولكن في النهاية فسما ارتدت الوشاح بمنتهى البساطة بسبب يونس وهذا إمر يحسب لهم، لعلهم يهتدون قريبًا؟
6

"_____"
أنا التناقض،
أنا الغربة واللا شيء،
أنا الضياع بذاته..
فلا تأخذني على محمل النجاة؛
لأنني الغرق.

عقله سيجن، لمدة ساعتين يجلس شارد ويفكر هل هو ابنه فعلًا أم مجرد شبه! انتظر حتى ينتهي كل شيء وهتف بـ_:
_هو اسم الولدين الأمن إللي على البوابة الرئيسية اسمهم إيه؟
سأل بجدية شديدة وهو يرتشف قهوته السادة بعملية، والثاني أجابهُ بسؤال"تقصد علي وعمير؟ مالهم؟"

سمع الاسم وتأكد من شكوكه، رأى العيون ونظراتها، والبغض الذي يشع منها، كان غير متأكد لكن الآن تأكد، وتحدث بنبرة هادئة"نادي عمير دا كدا يا"عبد الله"بيه".

_تمام، بس هو عمل حاجة ولا إيه؟
سأله باستغراب وهو يمسك هاتفه الأرضي يتحدث ببعض الحروف"نادوا الأمن عمير".

هز رأسه بنفي مع جملته"لاء أنا بس عايز أشوف حاجة".

دقيقة ونصف وكان عمير يدق الباب، سمح له بالدخول بحروفه، والثاني دخل بأدب يسأله باحترام شديد"حضرتك طلبتني؟"

نهى جملته وعيونه ببطء وقعت على كابوسه جالس بمنتهى الكبرياء! يضع قدم فوق الآخرى، وسجائرهُ البنية الضخمة في فمه، شعر بقلبه ينخلع، روحه تنسحب، كيف عرفه! وماذا يريد منه؟ فورًا خفض بصره للآسفل، والموقف مؤلم، الأب يمتلك شركات وأسهم بكل مكان، ويجلس بالبذلة السوداء، والابن خادم عندهُ، ويقف أمامه بمنتهى الذل والرضوخ يرتدي ملابس حقيرة! سمع جملة سيد عمله الجادة"بدر بيه طلبك".

ليتحدث فورًا بوجلٍ بعدما رفع عيونه فيه وأخفضها سريعًا من جديد عندما وجده يحدق به بنظرات ثاقبة جامدة"حضرتك عايز حاجة؟"

تأكد من شكوكه؛ عمير ابنه، غريبة المواقف! وموقف ابنه المكسورة عينه غريب، لكن ليس غريب على ابن عاش غريب في منزله، وليس غريب على ابن خادم منذ الطفولة، اعتاد على الخدمة وخدمة الجميع، كرر السؤال من جديد عندما طال الصمت"محتاج حاجة يا باشا؟"

_هات رقمك محتاجك في شغل.
أخبره بمنتهى البساطة، والثاني استنكرت عباراته وهو يشير على نفسه"أنا! عايزني في شغل؟" هز رأسه يؤكد على سؤاله بصمت، وهو رفض بجملته المضطربة"معلش يا باشا مش هينفع أنا بشتغل شغلانة كمان مع دي ومفيش وقت، أنا عندي صاحبي علي إللي معايا على البوابة هو إللي محتاج شغل تاني".

_لما أقول حاجة تنفذها من غير رغي كتير فاهم؟
أمره بقسوة، وغلظته في الحديث ظهرت، هز رأسه كثيرًا بكسرة كإنه عبد عندهُ، وأملى عليه الرقم ببطء يحاول أن يتذكره بعدما نسى كل شيء بسبب موقفه الذي لا يحسد عليه!

ابتلع لعابه وهو يستأذن من سيد عمله"ينفع أنزل يا باشا؟"

لحقت جملته جملة والده المستفهمة"بتشتغل إيه تاني"؟

_سواق تاكسي.
حرك رأسه لعدة مرات وهو شارد، ونهى الحديث بأمر"إنت إللي إنهاردة هتسوق عربيتي، استناني تحت".
1

فتح فمه ببلاهة وهو يستعجب بحروفه المصدومة"أنا ياباشا؟"

_عمير من غير رغي كتير الباشا قال هتوصله انهاردة.
نهى النقاش سيده، وخفق قلب الثاني برهبة، وسأل نفسه ما بهُ؟ هل تذكر ابنهُ؟ أم سيتعمد كسر نفسه، ويحطم قلبه!! ويكسر عيونه، يذكرهُ بفقره، وجهله، وحاله!
وسأل متى منه سيتخلَّص؟
وكوابيسه ستخلص؟
"حاضر يا باشا".
5

جملة خرجت من شفتيه بتشوش، والثاني أشار له أن يرحل، وبالفعل رحل، وشعر بالدوار يجتاحه، وتذكر الماضي المقرف، وفتحت جروحه! جروحه بالأساس لم تلتئم! غادر من الشركة وسريعًا دخل غرفته بالعمل يجلس فوق الفراش المتهالك بداخلها، أخذت أنفاسه تتضارب, وشهقاته تعالت، يريد النسيان لكن كيف؟ دخل خلفه صديقه بقلقٍ واستفسر منه بخوفٍ"مالك يالا؟ احيه لا يكون المدير طردك؟ هو هزقك ولا إيه؟ طب عمل إيه طب يشقلب حالك كدا؟ ولا؟ عمير؟"

نهش القلق في قلبه بعدما رأى دموعه عالقة فوق أهدابه، سأل من جديد بتأثر"حصل إيه طب؟ عشان خاطري اتكلم".

اختنق صوته في البكاء، وتعجب بجملته المتحشرجة الشبه باكية"اتكلم أقول إيه؟ أنا تعبت! أنا سيبتله كل حاجة! بعدت وهو مش عايز يبعد، عايز يعيشني في جحيم طول حياتي، عايزني عبد عنده! أنا بس عايز أعيش حر! هو مش حرام إن لحد دلوقتي أبقا عبد عنده في زمن الحرية بقت مقدَّسة فيه؟"
سأله في النهاية بقهر واضح على صوته وملامحه المكسورة! وهطلت دموعه بغزارة، وتوسعت عيون علي ! وفي لحظات سحبه في أحضانه محاول تهدأته بحديثه_:

_حرام ياسطا، بس أكيد اختبار، يعني فكر بيها بالعقل كلنا هنا عايشين عشان نشوف من الدنيا، طب بص سيبك من كلام الفيس والشيوخ دا، أنا هقولك الناهية مفيش حد يقدر يخليك عبد عنده غير لو أنت سمحت بكدا يا عمير! يابني أنت كبير وراجل يعني مستحيل حد يستعبدك إلا بإرادتك.

ابتسم بسخرية وهو مازال يبكي، وضحك يتهكم بحديثه"لما إللي منك ياسطا هو إللي يبقا مستعبدك عمرك ما هتعرف تعيش حر"

حدق به باستغراب، لا يفهم شيء! عمير فقط صعد إلى مكتب المدير ليس أكثر! قبل أن يستفسر سمع يتمتم بنبرة خافتة متعبة"فاكرني الخدام بتاع الطفولة، فاكرني خايف منه! دا أنا... بس هو فعلًا بيخوفني، ويعرف ياكلني بسنانه! أنا إللي ولا حاجة!"
1

في منتصف حديثه توقف وأكمل بعد لحظات بزهد، ونهى جملته وردد من جديد"أنا من غير أوس أوس ولا حاجة! دا هو إللي ياما وقف يتحداه! هو إللي ياما وقف زعق معاه! هو إللي شجعني! دلوقتي هو جي يستفرد بيا وأنا إللي بتطمن بيه مش موجود!"

وعلي لا يعلم مَن هو، وماذا يقول لكن هدأ من روعه بكلماته المتيقنة"خير ياصاحبي، متعرفش هيحصل إيه بعدين، وحتى لو حصل إيه! ياعم آخرها موتة ولا أكتر؟ وبعدين يا عبيط مفيش حاجة ربنا هيجيبها وحشة، وبعدين مفيش راجل بيعيط، أقف في وش القطر ومتخافش يدوسك، قوم يلا أنت راجل، والعياط للستات سيبه ليهم".

شجعه بكلماته الواثقة المحفزة، رمقه عمير بتعجب، حقيقي متعجب منه! علي بشهامته وحبه ورجولته يشبه صديقه أوس أوس بالضبط! حتى نفس الحديث؟ هل معقول هذا حظه من الدنيا؟ أصدقاء؟ إذا كان هذا حظه سيظل ينام ويستيقط يحمد ربه على تلك النعمة الكبيرة!

استعاد رباط جأشه، وربط فوق ظهر صديقه بامتنان وهو يشكره"حبيبي ياعلي، شكرًا، أنت حظي من الدنيا أنت وأوس أوس."

دفعه بخفة مع حديثه المرح"على فكرة أنا أحسن من أوس أوس على الأقل محترم!"
2

_طيب ياخويا، أنا بدر بيه عايزني أوصله.
نهى جملته وسمع شهقة الثاني متعجبة"بدر بيه مرة واحدة! ياسطا ممكن سؤال؟ أنت بدر بيه دا تعرفه؟"

ابتسم بغموض ولم يعلق، ولكنه سأله بخبثٍ"أنت عارف بدر بيه دا شغال إيه يا لول؟"

_عنده شركة أدوية ما أنا قولتلك.

سمع إجابته وضحك، ووضع يديه فوق منكبي صديقه وردد بمكرٍ"وعنده تعاملات في السعودية صح؟ ومعظم شغله في السعودية صح؟"سأله ليهز رأسه بتأكيد وهو لا يفهم ماذا يرمي له، والثاني ردد بوجهٍ قاتم وهو يغادر من الغرفة"وبيهرب أدوية محظورة للسعودية عن طريق السفن".

سمع جملته ودفعه فورًا يضع يدهُ على فمه بقسوة مع جملته المحذرة بصوتٍ خافت خائف"اخرس ياعمير، اخرس يخربيتك هتودينا في داهية، أوعا تتكلم كدا تاني، أنت هنا مجرد حشرة بالنسبة ليهم، وبعدين إنت جبت الكلام دا منين!"

أبعد يدهُ عن فمه وهو يضحك، وحرك منكبيه بعدم معرفة مع تصنعه لملامح بريئة"أنا قولت حاجة؟"

_عمير فوق؛ أنت مش قد الناس دول، الله يخليك هتجيب نصيبة لنفسك.
تحدث بنبرة خائفة يحذره بحدة، والثاني ربت فوق ذراعه بحنان وهو يهتف بصدق"متخافش يا علي، أنا عمري ما هقول كدا، ثم إنك متعرفش حاجة ياعلي".

جاء ليرحل لكن أوقفه سؤال علي المستنتج"أنت كنت شغال معاهم في التهريب صح؟ أكيد صح عشان كدا بتبقا خايف كل ما يجي".

_الحوار بالنسبالي أكبر من كدا بكتير، وعشان متفتكرش صاحبك *** فواللهِ أنا برا حوار الأدوية دا.

جملته الغامضة دبت القلق في قلب المسكين، ورمقه بعدم فهم، المصيبة إنه تعلق بصديقه ولا يريد خسره!

"________"

أخذ المفتاح من سائقه وصعد السيارة يديرها، وبجانبه صعد والده، كتم أنفاسه عندما رائحة عطره الشديدة تنفسها بدلًا من الهواء، سأله بتوتر وهو لم يحيد بنظره عن الطريق"هتروح فين يا باشا؟"

_اطلع وهقولك بعدين.
اختصر بغموض، وهو انطلق به بصمتٍ، وقطع الصمت بعد دقائق والده"شكلك نسخة من أمك ياعمير".

وتلك المرة هو تخلى عن دور المجبور على أمره، وسأله باستهجان منفعل"وأنت فاكرني ولا فاكر أمي؟ أنت تعرفني منين ياباشا؟"

_أعرفك منين! هو مش أنت عمير ابني!
استفسر منه بهدوء شديد، والثاني نفى برأسه قبل جملته"لاء ياباشا عمير إللي بتقول عليه دا معرفوش"
سخر في النهاية، ابن مَن! ضحك من داخله، والثاني ابتسم بتبارد"أول ما عيني وقعت عليك عرفتك".

"عينك كدابة"نطق بها فورًا ببرود مماثل لبروده، هز منكبيه ببساطة"يمكن".

توقف عن الحديث لحظات ولكنه أكمل بسخرية"يمكن شكلك اتغير، ويمكن كبرت وبقيت طول بعرض، وصوتك أخشن لكن لسة نظرات عيونك الحاقدة متغيرتش، حقدك وغلك من وإنت طفل متغيرش دا زاد أكتر."

بفضله أصبح أكبر حاقد وكاره لهُ، البركة فيه! هو مَن صنع عمير ابن الشوارع الصائع! فرغ صبره، ونظراته بالفعل تحولت لباغضة، وحدق فيه بموج عيونه الثائرة، واستفسر منه بكرهٍ واضح_:
_حضرتك عايز مني إيه يا باشا؟ ليه بعد كل المدة دي جي تكلمني دلوقتي؟ أنا لما هربت من كام سنة أنت متعبتش نفسك تدور عليا، ودلوقتي بعد ما شوفتني جي تبوظلي شغلي؟
استفهم منه بنبرة عالية، وأكمل عباراته بحزنٍ واضح على نبرته"حضرتك عندك زوجة وأولاد، وأنا على باب الله بجري على لقمة عيشي ومفرقش معاك فمكنش ليه لزوم تجيبني وتقف تتأمر عليا وتعرفني إنك عرفتني وإني ولا حاجة بالنسبة ليك، أنا عارف إني ولا حاجة واللهِ وعارف إنك ممكن تأذيني زي زمان ببساطة بس أنا تعبت من التدوير على شغل فبلاش تضيعه من إيدي، وأنا مسامح في حقي، وبعدت والله عن كل دا ."

نظرته الجامدة شملتهُ، ولم يرد على كل هذا، وأمره بجمود"اطلع على شركتي".

سأله باستغراب"دي فين دي؟"

_امشي على ال GPS.
زفر بضيقٍ وهو يضرب على المقود بعنفٍ مع تمتماته الحانقة"يارب الصبر".

لاحت على شفتيه بسمة متهكمة ولم يعلق، سار به ساعة إلا ربع حتى وصل، توقف أمام بوابة كبيرة والشركة من الخلف واضحة وضوح الشمس، فتح فمهُ بدهشة وهو يستفسر منه كطفل محروم من كل شيء في الحياة ورأى لأول مرة بحياته قطعة حلوى! "هو دي شركتك؟"

_أنت أول مرة تشوفها؟
سأله باستغراب، والثاني هز رأسه ينفي"عمري في حياتي ما شوفتها، وولا فكرت حتى أبحث عنها عشان متقهرش".
أجابه بصدق، والثاني ضحك وهو يخبره بنبرة عادية"طيب يلا انزل، عايزك في المكتب."

نزل من السيارة خلفه، وسار وراءه مدهوش، ينظر يمينًا ويسارًا بانبهار، شركة كبيرة للغاية، دخل خلفه إلى الداخل، كل شيء منظم وجميل، رمق كل شيء بعدم تصديق، وصدمته سيطرت عليه، شركة عالمية خاصة بوالده وهو شحاذ! أقل عامل نظافة هنا حاله أفضل من حاله بمائة مرة! جاء ليصعد على الأدراج لكن أوقفه حديث الثاني وهو يشير على المصعد الكهربي، دخل معه وهو مازال يدور بنظره في كل مكانٍ، وعيونه وقعت على والده الشامخ، والمرآة ظهرت انعكاسهم، منعكسين في كل شيء، رَجُل خمسيني شعرهُ أسود سواد شديد مثل قلبه! حتى لا يوجد خصلة بيضاء، وعلى الجهة الآخرى الشعر المائل للإصفرار مشعث، وينزل على وجهه بإهمال، وانعكاس المرآة يوضح ثراء والده وملابسه المهندمة، وعلى عكسه فقره هو، وملابسه البالية، هو الذي شاب مبكرًا للغاية قبل الآوان!
4

وقف المصعد بعد ثوانٍ وهو شعر إنها ساعات لا يتحملها، سار خلفه ووجده يدخل المكتب المدون عليه اسمه بالذهب! دخلوا وجلس والده فوق مقعده الرئيسي، وهو اتخذ دور الطفولة ووقف واضع رأسه في الأرضية كما يفعل مع الأثرى منه، والدهُ لم يكلف نفسه حتى ويخبره بالجلوس فظل واقف على قدميه وفضل السكون، والسكون طال ولكن هو مال! وقرر أن ينبث ببنت شفَّة واحدة حتى_:
_باشا؟ حضرتك جايبني ليه؟

رفع نظراته يقيمه، سأله بخشونة"ساكن فين دلوقتي؟"

استهجن السؤال، وضيق ما بين حاجبيه باستغراب لكنه زفر بضيقٍ وهو يهتف"ساكن في حارة عادي، وبعدين ياباشا أنت جايبني لحد هنا عشان تسألني السؤال دا؟"

_رد يا عمير على قد السؤال، وشغل الشورعجية دا مياكلش معايا.
احتدت جملته المتأمرة، وعمير صاح بغضبٍ"وأنا مش هرد، ومش هقول، براحتي! باشا إللي كنت زمان بتعمله معايا دا تنساه، إللي قدامك دا اتعامل مع ناس **** منك! سوري أنت **** منهم هما وس***** أقل طبعًا! واللي خلاني شورعجي هو أنت وال**** بتاعتك."
ضحك باستفزاز في النهاية، نهض والده باستشاطة وهو يصيح عليه بنبرة عالية"احترم نفسك يالا، إللي بتتكلم عليها دي تبقا هانم، ومراتي".

_عارفها الهانم، كانت قاسية أوي وأنا صغير، تفتكر اتغيرت!
سأله بسخرية حزينة، ورمق المكتب بنظرات متفحصة بسخرية"بقا دا المكتب بتاعك ياباشا؟ باشا بصحيح! ودي شركتك؟ جميلة أوي، إلا مكتب ابنك فين، عايز أروح أسلم عليه، هو طبعًا مش هيفتكرني لإنه كان عنده أربع سنين لسة لما كنت أنا بتطرد، بس ياريت يكون عارفني".

أكد بهدوء"لاء ميعرفكش".

فعل حركة بعيونه وفمه خبيثة، وظهر ابن الشوارع وهو يردد بدهاء"طب ما تعرفنا ياباشا! دا أنا أخويا دا حبيبي أوي! إلا هو الحجة مراتك جابتله خدام بقا بعد ما مشيت ولا إيه؟"

رفع حاجبه الأيسر باستنكار وهو يضغط على حروفه"حجة؟ احترم نفسك يالا!"

صدحت ضحكاته بصوتٍ عالٍ، وجلس فوق الأريكة يخبره بسخرية ممتزجة بمرارته"معلش ما أنا متربي في الشارع منتظر مني أقول إيه؟"

_بقولك إيه مبحبش شغل الصيع دا، وبعدين أنا جيبتك هنا عشان أقولك إن أنا مركزي حساس جدًا، مينفعش أبقا أنا شريك في الشركة إللي أنت شغال فيها أمن".
8

ببساطة ردد"خلاص فض الشراكة!"
1

انفعل عليه أكثر، وسأله بسخط"أنت هتهزر ياروح أمك! أنت عارف لو حد عرف إنك ابني وشغال كدا دا معناه إيه؟"

_معناه إنك إن شاء الله هتروح جهنم عشان بتفرق بين ولادك، ياباشا أنت مستقل بيا ليه؟ دا أنت متجوز أمي وهي حتة تقيلة أوي، يعني أنا مش أقل من ابنك ننوس عين أمه.
قال جملته بتهكم مستفز، والثاني هز رأسه بانفعال مع هتافه الساخر هو الآخر"أمك؟ أمك إللي ..."

قبل أن يكمل جملته انتفض عمير من جلسته يصرخ عليه بجنونٍ وهو يردد"متكملش، أنا أصلًا بكرهكم كلكم، أنت وهي جبتوني على الدنيا دي عشان أبقا ملطشة للي يسوى وإللي ميسواش، أنت جايبني ليه هنا يا باشا؟ عشان أسيب الشغل؟ مش هسيبه، ومتخفش أنا لما بقدم في أي حتة وحد بياخد باله من الاسم بقولهم إن دا مجرد تشابه اسماء، ومتخفش أنا محدش في الدنيا دي يعرف مين هو أبويا، مش عشان حاجة، عشان بس أنا إللي مستعر منك ياباشا!"

نهى حديثه واتجه يرحل، والثاني أوقفه عن الذهاب، لكن عمير ابتسم ببغضٍ ورحل من أمامه، وبداخله يخبره إنها الحرب! حرب ستحرقهم جميعًا!
4

"______"

"بقا إنتِ يابنت العبيطة قاعدة في الجو العسل دا ومكتئبة؟ ورد وقهوة ومكاتب وأكل وكل الروايح الحلوة إللي الناس تحلم بيها وإنتِ حزينة كدا؟"
سألتها والدتها بتذمر وهي تتفحص المكان بنظراتها، ابتسمت رودينا وأجابتها بتنهيدة عميقة"كل حاجة حلوة وتفتح النفس بس بنتك هي إللي كئيبة وتسد النفس يا أمي!"

نظرت لها بعتاب، وعاتبتها بكلماتها الحزينة"ليه كدا؟ بعد الشر عنك من سد النفس ياعيون أمك، ياحبيبتي واللهِ كل شيء هيتحل".

_ولا ميتحلش ياماما، مبقتش فارقة!
قالتها بزهد واضح، لكنها حاولت رسم البسمة وتحدثت بحماس"هعزمك على أحلى قهوة ممكن تشربيها".

خرجت سريعًا من محلها، ودخلت إلى المقهى المجاور لها، ابتسمت ل"منقذ" وطلبت منه بلطافة"لو سمحت عايزة اتنين قهوة عادية، واحدة قهوة سادة والتانية مظبوطة".

حرك رأسه ببساطة، وهي رجعت مرة آخرى تخبر والدتها ببسمة واسعة"الشب السوري إللي جنبنا دا بيعمل قهوة تحفة بجد، أنا لسة مجرباها مرتين أو تلاتة وبجد تحفة".

_بألف هنا ياحبيبتي، نشرب القهوة ونروح لزينب بقا عشان أطمن عليها حبيبتي.

من وسط حديثهم لمحت والدتها والدت معاذ وشقيقته، نهضت فورًا تنادي باسمها"بسمة، بسمة استني".

فزعت رودينا، والدتها لن تترك والدت معاذ بحالها بسبب ما قصته عليها من قبل، وقفت "بسمة"هي وابنتها يرمقونها، اقتربت منها وهي تحدثها بحزمٍ"عايزة إيه من بنتي يابسمة؟ يختي سبنالكم المنطقة كلها! بتسمي بدن بنتي في الرايحة والجاية ليه؟"
ركضت خلفها رودينا تحاول سحبها للداخل وهي تردد بخوفٍ"بالله عليكِ ياماما خلاص، خلاص عشان ميحصلش مشاكل وخناق قدام الناس بالله عليكِ بلاش فُرجة عالم".
1

احتدت نظرات الثانية، وسألتها بسخرية ممتزجة بسخطها"وأنا هعوز إيه من بنتك يا "صفاء"؟ بنتك هي إللي جت تشتغل تحت بيت ابني ليه؟ وفي الريحة والجاية بتكلمه ليه؟ يختي أنا ابني مش هياخد بواقي حد، أنا ابني يوم ما ياخد ياخد ست الستات، لا يختي كانت متجوزه قبله ومطلقة وولا كانت مفضوحة".
6

كلماتها السامة قهرت قلب والدتها، انحدرت دمعة فوق وجنتيها، وسمعت حديث نغم ابنتها"ياماما بالله عليكِ عيب كدا! دول كانوا حبايبنا!"

_وياريتني ما كنت حبيبتكم، أنا بنتي مفضوحة يا بسمة؟ وبنتي بواقي؟ لاء أنا بنتي زينة البنات، ويختي اطلقت زي أي حد، متضمنيش بنتك دي يحصل فيها إيه! يختي أنا مش هتمنى ليها حاجة وحشة، بس وحياة ربنا يا بسمة لو عدت سنين وسنين وسنين وابنك هو إللي جه باس إيد بنتي عشان يتجوزها لا هنرفضه، أنا بنتي متتعابش في حاجة، ولو مش عايزة ابني يكلم بنتك متخليهوش يدخلها، هو إللي دايمًا بيكلمها ويدخلها، أنا بنتي مش بتخبي عني حاجة.

قالت حديثها بجمود وقوة، الأم دائمًا قوية رغم كل ما تحمله بداخلها، الأم هي التي تسند أولادها حتى في أشد انهيارها! والثانية أصفرت عليها وهي ترفع حاجبها الأيمن وتسألها بجدية"واللهِ؟ ما بنتك دي كنت شيفاها من كام يوم بالظبط واللهِ العظيم واقفة مع واحد في الشارع الخلفي بالليل ووقف ليها تاكسي وهو إللي حاسب! يختي إنتِ بنتك فجرت من ساعة ما اطلقت وأنتم سبتوها كدا وخلاص!"

حديثها كالنصل الحاد يقطع فيهم! وكان رد صفاء على هرائها هو دفعها بعنفٍ خارج محل ابنتها ومن ثم بصقت عليها باشمئزاز"الف**** دي تبقا إنتِ، وياستي إحنا ناس ****ملكيش دعوة ياستي، ابعدي عننا، بس اتصدقي بالله لا بنتي ما هتسيب المحل وهتفضل قاعدة كدا في وشك الفقر دا لحد ما تجلطك إن شاء الله، أنا محدش ليه عند بنتي حاجة، لو ليكِ عندها حاجة تعالي خديها على الجزمة يختي".
3

حدثتها بطريقة سوقية، وحركات يديها تسبقها، اقتربت منها تدفعها بعيد بيديها"يلا يختي اطلعي بيت ابنك".

ابتعدت عنهم واستدارت ترمق رودينا الجالسة فوق مقعد بداخل محلها تضع يديها فوق رأسها بقلة حيلة، جلست بجانبها وهي تردد بغيظ"الولية الواطية! هيتردها إن شاء الله، هو إللي بيتكلم على الولايا دا ربنا بيسيبه؟"

دخل منقذ عليهم وهو يتحدث ببسمة"القهوة".

قبل أن يرحل تحدثت رودينا بإنهاك"ماما دا منقذ، منقذ دا إللي كان واقف معايا في الشارع الخلفي".

تفاجأت والدتها من إنَّ حديث والدت معاذ صحيح، لكنها تداركت الأمر في الحال وهتفت بابتسامة"آه ياحبيبتي، إزيك يابني؟"

وجه نظراته لها مع إجابته البسيطة"إيه بخير، كيفك إنتِ؟"

أجابته ببساطة وهي تهز رأسها بحيرة"الحمدلله".

رحل عنهم ورودينا زفرت بضيقٍ وهي تخبرها"اتخانقت أنا ومعاذ وهو جه فض الخناقة وأنا كنت دايخة فركبني تاكسي وإنهاردة دفعتله حقه".
2

_أنا سيباكِ براحتك يارودي، ومدياكِ كل الثقة وعارفة إللي بتمري بيه بس معلش ملكيش علاقة لا بمعاذ ولا بغيره، يابنتي إنتِ بنت وولاد الحرام كتير! وبالأخص إن...
كانت متعبة وواضح عليها، قطعتها هي بحرقة"وبالأخص إني مطلقة وسهل أي حد يستغلني، أنا تعبت بقا وربنا! هو المطلقين دول يموتوا يعني؟ حرام يكلموا حد؟ حرام يعيشوا في حالهم؟ لازم العالم ميسبهومش في حالهم؟"

انعقد لسانها، ودافعت عن نفسها بتوتر"أنا مقصدش كدا ياحبيبتي واللهِ".

_ماما أنا مش قادرة أروح لزينب، خليها بكرة، تعالي نروح بيتنا علطول بالله عليكِ.
استسلمت لرغبتها، ورجعت بها منزلها، دخلت غرفتها ولم تأكل، لم تريد أن تزيد على صديقتها تعبها وفضلت أن تصمت، مرت ساعة عليها ودخل والدها مبتسم لها بحنان العالم بكامله!"بقا كدا يارودي متكليش معايا وتحرميني من قعدتك الحلوة"؟

رمشت بأهدابها كثيرًا حتى لا تبكي، وصدرت منها شهقة عنيفة وهي تتحدث بآسف_:
_معلش يابابا أنا مخنوقة شوية.

اعتلته الدهشة، وجلس بجانبها على الفراش يأخذها في أحضانه بشفقة، بدأ يتلي عليها بعض آيات القرآن وهو يمسد فوق شعرها الذابل، شهقت شهقات متتالية بدون قصد منها وهي تحاول كتم بكاءها، وحدقت به بقهرة وهي تحدثه بحرقة، متحسرة على حالها وسمعتها، وحياتها، وأهلها!_:
_معلشي يابابا أنا آسفة، بالله عليك ما تزعل مني إني جبتلكم المصايب دي كلها، واللهِ أنا آسفة واللهِ، واللهِ خلاص مش هنزل ولا هروح المحل تاني وولا عايزة أشوف حد وولا حد يشوفني، واللهِ خلاص بس مش عايزة حد يتكلم معاكم تاني ويزعلكم، أنا إنهاردة ماما شافت أم بسمة وقعدت تقولها كلام كتير أوي يوجع القلب وأنا مكنتش عارفة واللهِ أرد أدافع عن نفسي مع إني بريئة واللهِ، بس أنا إللي بجيب ليكم المشاكل والفضايح دي، أنا بنت وحشة أوي واللهِ وبوظت سمعتنا كلنا.
6

انهارت في نهاية حديثها تجهش في البكاء، انهارت وانهار والدها معها وهو يقبلها من رأسها مع حديثه المجروح"لاء ياحبيبتي، لاء يانور عيني الذنب مش ذنبك واللهِ، حقك عليا أنا يا حتة مني، ياستي في داهية الناس، هما الناس عايشين حياتنا؟ وبعدين متنزليش الشارع ليه؟ إنتِ مغلطيش وإللي يتكلم كلمة عليكِ حطي صوابعك العشرة في عيونه".

دخلت والدتها عليهم، صمتت تمامًا حتى تسمع حديث ابنتها المتألم، وعيونها التي تذرف دمًا!
"لاء يابابا أنا وحشة أوي، أنا فضيحة بجد، أنا فضيحة في كل حتة بروحها بعمل فضيحة!"

ربت فوق ظهرها وهو يعانقها بتهدئة، والحنان كان يكمن بأسرتها، ردد في أذنها ببعض الكلمات الخافتة لتضحك، وأخبرها بمرحٍ"إيه رأيك ننزل أنا وإنتِ نتفسح من غير أمك؟"

_ياسلام ياخويا؟ بردو مش هغير.
تحدته بكلماتها وهي تضحك، والثاني ردد بخبثٍ"إيه رأيك يانور عيوني أعملك ضفرتين في شعرك زي زمان؟"

أشاحت له والدتها بتذمر وغادرت من الغرفة من وسط ضحكاتهم المصطنعة، وهو ضحك ومسد فوق شعرها بحبٍ وهو يتحمس بحديثه"وحشني إني أعملك ضفاير، نعملهم وننزل ها؟"

ابتسمت له بإجهاد وبدأت بفك شعرها، أمسك شعرها يمشطه لها بتعطف، وبدأ يحدثها بحديث مرح لتضحك، انتهى من جدائل شعرها وهي بدأت تضحك بعدم تصديق من الجدائل الكارثة تلك! قفزت عليه تقبله من وجنته بشكرٍ مع جملتها السعيدة"تسلم إيدك يا أجمل بابا، هقوم اللبس وننزل ها؟"

_ماشي، هقوم أنا كمان.

"_____"
الأمان! كلمة بسيطة للغاية ولكن معناها عميق، يحمل بين طيات حروفه الكثير والكثير من المعاني، لا أمان إلا بوجود شخص آخر معك يحمل عنك ثُقل همومك، ويشعرك بالأمان، الأمان الذي تفتقده، لا حياة بلا أمان، والأمان يكمن بصاحب!
وصاحب هنا لا تفيد المعنى الذي وضح لك..
بل يمكن أن يكون الصاحب هذا والدك..
صديقك..أخيك..والدتك..شريك حياتك..
فقط تريد صاحب واحد يرشدك إلى طريق الأمان!
يخبرك إنه بجانبك..هو ضلَّك!
وضلَّك لا تفيد أيضًا المعنى الحرفي بل يمكننا أن نقول بشكلٍ أوضح إنه"أمانك"!
إذا كنت لا تمتلك أمان فنصيحتي لك ابحث عن صاحبك ليكون ضلَّك....!
"_____"
2

رمى باثقاله عليه وهو يلقي برأسه فوق قدميه بإجهاد كالعادة مَن يتحمله سوى صديقه؟ مَن يعلم عنه أشياء لا أحد يعلمها؟ صمت صديقه ولم يتحدث واتخذ دور المستمع فقط، والثاني سقطت دموعه بعجزٍ، وحكى! حكى كالعادة شعوره! ضعفه! عجزه!
"كنت واقف قدامه حاسس إني عمير إللي عنده 8سنين! واقف خايف، مش بس خايف دا أنا مرعوب، عيوني جت في عيوني نزلتهم في الأرض علطول بكسرة نفس وإن مش أنا إللي أقف أحط عيني في عيون الأسياد، جوايا شعور إني قليل أوي، أنا عملت إيه في حياتي يفيدني يا أوس أوس؟ أنا جنب ابنه الأصغر مني دا ولا حاجة، أقسم بالله كنت خايف لا أشوف ابنه ونتواجه ساعتها عارف إني كنت هخرج من الشركة دي وأنا كاره نفسي أوي من إللي كان ابنه هيحسسني بيه، ولا لما كنت جنبه في العربية أنا بسوق وهو بيأمرني كإني عبد عنده! ساعتها فكرني بمراته لما كانت بتقولي إني خدام! وقف قدام مديري في الشركة يقولي لما أقول حاجة تنفذها من غير رغي كتير! طب وأنا إمتى هقول رأيي أو اتكلم؟"

وجه نظراته المجروحة له ليجد صديقه أوس أوس غارق في البكاء، قلبه فُطر على أخيه! كسروا حبيبه وصديقه وشقيقه! أكمل وهو يسحب نفس عميق من دخانه_:
_كان قاصد يوديني الشركة عشان اتقهر! ونجح للأسف! أنا شوفت الشركة قلبي اتكسر! طب ولما هو عنده كل الشركات والحاجات دي أنا ليه خدام؟ أنا ليه شغال عبد عند الكل؟ أنا ليه عايش عبء عليك في شقتك؟ أنا ليه البنت الوحيدة إللي حسيت إني اتشديت ليها شيفاني صايع حشاش بلطجي؟ وعمري ما هعرف اتقدم ليها لإن هي محترمة ومتربية ومتدينة لكن أنا؟ أنا صايع فاشل ميعرفش دينه تايه في أرض الله الواسعة!
1

في وسط حديثه بدأ بالصراخ الشديد وهو يعتدل في جلسته، نهض بعنفٍ يسأله بنبرة عالية ويريد الإجابة! وجهه وعنقه وقفصه الصدري تحولوا تمامًا إلى اللون الأحمر! وعيونه كالدماء، وشفتيه يرتجفوا! وأكمل أسئلته التي لن تنتهي إلا بموته!
_ليه أنا كدا؟ ليه هو معاه كل حاجة وأنا هنا شحات؟ شحات يا أوس أوس! أنا شغال مرمطون من وأنا طفل وبعمل كل حاجة حرفيًا لدرجة إني نزلت أورنش جزم! أورنش جزم وأنا ابن بيه! وابن هانم! هانم يا أوس أوس هانم واللهِ! نزلت ومقولتش لاء ووطيت على رجل عيال قدي وأصغر مني أعملهم جزمهم، واشتغلت ميكانيكي والأسطى كان كل شوية يضرب ويهزق فيا عشان خاطر كام قرش ميسوش، ورغم كل دا الطفل ميأسش لاء! دا دخل جمعيات من وهو عنده عشر سنين! عشر سنين يشتغل ويحرم نفسه عشان لما يكبر يعرف يعيش، وكفاية بقا تحميل على أهلك الطيبين، أهل يا أوس أوس إللي كنت بتمنى لو هما فعلًا يبقوا أهلي، وإنت تبقا أخويا بجد، وأمك وأبوك يبقوا أمي وأبويا، بس حتى دول ماتوا وسابوني بردو! وبقيت يتيم تاني بعد ما كنت حاسس بالحنان لأول مرة في الحياة!

فتح جروح كثيرة ولن تلتئم بحياتها! حاول صديقه أن يهدأه، وصاح عليه بنبرة خائفة"خلاص بقا! أنت سخن مولع يا عمير! ياعم ****أبوهم كلهم! ما إحنا عارفين هما إيه، يابني أنت مولع! مولع يابني!"

قال كلماته بخوفٍ شديد عليه وهو يتحسس درجة حرارته بيديه، وهو كان ملتهب من الخارج ومن الداخل، وركض صديقه يدخل إلى المطبخ يحضر صحن الومنيوم يضع فيه مياه باردة من الثلاجة مع خل وليمون وفلنة بيضاء متهالكة جاء عليها الزمان، قصها إلى قماشة صغيرة وخرج إليه، دفعه لينام فوق فراشه برفق، والثاني اعترض باختناق"مش عايز أنام، ومش عايز السخونة تخف، سيبها يمكن أموت".
3

هبطت دموعه أكثر، وضمه بوجعٍ وهو يضرب الفراش بقبضته المقهورة"بعد الشر عليك، طب وتسيبني لمين يا أخويا؟ مش إحنا أخوات؟ أنا مليش غيرك أنت وأختي، وبعدين مش أنت بتحب أختي بردو بتعتبرها في مقام أختك الكبيرة؟ يبقا إحنا عيلتك أهو!"
3

_كان نفسي يا أوس أوس! إيه مش حقي يبقا من نفسي بردو؟
سأله وهو يريد أن ينفجر في البكاء من جديد، والثاني نفى سريعًا وهو يضع القماشة فوق جبهته"لاء حقك يا أخويا طبعًا".

أخذ يندب حظه ومن داخله مكلوم، يشعر بالضياع، باليأس، كل شيء عكسه!
_كان نفسي لمرة واحدة حاجة تظبط معايا! واللهِ كان نفسي أخد الشهادة واشتغل بيها علطول، كان نفسي اشتغل مهندس وارسم بيوت وعماير وحاجات كتير وأنفذها على أرض الواقع! بدل ما أوضتي أهي مترمي فيها مليون ورقة بمليون مشروع! عايزين خبرة خمس سنين؟ جبتلهم خبرة بعشر سنين.. عايزين واسطة؟ معنديش! معنديش للأسف والاسم إللي في البطاقة دا أنا معرفوش، تشابه اسماء! عارف يعني إيه أنا مكسوف أقول إني معايا هندسة عشان الناس ميضحكوش عليا عشان مش هيصدقوا أو يا هصعب عليهم عشان دا حال يصعب على الجبروت! لكن ميصعبش على أبويا! كان نفسي واللهِ اشتغل شغلانة حلوة عشان أعرف أرد جمايلك عليا! أنا مش عايز أفضل طول الحياة عايش كدا وهو ومراته حاكمين إني أفضل في القرف دا كتير.....!
30

ما خفى كان أعظم، الأحداث لتوها بدأت، كل شيء في بدايته، وبدايته حزينة مؤلمة، مرحبًا بك في بداية لعنة هويَّة منسيَّة، هوية منسية سيطول الجميع لعنتها؛ لأن الضعيف فيها لا يظل ضعيف، بل يتوحش، وأنا بدوري أخبرك احذر من لعنة عمير، ولعنة عمير تكمن في ثأره وحقه وهويته الضائعين!!
20

"_____"

ادعوا ياولاد كدا الرواية دي تتشهر زي رجفة أو أكتر🙈

بشكر التلاتة أربعة إللي بيتفاعلوا معايا وبيكتبوا كومنتات أما الباقي لاء 😠

المهم يعني كلمة كدا على السريع
"أبطال الرواية وبالتحديد أوس أوس وعمير وسما ويونس ورودينا حتى وزينب _أيش هادا! تراني ذكرت كل أبطال الرواية وينوا التحديد!🤡🤡_ما علينا المهم يعني إن دول من الواقع، إذا كان في الصياعة، التلامس، الاختلاط، الذنوب، كل الحاجات دي، فحبوا القصص زي ماهي بأخطائها وتجاوزتها لأن دا الواقع إللي بكتبه، ودا مش معناه إني مش معترضة وكدا بس أنا بوضح في السرد إنه حرام لكن طبعًا لازم تبقا القصص فيها تلامس واختلاط لإني مش هجيب الرواية زي عبد الرحمن وحمزة وتيم إللي كانوا في رجفة لإني مش بحب أكرر نفسي، فأرجوكم عيشوا معاهم وتفاعلوا عادي كإنها رواية تانية مش ليا ومش لبسملة إللي كاتبة رجفة، بس متخافوش مع الوقت هوضح كل حاجة، وشكرًا لثقتكم فيا😘🦋❤️"
12

نرجع لفقرة الاسئله_:

أيش رأيكم في عمير وحياته؟
11

مواجهة عمير مع أبوه؟ وأبوه؟
2

أم رودينا وأم معاذ؟
1

رودينا ومعاذ؟
4

رودينا وأمها وأبوها؟

وتتوقعوا إيه لرودينا بعدين؟



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات