رواية سحر الراوي الفصل العاشر 10 بقلم الثناء ضاحي
البارت 10
البارت العاشر
الإسكندرية — الرابعة وخمس وعشرون دقيقة فجرًا
المدينة كانت تبدو كأنها تحتضر ببطء.
ضوء الأعمدة الصفراء ينعكس فوق الأسفلت المبلل ببقايا رطوبة البحر، والهواء البارد القادم من الكورنيش كان يصفع الوجوه دون رحمة، بينما العمارة القديمة تقف وسط الصمت كأنها تخفي جريمة.
وفي الداخل…
كان التوتر كثيفًا لدرجة يمكن لمسها باليد.
وقف عبد المنعم الراوي في منتصف الصالة ممسكًا هاتف وهج، بينما ظلت الرسالة مفتوحة أمامه.
الصورة.
علامة التصويب الحمراء فوق رأسها.
والجملة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"المرة الجاية مش هنكتفي بصورة."
لكن الأخطر من الرسالة نفسها…
أن عبد المنعم لم يغضب بالطريقة المتوقعة.
لم يصرخ.
لم يهدد.
بل أصبح هادئًا أكثر.
وذلك النوع من الهدوء… كان كارثة حقيقية.
أما قاسم عبد المنعم الراوي، فكان واقفًا يراقب والده لأول مرة بعين مختلفة.
هناك شيء تغيّر.
لأول مرة يشعر أن اللعبة ليست كما ظن.
وأن والده… ربما لم يكن يطارد فاطمة ووهج للسبب الذي صُوّر له طوال السنوات الماضية.
قطع الصمت صوت وهج أخيرًا.
"هاتلي موبايلي."
التفتت الأنظار كلها لها.
كانت تقف وظهرها مستقيم رغم الارتجاف الخفيف بأنفاسها.
لكن داخل عينيها…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان هناك شيء جديد.
شيء يشبه التمرد.
رفع عبد المنعم نظره إليها ببطء.
ثم مد الهاتف لها دون كلمة.
أخذته بسرعة، لكن قبل أن تخفضه قال بهدوء:
"بقيتي مستهدفة."
رفعت عينيها فورًا.
"وأنا من إمتى كنت بأمان أصلًا؟"
ساد الصمت.
أما فاطمة فأغمضت عينيها بتعب واضح.
قاسم لاحظ شيئًا مهمًا جدًا.
وهج لم تعد تخاف عبد المنعم بنفس الطريقة.
بل بدأت تواجهه.
ورغم أن المواجهة كانت ترتجف تحت صوتها…
إلا أنها حقيقية.
قال عبد المنعم أخيرًا:
"الخوف مش عيب يا بنت عبد الحكيم."
ضحكت بمرارة.
"لأ… العيب إن الواحد يعيش طول عمره خايف ومش فاهم من إيه."
شيء ما مرّ داخل عيني عبد المنعم.
وجع قديم.
لكنه اختفى سريعًا.
أما قاسم…
فكان يراقبها بصمت ثقيل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
يشاهد كيف تحاول التماسك رغم ارتجاف أصابعها.
وكيف أن عينيها كلما ضعفت…
تتحولان للعناد بدل الدموع.
ثم فجأة…
رن هاتف عبد المنعم.
نظر للشاشة.
طلعت.
رد بهدوء: "أيوة."
لكن صوته تغيّر فجأة.
بارد.
حاد.
"قول تاني."
توتر الجميع فورًا.
أكمل طلعت من الطرف الآخر بسرعة: "واحد من رجالتنا اتصاب تحت يا حاج… وفي عربية شرطة وصلت."
ضيّق عبد المنعم عينيه.
"شرطة؟"
"أيوة… وفي ظابط نازل بنفسه."
ساد الصمت لثانية.
ثم ابتسم عبد المنعم ابتسامة صغيرة جدًا.
غريبة جدًا.
"اسمُه؟"
جاء الرد: "شريف بك العامري."
هنا فقط…
تغيّرت ملامح عبد المنعم بالكامل.
لاحظ قاسم ذلك فورًا.
بل حتى فاطمة رفعت رأسها بصدمة خفيفة.
أما وهج…
فقط شعرت أن الاسم يحمل شيئًا خطيرًا.
قال عبد المنعم أخيرًا: "طلّعه فوق."
وأغلق الهاتف.
اقترب قاسم فورًا: "مين شريف العامري؟"
رفع عبد المنعم عينيه له.
ثم قال بهدوء ثقيل: "النوع اللي مبيحبش حد يلعب قدامه."
وفي الخارج…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
توقفت سيارة سوداء فارهة أمام العمارة.
نزل منها رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود فوق بدلته الرسمية، بينما انعكس ضوء الشارع فوق عينيه الرماديتين الباردتين.
كان يتحرك بهدوء شديد.
هدوء رجال يعرفون جيدًا أنهم أخطر من السلاح.
شريف بك العامري
رئيس مباحث غرب الإسكندرية.
الرجل الذي تتغير نبرة الضباط حين يُذكر اسمه.
صعد الدرج دون استعجال، وخلفه أمين شرطة يلهث بصعوبة.
همس الأمين: "يا فندم نستأذن قوة زيادة؟ شكل الناس اللي تحت—"
قاطعه شريف بهدوء: "لو كنت خايف انزل استنانا تحت."
بلع الرجل ريقه فورًا: "لا يا فندم."
وصل شريف أمام الشقة.
ثم طرق الباب مرة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
فتح قاسم الباب هذه المرة.
وتوقفت عينا الرجلين ببعضهما لثوانٍ طويلة.
كأن كليهما يقرأ الآخر.
قال شريف أخيرًا: "دكتور قاسم الراوي؟"
"أيوة."
رفع شريف بطاقة هويته بسرعة: "مباحث."
ظهر مصطفى فجأة من خلف الممر وهو يهمس: "أنا حاسس إننا بنجمع كروت شخصيات نادرة."
رمقه قاسم بضيق.
أما شريف…
فرفع حاجبه بخفة.
واضح أنه سمع.
دخل بخطوات هادئة.
وعندما وقعت عيناه على عبد المنعم…
ساد الصمت للحظة كاملة.
ثم قال شريف بهدوء: "عبد المنعم بيه الراوي."
رد عبد المنعم بنفس الهدوء: "شريف بك."
كانت هناك معرفة قديمة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكنها ليست مريحة.
لاحظ قاسم ذلك فورًا.
أما وهج…
فكانت تراقب الضابط الجديد بانتباه.
شيء فيه مختلف.
لا يشبه رجال عبد المنعم.
ولا يشبه قاسم.
رجل بارد…
لكن بطريقة قانونية.
خطيرة.
قال شريف أخيرًا وهو ينظر حوله: "جالي بلاغ عن شغب وسلاح أبيض."
ضحك مصطفى فجأة: "بلاغ؟ يا باشا ده كان موسم كامل مش بلاغ."
نظر له الجميع.
رفع يديه بسرعة: "أنا بس بحاول أوصف."
لكن المفاجأة…
أن شريف ابتسم فعلًا.
ابتسامة قصيرة جدًا.
ثم عاد ببروده فورًا.
اقترب من الطاولة حيث بقايا الزجاج المحطم.
ثم قال دون أن يلتفت: "واضح إن اللي حصل أكبر من خناقة عادية."
قال عبد المنعم: "وهو فعلًا أكبر."
رفع شريف نظره له مباشرة.
"تحب تحكيلي؟"
ساد الصمت.
لكن وهج تكلمت فجأة: "حد بيهددني."
التفت الجميع لها.
حتى فاطمة شهقت بخوف: "وهج!"
لكنها أكملت بعناد: "كفاية سكوت."
ثم رفعت هاتفها أمام شريف.
الصورة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
الرسالة.
قرأها الضابط بصمت.
لكن عينيه تغيّرتا قليلًا.
ثم سأل بهدوء: "مين عنده مصلحة يخوفك؟"
فتحت فاطمة فمها…
لكن عبد المنعم سبقها: "ناس قديمة."
التفت شريف إليه.
ولثوانٍ…
كان الرجلان يقيسان بعضهما بصمت.
ثم قال شريف أخيرًا: "الناس القديمة دي… ليها اسم؟"
أجاب عبد المنعم: "لما أعرفه هقولهولك."
وهنا فقط…
ابتسم شريف.
ابتسامة باردة جدًا.
"المشكلة إنك دايمًا بتحب تسبق القانون بخطوة يا عبد المنعم بيه."
رد عبد المنعم فورًا: "والقانون أحيانًا بيتأخر."
"بس لما بيوصل… مبيسامحش."
ساد الصمت.
أما قاسم…
فكان يشعر أن الهواء أصبح أثقل.
هناك تاريخ بين الرجلين.
تاريخ غير مريح.
وفجأة…
اهتز هاتف شريف برسالة.
فتحها بسرعة.
ثم رفع عينيه ببطء شديد.
"غريبة."
قالها بهدوء.
"إيه؟" سأل قاسم.
أراه الهاتف.
كانت صورة كاميرا مراقبة.
لنفس الشارع.
لكن قبل عشر دقائق.
وتظهر بوضوح…
شخصًا يضع الظرف أسفل باب شقة قاسم.
اقتربت وهج بسرعة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم تجمدت.
الشخص كان يرتدي كاب أسود…
لكن وجهه ظهر للحظة.
شهقت فاطمة.
أما عبد المنعم…
فضاقت عيناه بشكل مخيف.
بينما قال قاسم بصدمة: "أمير؟"
ساد الصمت.
صمت عنيف.
وفي سرايا الراوي…
كان أمير الراوي يقف أمام النافذة يدخن بعصبية، بينما كانت عزيزة تراقبه بتوتر.
صرخت فجأة: "قولّي عملت إيه!"
رد بعصبية: "وطي صوتك."
اقتربت منه: "أنا شوفتك نازل بالليل! رايح فين؟!"
التفت لها بعينين مشتعلتين: "قولتلك متدخليش."
لكن عزيزة لم تسكت.
بل اقتربت أكثر: "إنت لعبت لعبة من ورا عبد المنعم؟!"
وهنا فقط…
صفع الطاولة بعنف جعلها تنتفض.
"أيوة لعبت!"
شهقت بصدمة.
أما هو…
فكان يتنفس بعنف.
"عبد المنعم طول عمره شايف نفسه الكبير… العاقل… المسيطر."
اقترب أكثر.
"بس المرة دي؟"
ثم ابتسم ابتسامة مشوهة مليئة بالحقد: "هشوف هيعمل إيه لما ابنه يقع في حب البنت اللي بسببها البيت كله اتحرق."
اتسعت عينا عزيزة.
"إنت مجنون."
ضحك أمير ضحكة قصيرة باردة: "لا… أنا تعبت."
وفي شقة الإسكندرية…
كان الصمت لا يزال مسيطرًا بعد ظهور صورة أمير.
رفع قاسم عينيه ببطء ناحية عبد المنعم.
ثم قال أخيرًا: "عمي؟"
لكن عبد المنعم لم يرد.
كان واقفًا بثبات غريب…
إلا أن عينيه فقط فضحتاه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وجع.
وخذلان.
شيء انكسر داخله للتو.
أما شريف…
فقد كان يراقب الجميع بصمت المحقق الحقيقي.
يربط النظرات.
الأنفاس.
الخوف.
ثم قال بهدوء: "واضح إن الموضوع عائلي أكتر مما توقعت."
رد عبد المنعم أخيرًا: "ومعقد أكتر مما تتخيل."
ثم استدار فجأة ناحية فاطمة.
"خدي بنت أخويا وامشوا."
اتسعت عينا الجميع.
حتى قاسم.
"إيه؟!"
قالها قاسم بصدمة.
لكن عبد المنعم أكمل: "دلوقتي."
اقتربت فاطمة بتوتر: "رايحين فين؟"
"أي مكان بعيد عن هنا."
تدخل شريف فورًا: "استنى… محدش هيتحرك قبل ما أفهم."
لكن عبد المنعم نظر له مباشرة: "لو فضلوا هنا… هيتقتلوا."
ساد الصمت.
أما وهج…
فكانت تنظر لعبد المنعم بذهول حقيقي.
لأول مرة…
شعرت أن خوفه عليهم حقيقي.
لكن رغم ذلك…
شيء داخلها رفض الاستسلام.
قالت بعناد: "وأنت؟"
رفع نظره لها.
"أنا إيه؟"
"هتفضل تحارب لوحدك؟"
ظهرت ابتسامة صغيرة مرهقة على وجهه لأول مرة.
"أنا اتولدت لوحدي يا بنت عبد الحكيم."
ارتجف قلبها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما قاسم…
فشعر بشيء يضغط صدره بقوة.
والده الذي ظنه جبلًا لا يهتز…
بدا متعبًا لأول مرة.
وفجأة…
دوّى صوت انفجار قوي بالخارج.
اهتزت النوافذ بعنف.
شهقت وهج.
بينما اندفع قاسم فورًا ناحية الشرفة.
النار كانت تشتعل بإحدى سيارات عبد المنعم أسفل العمارة.
والرجال يصرخون.
لكن الأخطر…
أن سيارة سوداء كانت تهرب بسرعة جنونية آخر الشارع.
قال شريف فورًا: "دي مش رسالة… دي بداية حرب."
ثم التفت بسرعة: "لازم نمشي حالًا."
وفي لحظة واحدة…
تحولت الشقة لفوضى منظمة.
عبد المنعم يعطي أوامر بسرعة مرعبة.
شريف يتحدث باللاسلكي.
قاسم يسحب مفاتيحه.
مصطفى ظهر فجأة يحمل حقيبة إسعافات ضخمة وهو يصرخ: "أنا معرفش رايح فين بس أخدت شاش وقطن احتياطي عشان غالبًا هنموت!"
ورغم التوتر…
ضحكت وهج.
ضحكة قصيرة مرتجفة.
التفت قاسم لها فورًا.
وعندما التقت عيناهما…
فهم شيئًا واحدًا فقط.
الليلة غيّرت كل شيء.
وفي الأسفل…
كانت السيارات تتحرك وسط دخان النار.
أما فوق…
فقد بقي باب الشقة مفتوحًا.
خاليًا.
كأن أحدًا لم يسكنه يومًا.
لكن على الطاولة الصغيرة قرب الأريكة…
كان هناك شيء تُرك خلفهم.
صورة قديمة أخرى.
لكن هذه المرة…
ليست لوهج.
بل لعبد الحكيم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وخلف الصورة بخطٍ قديم مهتز:
"السر اللي دفنته زمان… رجع يطالب بحقه."
ألسنة النار كانت ترتفع أسفل العمارة بشكل وحشي…
تبتلع السيارة السوداء ببطء، بينما انعكاس اللهب كان يرقص فوق واجهات المباني القديمة، محولًا الشارع السكندري الهادئ إلى مشهد يشبه أفلام المطاردات الثقيلة.
صوت الزجاج المتكسر… صراخ الرجال… ورائحة الدخان الحادّة التي بدأت تتسلل حتى للطابق العلوي…
كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.
لكن داخل الشقة…
كان هناك نوع آخر من الفوضى.
الفوضى التي تحدث داخل العقول.
وقف قاسم عبد المنعم الراوي قرب الباب ممسكًا مفاتيحه بقوة، وعيناه تتحركان بين والده ووهج وشريف العامري، بينما عقله يحاول استيعاب ما يحدث.
أمير؟
عمه هو من أرسل الصور؟
أم أن هناك من يريد إظهاره بهذه الصورة؟
ولماذا؟
أما عبد المنعم الراوي…
فكان الأكثر هدوءًا بينهم.
وذلك وحده كان مرعبًا.
لأن قاسم يعرف والده جيدًا.
حين يهدأ لهذا الحد… فهو لا يكون غاضبًا فقط.
بل يكون قد دخل مرحلة الحساب.
مرحلة لا يعود منها أحد كما كان.
قال شريف العامري بسرعة وهو يضغط على سماعة اللاسلكي بأذنه: "عاوز دورية تقفل آخر الشارع حالًا… العربية السودا متطلعش من المنطقة."
ثم التفت فجأة لعبد المنعم: "مين كان يعرف مكان الست دي غير رجالتك؟"
رفع عبد المنعم نظره له ببطء.
"الناس اللي بثق فيهم."
"واضح إن الثقة عندك فيها مشكلة."
ساد الصمت.
أما قاسم…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فلاحظ شيئًا مهمًا.
والده لم يغضب من الجملة.
بل تقبلها.
وكأن جزءًا منه… بدأ يشك فعلًا.
وفي الخلف…
كانت فاطمة تقف قرب الحائط تضم عباءتها حولها، ووجهها شاحب بشكل مؤلم.
لكن عينيها فقط… كانتا تتحركان بسرعة.
كأن عقلها عاد سنوات للخلف فجأة.
لاحظت وهج ذلك فورًا.
اقتربت منها هامسة: "ماما… مالك؟"
لم ترد.
فأمسكت يدها: "إنتِ عرفتي حاجة صح؟"
رفعت فاطمة عينيها لها ببطء شديد.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
شعرت وهج بالخوف الحقيقي.
لأنها لأول مرة ترى أمها بهذا الشكل.
ليس خائفة…
بل منهارة من الداخل.
همست فاطمة أخيرًا: "لازم نمشي."
عقدت وهج حاجبيها: "إحنا أصلًا كنا هنمشي."
هزت رأسها بسرعة: "لا… مش كدة."
"أمال إيه؟"
ثم خرجت منها الجملة المرتجفة التي جعلت الدم يبرد داخل وهج: "لازم نهرب من الكل."
اتسعت عيناها.
"حتى عمي عبد المنعم؟"
أغمضت فاطمة عينيها بألم.
ولم تُجب.
أما في الجهة الأخرى…
فقد كان شريف بك العامري يقف قرب النافذة يراقب الشارع بعينيه الرماديتين الهادئتين.
كان يبدو هادئًا جدًا…
لكن داخله كان يعمل بسرعة مرعبة.
سيارة مفخخة جزئيًا.
صور مراقبة.
عائلة كبيرة تخفي أسرارًا أقدم من نصف القضايا التي تعامل معها.
ورجل مثل عبد المنعم الراوي…
يقف أمامه متماسكًا رغم أن النيران وصلت حرفيًا إلى باب بيته.
قال شريف أخيرًا دون أن يلتفت: "في حد عاوز يوقعكم في بعض."
رد عبد المنعم بهدوء: "عارف."
"بس إنت مش عارف مين."
صمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم التفت شريف ببطء.
"وده اللي مخليك أخطر دلوقتي."
تبادل الرجلان النظرات لثوانٍ طويلة.
شعرت وهج خلالها وكأنها تشاهد مباراة شطرنج بين عقلين مرعبين.
أما مصطفى…
فكان في زاوية الصالة يضع شاشًا طبيًا داخل حقيبته بشكل هستيري وهو يتمتم: "أنا كان نفسي أتجوز والله… كان نفسي أعيش قصة حب طبيعية… مش أموت في عربية فيها عصابة ومافيا وعيلة صعيدية."
رغم التوتر…
خرجت من قاسم زفرة قصيرة أقرب للضحك المكتوم.
أما وهج…
فرفعت يدها على فمها تخفي ابتسامة صغيرة.
لاحظ مصطفى ذلك فورًا فأشار لنفسه بفخر: "أهو… على الأقل قبل ما نموت محدش ينسى إن أنا كنت سبب البهجة."
لكن فجأة…
توقف الجميع.
لأن عبد المنعم قال جملة واحدة فقط.
"فاطمة."
رفعت رأسها نحوه ببطء.
"الصورة الأخيرة."
ساد الصمت.
أما قاسم…
فشعر بشيء ثقيل يتحرك داخله.
عبد المنعم لا يسأل عبثًا.
أكمل بهدوء: "إنتِ شفتي الخط ده قبل كدة؟"
تجمّدت أنفاس فاطمة.
ثانية.
اثنتين.
ثم شحب وجهها بالكامل.
لاحظ شريف ذلك فورًا.
لاحظ قاسم أيضًا.
حتى وهج أحست بيد أمها تبرد داخل يدها.
اقترب عبد المنعم خطوة واحدة فقط.
لكن صوته بقي هادئًا بشكل مرعب: "مين اللي كان بيبعت لعبد الحكيم رسائل زمان؟"
شهقت وهج دون وعي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما قاسم…
فشعر أن الأرض بدأت تتحرك تحت قدميه.
عبد الحكيم نفسه؟
يعني القصة أقدم بكثير مما تخيل.
لكن فاطمة تراجعت فجأة للخلف.
"مش وقته."
خرج صوتها مرتجفًا.
"ولا عمره هييجي وقته."
ضيّق عبد المنعم عينيه.
ولأول مرة منذ دخوله الشقة…
ظهر الغضب الحقيقي بعينيه.
غضب بارد.
"بعد كل السنين دي… لسه بتخبّي؟"
صرخت فجأة: "لأني لو اتكلمت… ناس هتموت!"
ساد الصمت.
حتى صوت النار بالخارج بدا بعيدًا فجأة.
أما وهج…
فالتفتت لأمها ببطء شديد.
وقلبها يسقط داخلها.
هي تعرف هذه النبرة.
تعرفها جيدًا.
أمها لا تبالغ.
إذا قالت إن الحقيقة تقتل… فهي تعنيها حرفيًا.
قال شريف أخيرًا: "واضح إننا لازم نتحرك من هنا قبل أي اعترافات."
ثم أشار للباب: "المكان بقى مكشوف."
لكن قبل أن يتحرك أحد…
رن هاتف قاسم.
نظر للشاشة.
رقم خاص.
رفع حاجبه ببطء ثم رد: "ألو؟"
لم يأتِ رد فورًا.
فقط صوت تنفس هادئ.
ثم…
ضحكة خافتة جدًا.
باردة.
غريبة.
تجمدت ملامح عبد المنعم فجأة.
أما قاسم…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فضاقت عيناه.
جاء الصوت أخيرًا: "مساء الخير يا دكتور."
صوت رجل.
هادئ.
لكنه يحمل شيئًا مزعجًا تحت طبقاته.
"مين؟"
ضحك الرجل مجددًا.
"بصراحة؟"
ثم أضاف: "أنا مستمتع جدًا بالم الشمل العائلي اللي حاصل فوق."
شعر قاسم أن الدم تجمد داخل عروقه.
نظر فورًا حوله.
الستائر.
النوافذ.
الشرفة.
هل يراهم؟
قال ببرود: "إنت مين؟"
لكن الرجل تجاهل السؤال.
"تعرف أكتر حاجة بحبها في العائلات الكبيرة يا قاسم بيه؟"
صمت قصير.
ثم: "إن أسرارها بتتعفن مع الوقت… وبعدها تنفجر لوحدها."
اقترب عبد المنعم فورًا: "اديني التلفون."
لكن الرجل سمعه.
وضحك.
ضحكة طويلة هذه المرة.
"عبد المنعم الراوي بنفسه؟"
ساد الصمت.
ثم أكمل بنبرة أخطر: "وحشتني يا كبير."
وهنا فقط…
تغيّرت ملامح عبد المنعم بشكل مفاجئ.
اختفى الجمود للحظة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية.
كافية ليفهم قاسم شيئًا خطيرًا.
والده…
يعرف الصوت.
همس عبد المنعم أخيرًا: "مستحيل."
لكن الرجل رد فورًا: "بالعكس… أنا حي جدًا."
شحب وجه فاطمة بالكامل.
أما وهج…
فقد شعرت بقشعريرة تسري بجسدها.
الصوت نفسه…
كأنه خرج من قبر.
ثم فجأة انقطع الاتصال.
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
حتى مصطفى لم ينطق هذه المرة.
أما قاسم…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فكان ينظر لوالده بصدمة حقيقية.
لأنه لأول مرة في حياته…
يرى عبد المنعم الراوي مرتبكًا.
ثانية واحدة فقط.
لكنها حدثت.
اقترب شريف فورًا: "مين ده؟"
لكن عبد المنعم لم يرد.
كان ينظر للفراغ بعينين جامدتين.
كأنه يرى شبحًا من الماضي.
ثم قال أخيرًا بصوت منخفض جدًا: "لازم نتحرك… حالًا."
رفع قاسم حاجبيه: "إنت تعرفه؟"
نظر له عبد المنعم ببطء.
ثم قال جملة جعلت البرودة تضرب المكان كله:
"المفروض إنه مات من عشرين سنة."