رواية احفاد نصار الفصل العاشر 10 بقلم دنيا كريم
10 = أحفاد نصار "مكتملة" - الفصل 10 "عيناه فضاحة" - 10 /
للجميع@
الفصل 10 "عيناه فضاحة"
شعر بتجمد الدماء داخل عروقه عندما وجدها تعود إليه مرة أخرى لكن هذه المرة والصدمة تعلوا وجهها ، لثوانٍ قليلة ظن أنها هي بالفعل متناسيًا اي شيء وقد رفع سقف اماله الي أعلىٰ حد ، و لكن احيانًا قد تخيب آمالنا ، و نشعر أننا حلقنا الي سابع سماء و هبطنا منها على رؤوسنا لتذهب آمالنا ادراج الرياح ، كان هذا الشعور مُطابق لشعوره في هذه اللحظة ، من شعور الصدمة وعدم التصديق اللذان امتزجا بشعور السعادة الي عدم الفهم والدهشة من جملتها حين سألته :
" انت تعرف ونس منين ؟ "
في هذه اللحظة تحديدًا أدرك أنها ليست هي و لكنها تعرفها على الأقل هذا ما دفعه لسؤالها مُتجاهلًا سؤالها للتو :
" أنتِ تعرفيها منين ؟ "
شعرت بالانزعاج من سؤاله و تجاهله لسؤالها لكنها إجابته رغم ذلك :
" انا اختها ، ممكن اعرف بقى انت تعرفها منين ؟ "
هنا قد تجمعت بعض الخيوط بالنسبة له صحيح أن هناك بعض الاشياء التي لم يفهمها بعد الا انه عقد العزم على معرفة ما يحدث و كيف لتلك أن تكون شقيقة المدعوة «ونس» تلك ، و قبل أن يجيب على سؤالها قاطعه رنين هاتفه ليمسك بالهاتف ويقول :
" لحظة "
اجاب على الهاتف بعد أن اومأت له بالموافقة ليسمع صوت شقيقه الذي بدى عليه الانزعاج :
" انت فين يا اكرم ؟ "
قطب حاجبيه وسأله ببعض القلق :
" في حاجة ولا اي ؟ "
لم يسمع سوى ذاك التأفف العالي الذي صدر من شقيقه والذي أوحىٰ بضيقه لينطق من بعد ذلك بنفاذ صبر:
" في اي ، لا ولا حاجة في بس أن امك في البيت ها يحصلها حاجة و جابولها دكتور ، وفي ان ابوك بعتني القسم اشوف في اي وانا روحت مالقتش حضرتك ولما اتصلت قولتله قالي ماترجعش البيت من غيره ، في اني بلف عليك بقالي ساعة ومش لاقيك ، وانت بكل برود بتسأل في حاجة ، بجد اي راحة البال الي انا فيها دي ؟ "
كان صامتًا فقط يستمع إلي شقيقه الذي انفجر به بأتهامات وجهها له ، ليسأله بهدوء بعد أن انتهى :
" خلصت ؟ "
حرك رأسه قائلًا من بين أسنانه :
" اه اتنيلت "
اومأ له ثم قال بأختصار :
" انا جاي في الطريق "
كاد يغلق ليوقفه «طارق» بسرعة قائلًا :
" لا جاي فين ، انت تقولي انت فين وانا اجيلك و نروح سوا علشان أنا لو رجعت لابوك من غيرك مش ها يدخلني البيت "
تنهد «اكرم» بملل ليوافق بعد ذلك رغم اعتراضه على كل ما يحدث ولكن لكي لا تزيد المشاكل هذه الليلة و تمر باقيتها بسلام قرر العودة مع شقيقه كما طلب والده منه ، ليغلق المكالمة بعد أن أخبر شقيقه بمكانه لينظر إلي تلك الواقفة ويقول وهو ينهض ويستعد للمغادرة :
" مش ها اقدر اتكلم معاكِ دلوقتي ، بس لو حابة نتكلم و اكمل موضوع عملية والدتك... "
اخرج بطاقة من جيب بنطاله و أعطاها لها ثم اكمل :
" ده رقمي ، الوقت الي أنتِ متفرغة فيه كلميني "
اومأت له ليتركها ويتجه الي الباب وقبل أن يخرج التفت لها مرة أخرى و قال :
" في حاجات كتيرة عايز اعرفها ياريت تقابليني قريب "
اومأت له ثم قالت مؤكدة :
" قريب جدًا إن شاء الله "
ابتسم لها وكاد يخرج ليجد «طارق» يقف أمامه ، ليسأله بدهشة :
" انت جيت امتى ؟ "
حرك «طارق» كتفيه وقال بعدم اهتمام :
" دلوقتي "
رفع احد حاجبيه ثم قال بسخرية :
" طب امشي يا اخويا "
ذهبوا معًا الي السيارة الخاصة به و بعد أن ركب كلاهما قال «طارق» بسخرية :
" اه لو ابوك عرف أن احنا لافين عليك الدنيا وانت قاعد هنا مع واحدة "
بدأ «اكرم» في القيادة متجاهلًا حديث الشقيقه الذي تابع قائلًا :
" كان ها يبقى مبسوط اوي "
ضحك على جملته الاخير ليحرك رأسه قائلًا بيأس :
" تصدق عندك حق "
اومأ له ليغمز له بأحدى عيناه من بعد ذلك ويسأله بفضول :
" بس مين البنت دي ؟ "
ثم قال متصنعًا الحزن :
" لا ماعرفش عنك كده يا اكرم ، يا خسارة تربيتي فيك "
رفع «اكرم» أحد حاجبيه ليقول بجدية وهو ينظر إلي الطريق أمامه :
" دي واحدة عايزة تعمل عملية لوالدتها ، هي الي عملت الفيلم ده كله و المحضر علشان تقابلني "
اتعست عينا شقيقه بدهشة ليسأله بعدم تصديق :
" بقى عملالك محضر علشان تقابلك ؟؟ "
اومأ له ليضرب الاخر كفًا فوق الآخر ويقول بدهشة :
" البنات دماغها لسعت تقريبًا ، بس برضو مش فاهم هي عرفتك منين و يزن الي كان سايق ؟ ، و عرفت منين انك دكتور كمان ؟ "
بدأ في سرد لشقيقه ما حدث عند ذهابه الي قسم الشرطة دون أخباره بأخر حديث دار بينهم ، وصلوا بعد فترة الي المنزل وكان قد اخبر «طارق» شقيقه بشجار «يزن» مع والده وما حدث ، هبطوا من السيارة بعد أن صفها «اكرم» بجانب المنزل و صعدوا الي الطابق الأول حيث شقة جدتهم و التي اجتمعوا بها جميعًا ليطمأنوا على «داليا» و يحاولون تهدئة الأوضاع ، دلفوا الي الداخل ليجدوا أباهم و عماهما يجلسون في الصالة و يحاول كل من والدهم و عمهم «محمود» تهدئة عمهم «احمد» و الذي بدى الانزعاج جليًا عليه ، بينما في الردهة كان يجلس كل من شقيقتهم و زوجتي عماهما ، وفي داخل الغرفة الخاصة بجدتهم كانت والدتهم مستلقية على الفراش و بجانبها ابن عمتهم «بدر» يفحصها و جدتهم .
انتفض الجميع من مكانه عندما رأوا «اكرم» لتهرول والدته إليه من الداخل بعدما سمعت شقيقته تنادي بأسمه ، لتمسك وجهه بين كفيها وتسأله بدموع امتزجت بلهفتها :
" انت كويس يا حبيبي ، فيك حاجة واجعاك ؟ "
امسك بكفها الذي كان يحاوط وجهه ليقبل باطنه ويقول بابتسامة :
" انا كويس يا ست الكل و واقف قدامك اهو "
زاد بكائها ليحتضنها و يقول بلطف وهو يربت على ظهرها لكي تهدأ :
" انا كويس والله العظيم ، خلاص بقى بلاش عياط علشان ما تتعبيش "
اومأت له ليبعدها عنه قليلًا و يقوم بمسح دموعها بكفه و يقبل رأسها ليشير لشقيقته بعد ذلك عليها بعينه ويقول :
" خدي ماما يا نور طلعيها فوق ترتاح "
ثم نظر إلي شقيقه وقال :
" اطلع معاها انت كمان يا طارق "
وافق كلاهما و أخذوا والدتهم و ذهبوا بها الي الاعلى حيث شقتهم ليقترب منه والده و يسأله :
" اي الي حصل يا اكرم ؟ "
مسح على وجهه بتعب ثم نظر إلي والده وقال وهو يدلف الي الصالة :
" تعالى يا بابا و هات عمو احمد معاك ، ها اتكلم معاكم "
اومأ له والده ليذهبو الي الصالة معهم كما طلب .
لم يتبقى في شقة جدته سواه هو و والده و عمه الذين جلسوا معًا في الصالة و معهم جدته ، غادر الجميع الي منازلهم تاركين لهم مساحة للحديث ليبدأ «اكرم» حديثه قائلًا :
" عمي الي حصل كان سوء تفاهم مش اكتر ، هو فعلًا يزن خد العربية من غير ما يقولي بس ماعملش حادثة ولا حاجة العربية تحت سليمة مافيهاش حاجة "
حرك «احمد» رأسه بعدم فهم ليسأله :
" امال اي الي حصل ؟ "
استند بظهره على الأريكة وقال بهدوء :
" الي حصل أن هو كان ها يخبط واحدة بالعربية لأن كان الشارع الي ماشي فيه ضلمة و تقريبًا ماعرفش يشغل الكشاف بتاع العربية ، المهم هو ماخبطهاش علشان هي صوتت وهو عرف يفرمل قبل ما يخبطها ، بس كان في حكومة في المكان و لما لقاهم جايين عليه ماعرفش يتصرف فا هي قالته لو لقوه واقف ها ياخده القسم راحت قالتله يمشي وهما لما يلاقوا العربية من غير صاحبها ها يحطوا عليها الغرامة و يمشوا و هو عمل كده راحت بعد ما الحكومة جات و حطت المخالفة لما شافت الرخصة الي الظابط طلعها من العربية مكتوب فيها المهنة دكتور قلب راحت عاملة محضر "
دُهش ثلاثتهم من ما قاله ليسأله والده :
" وهي عملت محضر علشان عرفت انك دكتور قلب ولا اي مش فاهم ؟ "
اومأ برأسه ليقول مؤكدًا:
" هي فعلًا عملت محضر لما عرفت اني دكتور علشان كانت عايزة تقابلني وبما أنها ماتعرفش عني اي حاجة مالقيتش طريقة تقابلني بيها غير دي "
اخذ كوب الماء من على الطاولة و بدأ بالشرب لتسأله هذه المرة جدته :
" طب وهي كانت عايزة تقابلك ليه ؟ "
اعاد الكوب الي مكانه بعد أن ارتوى ليجيب على سؤالها قائلًا:
"والدتها عندها القلب و كانت عايزاني اعملها عملية "
اومأ له الجميع بعد أن فهموا ما حدث ليسترسل هو حديثه والذي وجهه الي عمه هذه المرة :
" انا طارق حكالي الي حصل و خناقتك مع يزن ، فا حبيت اقولك أنه ماحصلش حاجة ياريت يا عمي تقعد معاه و تتكلموا علشان تقدر تفهم هو عايز اي و توصلوا لحل سوا ، اكيد مش ها تقاطع ابنك ولا اي ؟ "
ظهر الضيق على وجه «احمد» فور حديث «اكرم» عن ما حدث ليقول بعدم رضا :
" انا مش ها اكلم حد ، خليه يتربى "
نفى «اكرم» برأسه ما يقوله عمه ليقول بلين محاولًا إقناعه :
" يا عمي معظم الشباب في سن يزن بيبقوا طايشين و بيعملوا تصرفات غبية و مش بيعرفوا يشيلوا المسؤولية ، علشان كده انت لازم تقعد تتكلم معاه و تفهموا وهو مع الوقت ها يعقل مش ها يفضل طول عمره طايش يعني لكن لو انت سيبته دلوقتي ممكن ترجع تندم بعدين لو مشي في طريق غلط "
ايد «محمد» حديث ابنه قائلًا :
" اكرم معاه حق يا احمد انت لازم تقعد معاه و تتكلموا ، انك تبعد عن ابنك وهو في المرحلة دي غلط جدًا و ممكن فعلًا زي ما اكرم قال لا قدر الله يمشي في طريق غلط و ماتعرفش تلحقه "
شعروا بأستجابته لهم عندما وجدوا تعابير وجهه قد لانت ليكمل «اكرم» قائلًا بمرح كي يعطي بهجة للحديث افضل من تلك الأجواء المتأزمة :
"طب ما انا اهو مش مراهق ولا حاجة ولسه لغاية دلوقتي بعتمد على الحاج... ده انا حتى جايب العربية من على حسابه وهو مستحلفلي من ساعتها "
ابتسم «احمد» على ما قاله ليضحك «اكرم» و يقول من بين ضحكاته :
" ما تفك يا راجل بقى عايز اطلع انام "
رمقه عمه بغيظ ليرفع كفيه بسرعة قائلًا بخوف مزيف :
" انا اسف ، هو حد يقدر ينام برضو و حضرتك موجود "
ضحكوا جميعًا على ما قاله لينهض «احمد» ويقول بابتسامة:
" ربنا يبارك في شبابك يابني ، طيب انا ها اطلع بقى تصبحي على خير يا ماما "
اومأت له «نجاح» بابتسامة لينهض «محمد» ويقول هو الآخر :
" خدني معاك انا خلاص فصلت يلا سلام عليكم "
" و عليكم السلام ورحمه الله "
كان هذا رد كل من «نجاح» و «اكرم» ليغادر بعدها عمه و والده ، ليعود برأسه الي الخلف مستندًا على ظهر الأريكة ليغمض جفنيه و يقول بأرهاق :
" شباب اي يا عمي انا بعجز "
ضحكت جدته ثم ذهبت لتجلس جواره لتقول بابتسامة حنونة :
" عجزت اي يا واد امال انا ابقى اي على كده... عيش سنك و حياتك يا حبيبي وبلاش تشيل الهم من دلوقتي العمر بيجري ولو فضلت مكانك متمسك بالي فات مش ها يستناك و ها تلاقيه جري و ساعتها ها تندم انك ماعيشتش فيه ولا عملت حاجة و فضلت مكانك "
فتح عيناه لينظر إليها وهو مازال بنفس وضعيته ليسألها بتعب و عينان توشك على الانغلاق :
" هو حد قالك حاجة ؟ "
نفت برأسه ثم أشارت على قلبها وقالت بابتسامة:
" ده قالي أن حفيدي شايل جواه كتير و مخبي "
ثم أشارت على عيناه و أكملت :
" و دول قالولي هو شايل اي "
كان ينظر إليها بعينان شبه مغلقتين ليسألها بصوت طغى عليه النوم :
" قالولك اي بقى ؟ "
" قالولي انك واقف في نقطة معينة من زمان ومش بتتحرك ، متمسك بي الماضي و مش قادر تمشي مع المستقبل ، مش قادر تتخطى الي فات ولا قادر تجاري الي جاي "
استلقى بجسده على الأريكة ليضع رأسه على قدمها و يسألها بسخرية :
" هو انا عنيا فضحاني اوي كده ؟ "
اومأت له وهي تمسد على خلاصته بابتسامة حنونة ليغفوا على قدمها دون أن يشعر .
________________________________
كان يقف في الشرفة و يطالع كل شيء حوله بنظرات مختنقة ، يرخي ملامحه تارة عندما يتذكر ما حدث معها و كيف ساهم في إنقاذها و تحتد ملامحه تارة عندما يتذكر شجاره مع والده و ما حدث ، قاطع اضطرابه صوت من الخلف يقول بلطف:
" يزن انت كويس ؟ "
التفت بجزعه العلوي الي مصدر الصوت ليجدها «هنا» ليعود للنظر الي أمامه مرة أخرى و يقول :
" كويس "
ذهبت لتقف بجانبه لتقول بسخرية :
" مش بسألك علشان تقولي كويس على فكرة"
نظر إليها قليلًا ليضيق عيناه و يسألها:
" امال بتسأليني علشان اقولك اي ؟ "
حركت كتفيها لتقول وهي تضع اصبعها على ذقنها متصنعة التفكير:
" ممكن علشان تقولي مالك مثلًا "
ضحك على طريقتها الطفولية ليتنهد بعد ذلك ثم يقول بحزن :
" لو عايزة الحقيقة فا انا مش كويس خالص ، انا تعبان يا هنا ، بابا اهو زي ما انتِ شوفتي كده ، عارفة مع أنه هو الي صمم ادخل كلية تجارة رغم اني كنت مش عايز و دخلت بسبب إصراره على أساس ليها شغل و مستقبل... عارفة بعد ما اتخرجت و مالقتش شغل قالي اي ؟"
حركت رأسها نافية لتسأله بأهتمام :
" لا ، قالك اي ؟ "
ضحك بسخرية عندما تذكر ما قاله له والده في ذاك اليوم بعدما لم يجد عمل ، ليقول بألم :
" قالي انت اصلًا عيل بايظ و ماحدش يقبل يشغلك "
صمت ليبتلع غصة مريرة في حلقه بينما تلك التي كانت تقف بجانبه توشك على البكاء من تأثرها بما قاله لم تستطع الحديث ليتابع هو :
" مهما حاولت و مهما عملت دايمًا شايفني زي ما هو عايز ، مهما حاولت ارضيه أو اعمل علشانه اي حاجة برضو مش ها يشوف اني عملت كده علشانه وها يقول إنه كان مصلحة ليا الي عملته ، هنا انا ابويا شايفني عيل... مش شايفني راجل "
حملت جُملته الأخيرة الكثير من الالم و الحزن و الخيبة ، لتقول هي بلين محاولة التخفيف عنه :
" ما تقولش كده يا يزن ، اكيد عمو بيحبك بس هو بيضايق علشان مثلًا بيشوفك طايش شوية و كده و يمكن بيقولك كده علشان تحسن من نفسك و تبقى احسن بس انت مش عارف تفهم طريقته في النصح "
تنهدت لتكمل قائلة بصدق :
" انت راجل بجد و يُعتمد عليك انا مش بقول كده و خلاص "
نظرت إليه لتتقابل أعينهم لتقول كلمات نبعت من قلبها:
" انا بشوفك راجل و مش اي راجل... احسن راجل في الدنيا دي كلها "
لا تعلم من اين أتتها بحق هذه الجراءة لقول هذا لكنها تفوهت به بالفعل ، لتُشيح بنظرها عنه محاولة التحكم في نبضات قلبها التي تسارعت لتقول بتوتر حاولت أخفاءه :
" مش بقول اي كلام على فكرة ، فاكر اليوم الي اغمى عليا فيه و انت رشيت عليا ماية و خدتني كمان نزلت بيا تحت... لو ماكنتش انت موجود ساعتها كان اي الي ها يجرالي ؟ "
كانت تتحدث دون النظر إليه ، كانت تنظر إلي الأسفل لترفع رأسها قليلًا لترى ردة فعله على ما قالته ، لتجده يبتسم ليقول بصدق :
" تعرفي انك اجدع بنت عم في الدنيا دي كلها"
اتسعت ابتسامتها وهو يكمل:
" عارفة لو كل الناس الي في الدنية زيك كانت الدنيا ها تبقى جميلة "
كانت تقضدم أظافرها بأسنانها وهي تستمع له ما جعله يطالعها باستغراب و يسألها ببعض الدهشة:
" أنتِ بتعملي اي ؟ "
وضعت يداها على وجهها لتقول بسعادة :
" ما انت بصراحة بتقول كلام حلو اوي و يكسف "
حرك رأسه ليسألها بعدم فهم:
" و ده ماله بـ انك بتعضي ضوافرك ؟ "
ازالت يداها عن وجهها لتظهر ابتسامتها العريضة و وجنتاها اللتان كساهما اللون الوردي اثر خجلها لتقول ببراءة :
" ما هو انا لما بتوتر بعض ضوافري "
قهقه عاليًا ليحاول أن يتوقف عن الضحك و بعد فشله في التوقف قال من بين ضحكاته التي امتزجت بدهشته:
" بقى في حد لما يتكسف يعض ضوافره ؟؟ "
اومأت برأسها و قالت :
" اه عادي في ، و في ناس بتعمل حاجات اكتر من كده كمان"
ضحك ليسألها بمشاكسة :
" بيعملوا اي بقى ؟ "
" بيعضو الي قدامهم "
تلاشت ابتسامته ليرفع كفيه و يقول بسرعة :
" بيعضو الي قدامهم ! ، لا ياختي شكرًا عضي ضوافرك مع نفسك "
ضحكت على مظهره ليضحك هو الآخر و تستمر هذه الأمسية فترة لا بأس بها حتى ينتهي الليل و يعود كل منهم الي شقته و قد تغيرت الكثير من المشاعر داخل كل منهما و قد ولدت مشاعر أخرى جديدة بالنسبة لهما .
_________________________________
تململ في نومته ليفتح عيناه ليجد نفسه ينام على أحد الارائك ، نهض من نومته و اتجه الي الباب ليذهب الي الخارج ، فتح الباب لتتسع عيناه التي كان يحاول فتحها منذ قليل على مصرعيها عندما سمع صوت تلك التي صرخت لينظر إلي حيث الصوت ولم تكن سوى «بسمله» تقف أمامه و تضع يدها عند موضع قلبها ، ليحرك رأسه و يسألها بصدمة :
" في اي ؟ "
رمقته بأنزعاج لتقول وهي تتجه الي المطبخ:
" خضتني يا اكرم "
نظر حوله ليسألها بدهشة :
" هو انا فين ؟ "
كادت تغادر ليوقفه سؤالها لتنظر إليه و تقول بعدم فهم :
" انت عند تيتا يا اكرم "
وضع يده على رأسه محاولًا تذكر ما حدث أمس و كيف جاء الي هنا ، ليتذكر ذاك الحديث الذي دار بينه وبين جدته و أنه غفى على قدمها دون أن يشعر ، ليُزيل يده من على رأسه و يقول بصوت نائم :
" انا عايز قهوة "
كانت تتابع ما يفعله بصمت لترمش بعيناها عدة مرات و تسأله بدهشة :
" قهوة ! ، انت مش صايم ؟ "
نظر إليها فجأة و كأنه قد لاحظ وجودها للتو ، ليحرك رأسه و يقول بتذكر :
" أيوة صايم... احنا في رمضان صح "
كانت تنظر إليه ببلاهة كأنه شخص فاقد للذاكرة و يستعيدها الان ، لتحرك يدها أمام وجهه و تسأله وهي تضحك :
" اكرم انت صاحي ولا انت لسه نايم ؟ "
ضحك بسخرية على ما قالته ليجيب وهو يعطيها ظهره و يتجه الي الخارج:
" لسه نايم "
اتجه الي غرفة المعيشة حيثُ كانت تجلس جدته و تقوم بالتسبيح ليجلس على الأريكة المجاورة لها و يسألها بابتسامة:
" ماصحتنيش اطلع انام فوق ليه ؟ "
نظرت إليه لتجيب بابتسامة هي الأخرى :
" لقيتك نعسان مارضتش اصيحك"
لتكمل بأنزعاج مُزيف :
" و بعدين فيها أي لما تبات عند جدتك ولا تكون فاكر نفسك كبرت على البيات عندي ؟"
ضحك على طريقتها ليحرك رأسه و يقول نافيًا :
" لا طبعًا هو انا اقدر "
لتضحك هي الأخرى و تقول :
" يا واد يا بكاش... مش ناوي بقى تقولي مالك ؟ "
تلاشت ابتسامته بعدما فهم مقصدها ليجيب بنفس طريقتها المراوغة متصنعًا عدم الفهم:
" مالي ازاي يعني ؟ ، ما انا كويس اهو "
ضحكت بسخرية لتقول موضحة مقصدها:
" يعني مش ها تقولي زعلان من اي ؟ "
تصنع الدهشة وهو يسألها :
" الله... هو مش أنتِ قولتي عنيا قالتلك انا مخبي اي ؟ ، عايزة تعرفي ازاي بقى مش أنتِ عارفة ؟ "
" عينك قالتلي انك مخبي حاجة بس ما حكتليش الحكاية "
كانت نبرتها جدية بعض الشيء لتصمت وتنظر إليه بعد أن انتهت من جملتها منتظرة منه رد ، ليمط شفتيه و يسألها :
" هو مش أنتِ قولتيلي انسى و اعيش حياتي و ان انا لسه شباب و ما اشيلش الهم من دلوقتي ؟ "
اومأت له مؤكدة على ما قاله ، ليحرك كتفيه قائلًا ببراءة:
" ما هو انا لو حكتلك كده ها افتكر تاني و ها ارجع ازعل "
نظرت إليه بعدم تصديق من كيفية تهربه بمهارة من الحديث عن أي شيء ولم يسعها سوى الضحك بقلة حيلة ، لتنهض من مكانها مستندة على عصاها بينما ساعدها هو لتقول وهي تتجه الي غرفتها:
" ماشي يابن محمد ، ها اروح اصلي العصر بدل ما يفوتني "
ابتسم على نصف جملتها الاولى لتتلاشى تلك الابتسامة في النصف الآخر من الجملة ، ليسألها بصدمة :
" هي الساعة كام ؟؟ "
أشارت بيدها على تلك الساعة المعلقة على الحائط و قالت :
" 3:30 اهي "
وضع يده على رأسه بعدم تصديق ليقول بدهشة :
" انا نمت كل ده ؟؟ "
" ابقى صلي في البيت بقى علشان تلاقي الجامع قفل "
غادرت المكان بعد أن أنهت جملتها ليضع هو وجهه بين كفيه في صمت ، كادت تدلف الي الغرفة لتسمع صوت حفيدتها التي اوقفتها قائلة :
" تيتا انا خلصت ، كان في شوية مواعين غسلتهم و ولعت على الرز زي ما أنتِ قولتيلي "
اومأت لها لتقول برضا :
" ماشي يا حبيبتي ، معلشي تعبتك "
" تعبتيني اي يا تيتا هو انا عملت حاجة "
ربتت على كتفها لتدلف بعد ذلك الي غرفتها بينما اتجهت هي الي غرفة المعيشة حيث كان مازال «اكرم» على نفس وضعيته لتجلس هي على الأريكة المجاورة له بنفس المكان الذي كانت تجلس فيه جدتها لتسأله ببعض القلق :
" انت كويس ؟ "
ازال يديه عن وجهه ليستند بظهره على الأريكة وهو يقول:
" اه كويس "
اومأت له ليسود الصمت المكان و كل منهم يفكر في شيءٍ ما ، لتقطع هي هذا الصمت بقولها :
" حسيت انك مش زيهم "
انتبه لها و قبل أن يسألها عن مقصدها أكملت هي:
" حسيت انك مش كاره الحياة هنا زيهم ، بالعكس حسيت انك حابب المكان و الحياة هنا "
ظل يستمع في حتى انتهت ليقول بهدوئه المعتاد:
" هو انا فعلًا مش بكره القاعدة هنا بس برضو مش حابب المكان "
ليحرك كتفيه و يقول :
" عادي ، بصي انا في اخر فترة في حياتي اتعودت على السفر بعد ما اسمي بدأ يتعرف و بقيت بسافر اعمل عمليات برا و انا حياتي مش مستقرة و كل فترة في بلد ، علشان كده حاسس أنه عادي و اني في دولة زي كل الدول الي روحتها و بعمل عملية هنا و بالذات اني جيت مصر اكتر من مرة علشان كده مش شايف انها حاجة غريبة أو جديدة زيهم "
اومأت له متفهمة ليظهر الحزن على تقسيمها و هي تقول :
" عارف... انا من لما اتخرجت و انا بقيت لوحدي و انا حقيقي ماتعودتش ابقى لوحدي ، لما انتوا جيتوا حسيت أن حياتي بقت ممتعة و فيها ناس و اتبسط اوي ، بس لما عرفت انهم مش حابين القعاد هنا و عايزين يمشوا زعلت اوي... حسيت انهم ماحبونيش زي ما انا حبيتهم ولا فارق معاهم انهم ها يمشوا و يسيبوني ، في الاول حاولت اقنعهم يفضلوا بس لما لقيت أنهم فعلًا رافضين القعاد هنا ماقدرتش افرض نفسي عليهم و اجبرهم يفضلوا علشان كده انسحبت و ماحاولتش تاني "
ابتلعت غصة مريرة في حلقها و أكملت :
" لما طلبوا اساعدهم في الخطة بتاعتهم وافقت بعد ما لقيت الآصرار في عنيهم انهم عايزين يمشوا ، ماقدرتش ارفض علشان حسيت اني ها ابقى أنانية و هي دي رغبتهم ، بس و انا بنفذ الخطة معاهم كنت زعلانة اوي بس ماقدرتش اقول و اتعاملت معاهم على أنه عادي "
انهت حديثها بتنهيدة حزينة أخرجت بها الكثير من الحزن الذي بداخلها ، ولأول مرة تصرح بالحقيقة ، تقول إن هذه الابتسامة التي ارتسمتها كل هذه المدة لم تكن سوى قناع تخفي به حزنها من انانيتهم ، و كعادتها لم تمتلك الشجاعة الكافية لمصارحتهم بأنها لا تريدهم أن يرحلوا... خشت الرفض و أن يتحطم فؤادها بعد ذلك فقررت الصمت و تقبل رغباتهم رمغًا عنها ، هي بحق لم تعتد الوحدة لا تذكر كم من المرات اشتاقت الي كليتها و تلك الأيام التي قضتها مع اصدقائها ، صحيح انها لم تتخرج سوى من وقتٍ قريب الا أن عدم اعتيادها على تلك الحياة و انشغال كل من اصدقائها في حياته الخاصة و خطوته القادمة جعلت التواصل بينهم نادرًا و بما انها الوحيدة التي لم تتخذ بعد خطوة جادة في حياتها بعد تخرجها هذا جعلها أكثر من شعرت بالوحدة ربما .
نهض من مكانه ليقول وهو يتجه الي الباب ليغادر :
" ما تتعلقيش بناس مش عايزاكِ حتى لو بتحبيهم "
هل حقًا هذه هي إجابته على كل ما قالته ؟ ، هذا كان تفكيرها بعد إجابته لتنفض تلك الأفكار عن رأسها سريعًا و تقول قبل أن يغادر :
" استنى انت رايح فين ؟ "
" طالع شقتنا "
نفت برأسها سريعًا و قالت وهي تنهض من مكانها :
" لا تيتا قالتلي اقولك تقعد تفطر معانا"
توقعت رفضه فقد تعرفت على القليل من شخصيته في هذه المدة ، هو عاشق كسر القواعد و عدم الالتزام بما يُطلب منه لكنه فاجئها كعادته بقراراته الغير متوقعة وقال وهو يعود الي الأريكة :
" جدتك دي بنت حلال و الله ، انا فعلًا ماكنتش عايز اطلع... حوارتهم كترت و انا مصدع "
حركت رأسها بعدم تصديق لتقول وهي تغادر بقلة حيلة من تصرفاته:
" طيب ها اسيبكم انا و اروح اشوف ما... "
قاطعها بقوله وهو يجلس بأريحية على الأريكة:
" تعالي اقعدي "
قطبت حاجبيها لتسأله بعدم فهم:
" و مين ها يساعد ماما ؟ "
" عمتو مش ها تطير ، تعالي اقعدي ده أنتِ أول بنت في الكوكب اقعد اتكلم معاها و ما اتعصبش و اقوم... شكلك العاقلة الوحيدة الي فيهم "
حركت رأسها لتسأله بسعادة :
" بجد ؟ "
اومأ لها لتعود للجلوس مرة أخرى و تقول بتفكير :
" بس يمكن علشان ما اتكلمناش عن حاجة تخص قرارات البنات عمومًا ، بس اظن ان تفكيري مايختلفش عن تفكير البنات"
كان يستمع لها في صمت لتقول هي بطريقة درامية :
" بس عارف... انت اول انسان في الكوكب يقولي أن أنا عاقلة "
ضحك بعدم تصديق لتضحك هي الأخرى و يستمر هذا النقاش فترة حتى يخبرها بأنها سيذهب لقضاء شيء مهم و سيعود إليهم قبل موعد الإفطار لتوافق هي و يغادر هو .
______________________________
كان مستلقيًا على الأريكة في أحد الغرف بالسطح يطالع السقف بشرود ليسمع صوت دقات على الباب تخرجه من شروده ، لينهض من مكانه و يذهب ليفتح الباب لتتحول تعابير وجهه الي صدمة عندما يجد ذاك الذي يستند بذراعه على الباب يقول بابتسامة ساخرة:
" اي صحيتك ؟ "
ليبتلع ريقه و يقول بخوف :
" اكرم !"
ووويُتبع
للجميع@
الفصل 10 "عيناه فضاحة"
شعر بتجمد الدماء داخل عروقه عندما وجدها تعود إليه مرة أخرى لكن هذه المرة والصدمة تعلوا وجهها ، لثوانٍ قليلة ظن أنها هي بالفعل متناسيًا اي شيء وقد رفع سقف اماله الي أعلىٰ حد ، و لكن احيانًا قد تخيب آمالنا ، و نشعر أننا حلقنا الي سابع سماء و هبطنا منها على رؤوسنا لتذهب آمالنا ادراج الرياح ، كان هذا الشعور مُطابق لشعوره في هذه اللحظة ، من شعور الصدمة وعدم التصديق اللذان امتزجا بشعور السعادة الي عدم الفهم والدهشة من جملتها حين سألته :
" انت تعرف ونس منين ؟ "
في هذه اللحظة تحديدًا أدرك أنها ليست هي و لكنها تعرفها على الأقل هذا ما دفعه لسؤالها مُتجاهلًا سؤالها للتو :
" أنتِ تعرفيها منين ؟ "
شعرت بالانزعاج من سؤاله و تجاهله لسؤالها لكنها إجابته رغم ذلك :
" انا اختها ، ممكن اعرف بقى انت تعرفها منين ؟ "
هنا قد تجمعت بعض الخيوط بالنسبة له صحيح أن هناك بعض الاشياء التي لم يفهمها بعد الا انه عقد العزم على معرفة ما يحدث و كيف لتلك أن تكون شقيقة المدعوة «ونس» تلك ، و قبل أن يجيب على سؤالها قاطعه رنين هاتفه ليمسك بالهاتف ويقول :
" لحظة "
اجاب على الهاتف بعد أن اومأت له بالموافقة ليسمع صوت شقيقه الذي بدى عليه الانزعاج :
" انت فين يا اكرم ؟ "
قطب حاجبيه وسأله ببعض القلق :
" في حاجة ولا اي ؟ "
لم يسمع سوى ذاك التأفف العالي الذي صدر من شقيقه والذي أوحىٰ بضيقه لينطق من بعد ذلك بنفاذ صبر:
" في اي ، لا ولا حاجة في بس أن امك في البيت ها يحصلها حاجة و جابولها دكتور ، وفي ان ابوك بعتني القسم اشوف في اي وانا روحت مالقتش حضرتك ولما اتصلت قولتله قالي ماترجعش البيت من غيره ، في اني بلف عليك بقالي ساعة ومش لاقيك ، وانت بكل برود بتسأل في حاجة ، بجد اي راحة البال الي انا فيها دي ؟ "
كان صامتًا فقط يستمع إلي شقيقه الذي انفجر به بأتهامات وجهها له ، ليسأله بهدوء بعد أن انتهى :
" خلصت ؟ "
حرك رأسه قائلًا من بين أسنانه :
" اه اتنيلت "
اومأ له ثم قال بأختصار :
" انا جاي في الطريق "
كاد يغلق ليوقفه «طارق» بسرعة قائلًا :
" لا جاي فين ، انت تقولي انت فين وانا اجيلك و نروح سوا علشان أنا لو رجعت لابوك من غيرك مش ها يدخلني البيت "
تنهد «اكرم» بملل ليوافق بعد ذلك رغم اعتراضه على كل ما يحدث ولكن لكي لا تزيد المشاكل هذه الليلة و تمر باقيتها بسلام قرر العودة مع شقيقه كما طلب والده منه ، ليغلق المكالمة بعد أن أخبر شقيقه بمكانه لينظر إلي تلك الواقفة ويقول وهو ينهض ويستعد للمغادرة :
" مش ها اقدر اتكلم معاكِ دلوقتي ، بس لو حابة نتكلم و اكمل موضوع عملية والدتك... "
اخرج بطاقة من جيب بنطاله و أعطاها لها ثم اكمل :
" ده رقمي ، الوقت الي أنتِ متفرغة فيه كلميني "
اومأت له ليتركها ويتجه الي الباب وقبل أن يخرج التفت لها مرة أخرى و قال :
" في حاجات كتيرة عايز اعرفها ياريت تقابليني قريب "
اومأت له ثم قالت مؤكدة :
" قريب جدًا إن شاء الله "
ابتسم لها وكاد يخرج ليجد «طارق» يقف أمامه ، ليسأله بدهشة :
" انت جيت امتى ؟ "
حرك «طارق» كتفيه وقال بعدم اهتمام :
" دلوقتي "
رفع احد حاجبيه ثم قال بسخرية :
" طب امشي يا اخويا "
ذهبوا معًا الي السيارة الخاصة به و بعد أن ركب كلاهما قال «طارق» بسخرية :
" اه لو ابوك عرف أن احنا لافين عليك الدنيا وانت قاعد هنا مع واحدة "
بدأ «اكرم» في القيادة متجاهلًا حديث الشقيقه الذي تابع قائلًا :
" كان ها يبقى مبسوط اوي "
ضحك على جملته الاخير ليحرك رأسه قائلًا بيأس :
" تصدق عندك حق "
اومأ له ليغمز له بأحدى عيناه من بعد ذلك ويسأله بفضول :
" بس مين البنت دي ؟ "
ثم قال متصنعًا الحزن :
" لا ماعرفش عنك كده يا اكرم ، يا خسارة تربيتي فيك "
رفع «اكرم» أحد حاجبيه ليقول بجدية وهو ينظر إلي الطريق أمامه :
" دي واحدة عايزة تعمل عملية لوالدتها ، هي الي عملت الفيلم ده كله و المحضر علشان تقابلني "
اتعست عينا شقيقه بدهشة ليسأله بعدم تصديق :
" بقى عملالك محضر علشان تقابلك ؟؟ "
اومأ له ليضرب الاخر كفًا فوق الآخر ويقول بدهشة :
" البنات دماغها لسعت تقريبًا ، بس برضو مش فاهم هي عرفتك منين و يزن الي كان سايق ؟ ، و عرفت منين انك دكتور كمان ؟ "
بدأ في سرد لشقيقه ما حدث عند ذهابه الي قسم الشرطة دون أخباره بأخر حديث دار بينهم ، وصلوا بعد فترة الي المنزل وكان قد اخبر «طارق» شقيقه بشجار «يزن» مع والده وما حدث ، هبطوا من السيارة بعد أن صفها «اكرم» بجانب المنزل و صعدوا الي الطابق الأول حيث شقة جدتهم و التي اجتمعوا بها جميعًا ليطمأنوا على «داليا» و يحاولون تهدئة الأوضاع ، دلفوا الي الداخل ليجدوا أباهم و عماهما يجلسون في الصالة و يحاول كل من والدهم و عمهم «محمود» تهدئة عمهم «احمد» و الذي بدى الانزعاج جليًا عليه ، بينما في الردهة كان يجلس كل من شقيقتهم و زوجتي عماهما ، وفي داخل الغرفة الخاصة بجدتهم كانت والدتهم مستلقية على الفراش و بجانبها ابن عمتهم «بدر» يفحصها و جدتهم .
انتفض الجميع من مكانه عندما رأوا «اكرم» لتهرول والدته إليه من الداخل بعدما سمعت شقيقته تنادي بأسمه ، لتمسك وجهه بين كفيها وتسأله بدموع امتزجت بلهفتها :
" انت كويس يا حبيبي ، فيك حاجة واجعاك ؟ "
امسك بكفها الذي كان يحاوط وجهه ليقبل باطنه ويقول بابتسامة :
" انا كويس يا ست الكل و واقف قدامك اهو "
زاد بكائها ليحتضنها و يقول بلطف وهو يربت على ظهرها لكي تهدأ :
" انا كويس والله العظيم ، خلاص بقى بلاش عياط علشان ما تتعبيش "
اومأت له ليبعدها عنه قليلًا و يقوم بمسح دموعها بكفه و يقبل رأسها ليشير لشقيقته بعد ذلك عليها بعينه ويقول :
" خدي ماما يا نور طلعيها فوق ترتاح "
ثم نظر إلي شقيقه وقال :
" اطلع معاها انت كمان يا طارق "
وافق كلاهما و أخذوا والدتهم و ذهبوا بها الي الاعلى حيث شقتهم ليقترب منه والده و يسأله :
" اي الي حصل يا اكرم ؟ "
مسح على وجهه بتعب ثم نظر إلي والده وقال وهو يدلف الي الصالة :
" تعالى يا بابا و هات عمو احمد معاك ، ها اتكلم معاكم "
اومأ له والده ليذهبو الي الصالة معهم كما طلب .
لم يتبقى في شقة جدته سواه هو و والده و عمه الذين جلسوا معًا في الصالة و معهم جدته ، غادر الجميع الي منازلهم تاركين لهم مساحة للحديث ليبدأ «اكرم» حديثه قائلًا :
" عمي الي حصل كان سوء تفاهم مش اكتر ، هو فعلًا يزن خد العربية من غير ما يقولي بس ماعملش حادثة ولا حاجة العربية تحت سليمة مافيهاش حاجة "
حرك «احمد» رأسه بعدم فهم ليسأله :
" امال اي الي حصل ؟ "
استند بظهره على الأريكة وقال بهدوء :
" الي حصل أن هو كان ها يخبط واحدة بالعربية لأن كان الشارع الي ماشي فيه ضلمة و تقريبًا ماعرفش يشغل الكشاف بتاع العربية ، المهم هو ماخبطهاش علشان هي صوتت وهو عرف يفرمل قبل ما يخبطها ، بس كان في حكومة في المكان و لما لقاهم جايين عليه ماعرفش يتصرف فا هي قالته لو لقوه واقف ها ياخده القسم راحت قالتله يمشي وهما لما يلاقوا العربية من غير صاحبها ها يحطوا عليها الغرامة و يمشوا و هو عمل كده راحت بعد ما الحكومة جات و حطت المخالفة لما شافت الرخصة الي الظابط طلعها من العربية مكتوب فيها المهنة دكتور قلب راحت عاملة محضر "
دُهش ثلاثتهم من ما قاله ليسأله والده :
" وهي عملت محضر علشان عرفت انك دكتور قلب ولا اي مش فاهم ؟ "
اومأ برأسه ليقول مؤكدًا:
" هي فعلًا عملت محضر لما عرفت اني دكتور علشان كانت عايزة تقابلني وبما أنها ماتعرفش عني اي حاجة مالقيتش طريقة تقابلني بيها غير دي "
اخذ كوب الماء من على الطاولة و بدأ بالشرب لتسأله هذه المرة جدته :
" طب وهي كانت عايزة تقابلك ليه ؟ "
اعاد الكوب الي مكانه بعد أن ارتوى ليجيب على سؤالها قائلًا:
"والدتها عندها القلب و كانت عايزاني اعملها عملية "
اومأ له الجميع بعد أن فهموا ما حدث ليسترسل هو حديثه والذي وجهه الي عمه هذه المرة :
" انا طارق حكالي الي حصل و خناقتك مع يزن ، فا حبيت اقولك أنه ماحصلش حاجة ياريت يا عمي تقعد معاه و تتكلموا علشان تقدر تفهم هو عايز اي و توصلوا لحل سوا ، اكيد مش ها تقاطع ابنك ولا اي ؟ "
ظهر الضيق على وجه «احمد» فور حديث «اكرم» عن ما حدث ليقول بعدم رضا :
" انا مش ها اكلم حد ، خليه يتربى "
نفى «اكرم» برأسه ما يقوله عمه ليقول بلين محاولًا إقناعه :
" يا عمي معظم الشباب في سن يزن بيبقوا طايشين و بيعملوا تصرفات غبية و مش بيعرفوا يشيلوا المسؤولية ، علشان كده انت لازم تقعد تتكلم معاه و تفهموا وهو مع الوقت ها يعقل مش ها يفضل طول عمره طايش يعني لكن لو انت سيبته دلوقتي ممكن ترجع تندم بعدين لو مشي في طريق غلط "
ايد «محمد» حديث ابنه قائلًا :
" اكرم معاه حق يا احمد انت لازم تقعد معاه و تتكلموا ، انك تبعد عن ابنك وهو في المرحلة دي غلط جدًا و ممكن فعلًا زي ما اكرم قال لا قدر الله يمشي في طريق غلط و ماتعرفش تلحقه "
شعروا بأستجابته لهم عندما وجدوا تعابير وجهه قد لانت ليكمل «اكرم» قائلًا بمرح كي يعطي بهجة للحديث افضل من تلك الأجواء المتأزمة :
"طب ما انا اهو مش مراهق ولا حاجة ولسه لغاية دلوقتي بعتمد على الحاج... ده انا حتى جايب العربية من على حسابه وهو مستحلفلي من ساعتها "
ابتسم «احمد» على ما قاله ليضحك «اكرم» و يقول من بين ضحكاته :
" ما تفك يا راجل بقى عايز اطلع انام "
رمقه عمه بغيظ ليرفع كفيه بسرعة قائلًا بخوف مزيف :
" انا اسف ، هو حد يقدر ينام برضو و حضرتك موجود "
ضحكوا جميعًا على ما قاله لينهض «احمد» ويقول بابتسامة:
" ربنا يبارك في شبابك يابني ، طيب انا ها اطلع بقى تصبحي على خير يا ماما "
اومأت له «نجاح» بابتسامة لينهض «محمد» ويقول هو الآخر :
" خدني معاك انا خلاص فصلت يلا سلام عليكم "
" و عليكم السلام ورحمه الله "
كان هذا رد كل من «نجاح» و «اكرم» ليغادر بعدها عمه و والده ، ليعود برأسه الي الخلف مستندًا على ظهر الأريكة ليغمض جفنيه و يقول بأرهاق :
" شباب اي يا عمي انا بعجز "
ضحكت جدته ثم ذهبت لتجلس جواره لتقول بابتسامة حنونة :
" عجزت اي يا واد امال انا ابقى اي على كده... عيش سنك و حياتك يا حبيبي وبلاش تشيل الهم من دلوقتي العمر بيجري ولو فضلت مكانك متمسك بالي فات مش ها يستناك و ها تلاقيه جري و ساعتها ها تندم انك ماعيشتش فيه ولا عملت حاجة و فضلت مكانك "
فتح عيناه لينظر إليها وهو مازال بنفس وضعيته ليسألها بتعب و عينان توشك على الانغلاق :
" هو حد قالك حاجة ؟ "
نفت برأسه ثم أشارت على قلبها وقالت بابتسامة:
" ده قالي أن حفيدي شايل جواه كتير و مخبي "
ثم أشارت على عيناه و أكملت :
" و دول قالولي هو شايل اي "
كان ينظر إليها بعينان شبه مغلقتين ليسألها بصوت طغى عليه النوم :
" قالولك اي بقى ؟ "
" قالولي انك واقف في نقطة معينة من زمان ومش بتتحرك ، متمسك بي الماضي و مش قادر تمشي مع المستقبل ، مش قادر تتخطى الي فات ولا قادر تجاري الي جاي "
استلقى بجسده على الأريكة ليضع رأسه على قدمها و يسألها بسخرية :
" هو انا عنيا فضحاني اوي كده ؟ "
اومأت له وهي تمسد على خلاصته بابتسامة حنونة ليغفوا على قدمها دون أن يشعر .
________________________________
كان يقف في الشرفة و يطالع كل شيء حوله بنظرات مختنقة ، يرخي ملامحه تارة عندما يتذكر ما حدث معها و كيف ساهم في إنقاذها و تحتد ملامحه تارة عندما يتذكر شجاره مع والده و ما حدث ، قاطع اضطرابه صوت من الخلف يقول بلطف:
" يزن انت كويس ؟ "
التفت بجزعه العلوي الي مصدر الصوت ليجدها «هنا» ليعود للنظر الي أمامه مرة أخرى و يقول :
" كويس "
ذهبت لتقف بجانبه لتقول بسخرية :
" مش بسألك علشان تقولي كويس على فكرة"
نظر إليها قليلًا ليضيق عيناه و يسألها:
" امال بتسأليني علشان اقولك اي ؟ "
حركت كتفيها لتقول وهي تضع اصبعها على ذقنها متصنعة التفكير:
" ممكن علشان تقولي مالك مثلًا "
ضحك على طريقتها الطفولية ليتنهد بعد ذلك ثم يقول بحزن :
" لو عايزة الحقيقة فا انا مش كويس خالص ، انا تعبان يا هنا ، بابا اهو زي ما انتِ شوفتي كده ، عارفة مع أنه هو الي صمم ادخل كلية تجارة رغم اني كنت مش عايز و دخلت بسبب إصراره على أساس ليها شغل و مستقبل... عارفة بعد ما اتخرجت و مالقتش شغل قالي اي ؟"
حركت رأسها نافية لتسأله بأهتمام :
" لا ، قالك اي ؟ "
ضحك بسخرية عندما تذكر ما قاله له والده في ذاك اليوم بعدما لم يجد عمل ، ليقول بألم :
" قالي انت اصلًا عيل بايظ و ماحدش يقبل يشغلك "
صمت ليبتلع غصة مريرة في حلقه بينما تلك التي كانت تقف بجانبه توشك على البكاء من تأثرها بما قاله لم تستطع الحديث ليتابع هو :
" مهما حاولت و مهما عملت دايمًا شايفني زي ما هو عايز ، مهما حاولت ارضيه أو اعمل علشانه اي حاجة برضو مش ها يشوف اني عملت كده علشانه وها يقول إنه كان مصلحة ليا الي عملته ، هنا انا ابويا شايفني عيل... مش شايفني راجل "
حملت جُملته الأخيرة الكثير من الالم و الحزن و الخيبة ، لتقول هي بلين محاولة التخفيف عنه :
" ما تقولش كده يا يزن ، اكيد عمو بيحبك بس هو بيضايق علشان مثلًا بيشوفك طايش شوية و كده و يمكن بيقولك كده علشان تحسن من نفسك و تبقى احسن بس انت مش عارف تفهم طريقته في النصح "
تنهدت لتكمل قائلة بصدق :
" انت راجل بجد و يُعتمد عليك انا مش بقول كده و خلاص "
نظرت إليه لتتقابل أعينهم لتقول كلمات نبعت من قلبها:
" انا بشوفك راجل و مش اي راجل... احسن راجل في الدنيا دي كلها "
لا تعلم من اين أتتها بحق هذه الجراءة لقول هذا لكنها تفوهت به بالفعل ، لتُشيح بنظرها عنه محاولة التحكم في نبضات قلبها التي تسارعت لتقول بتوتر حاولت أخفاءه :
" مش بقول اي كلام على فكرة ، فاكر اليوم الي اغمى عليا فيه و انت رشيت عليا ماية و خدتني كمان نزلت بيا تحت... لو ماكنتش انت موجود ساعتها كان اي الي ها يجرالي ؟ "
كانت تتحدث دون النظر إليه ، كانت تنظر إلي الأسفل لترفع رأسها قليلًا لترى ردة فعله على ما قالته ، لتجده يبتسم ليقول بصدق :
" تعرفي انك اجدع بنت عم في الدنيا دي كلها"
اتسعت ابتسامتها وهو يكمل:
" عارفة لو كل الناس الي في الدنية زيك كانت الدنيا ها تبقى جميلة "
كانت تقضدم أظافرها بأسنانها وهي تستمع له ما جعله يطالعها باستغراب و يسألها ببعض الدهشة:
" أنتِ بتعملي اي ؟ "
وضعت يداها على وجهها لتقول بسعادة :
" ما انت بصراحة بتقول كلام حلو اوي و يكسف "
حرك رأسه ليسألها بعدم فهم:
" و ده ماله بـ انك بتعضي ضوافرك ؟ "
ازالت يداها عن وجهها لتظهر ابتسامتها العريضة و وجنتاها اللتان كساهما اللون الوردي اثر خجلها لتقول ببراءة :
" ما هو انا لما بتوتر بعض ضوافري "
قهقه عاليًا ليحاول أن يتوقف عن الضحك و بعد فشله في التوقف قال من بين ضحكاته التي امتزجت بدهشته:
" بقى في حد لما يتكسف يعض ضوافره ؟؟ "
اومأت برأسها و قالت :
" اه عادي في ، و في ناس بتعمل حاجات اكتر من كده كمان"
ضحك ليسألها بمشاكسة :
" بيعملوا اي بقى ؟ "
" بيعضو الي قدامهم "
تلاشت ابتسامته ليرفع كفيه و يقول بسرعة :
" بيعضو الي قدامهم ! ، لا ياختي شكرًا عضي ضوافرك مع نفسك "
ضحكت على مظهره ليضحك هو الآخر و تستمر هذه الأمسية فترة لا بأس بها حتى ينتهي الليل و يعود كل منهم الي شقته و قد تغيرت الكثير من المشاعر داخل كل منهما و قد ولدت مشاعر أخرى جديدة بالنسبة لهما .
_________________________________
تململ في نومته ليفتح عيناه ليجد نفسه ينام على أحد الارائك ، نهض من نومته و اتجه الي الباب ليذهب الي الخارج ، فتح الباب لتتسع عيناه التي كان يحاول فتحها منذ قليل على مصرعيها عندما سمع صوت تلك التي صرخت لينظر إلي حيث الصوت ولم تكن سوى «بسمله» تقف أمامه و تضع يدها عند موضع قلبها ، ليحرك رأسه و يسألها بصدمة :
" في اي ؟ "
رمقته بأنزعاج لتقول وهي تتجه الي المطبخ:
" خضتني يا اكرم "
نظر حوله ليسألها بدهشة :
" هو انا فين ؟ "
كادت تغادر ليوقفه سؤالها لتنظر إليه و تقول بعدم فهم :
" انت عند تيتا يا اكرم "
وضع يده على رأسه محاولًا تذكر ما حدث أمس و كيف جاء الي هنا ، ليتذكر ذاك الحديث الذي دار بينه وبين جدته و أنه غفى على قدمها دون أن يشعر ، ليُزيل يده من على رأسه و يقول بصوت نائم :
" انا عايز قهوة "
كانت تتابع ما يفعله بصمت لترمش بعيناها عدة مرات و تسأله بدهشة :
" قهوة ! ، انت مش صايم ؟ "
نظر إليها فجأة و كأنه قد لاحظ وجودها للتو ، ليحرك رأسه و يقول بتذكر :
" أيوة صايم... احنا في رمضان صح "
كانت تنظر إليه ببلاهة كأنه شخص فاقد للذاكرة و يستعيدها الان ، لتحرك يدها أمام وجهه و تسأله وهي تضحك :
" اكرم انت صاحي ولا انت لسه نايم ؟ "
ضحك بسخرية على ما قالته ليجيب وهو يعطيها ظهره و يتجه الي الخارج:
" لسه نايم "
اتجه الي غرفة المعيشة حيثُ كانت تجلس جدته و تقوم بالتسبيح ليجلس على الأريكة المجاورة لها و يسألها بابتسامة:
" ماصحتنيش اطلع انام فوق ليه ؟ "
نظرت إليه لتجيب بابتسامة هي الأخرى :
" لقيتك نعسان مارضتش اصيحك"
لتكمل بأنزعاج مُزيف :
" و بعدين فيها أي لما تبات عند جدتك ولا تكون فاكر نفسك كبرت على البيات عندي ؟"
ضحك على طريقتها ليحرك رأسه و يقول نافيًا :
" لا طبعًا هو انا اقدر "
لتضحك هي الأخرى و تقول :
" يا واد يا بكاش... مش ناوي بقى تقولي مالك ؟ "
تلاشت ابتسامته بعدما فهم مقصدها ليجيب بنفس طريقتها المراوغة متصنعًا عدم الفهم:
" مالي ازاي يعني ؟ ، ما انا كويس اهو "
ضحكت بسخرية لتقول موضحة مقصدها:
" يعني مش ها تقولي زعلان من اي ؟ "
تصنع الدهشة وهو يسألها :
" الله... هو مش أنتِ قولتي عنيا قالتلك انا مخبي اي ؟ ، عايزة تعرفي ازاي بقى مش أنتِ عارفة ؟ "
" عينك قالتلي انك مخبي حاجة بس ما حكتليش الحكاية "
كانت نبرتها جدية بعض الشيء لتصمت وتنظر إليه بعد أن انتهت من جملتها منتظرة منه رد ، ليمط شفتيه و يسألها :
" هو مش أنتِ قولتيلي انسى و اعيش حياتي و ان انا لسه شباب و ما اشيلش الهم من دلوقتي ؟ "
اومأت له مؤكدة على ما قاله ، ليحرك كتفيه قائلًا ببراءة:
" ما هو انا لو حكتلك كده ها افتكر تاني و ها ارجع ازعل "
نظرت إليه بعدم تصديق من كيفية تهربه بمهارة من الحديث عن أي شيء ولم يسعها سوى الضحك بقلة حيلة ، لتنهض من مكانها مستندة على عصاها بينما ساعدها هو لتقول وهي تتجه الي غرفتها:
" ماشي يابن محمد ، ها اروح اصلي العصر بدل ما يفوتني "
ابتسم على نصف جملتها الاولى لتتلاشى تلك الابتسامة في النصف الآخر من الجملة ، ليسألها بصدمة :
" هي الساعة كام ؟؟ "
أشارت بيدها على تلك الساعة المعلقة على الحائط و قالت :
" 3:30 اهي "
وضع يده على رأسه بعدم تصديق ليقول بدهشة :
" انا نمت كل ده ؟؟ "
" ابقى صلي في البيت بقى علشان تلاقي الجامع قفل "
غادرت المكان بعد أن أنهت جملتها ليضع هو وجهه بين كفيه في صمت ، كادت تدلف الي الغرفة لتسمع صوت حفيدتها التي اوقفتها قائلة :
" تيتا انا خلصت ، كان في شوية مواعين غسلتهم و ولعت على الرز زي ما أنتِ قولتيلي "
اومأت لها لتقول برضا :
" ماشي يا حبيبتي ، معلشي تعبتك "
" تعبتيني اي يا تيتا هو انا عملت حاجة "
ربتت على كتفها لتدلف بعد ذلك الي غرفتها بينما اتجهت هي الي غرفة المعيشة حيث كان مازال «اكرم» على نفس وضعيته لتجلس هي على الأريكة المجاورة له بنفس المكان الذي كانت تجلس فيه جدتها لتسأله ببعض القلق :
" انت كويس ؟ "
ازال يديه عن وجهه ليستند بظهره على الأريكة وهو يقول:
" اه كويس "
اومأت له ليسود الصمت المكان و كل منهم يفكر في شيءٍ ما ، لتقطع هي هذا الصمت بقولها :
" حسيت انك مش زيهم "
انتبه لها و قبل أن يسألها عن مقصدها أكملت هي:
" حسيت انك مش كاره الحياة هنا زيهم ، بالعكس حسيت انك حابب المكان و الحياة هنا "
ظل يستمع في حتى انتهت ليقول بهدوئه المعتاد:
" هو انا فعلًا مش بكره القاعدة هنا بس برضو مش حابب المكان "
ليحرك كتفيه و يقول :
" عادي ، بصي انا في اخر فترة في حياتي اتعودت على السفر بعد ما اسمي بدأ يتعرف و بقيت بسافر اعمل عمليات برا و انا حياتي مش مستقرة و كل فترة في بلد ، علشان كده حاسس أنه عادي و اني في دولة زي كل الدول الي روحتها و بعمل عملية هنا و بالذات اني جيت مصر اكتر من مرة علشان كده مش شايف انها حاجة غريبة أو جديدة زيهم "
اومأت له متفهمة ليظهر الحزن على تقسيمها و هي تقول :
" عارف... انا من لما اتخرجت و انا بقيت لوحدي و انا حقيقي ماتعودتش ابقى لوحدي ، لما انتوا جيتوا حسيت أن حياتي بقت ممتعة و فيها ناس و اتبسط اوي ، بس لما عرفت انهم مش حابين القعاد هنا و عايزين يمشوا زعلت اوي... حسيت انهم ماحبونيش زي ما انا حبيتهم ولا فارق معاهم انهم ها يمشوا و يسيبوني ، في الاول حاولت اقنعهم يفضلوا بس لما لقيت أنهم فعلًا رافضين القعاد هنا ماقدرتش افرض نفسي عليهم و اجبرهم يفضلوا علشان كده انسحبت و ماحاولتش تاني "
ابتلعت غصة مريرة في حلقها و أكملت :
" لما طلبوا اساعدهم في الخطة بتاعتهم وافقت بعد ما لقيت الآصرار في عنيهم انهم عايزين يمشوا ، ماقدرتش ارفض علشان حسيت اني ها ابقى أنانية و هي دي رغبتهم ، بس و انا بنفذ الخطة معاهم كنت زعلانة اوي بس ماقدرتش اقول و اتعاملت معاهم على أنه عادي "
انهت حديثها بتنهيدة حزينة أخرجت بها الكثير من الحزن الذي بداخلها ، ولأول مرة تصرح بالحقيقة ، تقول إن هذه الابتسامة التي ارتسمتها كل هذه المدة لم تكن سوى قناع تخفي به حزنها من انانيتهم ، و كعادتها لم تمتلك الشجاعة الكافية لمصارحتهم بأنها لا تريدهم أن يرحلوا... خشت الرفض و أن يتحطم فؤادها بعد ذلك فقررت الصمت و تقبل رغباتهم رمغًا عنها ، هي بحق لم تعتد الوحدة لا تذكر كم من المرات اشتاقت الي كليتها و تلك الأيام التي قضتها مع اصدقائها ، صحيح انها لم تتخرج سوى من وقتٍ قريب الا أن عدم اعتيادها على تلك الحياة و انشغال كل من اصدقائها في حياته الخاصة و خطوته القادمة جعلت التواصل بينهم نادرًا و بما انها الوحيدة التي لم تتخذ بعد خطوة جادة في حياتها بعد تخرجها هذا جعلها أكثر من شعرت بالوحدة ربما .
نهض من مكانه ليقول وهو يتجه الي الباب ليغادر :
" ما تتعلقيش بناس مش عايزاكِ حتى لو بتحبيهم "
هل حقًا هذه هي إجابته على كل ما قالته ؟ ، هذا كان تفكيرها بعد إجابته لتنفض تلك الأفكار عن رأسها سريعًا و تقول قبل أن يغادر :
" استنى انت رايح فين ؟ "
" طالع شقتنا "
نفت برأسها سريعًا و قالت وهي تنهض من مكانها :
" لا تيتا قالتلي اقولك تقعد تفطر معانا"
توقعت رفضه فقد تعرفت على القليل من شخصيته في هذه المدة ، هو عاشق كسر القواعد و عدم الالتزام بما يُطلب منه لكنه فاجئها كعادته بقراراته الغير متوقعة وقال وهو يعود الي الأريكة :
" جدتك دي بنت حلال و الله ، انا فعلًا ماكنتش عايز اطلع... حوارتهم كترت و انا مصدع "
حركت رأسها بعدم تصديق لتقول وهي تغادر بقلة حيلة من تصرفاته:
" طيب ها اسيبكم انا و اروح اشوف ما... "
قاطعها بقوله وهو يجلس بأريحية على الأريكة:
" تعالي اقعدي "
قطبت حاجبيها لتسأله بعدم فهم:
" و مين ها يساعد ماما ؟ "
" عمتو مش ها تطير ، تعالي اقعدي ده أنتِ أول بنت في الكوكب اقعد اتكلم معاها و ما اتعصبش و اقوم... شكلك العاقلة الوحيدة الي فيهم "
حركت رأسها لتسأله بسعادة :
" بجد ؟ "
اومأ لها لتعود للجلوس مرة أخرى و تقول بتفكير :
" بس يمكن علشان ما اتكلمناش عن حاجة تخص قرارات البنات عمومًا ، بس اظن ان تفكيري مايختلفش عن تفكير البنات"
كان يستمع لها في صمت لتقول هي بطريقة درامية :
" بس عارف... انت اول انسان في الكوكب يقولي أن أنا عاقلة "
ضحك بعدم تصديق لتضحك هي الأخرى و يستمر هذا النقاش فترة حتى يخبرها بأنها سيذهب لقضاء شيء مهم و سيعود إليهم قبل موعد الإفطار لتوافق هي و يغادر هو .
______________________________
كان مستلقيًا على الأريكة في أحد الغرف بالسطح يطالع السقف بشرود ليسمع صوت دقات على الباب تخرجه من شروده ، لينهض من مكانه و يذهب ليفتح الباب لتتحول تعابير وجهه الي صدمة عندما يجد ذاك الذي يستند بذراعه على الباب يقول بابتسامة ساخرة:
" اي صحيتك ؟ "
ليبتلع ريقه و يقول بخوف :
" اكرم !"
ووويُتبع