📁 آخر الروايات

رواية سكن مشترك الفصل العاشر 10 بقلم نورهان علام

رواية سكن مشترك الفصل العاشر 10 بقلم نورهان علام


|10|

​" لو سمحتي... بلاش جسمك او شعرك يبانوا قصاد حد"

​"تمام."

​كتبتها وسبت الفون، ورجعت بصيت لحبيبة اللي قامت تتكلم في البلكونة وبعد دقيقتين قالت:

​"أحيه!"

​"إيه حصل؟"

​"لا دي خالتي مش جاية زيارة ومروة على الفجر زي عوايدها، دي جاية عشان تجيب حاجات في جهاز مروة ناقصة وهتقعد يومين تلاتة."

​"يا ستي يومين ويعدوا."

​"يومين إيه... دي هتبقى عاوزة تسحلني معاها في كل حتة، ومش بعيد تبقى عاوزاكي أنتِ كمان."

​زفرت وأنا بقول:

​"مش لازم نروح، كدة كدة كريمة مش هتسيبها يعني، المهم اتصلي بأمك وقولي لها أعمل غداء للي جايين دول ولا إيه؟"

​"يا كوتي بوتي على مرات أخويا اللي بتسند حماتها في العزومات، متقلقيش ماما بتعرف تتصرف."

​يا ربي على طريقة حبيبة!
حماتي إيه؟
دي كريمة صاحبة ماما اللي مربياني، كلمة حماتي دي غريبة أوي.
كلمت كريمة وفعلا كانت محتاجاني أعمل غداء، معرفش اليوم طار مني إزاي، بس الساعة ٢ بالليل ولسه كريمة ونعمة نازلين من عندي، وعشان أحمد طبعا بايت تحت مروة فضلت معايا أنا وحبيبة، بنت رقيقة خالص وغلبانة، وباين عليها طيبة ملهاش علاقة بأمها.

​"خدي راحتك يا مروة...
بصي أنا هدخلك فوطة وبيجامة مريحة الحمام خدي دش وارتاحي أنتِ طول النهار كنتي في الشارع."

​"لا لا مش عاوزة أتعبك، أنا..."

​قالتها بحرج فقاطعتها حبيبة وهي بتقول:

​"أهو عمرك ما قولتي كدة يا غالية!"

​"أقولك إيه...
دا أنتِ أول مرة تباتي معايا كانت إمبارح، عاوزة حاجة تلبسيها أطلعها لك؟"

​"لا يا أختي أنا نازلة بيتنا أجيب حاجة وأجي."

​قومت حطيت لمروة بيجامة وفوطة، حركاتي كانت بخفة، كأني فعلاً بستضيف حد في بيتي، كنت متضايقة من نفسي، من إني بتعامل كأن دا مكاني، وبسمع كلامه وبخدم أهله، مش عاوزة أعمل كدة...

​مروة دخلت تنام، وحبيبة طلعت تخلص شوية حاجات في مذاكرتها، وأنا دخلت عشان شغلي، لكن لقيت رسالة إسراء ففتحت الموبايل كانت ردت عليا من بدري بس أنا اتلهيت:

​"أشطر كتكوت، بصي عاوزاكي تكملي كدة، كل ما تحسي بأي حاجة حلوة روحي دونيها، وكذاك أي شعور وحش أو اعتراض دونيه عشان دا هينفعنا لأننا هنقعد سوا نفككه وتعرفي حسينا بيه ليه ودا معناه إيه."

​قرأت كلماتها واتجرأت بصراحة وكتبت لها:

​"بصي، أنا متضايقة حالياً عشان سمعت كلامه لما قالي البسي عباية وطرحة، وعشان بتعامل مع كريمة كأنها حماتي بجد، وكمان الأسوأ إني بضياف أهله في البيت كأنه بيتي، بتعامل كأن دا مكاني ودا دوري...
وكل دا مش حقيقي..."

​كنت هكمل كتابة لكن رسالة فارس اللي ظهرت فوق على الشاشة:

​"صاحية ليه لغاية دلوقتي؟"

​سكت شوية، مكنتش عاوزة أرد بس باين إني أونلاين عشان كدة بعت الرسالة لإسراء من غير ما أكملها ودخلت شاته ورديت:

​"كريمة وطنط نعمة لسه نازلين من شوية، يا دوبك مروة نامت وأنا دخلت عشان أنام."

​"حقك عليا إنهم سهروكي لغاية دلوقتي، المهم أنتِ يومك كان عامل إزاي من بعد ما سبتي الصغنن؟"

​كان حاطط قلب في آخر الرسالة وبعدين راح كتب:

​"على فكرة القلب دا لفارس مش ليكي."

​رخم!
وبادر كمان!

​"روحت البيت وبعدين عملت أكل وخالتك وأمك طلعوا اتغدوا عندي، ومن ساعتها وهم قاعدين."

​"يا بختهم والله...
كلوا من أكلك اللي وحشني، هبقى أتصل بيكي لما أفضى عشان تعلميني أعمل إزاي طاسة البيض بالسجق."

​"هي سهلة... هبقى أبعتلك فيديو لوصفتها أو أكتبلك الطريقة."

​سكت شوية، وكان باين إنه بيكتب، طول حاجة بسيطة لكن وصلت رسالته اللي كانت طويلة نسبيا وهو بيقول:

​"يومي بقى كان خفيف نوعا ما، مروحتش الشركة، نزلت الصبح أتمرن، للأسف نقلت ميعاد تمريني بعد الفجر... ومن الصبح نزلت اشتريت شوية حاجات ناقصة الشقة، وهدوم كمان...
عشان مينفعش ألبس غير كلاسيك في الشركة للأسف يعني. وبعدين كان عندي اجتماع يخنق ما صدقت ولفيت شوية أنا وطه في الشوارع ولسه طالع البيت....
شكرًا على سؤالك."

​أوف!
يعني هو متعمد يرمي الكلمتين دول في آخر كلامه كل مرة!
"شكراً على سؤالك"، بيحرجني يعني عشان هو بيسأل وأنا مبسألش، طب ما هو أكيد فاهم إني مش عاوزة أسأل، مش حابة أسأل، عشان كدة رخمّت عليه وكتبت:

​"على فكرة أنا مسألتش، ومش مهتمة أسأل حتى."

​"بس مهتمة تعرفي...
لاحظت كتير على فكرة، لو فعلاً مش مهتمة بالحاجة ولو واحد في المية بتديها ظهرك على طول...
لكنك سمعتي حكاياتي عن الكتب، وسمعتي معايا الكرتون كمان، ودلوقتي بتشوفي رسايلي، وبتعرفي حالي...
لو مش مهتمة هتقفلي التليفون مش تردي رد بايخ عشان تسكتيني بيه."

​بقى كدة؟
طب ماشي، قفلت التليفون فعلاً من غير ما أرد عليه، رميت الفون جنبي، واديتُه ظهري عشان أنام.

==================================

​كانوا شهرين مليئين بـ:

​"شكراً على سؤالك."

​"يوم متعب أوي...
صوتي أنا وطه كان جاي بآخر الشركة... شكراً على سؤالك."

​"بصي اللوك الجديد؟
لايق عليا، عارف."

​"فارس الصغنن عامل إيه؟
أصل فارس الكبير تعبان ومرهق وجعان أوي."

​"شكراً على مساعدتك...
دورت على الفيديو بنفسي وعملت طاسة السجق."

​"شوفتها النهاردة لقيتها شبهك أوي فاشتريتها، علقيها في مفاتيح الشقة بقى."
(دلاية مفتاح على شكل أميرة غضبانة).

​"دفعتلك النت عشان خلص."

​"هتوصل رسالة دلوقتي من حساب البنك إني حولت لك المصروف."

​"أخبار فارس الصغنن إيه؟
لسه الأطفال تاعبينك؟"

​أوف!
كل يوم
مرة، مرتين
رسالة، رسالتين
صورة، فيديو.

موجود كل يوم، مكنتش برد عليه، أي حاجة بعتها تخصه مكنتش برد، كنت برد بس في حالة إن كريمة عاوزة تطمن عليه، بكلمه في الفون لما يسأل على حاجة، يطمن على حد، لكن أول ما يبدأ يتكلم عن يومه أو حاله، كنت بقفل، بثبت له إني مش مهتمة، لكن بيثبت ليا إنه مصرّ ومش فارق له، مستفز جدا!

​فاضل أسبوع على إجازته، وكمان حجز تذكرة الطيران مضايقني لأن طيارته مش دايركت زي المرة اللي فاتت، حجز ترانزيت، مضايقني عشان هو ضيع مصاريف كتير وبعت لي مصروف، وكمان هو أصلا وراه مسؤوليات، فكان التوفير إنه يحجز ترانزيت!
يعني الرحلة اللي بياخدها في ٤ ساعات ونص ممكن تاخد ١١ ساعة ومرمطة!

​البيت مكنش على بعضه، كل شوية فارس يتصل ويدلع على أمه ويقولها عاوز نوع أكل معين، وهي ممرمطاني معاها، الباشا عاوز ياكل ديك رومي ولحمة ضاني، ونفسه رايحة لأم علي، وشوية أكل وفاكهة مش في الموسم بتاعهم!

​"طب نفسي أعرف، هو مين جاي عشان ننظف التنظيف دا كله؟"

​"يا بنتي ما أخوكي راجع من السفر."

​"أيوه يا أمي، أخويا برضو إيه علاقته بتحت السرير وفوق المراوح...
ما مراته اللي تعمل كدة يعني هو ينام هنا!"

​كان حوار حبيبة وكريمة اللي زيها زي أي أم بتستنى أي ظرف عشان تعمل منه تنظيفة؛ تنظيفة العيد، تنظيفة رمضان، تنظيفة الشهر، تنظيفة عزومة النسايب، ودلوقتي تنظيفة رجوع الغايب...

​"مالك يا غالية... ساكتة وسرحانة ليه كدة؟"

​سألتني كريمة وهي بتقرب تمسك شعري، فقلت لها:

​"لا عادي، أنا بس تعبانة من الشغل، وما صدقت يوم الإجازة يجي لقيتك حشرتيني في ترويق ومسيح، وأنا تعبانة أوي، البريود جات لي أصلا."

​كنت قرفانة شوية، وبرفع كوباية الينسون اللي حبيبة عملتها ليا، لكن!

​"بركة إنها جات دلوقتي... هتخلص قبل إجازة فارس وبإذن الله ميسفرش تاني."

​شرقت وتفيت الينسون اللي في بوقي، قعدت أكح جامد وهي بتخبط على ظهري وبتقولي:

​"مالك يا حبيبتي... مين جاب في سيرتك يا حبيبتي، اسم الله عليكي."

​مين جاب في سيرتي!
أنتِ يا كريمة اللي جبتِ سيرتي، إيه الكلام دا؟
عايزة حاجة تنظف وداني من اللي سمعته، مش معقول لا، أخدت نفسي وأنا بقولها إني كويسة لقيتها بتقول:

​"طب اطلعي ارتاحي كدة وخدي دش دافي هبعتلك حبيبة بالغداء كمان شوية."

​طلعت من غير كلام، مش عاوزة احتمالية أسمع حاجة زي كدة، دخلت الأوضة بتعب، والدولاب اللي على طوله بنساه مفتوح...
كنت طالبة أوردر أنا وحبيبة من أسبوع كدة شوية بيجامات على كاشات، وحبيبة بتقول لي إزاي جايبة حاجات ملونة كدة ومتعلقش بعروسة جديدة، عشان كدة أصريت أطلب حاجات تانية غير اللي تريحني، وبرضو هوديهم لصاحب نصيبهم.
عديت كذا ساعة وأنا بتكلم مع إسراء شوية، واتصلت بأمي شوية، وكمان قمر أختي اللي على وش ولادة دي، بفكر أروح أزورها يومين وأقعد عندها.
اتنهدت لما الباب خبط وخرجت أفتح لحبيبة وأنا بقول:

​"بت أنتِ...
أنتم مش عندكم نسخة مفتاح تحت احتياطي!
ما تفتحي بيها!"

​"الله!
يا بنتي إحنا خربنا صورة مرات الأخ وأخت الجوز والله، عاوزاني أستخدم مفتاح شقتك كدة وأنتِ فيها؟"

​"لو مش هتخليني أقوم أفتح لك وأنا تعبانة، استخدميه."

​"المهم الأوردر أحمد استلمه وزمانه جاي...
أنا طلعت أقيس عشان أمي لو شافتني طالبة الحاجات دي هتعمل معايا الجلاشة."

​ضحكت، كل الأمهات المصريات كدة، مع إن عادي البنات تطلب مثلاً كاشات بسيطة متكونش مفتوحة أوي، أو حاجة قصيرة سيكة، طبعا لو معندهاش إخوات أولاد في البيت، أنا متفهمة كريمة جدا، بس إحنا مشكلتنا مع كريمة مش هنا، مشكلتنا إنها لسه شايفة إن حبيبة بنتها الصغيرة، لسه شايفاها ١٢ سنة.

​"طب ادخلي استحمي يا أختي، أكيد مش هتقيسي الهدوم بريحتك دي."

​"ولية الغلط طيب!
هاتي لي حاجة ألبسها طيب."

​طلعت لها بيجامة، ودخلت الحمام، وفعلاً أحمد جه خبط وقالي افتحي الباب وابعدي عشان يدخل الحاجة لأنها تقيلة، وفعلاً فتحت الباب ولما دخلت أوضتي وقفلت، عليت صوتي عشان يدخل، وثانيتين لقيت باب الشقة بيتقفل فخرجت لقيت الحاجة على الترابيزة، كان أوردر كبير..
أصلي افتكرت فلوس نقطة الفرح اللي أخدتها من أهلي، وكانت مبلغ، وكمان مرتب شهرين، خلاني أغرق وأنا بختار لأني أحب ما على قلبي هدوم البيت.

​خرجت حبيبة وهي منبهرة وبتفتح في الحاجة، كانت بتدور على حاجة معينة لغاية ما سمعت صوت شخللة وهي بتوريني:

​"دي بقى هديتي أنا وماما ومنال، عباية رقص هتاكل منك حتة، اللون العظمة دا كدة كدة اختياري انا...
كلهم قالولي هاتي عنابي، بس أنا واثقة إن فارس هيحب النبيتي، أصلا فستان الخطوبة كان نبيتي وكان عجبه أوي، وكذلك الطرح النبيتي عليكي خطيرة."

​بلعت ريقي، الموضوع حاسة إنه أكبر مني والله، أكبر من إني أقول كل لحظة لعقلي إن دا مش حقيقي، كل حاجة مش حقيقية، هم بيقولوا إيه، وأنا بعمل إيه، وإيه وصلني للنقطة دي؟
متجوزة وحماة وأخت جوز، أنا...
إيه اللي مشاني من بيت أهلي؟

​معرفش عملت إيه بس إصراري كان عجيب إن بابا يجي ياخدني، والكل عمال يسأل ويحاول يفهم:

حد زعلني؟
طب متضايقة؟
طب اتخنقت مع فارس؟
وأنا قدر إمكاني كنت بحاول أقول إن أهلي وحشوني، بس اكتشفت إن في حواليا كتير أوي بيحبوني، بيفهموني ولو شوية، مهتمين إنهم يعرفوا مالي؛ حبيبة ودلعها ليا وهزارها وحنيتها وهي بتحاول تفهم إيه حصل، حتى عمو أبو فارس، وهو بيأكد عليا إن لو فارس زعلني في حاجة أو أي حد هو هياخد لي حقي، وكريمة وماما، كلهم...
إلا بابا.

==================================

​جه أخدني وبدل ما نروح على البيت على طول أخدني على الكورنيش وأصر إني أنزل أقعد في الهوا معاه:

​"بصي النيل جميل إزاي؟
المياه فيه بتجري، لو وقفت في لحظة، حياة كل اللي حوليه هتقف، لأنه هيبقى مياه راكدة بتضر أكتر ما تفيد صح؟"

​كان له مغزى، بس مفهمتوش عشان كدة رفعت عيني له وقلت:
​"مستعدة أسمع أي حاجة عادي."

​ضحك وهو بيمسح على وشي وقال:

​"الدموع المحبوسة دي بتضر أكتر ما تفيد، طلعيها واتنفسي كدة، الخنقة وحشة أوي."

​معرفش إزاي؟
عياط يمكن معيطتوش قبل كدة، عياط بصوت وشهقات، هو ضمني وطبطب عليا من غير ولا كلمة، لغاية ما فترة وقت كتير عدت وأنا مش حاسة، لكني مسحت دموعي وقلت:

​"أنا صغيرة أوي يا بابا...
كنت غبية لما خرجت من حضنك وبيتك، كل حاجة كبيرة عليا، حاسة إني مش قد أي حاجة أنا بوجهها...
أنا عاوزة أرجع أعيش معاكم، أنا أصغر من الجواز وكل الحاجات اللي بيقولوا عليها."

​"جايز كل حاجة كبيرة عليكي، لسه متعودتيش، وعادي تحسي بكدة، ٤ شهور جواز فيهم ٣ لوحدك، طبيعي تحسي كل حاجة بقت تقيلة، لأن الأول كان اتنين بيشيلوها دلوقتي لوحدك...
بيت أبوكي بيتك مفتوح لكي في أي وقت يا غالية، تعالي استريحي يومين، بس اعرفي إن حتى لو شايفة إن كل حاجة كبيرة فهي على مقاسك، نصيبك متفصل مخصوص علشانك، عادي إنك لسه مش متعودة على كل المسؤوليات دي...
لكن مش معناه إنك أصغر منها...
أنتِ بس محتاجة مساعدة ودعم، لأن أصلاً مكنش ينفع تبقي لوحدك طول الفترة دي، قرار فارس كان غلط وكان غلطتك إنك وافقتيه على قرار زي دا."

​سكت للحظة وأنا بمسح دموعي وبريح وأنا بحني كتفي وبصيت للنيل شوية وبعدين قلت بخوف، خوف إن يحصل أي حاجة وفارس ميسفرش!

​"وهو أي واحدة جوزها يسافر بيبقى قرار غلط؟
دا مستقبله وهو شاطر في شغله وبيحبه مش من حق حد يمنعه."

​"اتحمقي يا بنت نصر، اتحمقي...
أنا مقولتش أي حد يسافر غلط بس القرار كان غلط بالنسبة لفارس وغالية، وتوقيته كان غلط،ة!
أنتِ محتاجة له وهو محتاج لك....
علاقتكم محتاجة تقوى مع الوقت مش مع البعد يا غالية."

​مش عارفة، كلامه صح ولا غلط، بس لأول مرة أقولها بصراحة، وهو بعيد مكنتش بخاف منه كنت بخاف من نفسي، لكن وهو قريب قدامي، عقلي ودفاعاتي مكنوش بيخلوني أعرف أعمل حاجة غير الخوف والهجوم قبل الدفاع حتى.

​بابا روحني للبيت، وماما أصرت إني أنام في حضنها النهاردة، وبابا يلف لها الموضوع يمين وشمال لغاية ما أمها فعلا خدتها في حضنها في أوضته القديمة ونامت، لكن هي منمتش، كانت ساكنة وهي بتسمع ضربات قلب أمها وأنفاسها المنتظمة، أمان جميل؛ إزاي مادتش لنفسها فرصة تطمن جوة أمان البيت دا؟
ليه كانت شايفة إن الهروب هو الحل؟

حتى لو أهلها مكنوش فاهمين كويس هي بتمر بإيه، من غير ما يقصدوا كانوا بيضغطوا عليها، إزاي بسبب كدة نفيت حبهم لها، وإنه مهما حد حبها مش هتلاقي الحب والخوف والأمان زي ما هتلاقيه عندهم، دلوقتي هي عارفة، حتى لو مش بيعبروا مش بيتكلموا، مش بيحضنوا غير في المناسبات، هي عارفة إنهم بيحبوا من غير مناسبات.

ساعات لازم نبعد عن الحاجة عشان ندرك قيمتها، ورغم إني بعدت البيت دا خمس سنين إلا إني محستش الإحساس اللي حسيته الأربع شهور دول...

​يمكن عشان لما بعدت المرة دي، شوفت العيلة اللي بجد، مساحة الأمان والحب، مساحة الواحد عارف فيها إنه مهما غلط مكانه محفوظ، وإنه مهما غاب مكانه هيفضل موجود، وإنه لو المسافات بينهم بلاد، السلامات عمرها ما هتقطع، عمر الكلام ما هيقل، عمر ما الحب هيجف.

​الباب خبط وبابا فتحه وهو بيقولي بهمس:

​"لكِ مكالمة."

​قمت من جنب ماما على مهلي لكنها حست بيا، بابا راح لها بسرعة وأداني الفون، كنت عارفة من غير ما أبص هو مين، عشان كدة خرجت البلكونة وأنا بنطق اسمه:

​"إيه يا فارس..."

​"قلقتيني يا غالية.... أنتِ كويسة؟"

​"مكنتش تعبانة...."

​"عارف...
قالوا إنك مشيتي مفاجأة من البيت...
لو عاوزة تحكي أنا سامعك، ولو في مشكلة أنا هحلها لك."

​أخدت نفس، ليه كل الأمور صعبة؟
محستش بنفسي غير وأنا بسأله فعلاً:

​"ليه كل حاجة صعبة؟"

​ضحكة خفيفة، عجزة شوية، وكمان حزينة، خرجت منه وهو بيقول:

​"طب ممكن نأجل أسئلتك آخر الليل دي دلوقتي، كلتي حاجة من ساعة ما مشيتي الصبح؟"

​إزاي يا فارس، كنت عاوزة أرجعه بس مقدرتش، فرديت وأنا بقول:

​"لا."

​"طب تاكلي إيه؟
أخلي أحمد يجيبهولك، أو تعالي علميني أعمل أكلات 'طاسة الواحدة' بتاعتك، اعمليها وأنا هعملها معاكي عندي."

​كنت هرفض، كنت هقول 'لأ'، بس لسبب ما مكنتش عاوزة المكالمة تقفل، فقلت له:

​"هشوف في إيه في التلاجة عند ماماوأقولك."

​دخلت المطبخ وفتحت التلاجة، كان في بيض وحاجات تانية ملناش دعوة بيها، بس اللي لفت انتباهي كيس فول.
​"بتحب الفول بالطماطم؟"

​"أحبه من إيديكي أكتر... بس قولي لي بيتعمل إزاي."

​"سهل سهل متقلقش، طلع بس كيس فول...
ثواني!
أنت أكيد معندكش أكياس فول!"

​ضحك وهو بيقول:

​"معندناش 'عم مسعد' وتحويجته طبعا، بس في علب فول ممكن نشتريها من السوبر ماركت...
أنا بدور على الشمسية دلوقتي عشان أنزل أجيب."

​انصدمت وأنا بقوله:

​"تنزل فين؟
الوقت متأخر أوي، وبعدين شمسية ليه أصلاً؟"

​"عشان المطرة ممكن تعملها في أي وقت، الصبح ما صدقت درجة الحرارة كويسة ونازل لابس خفيف والدنيا فل...
رجعت الشقة وأخدت دش جاهز مش محتاج أدخل الحمام!"

​صعب عليا شوية، وقلت له:

​"خلاص يا فارس، طقش لك بيضتين تلاتة وكُلهم وخلاص."
​"طب أنتِ هتأكلي إيه؟"

​"أنا هحترم نفسي وأسخن طبيخ أمي."

​"طب مش ناوية تسأليني عن يومي.. وأقولك شكراً على سؤالك؟"

​ضحكت له، نبرته كانت قادرة تخرجني من المود وأضحك، بيشحت الاهتمام بجد، ومصر على موقفه، لكني قلت بسرعة، وبعض مني كنت برخم عليه، وبعض مني كنت بكتم رغبتي فعلاً إني أسأل:

​"لأ."

​"غالية... أنتِ قلبك جامد عليا على فكرة."

​نبرته كانت طفولية، أشبه بطفل بيتدلع على أمه فقلت له برخامة:

​"معلش..."

​"اسمها حقك عليا... متزعلش، مثلاً مثلاً تقولي لي مقدرش على زعلك...."

​"يا فارس..."

​نطقتها وأنا بمط في الكلمة نفسها كأني بشتكي له رخامته!
​"إيه؟
وحشتك؟"

​شرقت!
شرقت والله وقعدت أكح وهو ضحك وهو بيقول:

​"بصي عقاب ربنا نزل عليكي من قبل ما تفكري في كذبة حتى!"

​"حلل على مزاجك... أنت سألت وأنا بجاوب: لأ موحشتنيش."

​"طب فكري شوية!"

​"نفس النتيجة..."

​"إجابتك مؤذية نفسيا على فكرة..."
​"معلش..."

​ضحك وهو بيقول:

​"أعتقد 'معلش' عندك مضاد للاكتئاب..."

​"لا وحياتك... مضاد للتخلف العقلي!"

​قلتها برخامة وأنا بتريق عليه، لكنه قال:

​"وحياتك!
شوفي جمال الكلمة... بصي احلفي بالله بعد كدة."

​"خدت بالك من 'وحياتك' اللي خرجت من غير قصد... وتخلف عقلي دي إيه؟
معدتش عليك؟"

​"لا دي حاجات فرعية مبهتمش بيها."

​قالها بثقة تلقائية، بيهاودني، لكنه ضحكني فعلاً، مجرد ما سمع ضحكتي، ضحك هو كمان وكأنها عدوى وقال:
​"حلو حلو.... المزاج اتحسن.."

​أوف عليه! كشّرت تاني لكن بافتعال كأني بخبي راحتي وضحكي عنه وقلت:

​"مين قال!"

​"نبرتك اتغيرت... وضحكتك خير دليل..."

​"محصلش... عادي البنات بتضحك وهي أكتر واحدة موجوعة."

​"بس دي مش ضحكة وجع، متأكد إن عيونك ضحكت قبل شفايفك.... بس عموماً حتى لو ضحكة! فأنا مش عاوزك تضحكي ضحكة الوجع دي تاني... عيونك بتبقى زعلانة فيها... وبتلمع بس مش من الفرح!"

​سكت...
فارس غير مفهوم، ومعرفش بيجيب... بيجيب الخرافات دي منين!
معقول دا واحد مكنتش في حياته وحدة خالص طول السنين دي؟
لكنه باين عليه، باين على قلبه اللخبطة، واللهفة البسيطة بتاعت البدايات، حاجات بتبسطني من كلامه، وإنذارات كتير تانية بتوقفني، عشان كدة مكنش ينفع أرد، عقلي قال "مترديش"!
رغم إن قلبي سأل في الدقيقة ألف مرة: "إزاي يا فارس!؟"

​"طب برضو مش عاوزة تعرفي حصل إيه في يومي؟"

​اتنهدت بابتسامة وأنا شايفاه بيقفل بكل بساطة الكلام اللي ضغط عليا، وبيبذل جهد عشان منقفلش، عشان كدة قلت له بضحكة بسيطة وكأني يأست منه:

​"قول... على أساس إني لو قلت لأ أنت هتسكت."

​فارس ذكي، وأنا عارفة دا، متأكدة إنه فهم إني بمتنع ظاهرياً بس، عشان كدة ضحك وهو بيقول:

​"النهاردة بعد ما أخدت الدش المعتبر من المطرة... نزلت المغسلة عشان أغسل الهدوم لأني معنديش وقت أغسل وأنشر، وغسيل طه يقرف بصراحة!
المهم أخدت اللاب وروحت اشتغلت في المغسلة، بعد شوية، طه كلمني إنه عاوز الشاحن بتاع اللاب، وأنا زي الأهبل أخدت الشاحن وسبت اللاب في المغسلة..."

​شهقت وأنا بسأله بخوف على اللاب، اللاب فعلاً عليه كل شغله ومجهوده:

​"اللاب اتسرق؟"

​"لا صاحبة المغسلة عرفاني فشالته عندها، لكن بعد كذا ساعة لف وتدوير وبحاول أتتبع موقعه من الموبايل، لقيت البنت جابت رقمي وعرفتني إنه معاها، بس مروحتش جبته."

​"ليه؟"

​"عشان اتصلوا بيا عرفوني إنك مشيتي وكنتي تعبانة، كلامهم مكنش مفهوم بصراحة....
وعملت البدع لغاية ما أبوكي رد عليا."

​"تعبت نفسك، مكنش له لزوم."

​حد يخرسني!
مفيش حد بيقول كل العبط دا في جملة واحدة، ومن حقه يضحك عليا وفعلاً ضحك وهو بيقول:

​"في حاجات تستاهل تعب العمر كله تصرفيه عشانها يا غالية... المهم يعني إحنا عندنا حوار مهم."

​"حوار إيه؟"

​"حضن المطار."

​"إيه!
حضـ... حضن إيه!"

​"حضن المطار، واحد مشافش مراته بقاله ٣ شهور، أكيد مراته وحشته، أكيد يحضنها يجي ١٠ دقايق كدة."
​دا عند أمّه! هو... أوف..
​"هما خمس ثواني.."
​قلتها بتفاوض زي المرة اللي فاتت، فضحك وهو بيقول:
​"طب خليهم عشرة عشاني."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات