📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل العاشر 10 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل العاشر 10 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

( الجزء العاشر )

" ليلى "

لم أكن أظن أن الخوف يمكن أن يتسلّل إلى قلب الأم بهذه الطريقة الصامتة والمرعبة .. ليس صراخاً ولا هلعاً .. بل هو ذلك الوجع الخفي الذي يستقر في الصدر ويأكل العمر ببطء.
كنت أراقب رهف وهي تكبر أمامي وأقنع نفسي كل يوم أن الحب يكفي وأن الأسماء لا تصنع الأمهات .. وأن الدم ليس دائماً ما يُنقذ .. لكن الحقيقة كانت أقسى من قدرتي على الاحتمال.
في كل مرّة كانت رهف تبتسم فيها كنت أخشى اليوم الذي تنكسر فيه تلك الابتسامة حين تعرف وفي كل مرّة نادتني "أمي" كنت أحتضن الكلمة أكثر مما أحتضنها هي وكأنني أخشى أن تُنتزع منّي فجأة .. لم أكن أخفي السرّ عنها لأنني قاسية بل لأنني كنت خائفة .. وخوف الأمهات أحياناً يدفعهنّ لارتكاب أكبر الأخطاء وهنّ يظنن أنهنّ يحمين أبناءهنّ
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

في ذلك الوقت الذي أخبرني به الطبيب حامد عن علّة رهف واحتمالية إصابتها بسرطان النخاع الشوكي شعرت بأن قلبي لم يعد يستطيع ضخ الدم بشكلٍ معتدل لدرجة شككت أن دماغي لا يرتوي لأنه لم يعد يعمل كما كان .. لقد ضعت حرفياً .. صرت أبحث عن والد رهف الحقيقي بجنون .. أمضيت الأيام الماضية وأنا أُفتش عنه في كل مكان .. وكأنني أبحث عن إبرةٍ في كومة قش .. لم يكن له أثر .. اعتقدت أنه مات .. ولكن ماذا عن ابنته وزوجته !

مع أن حامد أخبرني أن حالة رهف قد لا تتطلّب متبرّع .. ولكنني خفت فهذا المرض خبيث وقد يتضاعف في أي وقت .. أنا طبيبة وأعلم أن السرطان من أخبث الأمراض وأسرعها تطوراً .. قد تبدو رهف بحالةٍ جيدة .. عادت طبيعية وحيوية كما يجب عليها أن تكون في هذا العمر .. ولكن قلبي لن يهدأ قبل أن يطمئن عليها ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كنت جالسةً في مكتبي .. غارقةً في الهدوء والخوف الذي تملّكني .. لا أرغب أن يعرف أحد بمرضها ولا حتى هي كي لا تنهار وهي ترى نظرات الشفقة إليها .. أخيراً جاءني اتصال حاملاً معه خبراً عن عمار والد رهف .. وقفت ورددت على المكالمة بسرعة :
- أخبرني جميل .. ما النتيجة ؟

رد من الجهة الأخرى:
- لقد وجدت خبراً عنه
- حقاً .. أين هو .. لمَ لم ترسل لي العنوان على الهاتف ؟
- ليس لديه عنوان فهو غير موجودٍ في البلد

احتبست أنفاسي وبقيت أنظر بالفراغ .. بدأ نظري يهمش بسبب دموعي التي غلبتني و سألته بخيبة :
- أليس هناك أمل بإيجاده وعائلته ؟ .. ألم ينجب أولاداً أو ليس لديه أخوة أو أحد يمكن أن يوصلنا إليه حيث هو ؟
- اهدأي سيدة ليلى واسمعيني .. عمار قد سافر وحده منذ ثلاث سنوات بعد وفاة زوجته بشهر واحد إلى إحدى البلاد العربية

تفاجأت وسألته بلهفة :
- وابنته ! ألم يصحبها معه ؟
- لا .. الذي اكتشفته أنها مازالت موجودة في البلاد
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تنفست براحة وسألته:
- أودعها عند من ؟ خالتها .. عمتها .. أي أحد من عائلتها !؟
- لا يوجد لديها أحد ؛فأمها كانت وحيدة أبويها .. وكذلك والدها كل أشقائه قد توفوا لكبر عمرهم
- إذن أين الفتاة ؟
- لقد زوّجها والدها قبل سفره بمدةٍ قصيرة

هبطت على الكرسي وأنا أنظر بصدمة وضياع ..
- ز زوجها !! قلت أنه سافر قبل ثلاث سنوات .. أي كان عمرها أربعة عشرة عاماً فقط !
- تماماً .. زوجها بعد وفاة والدتها بأسبوع ليتخلّص من عبئها على حسب كلام أحد جيرانهم الذين شهدوا على ذلك

أغمضت عيني بألم عندما تذكّرت مساومته لي وبيعي إحدى بناته بمقابل مبلغٍ بخس .. لماذا أنا مصدومة أصلاً .. كأنني لا أعلم في داخلي أن رجلاً يبيع ابنته مرة .. قادراً أن يفعلها مرة أخرى .. تمالكت نفسي وسألته :
- هل تعرف أين أجدها ؟
- أعرف .. لقد زوّجها لأحد أصدقائه

صمت لحظة وعدت أسأل باستنكار :
- تقصد لأحد أبناء أصدقائه !
- لا لقد عنيت ما قلته سيدة ليلى .. الفتاة تزوجت من أحد أصدقاء والدها

انهارت أعصابي وأنزلت الهاتف عن أذني .. ثم لاح في رأسي كلام وائل واستنتاجه عن حالة رهف .. شقيقتها تزوجت منذ ثلاث سنوات من صديق والدها .. ورهف مرضت من ذلك الوقت .. صحيح أنني لست طبيبة نفسية ولكنني أستطيع الآن ربط المعاناة التي عانتها رهف مع معاناة شقيقتها التوأم .. لقد كشفني وائل أمام نفسي وأنا نكرت ذلك بجحود .. سمعت صوت نغمة الرسائل .. فتحتها ورأيت رسالة قد أتت من جميل تتضمن اسم زوج الفتاة وعنوان منزله .. مسحت دموعي وحملت حقيبتي وخرجت فوراً قاصدةً ذلك العنوان بكل إصرار .. أريد أن أعرف فقط ما الذي حدث مع تلك الفتاة المسكينة بعد زواجها وهي في الرابعة عشرة من رجلٍ بعمر والدها .
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وصلتُ إلى العنوان بعد بحثٍ طويل فقد كانت منطقة جديدة عليّ ولم أزرها من قبل
توقفتُ أمام بناءٍ قديم نوعاً ما وترجلت من السيارة .. وكأن قدميّ التصقتا بالأرض وأنا أنظر بذلك البناء .. تمالكت نفسي ودخلت وظللت أصعد السلالم حتى وصلت إلى أمام الشقة

رفعتُ يدي لأطرق الباب و لكنني سحبتها قبل أن تلامسه.
لماذا أشعر أنني على وشك اقتحام قدرٍ لا أريد معرفته؟
أغمضتُ عينيّ للحظة وضغطتُ على الجرس.
دقّ قلبي بقوة حتى خِلتُ أن صوته أعلى من الجرس نفسه.
انتظرت دقيقة لكن لا جواب هناك .. طرقتُ الباب بيدي هذه المرة طرقة خفيفة ثم أقوى ثم أقوى.
- هل من أحد في الداخل ؟
لم أجد إلا الصمت .. بدأ القلق يتسلل إلى صدري .. هل أخطأتُ العنوان؟ أخرجتُ هاتفي لأتأكد و لكنني كنت أعلم في داخلي أنني في المكان الصحيح .. هناك شيء ثقيل في صدري يؤكد ذلك .. فجأة فُتح باب المنزل المجاور ببطء وخرجت امرأة في أواخر الأربعينيات عيناها ضيقتان ونظرتها متفحصة .. نظرت إليّ نظرة غريبة وسألتني
- ماذا تريدين ؟
التفتُّ إليها بسرعة وحاولتُ أن أبدو متماسكة رغم الارتجاف في صوتي:
- لو سمحتِ .. أصحاب هذا البيت .. أين هم؟
حدّقت بي من رأسي حتى قدمي وكأنها تقيّمني ثم ردت بسؤال :
- لماذا تسألين عنهم ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تلعثمتُ للحظة ثم قلتُ بسرعة:
- أنا أكون خالة الفتاة التي تسكن هنا .. كنتُ مسافرة وعدتُ اليوم وجئتُ لأطمئن على ابنة أختي.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة ثم ضحكت ضحكة قصيرة بدت لي لئيمة بعض الشيء و ردت :
- خالتها؟ بعد كل هذه المدة تذكرتي أن لكِ ابنة أخت ؟
شعرتُ بالإهانة لكنني تماسكت وربطت يدي وكررت سؤالي :
- أخبريني أين هم فقط؟
تنهدت بملل وأسندت كتفها إلى الباب و قالت :
- الرجل في السجن.
اتسعت عيناي دون إرادة :
- ماذا ؟
و أكملت ببرود أشد:
- وزوجته .. ابنة أختك هربت مع عشيقها.
كأن أحداً سكب دلواً من الماء البارد فوق رأسي .. ارتخت يداي وهمست بعدم إدراك:
- هربت .. مع عشيقها !؟
اهتزّ العالم من حولي للحظة لم أسمع بقية كلماتها إن كانت قد قالت شيئاً أصلاً. .. عشيق؟ فتاة في السابعة عشرة بالكاد .. هاربة؟
أمسكتُ بطرف الباب كي لا أنهار .. همس شيء داخلي .. لابد أن هذا لم يكن هروباً .. ربما كان نجاة .. ولكن لماذا إذن أشعر أن المصيبة لم تبدأ بعد؟ .. رفعتُ عيني إليها ونطقت بصوت خرج بالكاد من بين شفتي:
- هل تعرفين إلى أين هربت؟
كان قلبي يخفق وكأن الإجابة ستقرر مصير ابنتي الأخرى .. حتى تراجعت وهي تقول :
- وما أدراني أين هربت تلك الساقطة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم دخلت لبيتها وأغلقت الباب بوجهي بعنف .. مسحت وجهي باستياء وسندت خاصرتيّ بيدي وقلت :
- كم هذا مخيّب للآمال

سرتُ في الحارة الضيقة باتجاه سيارتي بشرودٍ ثقيل.
كانت خطواتي بطيئة .. أكاد لا أشعر بالأرض تحت قدميّ. أوراق الخريف المتساقطة تتكسر تحت حذائي بصوتٍ خافت والهواء البارد يلفح وجهي دون أن يوقظني من دوّامة أفكاري .. أخت رهف من هذا النوع؟ هربت مع عشيق؟!!
هل يعقل أن تكون رهف تحمل في قلبها ذات التمرد ؟
ضغطتُ حقيبتي إلى صدري محاولة كبح اضطرابي .. لم أكن أعرف أيهما يؤلمني أكثر؛ احتمال أن تكون الفتاة سيئة السمعة كما قيل أم احتمال أن تكون ضحية.
فجأة جاءني صوتٌ رقيق من خلفي يناديني :
- انتظري قليلاً يا خالة

توقفتُ والتفتُّ ببطء و رأيت فتاة في نحو السادسة عشرة تقف عند مدخل البناء ملامحها مترددة لكن عينيها ثابتتان.
اقتربت مني بخطوات سريعة وقالت بصوت منخفض:
- أنا ابنة المرأة التي تحدثتِ معها قبل قليل.
تصلّب جسدي للحظة ثم قلتُ بحذر:
- نعم؟
نظرت الفتاة خلفها وكأنها تخشى أن يراها أحد ثم اقتربت أكثر وهمست:
- ما قالته أمي ليس صحيحاً.
شعرتُ بأن قلبي توقف نبضة كاملة وسألتها بلهفة :
- ماذا تقصدين؟
ابتلعت ريقها وقالت بصوتٍ مرتجف:
- تلك الفتاة .. لم تهرب مع أحد .. لم يكن لها عشيق ولم تكن من هذا النوع أبداً .. كانت مسكينة .. هادئة و بالكاد كنا نراها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ازداد اضطراب أنفاسي وقلت :
- إذن ماذا حدث؟
أجابت وقد غرقت عيناها :
- زوجها كان يضربها ضرباً مؤذياً جداً .. كنا نسمع صراخها في الليل .. أحياناً لساعات .. نسمع استغاثتها وتوسلاتها ولكن لا أحد كان يتدخل
ارتعشت أصابعي دون وعي .. صُدمت مما قالته وسألتها بمرارة :
- ولماذا لم يفعل أحد شيئاً؟
أطرقت رأسها خجلاً و ردت :
- كانوا يقولون إنها أمورهما الخاصة وأنه زوجها وله الحق في تأديبها.
أغمضتُ عينيّ بألم .. برروا العنف باسم “الخصوصية” و“حق الزوج” وما هذا التخلف يا إلهي!
تابعت الفتاة :
- ثم جاء جارٌ جديد قبل أشهر قليلة كان يسكن في الشقة أسفل شقتهم .. في أحدى الأيام اشتدّ الصراخ بشكلٍ مخيف لدرجة أن الشاب صعد وبدأ يطرق الباب بجنون حتى يخلّصها من بين يديه .. وحاول الجيران إيقافه ومنعه من التدخل .. لكن الشاب كسر الباب وأخذها إلى المستشفى بنفسه .. كانت فاقدة الوعي و ظننا أنها ماتت فقد كان رأسها ينزف بشدة ولا تتحرك أبداً

شعرتُ بأن الهواء أصبح ثقيلاً في صدري .. حاولت تمالك أعصابي وأنا احاول ألا أنهار وقلت :
- وماذا حدث بعد ذلك؟
- جاءت الشرطة وألقي القبض على مؤيد في ذلك اليوم .. لا أعرف التفاصيل و لكن الجميع قالوا إن الجار هو من أبلغ عنه ومنذ ذلك الوقت لم نرَ الفتاة مجدداً.
همستُ:
- إلى أين ذهبت؟
هزّت رأسها و ردت :
- الله أعلم .. بعضهم قال إنها نُقلت إلى مكانٍ بعيد أو ربما ماتت .. وبعضهم كما سمعتِ قال إنها هربت من عشيقها .
صمتُّ لحظة ثم سألت:
- ذلك الشاب الذي ساعدها هل تعرفين اسمه؟
- لا لم أره إلا تلك الحادثة و لكنني سمعت أمي والجيران يقولون إنه خرّب بيت مؤيد ورماه في السجن وأن مؤيد كان بريئاً وأن الفتاة كانت تستحق الضرب .. بدأوا يسيئون إليه في كل مرة يمر فيها من هنا .. يتناقلون الأخبار الكاذبة ويسيئون لسمعته فلم يحتمل وترك البناء وانتقل من كل المنطقة
ارتجف شيءٌ داخلي حيت سمعت ذلك .. حين تجرأ شخصٌ واحد على إنقاذها جعلوه هو المجرم وأساؤوا له بشدة .. كيف لبشرٍ أن يكونوا بهذه القسوة .. إنهم لم يختلفوا عن إجرام مؤيد بشيء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

اقتربت منها وسألتها:
- هل تعرفين أصحاب الشقة التي كان يسكنها الشاب ؟
- لا ؛فمنذ وعيت وتلك الشقة كانت تؤجّر كل فترة عن طريق المكاتب العقارية .. ولا أعرف من هم ملّاكها الأصليين

أخرجتُ هاتفي بيدٍ مرتعشة وفتحت صورة رهف ثم قرّبت الشاشة من وجهها وسألتها :
- هل الفتاة كانت تشبهها؟
حدّقت في الصورة طويلاً ثم هزّت رأسها ببطء:
- لا أستطيع الجزم .. وجهها كان دائماً مليئاً بالكدمات و لم تكن ملامحها واضحة أبداً.
شعرتُ بطعنةٍ صامتة في صدري. .. ترددتُ لحظة ثم سألت السؤال الذي كنت أخشاه:
- ما اسمها؟
رفعت عينيها وقالت:
- اسمها حلا.
تجمّد الزمن للحظة .. ثم همستُ بالكاد:
- شكراً لكِ.
- أرجوكِ .. لا تخبري أمي أنني أخبرتكِ بشيء
ربتّ على كتفها و قلت :
- اطمئني .. لن أفعل.
استدرتُ ومضيتُ باتجاه سيارتي وقلبي يخفق بقوةٍ تكاد تؤلمني .. لم تعد أوراق الخريف تُسمع تحت قدميّ ولا الهواء يُشعرني بالبرد .. كل ما كنت أسمعه هو اسمٌ واحد يتردد داخلي .. حلا

جلست في سيارتي دقائق وأنا شاردة .. أفكر في معاناة تلك المسكينة .. الذي تيقنته أن ذلك المختل قد رما ابنته بين مجموعة من الوحوش ورحل .. لم يكونوا جيراناً .. كانوا جدراناً.
كانوا يسمعون صراخها واستغاثتها كما يسمعون أذان الفجر ..ثم يكملون يومهم وكأن شيئاً لم يحدث .. وعندما وجدت من ينقذها حكموا عليها وعلى الذي أنقذها بالسوء وأخرجوا جلّادها بريئاً
في أي زمنٍ أصبح المنقذ مذنباً .. والضحية مستحقة؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لم يعد بإمكاني المضي بعد الذي سمعته .. عدت للمنزل ودخلت غرفتي .. جلست أمام مرآتي وأخذت أنظر إلى نفسي بلوم .. كانت عيناي غائرتين بسبب الحزن .. أخيراً لاحظت خطوط العمر بدأت تُرسم على وجهي .. خطوطاً لم تكن موجودة قبل اكتشافي مرض رهف ..
- ليتني تبنّيت الاثنتين
نطقت هذه الكلمات وانفجرت بالبكاء ورميت رأسي على التسريحة ..
مرّت ساعة كاملة وأنا جالسة أمام المرآة أحدّق في انعكاسي وكأنني أبحث عن نفسي القديمة في ملامحي المتعبة
كان عقلي قد استنفد طاقته و لم أعد قادرة على التفكير ولا حتى على البكاء .. بتّ فارغة تمامًا كغرفةٍ أُطفئت أنوارها فجأة .. لم أشعر بنفسي إلا وأنا ألتقط هاتفي وأتصل بزوجي راجي .. ردّ بعد الرنّة الثانية بصوتٍ هادئ كعادته:
- نعم عزيزتي
انكسرتُ عند سماع صوته و خرج صوتي متقطعًا:
- راجي .. أرجوك تعال للمنزل .. لا أستطيع… لا أستطيع البقاء وحدي .. أنا بحاجةٍ إليك
لم يسأل ولم يتردد فقط أجاب:
- أنا قادم على الفور
أغلقت الهاتف وانهرت من جديد .. لم أعد أميّز بين دموعي وأنفاسي .. حين دخل راجي الغرفة بعد أقل من نصف ساعة كان وجهه شاحبًا من الخوف اقترب مني بسرعة وجثا أمامي .. حضن وجهي بين يديه وسألني بخوف:
- ماذا حدث ؟ ليلى تكلمي!
لم أستطع التحدث .. كنت أبكي فقط .. ارتميت في حضنه ليضمّني إلى صدره بقوة و كأنه يخشى أن أفلت من بين ذراعيه وراح يمسح دموعي بيده المرتجفة.
- لقد أخفتني .. ظننت أن مكروهًا أصابك
همست أخيراً :
- بل أصابها…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تجمّد جسده وسأل بخوف :
- أصاب من؟
رفعت رأسي إليه ونظرت في عينيه مباشرة وقلت الكلمة التي كنت أهرب منها:
- رهف.
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية وقال :
- ماذا بها ابنتي ؟ ماذا أصابها .. أين هي ؟
ابتلعتُ غصتي:
- مرضها
- ألم تقولي أنه مجرد إرهاق بسبب الدراسة
- لم يكن إرهاقاً عابراً كما ظننا .. التحاليل أكدت إصابتها بسرطان النخاع
شعرت بكفه يشتد على كتفي دون وعي .. لم يتكلم لثواني طويلة .. فقط كان ينظر إليّ باستنكار ..

- لا .. لا يا ليلى .. رهف بخير .. كانت تضحك هذا الصباح .. رأيتها كانت بكامل حيويتها وصحتها
- أعلم أنها تبدو بخير .. لكنها ليست كذلك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نهض وأدار ظهره لي .. وضع يده على رأسه كمن يحاول استيعاب ضربة قاسية .. راجي الذي أحب رهف ربما أكثر مني .. كان دائماً يقول إنها روحه الصغيرة .. عاد إليّ وسأل بصوتٍ مبحوح وكأنه أدرك الأمر :
- هل أكّد الطبيب حاجتها لمتبرع؟
- لا .. حامد قال إن الأمر غير مؤكد .. لكنني خفت إن ساءت حالتها فجأة .. لن أحتمل أن نبحث حينها تحت ضغط الوقت .. فقط أردت أن أكون مستعدة

وعادت شهقاتي تعلوا ليضع يده على كتفي ويقول :
- أرجوكِ لا تفعلي بنفسكِ هذا يا ليلى .. سيكون كلّ شيءٍ على ما يرام

- لا اعتقد ذلك يا راجي .. أنا لا أستطيع تحمّل فكرة خسرانها

- لقد قال الطبيب أنها ربما لن تحتاج لمتبرع ..

- وذلك ليس مضموناً .. إن اشتدّ عليها سنضطر للبحث عن متبرّع رغماً عنا

نظر إليّ ببطء:
- لهذا كنتِ تبحثين عنه منذ الآن ؟
هززت رأسي وقلت :
- لا أبحث عنه بل أبحث عن شقيقتها.
ارتسمت الصدمة على وجهه من جديد :
- شقيقة من ..!! ألم تقولي أن رهف لا عائلة لها .. أذكر أنكِ أخبرتني بذلك عندما أحضرتها

اكملت ببكاء :
- أبحث عن شقيقة رهف التوأم .. لن يستطيع أحدٌ غيرها إنقاذها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وقبل أن أشرح أكثر سمعنا صوت حركة خفيفة قرب الباب.
التفتنا معاً رأينا رهف كانت تقف هناك.
وجهها شاحب وعيناها ممتلئتان بدموع لم تسقط بعد .. لا أعرف كم سمعت و لكنني أعرف أنها سمعت ما يكفي.
همست بصوتٍ مرتجف:
– مـ ماذا تقصدين بشقيقتي…؟
تجمّد الدم في عروقي ووقفت أنظر إليها .. شعرت ان الوقت توقف بيننا لتتقدّم خطوة إلى الأمام لكنها سرعان ما تراجعت.
- أنا .. متبنّاة ؟ لستُ ابنتكم ؟

اندفع راجي نحوها فورًا وحاول تهدئتها بينما بدأت رهف تصرخ بجنون .. تمالكت نفسي وركضت اليها وأمسكتها لتهدئة جنونها وصدمتها وقلت ودموعي تنهمر:
- أنتِ ابنتي .. مكانكِ بقلبي وروحي .. بكل ما أملك. لكن… نعم .. أنا من تبنيتك.
اهتزّ صدرها بأنفاس متقطعة وصرخت بوجهي ودفعتني
ثم استدارت وركضت وخرجت من البيت كله راكضة .
ركضنا خلفها أنا و راجي .. كنت اصرخ وأناديها لكنها كانت سريعة .. بقدميها الحافيتين ركضت حتى اختفت من أمام أعيننا .. لأقف في مكاني مصدومة .. أشعر بأنني فقدت السيطرة على كل شيء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ها قد مر يومان بعد تلك المواجهة .. لكنها بدت دهورًا.
اختفت رهف .. في البداية ظننتها خرجت لتصفّي ذهنها وستعود عندما تهدأ .. و لكن حين حلّ المساء ولم تعد .. بدأ الرعب الحقيقي .. بحثنا في كل مكان .. اتصلنا بصديقاتها .. بمدرستها و بكل من قد يخطر على البال.
استعنت بالشرطة وقُدمت بلاغات و انتشرت صورتها .. راجي كان يخرج قبل الفجر ويعود بعد منتصف الليل يفتش الشوارع بنفسه بحثاً عنها .. أما أنا فكنت أنهار.
لم أعد أستطيع دخول غرفتها دون أن يختنق صدري.
رائحتها على وسادتها كانت تقتلني ببطء .. كنت أجلس على سريرها .. أضم سترتها إلى صدري وأبكي كما لم أبكِ في حياتي .. كنت أخشى شيئاً واحداً فقط .. أن تكون قد رحلت لأنها شعرت بأنها لم تكن ابنتي بما يكفي .. وكلما تذكرتُ نظرتها المكسورة في ذلك اليوم أدرك أنني ربما لم أخسرها بسبب مرضها بل بسبب تلك الحقيقة المرّة التي اخترت إخفائها بكلّ أنانية عنها ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات