رواية دروب قرية جابر الفصل الحادي عشر 11 بقلم الماس ال حمد
رتيل انسحبت من المستشفى وطلعت مع أخوها غازي واتجهوا للبيت. أول ما دخلوا، نزلت عباتها وطرحتها وهي تنادي: "يمه! يمه الحقيني، نوير التوت رجلها وطاحت علينا بالحلال!"
غادة الصغيرة أول ما سمعت طاري نوير فزت وركضت وهي مخترعة: "خالة نوير! وش صار فيها؟ هي زينة؟"
غازي ضحك وسحب غادة لجهته وقال: "ما عليها، كأنها بعيرٍ هائج ما جاها إلا العافية، اتركيك منها الحين.. ما اشتقتي لأبوك؟"
وبدأ يدغدغها بيده وهي تضحك بأعلى صوتها وتناقز وتترجاه يتركها وهي تقول: "خلاص يا يبه.. اتركني!"
أم غازي وهي تطالعهم بابتسامة: "ما تشوف شر بنيتكم، والعصر إن شاء الله كلنا بنروح يمهم ونتطمن عليها."
أم غازي حطت دلة القهوة وجلسوا، وفجأة انفتح الباب ودخل أبو غازي وهو شايل كيس حلويات يبي يونس به البيت. أول ما شافته غادة، طارت من الفرحة وركضت له وحضنت رجوله، وهو بضحكة شالت البيت رفعها وشالها بين يدينه.
رتيل شافت الجو وناسة، فزت وشغلت المسجل على شيلة حماسية، وبدت تمايل وترقص بوسط الصالة بضحك وفرح.
أبو غازي ما قصر، دخل في الجو وهو شايل غادة بيديه، وبدأ يرقص معها ويدور بها وهي تضحك بأعلى صوتها، وغادة ميتة ضحك من الوناسة ومن رقص جدها.
أم غازي من الوناسة بدت تصفق وتشجعهم، وما قدرت تمسك نفسها قامت وزغرطت (علوشة) ملت البيت، والكل نسي تعب اليوم وهجير الشمس في لحظة فرح عائلية
بعد ما انتهى الرقص واللعب، جلس أبو غازي وأخذ غادة في حضنه، وهي مشغولة تفتح الحلويات وتوزعها، ومدت له رتيل فنجال القهوة وهي تقول: "سمّ يا يبه."
أبو غازي: "سمّ الله عدوك، ومن الوجع قهواك."
أم غازي التفتت عليهم وقالت بكل ثقة: "يا أبو غازي، أنا نويت وقررت، بخطب نوير لولدي غازي."
غازي أول ما سمع الاسم شرق بالقهوة وقام يكح، بينما غادة فزت من حضن جدها وهي تصيح بفرحة: "نوير؟ إي يبه اخطبها، أنا أحبها!"
غازي (وهو يمسح فمه ويطالع أمه بذهول): "لا يا يمه! تكفين أنا ماني فاضي لزواج ولا لغثاه، خليني كذا مرتاح."
أبو غازي طالع ولده بنظرة حكيمة وقال: "يا وليدي، العمر يمضي وأنت وراك مستقبل، وتحتاج اللي تجملك وتصير سند لك، وما شاء الله نوير بنت زينه ودينة وأصل."
وعقبها حط يده على فخذ أم غازي وقال: "اخطبيها يا أم غازي، وعز الله إنك اخترتي، ونعمٍ فيها وفي أهلها."
غازي (باعتراض): "يا يبه، أنا أقول لك ما أبي، الموضوع مهب غصب."
أبو غازي (بصوت حازم ما يقبل النقاش): "أنا قلت كلمة، ومرة واحدة شور كلامي يا غازي.. البنت لك، والهرج انتهى."
أم غازي ما كذبت خبر، سحبت تليفونها ودقت على أم فايز والقلب ماليانه نية خير.
في بيت أهل عيسى..
كانوا جالسين في الصالة، الدلة في الوسط والسوالف والضحك مالي المكان، ونوير منسدحة تريح رجلها، فجأة رن التليفون ورفعت السماعة أم فايز.
أم فايز: "هلا والله ومسهلا بأم غازي، حي الله هالصوت."
أم غازي: "يبقيك ربي.. والله يا خيتي ماني بطولتٍ عليك، أنا جيتك في موضوعٍ ومطلب."
أم فايز: "آمريني، ما يردك إلا لسانك."
أم غازي: "والله إنا نبي القرب منكم، وطالبين يد بنيتكم نوير لولدنا غازي على سنة الله ورسوله."
أم فايز ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة وقالت: "هذي الساعة المباركة، وما نلقى مثل غازي، لكن باشور أبوها والبنت وأرد لك خبر إن شاء الله."
سكرت أم فايز السماعة، والتفتت على أبو عيسى وأشرت له بعيونها، وقاموا ودخلوا الغرفة يتباحثون في العلم.
أما في المقلط..
شيخة استغربت وقالت بصوت واطي: "وش السالفة؟ أمي وأبوي دخلوا الغرفة فجأة ووجيههم فيها علم!"
نوير (وهي عيونها على المسلسل ولا درت عن الدنيا): "ما عليك منهم، أكيد يهرجون في أمور البيت.. شوفي شوفي الحين بيعترف لها بحبه!"
فجأة، قطع انسجامها صوت أبوها من داخل الغرفة وهو ينادي بنبرة جادة: "يا نوير! تعالي يا بنيتي أبيك."
قامت نوير وهي تسحب رجلها وتعرج شوي، دخلت الغرفة ولقت أمها وأبوها واقفين، وأشرت لها أمها تسكر الباب وراها.. والجو غدا ثقيل وهادي.
.
أبو فايز (عيسى) طالع في بنته وقال: "يا بنتي، ولد عمك طالب يدك على سنة الله ورسوله، وأنا جيت آخذ شورك، وش قلتي؟"
نوير (بإستغراب): "من هو يا يبه؟"
أم فايز: "غازي ولد عمك أبو غازي."
نوير انصدمت وتغيرت ألوان وجهها: "لا يا يبه! تكفى.. أنا باقي صغيرة ولا فكرت في الزواج، وبعدين دراستي وشغلي.."
أبو فايز رد عليها بحنان الأب: "يا بنيتي، الزواج مهب عائق، والولد مابه عذاريب. فكري في الموضوع واستخيري ربك، وما يصير إلا اللي يرضيك."
أم فايز قاطعتها بحزم: "وش اللي صغيرة؟ هذا عمر الزواج والستر. استخيري والليلة فكري، وبكره لازم نرد للناس خبر، ما يجوز نعلقهم."
نوير والضيق واصل حدّه: "طيب.. عادي أطلع الحين؟"
أم فايز: "اطلعي وفكري زين."
طلعت نوير من الغرفة وهي تعرج وتسحب رجلها، أول ما شافتها أختها شيخة ركضت يمها تسندها: "بسم الله عليك، وش فيك؟ وش قالوا لك داخل؟"
نوير (بنبرة مكتومة): "وديني الغرفة يا شيخة، اخلصي علي."
أول ما دخلت الغرفة وجلست على سريرها، التفتت عليها شيخة بلقافة: "هاه.. قولي لي وش السالفة؟"
نوير انفجرت بقهر: "تخيلي يا شيخة.. الزفت غازي خطبني! هو ملقى إلا أنا؟"
شيخة (ضحكت وضربت كتف نوير بخفة): "يا ويلي.. شكلها بتصير 'حب من بعد كراهية'! ما تدرين، يمكن ذا المغرور يغدي خاتم بإصبعك."
نوير (بضيق ووجهها قالب): "شيخة! ماني بمزح، والله ما أبيه ولا أطيق طاريه، وشلون عاد أعيش معه في بيت واحد؟"
شيخة (حاولت تهديها): "خلاص، الموضوع بسيط.. قولي استخرت وما ارتحت، ولا أحد يقدر يغصبك على شي ما تبينه، والشرع والسنّة معك."
نوير (تنهدت بقهر ودموعها في عيونها): "ليته بهالبساطة، شفتي وجه أمي؟ شكلها تبي الفكة مني ومن غثاي، مدري إيش أسوي يا شيخة.. أحس كني محشورة بوسط زاوية."
شيخة (سندت راسها على كتف نوير): "اهجدي بس، أمي تحبك وتبي مصلحتك، بس أنتِ استخيري الليلة، واللي فيه خير بيكتبه ربي."
نوير بدت دموعها تنزل بحرقة وقالت بصوت مكسور: "دايم نوير تسوي اللي يبونه.. مالي خاطر عند أحد، ولا أحد يسألني وش أبي!"
شيخة فز قلبه على أختها وحضنتها بقوة وقالت: "والله ما تروحين له وأنا حية! أروح الحين أوقف بوجه أمي وأكسر رأس ذا الزفت غازي، ولا تذرف دموعك بسببه!"
فجأة انفتح الباب ودخلت أم فايز وشرار الغضب بعيونها وقالت: "لا تحشّين راس أختك وتخربينها علينا!"
شيخة وقفت بشجاعة ورفعت صوتها: "البنت ما تبيه! مو غصب تاخذه وتعيش معه في نكد!"
أم فايز من القهر مدت يدها وأعطت شيخة كف قاسي لين طاحت على الأرض وقالت بصراخ: "مالك دخل في موضوع أختك! كملي شغلك وانطمي!"
شيخة حطت يدها على خدها وهي مصدومة، لكنها ما تراجعت وقالت: "قلتها لك.. هذي أختي، وموضوعها هو موضعي، وماراح يتم هالزواج لو وش يصير!"
أم فايز جن جنونها، مسكت شيخة من ثوبها وهزتها بقوة: "لا ترددين كلامي ولا تكسرين شوري، سامعة؟"
نوير فزت من مكانها رغم ألم رجلها، وبدت تدفع أمها عن أختها وهي تصيح: "خلاص يا يمه! شيخة خلاص اتركوا بعض!"
أم فايز نفضت يدها منهم وقالت بلهجة حازمة وقاطعة: "أنا بقول لهم إنك موافقة، وما أبي أسمع كلمة اعتراض ثانية!"
طلعت من الغرفة وصكت الباب وراها بقوة، تاركة نوير وشيخة في حالة ذهول وكسرة خاطر.
في بيت أم غازي..
أول ما سكرت الجوال، وقفت بوسط الصالة وهي تزغرد (تعلش) والفرحة مو سايعتها، وقالت بأعلى صوتها: "وااافقت! نوير وافقت يا جماعة!"
رتيل كانت واقفة وورا وجهها ألف علامة استفهام، قالت بينها وبين نفسها: "مستحيل نوير توافق بهالسهولة، أنا أعرفها زين، أكيد في الأمر إنّ!"
دخل أبو غازي الصالة على صوت الزغاريد، ووجهه مستبشر، قال: "بشري يا أم غازي، وش العلم؟"
أم غازي (وهي تضحك): "أبشر بالخير، البنت وافقت والخطبة تمت!"
غازي كان جالس وسمع العلم، لكنه تجاهل الموضوع تماماً وكأن الكلام ما يعنيه، قام ببرود وقال: "آخره زمني أخذ وحدة مثل نوير؟ الله يعين بس."
تركهم وطلع غرفته وهو مصكوكٍ راسه، لا هو اللي فرحان ولا هو اللي مقتنع،