رواية بين قيود النفس كامله وحصريه بقلم جومانا عادل
نادية ببراءةٍ مصطنعة ممزوجة بخبث: انت رايح فين يا محمد؟
محمد بحنان: رايح أشوف رنا.
نادية بخبث: لا، مينفعش تِدخل.
ــــ
افتكرت رنا الموقف ده. كان يومها عندها 6 سنين، مر عليه سنين كتير بس لسه محفور في عقلها.
بصت على الصورة اللي بين إيديها بدموع، وضمتها لصدرها بوجع على حالها. غصب عنها، الـ20 سنة دول كانوا بمثابة وجع. صعب الواحد يعيش من غير حنان أمه كل السنين دي، و ميلاقيش العوض.
سرحت رنا في أبوها اللي حاول يعوضها على قد ما يقدر بحنانه، اللي بدأ يقل تدريجياً بسبب انشغالات الحياة، ومرات أبوها اللي هو عارف إنها مش بتحبها بس ساكت.
طب ساكت ليه يا بابا وانت عارف اللي بتعمله من وراك معايا؟ على أساس كدا جات مكان ماما وعوضتني وربتني وكبرتني؟ دي كانت بتبني مني شخصية مستحيل تتعايش مع العالم ده.
اتنهدت رنا بضيق لما سمعت صوت مرات أبوها نادية بتزعق برا وهي بتنادي عليها. شالت رنا الصورة وخرجت لها برا.
رنا: نعم؟
نادية بعصبية: نعم الله عليكي يا حبيبتي! إيه يا ست الحسن، بتيجي من الكلية قاعدة في أوضتك؟ إيه، شغل البيت ده أنا اللي هعمله؟
رنا بضيق: مهو البيت حلو أهو، هعمل فيه إيه؟
نادية: هتعملي فيه إيه؟ شكلك محتاجة تركبي نضارة بدل الخربانة اللي في وشك دي.
اتنهدت رنا بضيق ومردتش عليها.
فقالت نادية تكمل كلامها: يلا يا بت، روحي على المطبخ شوفي فيه إيه. أبوكي زمانه جاي، الأكل لازم يبقى جاهز.
قالت رنا بصوت خافت: طب ممكن شهد تساعدني؟
بصت لها نادية بغضب أكبر وقالت وهي بتشخط فيها: مين يا حبيبتي؟ شهد بنتي أنا تساعدك؟ من امتى وشهد بتحط إيديها في حاجة في البيت؟ انتي اتجننتي؟ يلا خشي، وعالله تقولي الكلام ده تاني.
دخلت رنا المطبخ والدموع متجمعة في عيونها.
عشرين سنة مشغلاني خدامة عندها هي وبنتها، اللي المفروض أختي الصغيرة اللي من دمي حتة، هي كمان بتكرهني.
مسحت رنا دموعها بقهر وهي بتفتكر أمها اللي ماتت ضحية المرض الخبيث.
خلصت رنا اللي في إيديها وخرجت متجهة لغرفتها، قبل ما أبوها يجي. من زمان وهي بتحاول تتجنب البصة في عيونه عشان تمنع إحساسها اللي بيأكد لها: لو أبوكي مكنش سكت على معاملتها ليكي مكنش ده بقى حالك، خدامة.
لمحت رنا شهد اللي خارجة من أوضتها بدلع، متشيكة ولابسة أحسن لبس عندها، الميكاب وتسريحة الشعر والبرفانات، أنوثتها المبالغ فيها بالنسبة لرنا اللي عمرها ما جربت كل ده.
شهد بصوت ناعم: ماما يا ماما.
نادية بحب: نعم يا حبيبتي.
شهد وهي بتظبط شعرها: إيه رأيك؟ حلوة؟
نادية بسعادة: حلوة! بس ده انتي ست البنات يا حبيبتي.
شهد بدلال: حبيبتي يا ماما، أنا نازلة مع صحابي شوية مش هتأخر.
نادية: ماشي يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك.
ودعت شهد مامتها وخرجت من غير ما تبص لرنا كأنها شفافة. ولحد دلوقتي رنا تجهل سبب المعاملة دي. طيب مرات أبوها طبيعي أكيد عشان هي بنت ضرتها، طب شهد أختها الصغيرة ليه بتعاملها كدا رغم إنها عمرها ما عملت معاها حاجة وحشة؟
قطعت نادية حبل أفكارها بكلامها السّم وهي بتقول: واقفة عندك كدا ليه؟ ما تخشي أوضتك.
دخلت رنا غرفتها من سكات، وقفت قصاد المرايا والموقف لسه معلق معاها. معاملة نادية لبنتها حلوة أوي.
قالت رنا لنفسها بدموع: كان نفسي ماما تبقى هنا وتعاملني زيها كدا. وحشتيني يا ماما.
نزلت دمعة غصب عنها على خدها. كانت دموعها سخنة جداً كأنها لهب، مش دموع، بس أهون من قلبها اللي بيتحرق كل يوم.
عدّى اليوم، جه محمد قعد مع نادية شوية وكل وسأل على البنات.
نادية: شهد نزلت مع صحابها، ورنا في أوضتها.
محمد: خففي نزول شهد شوية يا نادية، البنت كبرت والعيون عليها.
نادية بابتسامة: أكيد يا حبيبي، ربنا يحفظها وتفرح بيها.
محمد بحب: آمين يارب.
قام محمد من على السفرة، فقالت نادية تسألو: هتنام يا حبيبي؟
محمد: هطمن على رنا وبعدين هنام.
مشي محمد متجه لغرفة رنا تحت أنظار نادية الحاقدة.
كانت رنا قاعدة على سريرها بتفكير، فسمعت الباب بيخبط.
رنا: اتفضل.
محمد بحنان: حبيبة بابا نامت؟
رنا بابتسامة باهتة: لا يا حبيبي لسه، اتفضل.
دخل محمد وعلى وشه ابتسامة بشوشة، وقعد جنب رنا وبص في عيونها الزيتوني الجميلة اللي شبه عيون مامتها الله يرحمها، بس للأسف علطول ساكنها الحزن.
محمد بحنية: عاملة إيه في الكلية يا حبيبتي؟
رنا بهدوء: الحمدلله.
محمد: مرتاحة فيها؟ ومذاكرتك كويسة؟ عندك أي مشاكل؟
بصت رنا له بابتسامة هادية وقالت: لا يا بابا، دي حتى الكلية هي الحاجة الوحيدة في حياتي حلوة.
ابتسم محمد ابتسامة دافية وهو بيسترجع كلام نادية له لما قالتلو إنه يقعد رنا من الكلية، بس هو موافقش. رجع محمد للواقع
وقال بسعادة: أهم حاجة إنك مبسوطة يا رنا. مش عايزك تحسي إنك لوحدك يا حبيبتي.
سكتت رنا بحزن، وبعد كدا بصت في عيون أبوها اللي مليانة حب ليها وقالت: من يوم ما ماما راحت وأنا لوحدي.
اترسمت ملامح الحزن على وش محمد، وحط إيده على راسها يمسد على شعرها الأسود الداكن بحنان
وقال بنبرة حزينة: متقوليش كدا يا حبيبتي، أنا موجود، وأختك، وطنط نادية.
بصت رنا له وعيونها بدأت تلمع بالدموع
وقالت بمرارة: يا بابا أنا مش بشوفك غير صدفة في الشقة. أما طنط وأختي، أنا مش عارفة هما مش بيحبوني ليه؟ أو أنا عملتلهم إيه؟ عشان مش بيحبوني وبيعاملوني كدا.
سكت محمد وبص في الأرض بحزن، بيحاول يداري عيونه من بنته. عيونه اللي مليانة بالحزن والكسرة والكذب اللي ممكن رنا تكتشفه من نظرة واحدة.
حطت رنا إيديها على كتف أبوها وهي بتقول: مالك يا بابا؟ فيك إيه؟
محمد اتوتر وقال بمحاولة إنه يكون كويس: مفيش يا حبيبتي، أنا كويس.
رنا بشك: عيونك فيها كلام كتير، وصوتك مخبي حاجة عني. احكيلي يا بابا، في إيه؟
سكت محمد بتوتر اكتر وقرر إنه يقوم، عشان لو فضل أكتر من كدا ممكن رنا تعرف اللي في دماغها.
محمد: يلا يا حبيبتي، تصبحي على خير. نامي يلا عشان الكلية.
وطبطب على راسها ومشي.
خرج محمد وفضلت رنا باصة على طيفه بتأمل وتفكير، والشك بدأ يملى قلبها. ليه اتهرب من سؤالي؟ وبان عليه التوتر والحزن وقام مشي... يتبع