رواية بين قيود النفس الفصل الثاني 2 بقلم جومانا عادل
*الحلقة الثانية*
ـــــ
وفي يومٍ جديد كانت رنا واقفة قُصاد المراية بتجهّز نفسها عشان تنزل الكلية. فضلت تبص لشكلها لحظات وهي شايفة الفرق بينها وبين شهد كبير جداً.
رنا بحزن: أنا ليه مش زي البنات اللي بشوفها؟
وبعد كدا بصت على هدومها: فستانها الواسع بموضة قديمة، إيديها اللي مش زي إيد بقية البنات من كتر الغسيل والطبخ، وبقى وشها باهت وهي لسه في سن صغير.
فتحت رنا دولابها وطلّعت منه حاجة من مستحضرات التجميل، ووقفت قدام المراية وهي بتبتسم وبتحط شوية زينة بسيطة على وشها. اتفاجئت باللي فتح عليها الباب... كانت نادية.
نادية بقسوة: يلا اخلصي عش... إيه دهه؟
وقعت الحاجة اللي في إيد رنا ورجعت لورا ببطء وخوف وهي ساكتة، وعينيها متوجهة على نادية اللي بتطلّع شرار.
نادية بعصبية: إيه اللي انتي حطاه في وشك ده؟ أنا مش قلت مية مرة عالله أشوفك حاطة حاجة من دي، صح؟
كانت رنا ساكتة بخوف والدموع بتلمع في عيونها الجميلة، وجسمها بيتنفض.
نادية بزعيق: انطقي
رنا بخوف: صح، بس...
نادية: ولا بس ولا حاجة. اتفضلي امسحي اللي على وشك ده.
في الوقت ده الغضب سيطر على رنا، وقلبها مقدرش يستحمل الظلم ده، وبصت لنادية بغِل.
وقالت بزعيق: اشمعنى؟ اشمعنى أنا؟ ما شهد بتنزل وبتحط أكتر من اللي أنا حطاه، وبتلبس كويس، مع إنها الصغيرة وأنا الكبيرة. أنا اللي المفروض أعمل كدا مش هي.
نادية بغضب شديد وهي بتقرب عليها ببطء: انتي بتقارني نفسك ببنتي شهد؟ ده انتي متجيش نصها، انتي فاهمة؟ مهما حطّيتي مفيش حد هيبص لك أصلاً.
رنا بصّت لها نظرة حادة،
وقالت بصوت قوي: انتي أنانية وخايفة على بنتك عشان عايزاها تبقى هي اللي ظاهرة بس. عشان لو أنا ظهرت زيها مش هتلاقي حد يبصلها.
نتيجة الجملة دي نادية ضربتها بالقلم، وفضلت نازلة فيها ضرب كأنها كدا بتطفي غليلها والنار اللي في قلبها. رغم إنها عارفة إن رنا ملهاش ذنب في كل اللي حصل زمان، بس فكرة إنها الشخص الوحيد اللي لازم تنتقم منه ملازماها دايماً.
وبعد كدا جابت منديل ومسحت اللي في وش رنا بعنف،
ورمتها على السرير
وقالت: عقاباً ليكي مفيش جامعة النهاردة، عشان تبقي تردي عليا حلو. وأنا بقى يا ست رنا اللي هعلّمك الأدب.
وخرجت نادية ومازال الغضب على وشها.
قامت رنا بتعب وهي بتعيط بحرقة، وقلبها وجعها مش قادرة تستحمل كل الظلم ده.
رنا بدموع: أعمل إيه يا ربّي؟ أنا مليش مكان أروحه غيرك. ارحمني يا رب برحمتك وخلّصني من الظلم ده.
طبعاً مرحتش رنا الجامعة اليوم ده، وفضلت في اليوم ده شغّالة في البيت: مسحت، وطبخت، وغسلت المواعين، وكل ده في صمت تام. بتتحرك كأنها جثة هامدة ماشية، مش إنسانة عايشة. وشّها اللي عليه آثار الضرب باهت، وعينيها الزيتوني اللي بتلمع دايماً نورها بقى مطفي.
جات في الوقت ده شهد بدلالها وابتسامتها ودخلت وهي بتدندن بسعادة، فمخدتش بالها وكانت هتتزحلق من الماية اللي في الصالة. بس رنا لحقتها ومسكت إيديها. اتقابلت عيونهم لثواني. رغم الكره اللي في قلوبهم بسبب نادية اللي هي السبب في كل ده، بس رغم كدا هما أخوات، لسه في جزء جواهم للصلة دي. فاقت شهد وشالت إيديها وهي بتهرّب عيونها من رنا.
وقالت بخفوت: شكراً.
ودخلت غرفة أمها والصراع جواها شغال وبتحاول تمنع قلبها انو يحن لرنا أو تصعب عليها.
ابتسمت رنا بحزن. كان نفسها شهد تحبها فعلاً ويكونوا زي أي أخوات، بدل ما هي وحيدة على طول.
اتنهدت رنا بضيق وكمّلت اللي بتعمله.
في غرفة نادية كانت قاعدة، ودخلت عليها شهد بسعادة وهي بتقول: ماما حبيبتي.
نادية بابتسامة: قلب ماما، إيه يا عيوني؟
شهد: فاكرة يا ماما نادر أخو نجلاء صاحبتي؟
نادية بتذكّر: أيوا، أيوا. نجلاء اللي مسافرة برا، صح؟
شهد: أيوا، أخوها الكبير بقى نادر.
نادية: أيوا فكراه. ماله؟
شهد بسعادة: عرض عليّا الجواز، وقالي إنه هيجي بكره هو وأهله يطلبوني من بابا.
نادية بفرحة: ألف مبروك يا عيوني، ربنا يتمم لك على خير يا رب. نادر شاب محترم وكويس، وكلها سنتين ولا حاجة يتخرج ويبقى محامي كويس.
شهد ابتسمت بسعادة، وبعد كدا قالت: أه صح يا ماما، هي رنا مال وشها؟
نادية لوّت شفتها بضيق وقالت: قليلة الأدب وردّت عليّا، تستاهل.
سكِت شهد شوية ومهتمتش للموضوع،
وقالت: هتقولي لبابا النهاردة؟
نادية: طبعاً يا حبيبتي، هقوله وهنجهّز كل حاجة.
شهد: أيوا بالله عليكي يا ماما، عايزة كل حاجة تكون كويسة عشان لما أهل نادر يجوا.
نادية: متخافيش، هخلي رنا بكره تظبّط كل حاجة.
شهد بقلق: رنا في نفس جامعة نادر يا ماما، أنا خايفة من....
قاطعتها نادية وهي بتطمنها وقالت: متخافيش يا حبيبتي، مش هخليه ياخد باله منها. ممكن يحسبها خدامة أو أي حاجة. وبعدين مين هيبص لها يا حبيبتي ويسيب الجمال ده؟
ابتسمت شهد برضا.
وآخر اليوم كان محمد جه، ونادية قالتلو على نادر وأهله. كان رافض في الأول عشان مش حابب شهد يجي نصيبها قبل أختها الكبيرة، بس نادية بطريقتها عرفت تقنعه. قالتلو إن الخطوبة هتطول، ممكن رنا وقتها يكون ربنا رزقها.
في يوم جديد كانت رنا بتلبس عشان تروح الجامعة، فدخلت عليها نادية.
نادية: رايحة فين؟
رنا: الكلية.
نادية ببرود: لا، مش هتروحي النهاردة.
رنا بصت لها بصدمة وقالت: ليه؟
نادية بنفس البرود: أصل في واحد جاي يتقدّم لشهد النهاردة، وانتي لازم تبقي موجودة عشان تطبخي وتقدّمي الحاجة.
رنا بمماطلة: منا مروحتش امبارح والنهاردة كمان. أنا في أول سنة على فكرة، ومش هينفع أغيب كل شوية. ابقي قدّمي الحاجة انتي.
نادية قرّبت عليها ومسكتها من إيديها بعنف جداً،
وقالت بتحذير: أنتي من غيري مكنتيش كمّلتي تعليمك. أنا لو عايزاكي متروحيش الجامعة دي تاني مش هتروحيها. وتاني حاجة، انتي هنا زيك زي الخدامة، فاهمة؟ هو ده مقامك. فمينفعش الخدامة تقعد والهانم تشتغل. فهمتي؟ وأنا قلت مش هتروحي النهاردة يعني مش هتروحي، وهتفضلي في المطبخ تخرجي تقدّمي الحاجة وتخشي المطبخ تاني. وعالله المحك في مكان غير المطبخ، وانتي حرة لو حصل غير كدا.
رمت نادية إيديها بعنف وخرجت. أما رنا المرة دي معيطتش. حسّت إن جالها تبلّد من المعاملة دي، وخذت على الظلم والضعف اللي هي فيه.
خرجت رنا وظبّطت كل حاجة، وحضّرت الضيافة، والدنيا كلها كانت تمام. شهد في غرفتها بتتزيّن، ونادية ومحمد قاعدين مستنيين نادر وأهله. وبعد وقت مش طويل كان نادر جه مع والده ووالدته، وقعدوا يتكلموا ويدردشوا شوية عن نادر وشغله وجامعته، والشقة والخطوبة، وحاجات كتير جداً.
خرجت شهد بشعرها البني المموّج وملامحها الجميلة، والزينة اللي في وشها زوّدتها جمال، وابتسامتها المنوّرة. اتجهت ناحيتهم وسلّمت عليهم بخجل. ونادر حاطط وشّه في الأرض احتراماً. بس فستانها الأحمر كان مزيّدها جمال ورقّة.
داليا والدة نادر: قمر يا حبيبتي ما شاء الله.
شهد بخجل: شكراً يا طنط.
خرجت في الوقت ده رنا بالضيافة بشكلها العادي، ملامحها الطبيعية، و نضارتها إلى مبينه لمعان عيونها، ولبسها اللي مفهوش حاجة مميزة. ودي كانت أوامر نادية اللي كانت خايفة إن رنا تغطي على شهد في اليوم ده، فطلبت كدا. حطّت رنا الصينية قدامهم وعينيها فيها حزن.
وجات عينيها على نادر، فالحزن زاد بيها أكتر والتوتر تملك منها وعيونها بدأت تلمع بالدموع لما عرفت إن ده هو عريس أختها.
بصّتلها داليا بابتسامة وقالت: مين القمر دي؟
كانت نادية هترد، لكن محمد سبقها بابتسامة جميلة
وقال: دي بنتي الكبيرة رنا، في كلية حقوق بردو.
داليا: بسم الله ما شاء الله، ربنا يحفظها.
نادر بصّ لها كدا، حس إنه شافها في مكان قبل كدا. وبعد لحظات استرجع إن رنا معاه في الكلية.
بصت نادية لرنا نظرة حادة عشان تخش جوه، وفعلاً رنا خدت بالها فاستأذنت ودخلت جوه.
سمير والد نادر: طب ما تيجي تقعد معانا شوية نتعرف عليها، ماهي بردو تبقى أخت العروسة.
ردّت نادية بسرعة بابتسامة مجاملة: معلش بقى أصل هي في المطبخ بتعمل الأكل، أصل محدش بيعرف ياكل حاجة غير من إيديها. الأيام جاية كتير وهنتعرّف على بعض أكتر.
ابتسم سمير، وقرأوا الفاتحة. وبعد وقت طويل بتخلّص قعدتهم وبيمشوا. شهد بتخش أوضتها تغيّر هدومها عشان تنام، ومحمد هو كمان بيخش أوضته.
وكان في الوقت ده رنا في المطبخ بتظبّطه،
فدخلت نادية
وقالت: برافو عليكي، بتسمعي الكلام. وهو ده اللي أنا عايزاه منك. شوفي بقى لما نادر يبقى موجود متخرجيش من أوضتك، فاهمة؟ وحتى في الكلية أوعي تكلميه. انتي فاهمة اللي أنا بقوله؟
رنا بحزن: حاضر.
نادية: يلا روحي أوضتك.
دخلت رنا أوضتها وقعدت على سريرها وهي بتفكّر في نادر. من يوم ما دخلت الجامعة وهي شايفاه، عجبتها شخصيته المحترمة واللطيفة. بس طبعاً نادر شاب جميل و وسيم، هيبص لها إزاي؟ أكيد هيبقى عايز بنت أحلى منها.
فوقت رنا نفسها
وقالت: فوقي يا رنا، فوقي. مستحيل يبص لك ويسيب شهد. شوفي الفرق بينكم، مفيش مقارنة. وأصلاً ده خلاص بقى خطيب أختك، يعني مينفعش كدا.
نامت رنا من تعب اليوم، وصحيت تاني يوم ولبست وراحت جامعتها.
انتهت أول محاضرة، وقعدت رنا تنقل المحاضرات اللي فاتتها.
فحسّت بشخص قاعد جنبها. جاية تبص لقت اللي