رواية ست قوارير كامله وحصريه بقلم امينة محمد
الفصل الأول
|ربما حادث|
"هل جربت يومًا الغياب؟
قاسٍ يهلك القلب"
الغياب والأمان مضادان لبعضهما لا يجتمعان البتة في قلب آدمي، ويتركان تأثيرًا ملحوظًا سواءًا كان إيجابيًا أو سلبيًا؛ فالبعض يتدثر بالصمت، والبعض بالصراخ، منهم من يهرب إلى العمل، ومنهم من يهرب إلى الحب، أو الجنون..
ولج للبيت بخطواتٍ هادئة كعادته، بعد يوم عملٍ شاق له يعود أدراجه مُتعبًا منهكًا، لمح الهدوء حوله فتقوست ملامحه باستغرابٍ شديد، أين الجميع!
وضع حذائه في مكانه جوار الباب، فبدى على الصالة الترتيب والنظافة، كان المنزل متوسط الحجم به أثاث قديم مختلطًا ببعضٍ جديد، وضع حقيبة عمله جانبًا وحقيبة أخرى بها بعض المُسليات كالمقرمشات والحلوى.
خرج صوته بهدوءٍ مُناديًا باستنكارٍ:
"سلسبيــل، سجــود..ســجى!"
لم تأتهِ الإجابة فتحرك مجددًا ينادي بصوتٍ أكثر علوٍ:
"تسبيــح... ترتيــل!"
اعتلى ملامحه الاستغراب أكثر فهم لم يخبروه بأنهن سيغادروا المنزل جميعًا، رفع هاتفه ليرى إن كان هنالك رسالة من أي فتاة منهن، ولكنه لم يجد.
رفع عينيه على لمح طيف إحداهن تقف عند إحدى الغرف بملامح تبدو بائسة:
"أفنــان، فين أخواتك يابنتي، بقالي شوية عمّال بنادي محدش بيرد ليه!"
ذات ملامح بسيطة، عينان عسلية واسعتان تزينها الرموش الكثيفة، بشعرٍ منسدل في وضع ذيل الحصان على طول ظهرها بلونه البني، كانت بقامة متوسطة وجسدٍ ضعيف.
_"مش عارفة أخبي أكتر من كدا يابابا، هما يعني..."
كانت تحاول فضح البقية ولكن يد واحدة منهن جذبتها سريعًا نحو الغرفة فتقدم هو سريعًا ليرى ما تلك التراهات التي تحدث ليقابله إنفجار من لعبة خاصة أعياد الميلاد في وجهه تُخرج تلك الأوراق الملونة عليه مع صراخهن بصوتٍ عالٍ:
"كل سنــة وأنــت طيـب يا أحلى بابا"
ثم تسارعن هن الستة نحوه يحتضنوه بقوة ليتناسى سريعًا فزعه بوجودهن هكذا بين أحضانه:
"حبايب بابا، وأنتو طيبين ياشوية قرود مبتبكروش، فكرة مين دي.. أكيد سجى!"
قهقهت ترتيل بينما تربت على ظهره بحنانٍ يحبه قلبه:
"طبعًا ياحبيبي هو حد فينا مجنون زيها"
طالعها بطرف عينه يجيبها بنبرة ساخرة:
"قصدك هو حد فيكم عاقل أصلًا"
تدخلت تسبيح هذه المرة قائلة بجدية لهن:
"طب وسعوا كدا عنه عشان لسه جاي من برا وأكيد تعبان، وخلونا نحط العشا يلا!"
قلبن أعينهن جميعًا وتفرقت كل واحد منهن، ليضحك هو بدوره قائلًا بقلة حيلة:
"مبتكبروش فعلًا، هدخل أخد دش وأغير هدومي وأجيلكم عشان نتعشى"
والهن ظهره وهو يعرف ما سيحدث الآن بينهن من جدال وشجار عنيف؛ فهو روتين يومي في هذا المنزل..
هذا المنزل الذي كبر على عمود واحد، أب رفقة ست بنات أو لنقل ست قوارير يحبهن كحبه لعينيه، أفئدته وروحه، لم يتمن يومًا في حياته سوى الأمان والاستقرار لبيته ولعائلته الصغيرة، وأن يكونوا جميعهم سندًا لبعضهم في هذه الحياة، إن وقع أحدهم أسنده الآخر كحائط متين ويعيده للوقوف.
بدايةً من أكبرهن سنًا وخبرة تسبيح، تلك الفتاة التي ترى نفسها دومًا مسؤولة عنهن جميعًا حتى عن والدها، ترى نفسها والدة لهن، تحبهن من قلبها لكنها تود أن يتحركن وفق قراراتها وذلك خوفًا عليهن لتصورها لبشاعة هذا العالم..
وثانيتهن سجى، تلك الفتاة التي لطالما عشقت المغامرة والمخاطرة دومًا في حياتها، تتبع «أسلوب الحياة مرة واحدة فلمَ لا»، وإن أردت يومًا إعجابها فدعني أخبرك أنه من السهل جدًا خداعها بسطحية الأمور حيث تراها كل شيء، لا تتطلع نحو دواخل البشر أبدًا إلا إذا وضعت في تلك التفاصيل رغمًا عنها.. ربما لأنها لا تتقبل أن يكون هناك مكسورًا سواها!
وتبقى أربعة منهن.. لربما كان التعرف عليهن بسيطًا جدًا لطالما اجتزنا اثنتين من الكبار، أو ما يسموا بالقدوة، لكن في هذا المنزل لا أحد قدوة للآخر.. كل واحدة منهن تتحرك وفق تفكيرها وترغب في فعل ما تريد، ترى نفسها على صواب حتى لو كانت على خطأ، وترى نفسها أحق بحياتها وأن تعيشها كما ترغب فقط!
و..
صراخ بينهن كأي فتيات في أي منزل، شجار يومي..
_"هو إيه الدلع ده يعني اسمه إيه؟ أنا وقفت تعبت في الأكل وكل واحدة فيكم قعدت مسكت تليفونها، حركوا طولكم كدا وجهزوا معايا عشان نتعشى والنهاردة أفنان عليها غسيل المواعين وترتيل ترويق السفرة بعد الأكل وسجود هتنشر الغسيل وسجى ترتب الأوض!"
ما بين أفنان وسلسبيل حرب عالمية من نوعٍ آخر، ربما غيرة إخوة وربما ضيق من بعضهما، لذلك نبست أفنان قائلة:
" وسلسبيل بنت البطة البيضا بقى مش هتعمل حاجة!"
زفرت تسبيح تهمس بينها وبين نفسها أولًا ثم تعالى صوتها:
"بدأنا.. أنتِ عاملة عقلك بعقل الأصغر منك ليه، سلسبيل ثانوية عامة وهتقوم بعد العَشا تذاكر عشان أنا مراقبة درجاتها اللي زي الزفت وبتواصل من مدرسينها!"
عبست سلسبيل هي الأخرى معترضة.. عذرًا نسيت أخباركم بأنه حزب الإعتراض تكوّن في هذا المنزل ثم خرج للعالم فأصبح الجميع يعترض..
_"وأنتِ تكلمي المدرسين ليه، هو إيه ده يعني ياستي أنا شايفة مصلحتي!"
تنهدت سجود تلك الهادئة بينهن بدرجة أكبر من الجميع ونبست:
"ما كفاية خناق بقى واستعيذوا بالله من الشيطان كدا وأهدوا، هو إيه ده، مينفعش كدا كل يوم خناق ونسيب الشيطان يدخل ما بينا ويوقعنا في بعض!"
_"بس أنتِ ياست الشيخة!"
هكذا علق على حديثها كل من سلسبيل وأفنان في نفسٍ واحد، نعم فهما يتشبهان برغم الشجار الدائم بينهما، ربما ذلك الشجار لأنهما متشبهتان في كل شيء، ولا يجتمع المتشابه ابدًا..
لربما عرفتم الآن بعض التفاصيل عنهن، أصغرهن الآن في سنتها المهمة وهي ثانوية عامة، ولنتعرف عليهن أكثر فبين كل واحدة والأخرى سنتان فرق في العمر..
الكبرى صاحبة الست والعشرين عامًا والصغرى صاحبة الست عشرة عامًا..
عشر سنوات بين الأولى والأخيرة كانت كافية لخلق الألم والجروح في قلوبهن، عشر سنوات مرت كالعجاف عليهن يحاولن معرفة ما ذنبهن في أمورٍ عدة..
والحياة مريرة، إن اعتقدت أنك لم تخلق في كبدٍ فأنت لم تدخل الحياة بعد.
ــــــــــــــــــــــــ
أيها الغريب، مرحبًا بك في عالم هذا المتمرد
فقط تنفس الصعداء وانظر إليه نظرة قريبة ولعالمه.. ولعلك تتعلم كيف تحافظ على أشياءك.
صفير عالٍ خرج من فِيهه وهو يجفف شعره بمنشفته بعدما أخذ حمامًا باردًا في هذا البرد القارس، لا يأبه الشتاء ولا برودته بعدما غلفت البرودة قلبه المسكين.
_"تمــيم"
صوت مناداة عاليًا جعله يرفع من صوت صفيرته بتجاهل واضح ويغمض عينيه يستمتع باللحظة الحالية، وضع منشفته أعلى الأريكة في ترتيب واضح، ذاك المهووس بالنظافة والترتيب!
ثم عاد يقف أمام المرآة يخلل خصلاته الطويلة نسبيًا بأصابعه، كانت خصلات شعره متوسطة الطول، مموجة قليلًا، يغلب عليها العفوية بوضع فوضوي لم تصفف بعناية، الخصل تتجمع للأعلى مع تموّج طبيعي يمنحها مظهرًا فوضويًا جذابًا، بينما تتدلّى بعض التموجات الخفيفة نحو الجبهة وفوق العين، كانت تعكس طابعًا حرًا متمردًا، شعره طليق مثله تمامًا.
فُتح الباب على مصرعيه وقبل أن تتحدث التي اقتحمته هكذا أسرع هو نحو الباب وأغلقه مجددًا في وجهها قائلًا بفتور:
"قولتلكم محدش يدخل اوضتي إلا لما يخبط الأول وأقوله أدخل!"
زفرت الواقفة أمام الباب بحنقٍ مرددة تجيبه:
"يا تميم أفتح عايزة أقولك حاجة، مش وقت قواعد وقوانين أم البيت ده!"
_" في إيـه؟"
خرج صوت ثالث من بينهما، كان صوتًا غليظًا ونبرته قوية رجولية، حينها في أقل من ثانية كان الباب يُفتح بقوة كأنه لم يُغلق قبل قليل بنفس القوة ليخرج صوتًا قريبًا بنفس درجة الغلاظة وكان صوتًا أجش رجولي يخص تميم:
"خشي يا نور الاوضة!"
وبادل نظرات نارية مع الذي أمامه بينما نور هزت رأسها بقلة حيلة هامسة بينها وبين نفسها:
"مبيبطلوش خناق"
ولجت للغرفة وتركتهما معًا، فهي لم ولن تتدخل بين الأخوين أبدًا خاصةً أنهما أكبر منها عمرًا وثانيًا لأنهما مثل الثيران حينما يغضبان.
_"شركة إيه اللي أنزلها وأسيب شغلي؟"
تسائل تميم بسخرية أكثر من الغضب الذي كان بصوته، ليردف الواقف أمامه بملامحه الجدية، وبشرته الحنطية وعينيه التي تعكس برودًا قويًا بلونهما العسلي:
"شغلك؟ أنت مسمي الهبل اللي بتشتغله ده شغل!"
حينها مرر تميم يديه بين خصلاته البنية بقوة يجذبهما للخلف، وبنفس تلك العينين العسليتين ولكن تعكسان غضبًا واضحًا:
"تسميه شغل متسميهوش شغل، هو بالنسبالي ده شغلي يا فيصل، عاجبك أهلًا، معجبكش فأنا مش مضطر أقعد ابررلك إن ده شغلي، لو أنت أخترت تشتغل مع بابا في الشركة وتشيل على كتافك فشيل ياحبيبي، أنا شغلي هفضل فيه ومش داخل شركات ولا زفت عالمسا"
_" ولــد!"
صوت حاد لسيدة كبيرة خرج من جوارهما، ثم اقتربت تلك السيدة وهي توجه حديثها لتميم بنبرة قوية:
" أنت إزاي تكلم أخوك الكبير بالاسلوب ده!"
حينها فقط ابتسم تميم بتشدقٍ ساخر، وأجابها:
"وهو الأخ الكبير بيعمل حركات تخرج من عيل صغير، بالله عليكِ ربي عيالك كويس وعلميهم كل واحد فيهم يكون في حاله، أنا اتعلمت الموهبة دي بشكل شخصي، بس هما شكلهم مش حابين يتعلموها أو مش عارفين، ربي عيالك يا ماما!"
_"بكرا تندم!"
هكذا ردد فيصل بصوتٍ مازال خافتًا نوعًا ما لكنه حاد، ليبتسم له تميم بسماجةٍ علت شفتيه:
"بحب الندم، دوقته كتير لما حاولت اعملك أخ كبير وامشي وراك بس طلعت متستاهلش ده!"
ثم أولاهم ظهره وولج لغرفته حيث أخته الصغرى نور التي كانت تجلس على طرف فراشه تنظر للشجار اليومي الطبيعي.. شجار خُلق بسبب أبويها، بسبب تفضيل الكبير على الصغير، وبسبب المقارنة الحقيرة!
_"ده اتجنن خلاص!"
قالت أمهم ببلاهة ليطالعها فيصل بنظراتٍ ذات مغزى قبل أن يتحرك نحو غرفته بهالة البرود التي أتى بها، واضعًا يديه في جيبي بنطاله.. وغادرت هي الأخرى لغرفتها تفكر كيف ستجعل هذه العائلة تعود للمثالية التي يجب أن تكون عليها دون إظهار أي معالم من التوتر أو التفكك الأسري بينهم حتى لا يكونوا على لسان من حولهم.
تنهدت نور بعمقٍ قبل أن تنبس قائلة:
"فيه حوار عايزاك تساعدني فيه، وعارفة محدش هيساعدني من سُكات غيرك!"
همهم برده هذا فقط كأنه يستمع دون أن يردف بكلمة واحدة، لتكمل هي حكايتها قائلة:
"فيه عيد ميلاد واحدة صحبتي عايزة اروحه، ومينفعش مروحش عشان دي My best friend، بس فيه واحد هيبقى موجود بيرخم عليا جامد في الجامعة، إيه رأيك تيجي معايا عشان تحطه عند حده!"
_"متعزمهوش أسهل"
هكذا علق، باختصار واضح وشفافية، هكذا هي شخصيته إن أردت التعمق في معرفة هذا الرجل المتمرد!
اجابته بخيبة أمل قائلة:
"هي عزمت الكل وهو من ضمنهم، مينفعش تقوله هو بالذات متجيش عشان بيضايقني، بس أنت لو جيت معايا مش هيعمل حاجة وهيتحط عند حده!"
جلس على الأريكة يخرج علبة الدخان خاصته ويشعل واحدة يسحب منها نفسًا قبل أن يجيب:
"وهو أنا كل مرة هاجي معاكِ، لازم حل واضح عشان ميتعرضلكيش تاني عشان مساويش بوشه الأسفلت لو شوفته!"
أخرجت تنهيدة ثانيةً وهي تقول:
"أنا عارفة إنه هيعمل حركة سخيفة ووقتها أنت امسكه وعلمه الأدب عادي!"
_"امتى الحفلة دي؟"
سألها وأخرج هاتفه يقلب به، لتجيبه بابتسامة عريضة لمعرفتها أنه الآن وافق أن يأتي معها:
"بكرا بليل، هنمشي سوا أنا وأنت وهقولك الكافية فين، الحفلة لذيذة أوي ومنظمة حفلات مظبطاها عشان تكون كلها perfect!"
ثم صمتت لبرهة قبل أن تسأله مجددًا:
" هو فيصل اتكلم تاني في حوار إنك تروح تشتغل في الشركة؟"
همهم مجيبًا هذه المرة بفتور:
"اه، مكلم بابا عشان الشغل بقى تقيل عليه ومبقاش مستحمل الضغط لوحده وشايف إن الكافيهات بتاعتي مش شغل ولعب عيال!"
تحركت من مكانها نحو الأريكة التي يجلس عليها وجلست جواره تربت على يده وهي تقول مواسية:
"على فكرة والله فيصل بيحبك وعارفة إنك بتحبه بس يعني.."
طالعها بطرف عينه وتنهد يربت هو على شعرها بحركة تحبها منه، إخوتها يمتلكان من الحنية أضعافًا مضعفة من أبويها، الاثنان يحبناها حبًا شديدًا ويخافان عليها من الريح، لكنهما لا يتوافقان في التفكير بتاتًا وذلك ما يضغطها حينما تلجأ لواحدٍ وتترك الثاني دون علم بما يحدث، لعل في يومٍ يتدخلان سويًا في شيء يخصها ويتفقان فيه.
ـــــــــــــــــــــــــ
المهندس ماجد فوزان..
رجل أن رأيته للوهلة الأولى حسبته مصنوعًا من الجليد لبرودة ملامحه التي رُسمت لتكون له هو فقط!
يَبني الجسور في النهار وفي الليل تنهار جدران في قلبه، يمنح المرسى وهو الغريق، ويتقنُ الظاهر الثابت ليُخفي باطنهُ المَهدوم
قويٌّ أمام العاصفة، لكنه واهٍ أمام الذكرى لم يحمل سوى مشاعر قاسية؛ أن يكون الضماد وهو الجرح الذي لا يُداوى
في هذه الساعة من الليل مازال يجلس هنا في مكتبه يعمل، وجد في العمل مهرب من الحياة ودفن نفسه بداخل تلك الضغوط حتى لا يعطي لنفسه فرصة للتفكير أبدًا.
مرر عينيه الزرقاء من فوق الرسمة التي أمامه نحو الهاتف الذي ومض باستقبال مكالمة من رقم مسجل باسم "ليلو"
تنهد بعمقٍ وأجاب على الاتصال واضعًا المكالمة على المكبر يسمع لصوتها المندفع بحماسٍ شديد:
"إيه يا ماجد أنت لسه كل ده فالشركة ياحبيبي، أنت نسيت المعاد بتاعك؟"
للحظة تذكر ذلك الموعد المدبر له من أخته مع فتاة أخرى من عائلة ذات حسب ونسب ليتعرف عليها ويتزوجا، حينها تنهد بحرقة وأجابها بصوتٍ خفيض:
"منستش يا ليلى، بس أنا قولتلك ألغي المعاد أنا أصلًا مش فاضي للحوار ده وورايا شغل كتير"
استمع لحنقها المتردد:
"والله يا ماجد ازعل منك، أنت عايز تصغرنا قدام الناس، البنت دي والله عاقلة وكويسة مش زي..."
وقبل أن تكمل استوعبت ما كانت ستتفوه به، لكنه وصله ما أرادت وكيف كانت تود تشبيهها بأخرى.. كانت في حياته.
_"المكان فين؟ فكريني"
سأل باقتضاب حتى يتخلص من تلك المواعيد التي يكرهها وحتى ينهي تلك الترهات الدائرة في العائلة بينهم جميعًا لتزويجه، فهو الآن وصل لسن الثالث والثلاثين من عمره ومازال أعزب، بينما يمتلك من صفات الرجال عدة، وابن عائلة ثرية وله اسمًا معروفًا في السوق، عرفته البنات بكثرة لكنه لم ولن يكترث لمنهن في أي يوم.
أخبرته بالمكان فورًا بحماس والموعد المحدد الذي سيكون بعد نصف ساعة تقريبًا، لذلك أغلق الملف وطوى الرسمة وتحرك من مكانه يلتقط معطفه المعلق.
غادر المكتب نحو سيارته ذات نوع غالٍ -Jeep- وتحرك بها من المكان نحو الموعد المدبر..
يسترجع بذاكرته اثناء قيادته كم من المواعيد التي حظي بها في حياته في الآونة الأخيرة تتغلب عن المواعيد التي حظي بها في فترة عشريناته، وحينما انفصل عن خطيبته السابقة بمأساة كبيرة له ولقلبه، أرادت أخته أن تجعله يرتبط سريعًا حتى ينسى آلام الفاجعة السابقة.
كان يحاول التناسي أمامهم ولكن ماحدث لا يُغفر ولا يُنسى..
كم من مرة جلس مع المختلفات أشكالًا والوانًا، وحتى تنوع الشخصيات بينهن يبهره بحق..
كانت هناك المثقفة المُتحذلقة؛ فتاة صالونات، تتحدث بسبعة لغات، لكنها كانت تخشى التعبير عن مشاعرها بصوتها العادي، تضع حاجزًا زجاجيًا بينها وبين العالم كانت تبحث عن صورة مجتمعية لا شريك حياة.
وجاءت الاجتماعية اللاهثة؛ امرأة مفرطة في الأناقة، تملك جدول مواعيدها السنوي مدوّنًا في مفكرتها، لم تكن تجلس معه إلا لتتحدث عن إنجازاتها، وعن مدى أهميتها في الوسط، كانت تبحث عن نجاح إضافي يُضاف إلى قائمة إنجازاتها
وكانت هناك الهادئة المكسورة؛ امرأة تشبهه في الحزن القديم، تتحدث عن الوحدة كصديق، كان اللقاء معها يُشعره بالاطمئنان، لكنه كان اطمئنان المقبرة؛ لم تكن تريده شريكًا، بل رفيقاً في العزاء.
تنهد ماجد بعمق، كل هذه اللقاءات كانت مجرد محاولات فاشلة لوضع ضماد خارجي على جرح عميق، هو لم يكن يبحث عن امرأة، بل عن صدق.
وفي تلك الأثناء وخلال شروده عن الطريق الذي كان قبل قليل فارغًا.. خرج له من العدم فتاة تعبر الطريق بتهورٍ واضح، ليضع قدمه على المكابح بقوة مع زمير صوت سيارته الذي خرج عاليًا لتنبيهها علها تركض..
صرير قاسٍ مزق الهدوء.. توقفت السيارة!!