رواية ست قوارير الفصل الثاني 2 بقلم امينة محمد
الفصل الثاني
|متمرد ونجم|
"هل الهروب هو السبيل الوحيد؟
أم يجب علينا أن نقيم الحروب!"
حادث بسيط ولقاء صدفة
ترتيبات مختلفة ومذاق مبهر!
كلّ منا يختار جدارًا يتكئ عليه؛ البعض يختار العمل ليدفن القلب، والبعض يختار الفوضى ليثبت أنه حرّ، لكن الروح في النهاية لا تُخدع؛ هي تبحث عن مرسى واحد، حتى لو كان هذا المرسى أولُ صدامٍ يكسر المتوقع!
توقفت الـ Jeep الضخمة على بُعد شعرَةٍ واحدةٍ من جسدها، الفتاة التي اندفعت فجأة وسط الطريق لم تكن سوى أفنان -ذات الثمانية عشر ربيعًا- التي كانت في طريقها نحو محل البقالة لتشتري بعض التسالي لها ولأخوتها، حاولت التماسك واستعادة توازنها لكنها جسدها خانها للحظة فسقطت أرضًا.
خرج ماجد من سيارته باندفاع، وقلبه يدق بعنف خوفًا من ألا يكون قد أصابها بضررٍ كبير!
وبرودة ملامحه التي اعتادها الجميع تلاشت للحظة لتحل محلها صدمة حقيقية وخوفٍ
_"أنتِ كويسة؟"
سأل ماجد بصوتٍ قلق، يخطو نحوها بسرعة.
نظرت إليه أفنان وعينيها تشتعلان بالغضب والاستياء، لم تكن قادرة على تحريك قدمها الآن، فتأوهت بصوتٍ مكتومٍ تجيبه:
"كويسة إيه اللي كويس فيا؟ كنت هتموتني يا أستاذ!" قالتها بلهجة حادة، ولسانها الذي لا يلين كان أسرع من عقلها تُكمل حديثها:
"أنت أعمى؟ مش شايف الطريق؟ ولا بتركبوا عربياتكم دي والبصيرة بتتعمي كمان؟"
قطب ماجد حاجبيه هذه الجرأة لم يعهدها من فتاة من قبل:
"أنا آسف طبعًا، بس أنتِ اللي نزلتِ فجأة من عالرصيف تعدي الطريق وده طريق سريع، حاولت أوقف العربية ومكنش فيه وقت"
حاول أن يشرح، لكنها قاطعته مكملة:
"ومش المفروض إن حضرتك تكون مركز؟ ولا أنا اللي المفروض أطير من على الأرض عشان سيادتك تعدي؟"
ثم أطلقت آهة متألمة ممسكة بساقها اليمنى:
"آه... رجلي!"
شعر ماجد ببعض الذنب ينظر لقدميها وينخفض على ركبته أمامها:
"رجلكِ حصل لها حاجة؟ تعالي أنا ممكن أوديكِ المستشفى نطمن!"
"مستشفى إيه؟"
ردت أفنان بحدة وهي تبعد يده التي كانت تحاول تفحص ساقها:
"أنا مش هركب مع راجل غريب العربية يوديني المستشفى"
ثم أخرجت هاتفها من جيبها تكتم صوت وجعها وتبحث عن رقمٍ ما ولم تجد أنسب من تسبيح تخبرها، فهي الكبيرة التي ستحل كل ذلك في لحظاتٍ
استمعت له يخبرها بتنهيدة معتذرًا عما حدث بسببه الآن بالرغم أن الخطأ نابعًا منها هي وليس منه:
"عمومًا أنا مش هتحرك من مكاني لحد ما تكلمي اللي هتكلميه يجي وأنا هتحمل كل تكاليف العلاج وهكون موجود عشان حضرتك"
طالعته بطرف عينها شزرًا وهي تضع الهاتف على أذنها تنتظر إجابة حتى وصلتها من تسبيح تسألها:
"أنتِ كل ده فالسوبر ماركت يابنتي، ما تنجزي الساعة داخلة على 9 ونص!"
_"ما أنا.. أنا عملت حادثة ياتسبيح وتعاليلي عند رصيف نمرة 3 اللي جنب السوبر ماركت!"
قالتها على عجلٍ وهي تستمع لشهقة عالية تخرج من سماعة الهاتف كادت أن تخرق طبلة أذنها وأختها تخبرها أنها قادمة فورًا..
أغلقت أفنان الخط وتنهدت وهي تحاول إخفاء ارتباكها من الموقف وحتى من ماجد الواقف الآن أمامها، تسبيح قادمة الآن وهذا يعني أن الموقف سيتصاعد من شجار عابر إلى محكمة تحقيق رسمية من بدايةً كيف حدث ذلك ولماذا لم تنتبهي، لم تكن تود إقحام أختها في هذا، لكن ساقها الواجعة لم تدع لها خيارًا بالفعل وهي لن تستطع التحرك الآن وحدها خاصةً في ليل الشتاء هذا..
"خلاص... هي جاية دلوقتي"
قالت أفنان، عيناها تلتقيان بعيني ماجد وأكملت:
" أنت فعلًا المفروض متمشيش عشان ده ذنبك وتتحمله!"
_"مش هتحرك، لو عايز أمشي كنت مشيت من زمان يا آنسة!"
أجاب ماجد ببرود الكلمة كانت قاطعة كحد السيف لفكرة أنه قد يكون كهارب من فعلته التي تورط بها بالأساس..
استند على سيارته متناسيًا ذلك الموعد الذي كان ذاهبًا له، لربما الآن أحب هذه الصدفة التي وقع بها حتى يتحجج بها فيما بعد حينما تسأله ليلى كيف فوّت موعده المدبر مع تلك الفتاة التي لربما ستكون زوجته المستقبلية..
وخلال خمسة دقائق من الصمت وصلت تسبيح التي اخذت طريقها ركضًا من المنزل.
اقتربت مسرعة وعيناها لا تريان سوى أفنان الجالسة على الرصيف، ثم انحنت عليها تفحصها بعيني قلق مفرط وتسألها:
"مالك يا أفنان؟ إيه اللي حصل بالظبط؟"
رفعت أفنان رأسها نحو ماجد، مشيرة إليه بحنق:
"هو ده اللي كان هيخبطني، كنت بعدي وهو جاي بسرعة الصاروخ خبط رجلي ومش قادرة ادوس عليها، ماشي مش مركز!"
عند هذه النقطة فقط التفتت تسبيح نحو ماجد الواقف بجوار الـ Jeep خاصته، وم تكن نظرتها نظرة صراخ أو اتهام، بل كانت نظرة تحليل وتقييم باردة، لاحظته يقلب عينيه على كلمات أفنان المخطئة بالأساس، نظرت إلى وجهه الوسيم الذي غلفته البرودة -عيناه الزرقاوان، بدلته الأنيقة، وقامته الطويلة- ثم نظرت إلى سيارته الغالية، وفي النهاية استقرت نظرتها على عينيه.
لم يكن يوسف الخطاب هو من علم بناته كيف يرين "الرجولة"، بل غياب الأم هو من علمهن كيف يرين "المصداقية" على الأشخاص الذين يلتقون بهم، ولأنه حتى الآن واقفًا هنا لم يتحرك ولم يهرب بعدما اصطدم بإختها فوجدت به المصداقية..
_"أنا بعتذر جدًا والله بس أخت حضرتك عدت الطريق بسرعة من غير ما تبص وده طريق سريع، أنا مستعد اتكفل بمصاريف علاج رجليها واخدكم للمستشفى!"
هكذا صرح بما لديه بكل بساطة..
حسنًا يبدو أنه كان مارًا من هنا صدفة لأنه بالتأكيد ليس من هذا الحي المتردي، وأيضًا.. يبدو شخصًا ذو سلطة عالية لعرضه بتلك الطريقة عليهما العلاج والمستشفى!
هكذا فكرت تسبيح التي اعتادت على قراءة الأشخاص بمجرد رؤيتها لهم..
_"آه بصراحة، حضرتك هتاخدنا دلوقتي تودينا المستشفى زي ما خبطتها تتحمل نتيجة ده"
قالتها تسبيح بكل بساطة وهي تساعد أختها على الوقوف في مكانها ثم تحرك هو سريعًا يفتح باب السيارة الخلفي مُجيبًا:
"أكيد وأنا مقولتش غير كدا برضو!"
وبالفعل ركبت أفنان السيارة تحديدًا بالمقعد الخلفي، وأغلقت لها تسبيح الباب وتحركت للمقعد الأمامي في الوقت ذاته كان ماجد يجلس في مقعده هو الآخر ويتحرك بهم في صمتٍ..
نعم هو الرابح في هذه الليلة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_"اخواتك فين لحد دلوقتي يا سجى؟"
سأل يوسف باستغراب وهو ينظر للساعة في هاتفه ذي الفئة المتوسطة، لتجيبه قائلة:
"أفنان رنت على تسبيح وقالتلها تعاليلي ضروري بس معرفش في إيه يا بابا، حتى برن عليهم ومحدش بيرد!"
قطب حاجبه بقلقٍ يشوبه الاستغراب، وبدأ هو الآخر يتصل على ابنته الكبرى ليطمئن ولكن لا إجابة..
حينها تدخلت سجى تقول بسخرية:
"تسبيح فاكرة نفسها تقدر تسد في أي مشكلة عشان هي الكبيرة، وكلنا لازم نمشي ورا كلامها ونسمعه من غير ما نعرف هي فين وبتعمل إيه!"
تنهد من هذا الحديث المستمر، برغم الحب الذي زرعه بين بناته جميعهن، إلا أن تفكير كل واحدة منهن يغلب على الطباع والحب..
_"عيب كدا يا سجى، دي أختك الكبيرة وشالت كتير عشانكم وبتاخد بالها منكم ومن أخواتك الصغيرين!"
زفرت بحنقٍ تخبره:
"طب وهي فين دلوقتي يا بابا إحنا الساعة 10 ونص أهو وهي وأفنان مش هنا، عالأقل كانت تعرفنا عشان منفضلش قاعدين قلقانين!"
حينها فقط أجابها بثقة وتنهيدة:
"أنا عارف إنها مهما كان الموقف اللي هي فيه، هتقدر تحله وترجع هي وأختك إن شاء الله!"
ثم تحرك من مكانه وخرج من المنزل يبحث بعينيه عنهما، يرى إن كانتا هنا أو اقتربتا من العودة للمنزل والقلق يأكل قلبه المسكين الذي هلكه الزمن والظروف.. والهجر!
ــــــــــــــــــــــــــ
جميع الصدف ما هي الا تدابير من الله
لها حكمة يجب أن نؤمن بها!
كان يقف في الجوار يتحدث مع أخته عبر الهاتف يخبرها بتنهيدة مصطنعة:
"اه والله يا ليلى خبطت بنت كدا وحاليًا معاها هي وأختها في المستشفى عشان فوت المعاد، اعتذريلهم حقيقي وأنا لما أخلص هكلمك!"
هكذا تملص من الموعد المدبر، يعلم أن الفتاة التي كانت تنتظره لا ذنب لها، لكن الآن الأمر أصبح لا يطاق.. تلك الحياة التي تُدبر له لن يعشها ولن يتحملها، ولا شيء يجبره عليها لكن بداخله ربما بذرة من الأمل أنه قد يكون هناك حياة مع أخرى بعد حياة قُتلت بداخله من تجربة سابقة قاسية!
التفت على صوت الطبيب الذي أنهى جبيرة قدم أفنان أمامهم للتو في غرفة الطوارئ الكبيرة ينتظر تشخصيه
"الحمد لله بسيطة يا آنسة" قال الطبيب لتسبيح
"هي شوية كدمات، وشرخ بسيط جدًا في الكاحل، جبيرة لمدة أسبوعين ومسكنات، وهتبقى زي الفل"
تنفس الجميع الصعداء، بينما تسبيح شكرت الطبيب بإيجاز
"اسبوعين بس؟"
قالت أفنان فجأة، وهي تنظر إلى ساقها بتذمر:
"ما تزودهم لشهر يا دكتور ونعمل شهادة مرضية أغيب من الجامعة فيهم"
لم يستطع ماجد كبت ضحكة خفيفة خرجت رغم برودة ملامحه، بينما تسبيح اكتفت بتوجيه نظرة تحذيرية صامتة لأفنان، التي عادت فوراً لوجه المصابة..
"بطلي عته ياحبيبتي!"
همست تسبيح بها، ثم التفت بجسدها تطالعه بعيناها البنية الواسعة، ذات النظرة اللامعة التي لا يعرف إن كانت تشبه لمعة حزنه، أم أنها لامعة بجمالٍ جذبه!
_"شكرًا لحضرتك إنك طلعت راجل ومهربتش بعد ما خبطها خصوصًا في وقت متأخر زي ده!"
رجل!
هل هذا توبيخ ولكن بأسلوب محترم!
حينها قوس حاجبه يجيبها بنبرة تشبه خاصتها الجامدة:
"لا متقلقيش أنا راجل ومهربتش يا آنسة.. بالمناسبة مع حضرتك المهندس ماجد فوزان!"
اومأت له تتجاهل حديثه ونبرته، فقط رددت اسمها هي الأخرى بلا مبالاة:
"تسبيح الخطاب!"
هكذا كانت تسبيح، تتعامل مع الأمور بهدوءٍ بالغ أقرب للبرود، تتجاهل وتتجاهل، تعطي الأمور ظهرها وتتصرف بذكاءٍ فقط كونها تتحمل مسؤولية إخوتها جميعًا.. ووالدها.
وهنا تذكرت أنها لم تخبرهم بما حدث وبالتأكيد هم الآن بقلقٍ كبير، أخرجت هاتفها الصامت من جيب بنطالها الرياضي الذي ارتدته على عجلٍ وفوقه سترة شتوية وتركت شعرها منسدلًا على ظهرها.
تركت رسالة لسجى وهي تعلم أن لا مجال الآن للحديث معهم حتى تعود للمنزل لتسمع توبيخًا طويلًا من والدها، فاقت على صوت ماجد يعرض عليهما قائلًا:
"اتفضلوا اوصلكم للبيت كمان عشان الوقت اتأخر!"
ودون مماطلة أكثر بالفعل قام بتوصليهما حتى باب المنزل، وقبل أن تغادر سيارته نبست:
"شكرًا ليك يا أستاذ ماجد.. عن أذنك!"
ثم ساعدت أفنان وغادرتا سيارته بهدوء وانطلق هو للمنزل.. انطلق وترك عقله مع أسلوب فتاة جديد في حياتها، أسلوب غريب بالنسبة له.. لربما تعكس شخصيته..
مرآة أمامه!
ـــــــــــــــــــــــــ
هُناك رجال تخلق لهم القواعد، وهُناك من يخلقون قواعدهم بأنفسهم.
لم يكن ذلك الشاب يرى في النجاح المادي غايةً، بل يراه قيدًا في هذه الحياة، كان حرًا ولم تخلق الحرية سوى له..
هو بحث عن ذاته وحياته، بحث عما يحب ولم يضع نفسه تحت أوامر عائلته وسلطتها، كان يبحث عن مرسى يشبهه غير مرغمٍ على الثبات، مُتجنبًا مصير أخيهِ الذي ارتدى زيَّ المسؤولية قبل الأوان.
وقبل أن يفتح باب غرفته ليغادر نحو عالمه الذي بناه لنفسه -الكافيهات ومشاريع تنظيم الحفلات-، فتحت نور الباب برفق بعدما طرقت عليه بأدب، تبحث بعينيها عليه والقلق كان يُظللهما رغم سكون ملامحها.
_"صباح الخير"
قالت نور بهدوء
_"صباح النور ياحبيبتي"
أجابها بنبرة حانية نادرة، كان هذا هو جانبه الآخر؛ حنانٌ مُفرطٌ لمن يحبهم.
_"أنت فاكر إن النهارده معاد حفلة عيد ميلاد صاحبتي؟" سألت نور بتردد، فابتسم يمرر يده على كتفها بحركة سريعة مطمئنة:
"طبعاً فاكر، متقلقيش هنروح سوا بالليل زي ما اتفقنا"
لم تكد نور تتنفس الصعداء، حتى سمعا صوتًا قويًا من الرواق:
"تميم.. أنت مبتردش على تليفوناتك ليه؟ نازل رايح فين؟"
خرج صوت أبيه، صاحب الحزم والقواعد في هذا المنزل، بشخصيته الجدية كالصاعقة، كان يتقدم نحو بداية غرفة ابنه -يرتدي بدلته الرسمية الفاخرة- وبجواره يتحرك فيصل ذلك الذي يعتبر نسخة طبق الأصل من أبيهم في المظهر والقواعد.
أطلق تميم تنهيدة قصيرة وابتسامته الساخرة عادت لتعلو شفتيه مجيبًا بفتور وهدوءٍ مستفز:
"نازل شغلي يا بابا...صباح الخير"
_"شغل إيه؟ أنت بتكدب على نفسك ولا عليا؟"
صاح عزيز وملامحه تحولت إلى غضب مكتوم مكملًا: "الكافيهات والمشاريع بتاعتك دي مش شغل يا تميم، دي لعب عيال! شركتك محتاجة رجالة تشيل، فيصل مبقاش قادر لوحده وإحنا مش هنفضل نتحايل عليك كل شوية تنزل الشركة تشتغل، أنت مبقتش عيل صغير!"
تدخل فيصل بنبرته الباردة التي تخلو من أي انفعال:
"أنت عارف يا تميم إن الضغط زاد علينا، أنا محتاجك فالشركة، بابا بيحاول يتكلم معاك بالهداوة"
عاد تميم بسخريته المعهودة يخترق حديثهم المدسوس بالسم الذي لطالما كرهه، وكره كيف يتحكمون به ويعاملونه:
"أنا عارف إنك محتاجني، بس أنا مش محتاجكوا ولا محتاج الشركة، شغلي ده بالنسبالي حياة مش مجرد ورق وحبة حسابات وأرقام زي ما أنتو عايزين وشايفين، لو أنت اخترت تمشي ورا القواعد دي يافيصل وتتحمل مسؤولية، ده اختيارك وأنا اخترت أعيش حياتي واشتغل الشغل اللي بحبه!"
"أنت هتضيع مستقبلك بأيدك!"
قالها عزيز بغضب وتفوه مكملًا:
"أنت لازم تكون معانا، مكانك في الشركة عشان تكون سند لأخوك!"
رفع تميم كتفيه بلامبالاة:
"ده اللي أنت شايفه، وأنا شايف إني لو فضلت معاكم، وهبقى بدفن نفسي وسط عالم انا مبحبوش، وأنا مبحبش أكون وسط ناس أو شغل أنا مبحبوش، لو ده حصل مرة غصب عني مش هيتكرر تاني يا بابا، ولو سمحت ياريت الكلام ميزدش حدة أكتر من كدا، حضرتك فوق دماغي!"
لم ينتظر تميم الرد بل ألقى نظرة سريعة على نور ليطمئنها بعينيه، ثم أولاهم ظهره وتحرك نحو الباب مغادرًا، هالة التمرد تُغلفه، تاركًا وراءه جدالًا أبديًا لا يهدأ في هذا البيت المُتشح بالقواعد.
ـــــــــــــــ
في هذا العالم..
لا يهرب المرء من الأهل بقدر ما يهرب من المقارنة.
المقارنة تصرف قاسٍ تحشرهُ في خانة الابن الذي لا يُرجى منه شيء، مُقارنةً بأخيهِ الذي وُهِبَ لقب الرجل المسؤول، لذلك يغدو الشغف هو السلاح الوحيد ضد حكم الواقع، ليُثبت أن قيمة الإنسان لا تقاس بالثروة الموروثة، بل بالبصمة التي يصنعها بنفسه.
بعد الجدال الذي لا ينتهي، قاد سيارته الفارهة الى وجهته الأثيرة «The Wave»؛ مقهى صغير صاغه بنفسهِ ليصبح مرساهُ الآمن
كانت جدرانه مغطاة برسومات جرافيتي هادئة، ألوانها تمازجت بين الأزرق الداكن والذهبي، كانت الإضاءة خافتة ودافئة، تُسلط على زوايا مريحة، وزهور طبيعية في كل ركنٍ لتجعله رقيقًا بقدر ما هو فخمًا!
_"صباح الخير يا مستر تميم"
حيّاهُ مساعده بابتسامة واسعة ليجيبه ببساطة:
"صباح النور"
أجابه تميم بينما تحول كليًا حينما وصل لمكانه المفضل، عيناه تلمعان بحب غريب لهذا المكان.
جلس تميم خلف منضدة صغيرة في زاوية الكافية الهادئة، حيث تتراكم أمامه ملفات تنظيم الحفلات والمناسبات الفنية، كان يعشق هذه اللحظات؛ لحظات الخلق والتنفيذ.
تذكر كيف وصل إلى هنا، المقارنة بينه وبين فيصل كانت بشكلٍ يومي، كان فيصل هو النموذج المثالي؛ طالب لامع متفوق، مسؤول صامت يتبع القواعد، امتداد الأب في الشركة..
أما تميم؟
كان المتمرد الذي يرغب في أن يكون له كيانه الخاص..
تنهد ببطء وكأن الماضي يمر أمام عينيه متذكرًا كيف أجبروه على الالتحاق بكلية إدارة الأعمال في البداية، معتقدين أن هذا هو المسار الصحيح لوريث العائلة!
الروح لا تُكرهُ على مسارٍ لم تُحبه، القواعد تُقيد الجسد، لكنها لا تستطيعُ كبت الشغف الذي ينمو سِرًّا في الدواخل.
كان يرى في دراسة إدارة الأعمال سجنًا، وفي كل خطوة نحوها قيدًا يُضاف إلى يده المتمردة.
لم يكن السقوط في أول عامٍ فشلًا بل كان قرارًا حاسمًا للروح الرافضة أن تُساق إلى مرسى لا يُشبهها..
سقط تميم في تلك السنة الدراسية عمدًا، ليعلن حربه الباردة، بعدها تحول إلى دراسة الفنون التطبيقية، مستخدمًا إياها كجدار دفاع ضد تدخلات عائلته.
كان يرى في عمله الحالي في الكافية وتنظيم الحفلات، على أنه ليس مجرد مصدر دخل بل بناء لذاته المستقلة.
هنا
هو القائد
هو المُنظم
هو الفنان الذي يضع بصمته الخاصة
بعيدًا عن تحكمات فيصل الأنيق وأوامر الأب الطاغي.
أشعل تميم سيجارته بهدوء، وسحب نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى جدول اليوم المزدحم؛ مقابلة مع فريق تصميم، ثم التجهيز لحفلة المساء.
ثم مغادرته ليذهب لحفلة عيد الميلاد مع نور...
تذكر وعده لأخته
وتذكر وظيفته الحقيقية هذه الليلة ألا وهي حماية نور من شاب متهور خبيث..
قد يبدو تميم متمردًا ولا مباليًا، لكن خلف تلك الفوضى المصطنعة، يكمن رجل يعرف تمامًا أين يضع شغفه، وأين يضع حبه.
ـــــــــــــــــــــــ
كانت مائدة الإفطار في منزل آل الخطاب مقسمة لافرادها، هو وبناته..
يبدو كأي صباح لكن الثقل كان يخيم على الوجوهِ، لم ينسَ أحد ما حدث في الليل، خاصةً بعد عودة تسبيح وأفنان من المستشفى.
كان يوسف يجلس صامتًا وعيناهُ تتنقلان بين بناته، كان غاضبًا، غضبًا لم يكن موجهًا للحظة الحادث بل للقرار الانفرادي الذي اتخذته تسبيح بعقلها..
تذكر الجميع اللحظة التي انفجر فيها يوسف بعد عودتهما..
_"إزاي تروحي وتيجي وتتصرفي مع راجل غريب، في الوقت المتأخر ده من غير ما ترفعي سماعة التليفون تقوليلي؟"
_"يا بابا مكانش فيه وقت، أفنان كانت رجليها واجعاها، وهو كان متمسك إنه يدفع التكاليف ويتحمل المسؤولية يعني مكنش هيخطفنا!"
_"ميهمنيش! كان لازم ترجعيلي، أنا أبوكي وأنا اللي المفروض أتصرف في حاجة زي دي"
كان صوت يوسف عاليًا وقتها يخفي خوفًا هائلًا..
خوفه لم يكن على الحادث بل على استقلال بناته المتزايد عنه.
تسبيح كانت تفرك يديها بهدوء وهي تتناول فنجان قهوتها وتلك المحادثة كانت تتردد في مسامعها منذ الأمس، كانت تعرف أن صراخ أبيها ليس كرهًا بل خوفًا مذعورًا من أن يُمس أي منهن شيء، لكنها لم تكن قادرة على تفسير ذلك لأبيها.
بينما أفنان كانت تجلس وساقها ملفوفة برباط ضاغط، تبتسم بانتصار خفي، سعيدة بالـ "دراما" التي سببتها ربما
بينما كانت سجى تتناول طعامها بعجالة، عيناها على ساعتها، وأيضًا سلسبيل تستعد للذهاب لدروسها، وسجود الوحيدة الجالسة بينهن بحجابها فهي الأخرى ذاهبة لجامعتها.. بينما ترتيل مشغولة بهاتفها وتحتسي الشاي الذي تحب شربه صباحًا قبل بداية يومها في الرسم..
"أفنان، هتلبسي الشراب الضاغط طول ما أنتِ قاعدة" قالت تسبيح بصوت آمر..وهي تتحرك من مكانها
_"يا تسبيح أنا زهقت، ده شرخ بسيط"
ردت أفنان بضيق
"اسكتي يا أفنان!"
قاطعها يوسف بصوت منهك، ليُنهي الجدال قبل أن يبدأ، فرأسه لا يتحمل الآن أي ضجيج منهن!
رفعت سجى عينيها نحو الدها تخبره ومن ثم يعرف الجميع بحديثها أيضًا:
"على فكرة، أنا هتأخر شوية النهاردة وهتعشى برا برضو"
نظر إليها يوسف باستغراب:
"ليه؟ رايحة فين؟"
_"عندي حفلة عيد ميلاد مهمة النهاردة نظمتها، هروح أشرف على الترتيبات وهحضرها كمان، عايزة أتأكد إن كل حاجة ماشية زي ما أنا عايزة بالظبط"
أجابت سجى بفخر لعملها، متجاهلة نظرات تسبيح التي تستمع بتركيزٍ لتعرف كل تفصيلة عن حياتها.
تنهدت تسبيح بعمق وهي تدرك أن نظامها الصارم يتعرض لتهديد جديد:
"هتخلصي إمتى؟ أنا محتاجة كلنا نرجع البيت بدري!"
"تسبيح.. الله يكرمك متقلقيش، أنا كبيرة وفاهمة بعمل إيه!"
أخبرتها سجى وهي تستخدم نفس سلاح تسبيح لكن بتهور معتاد كتهور شخصيتها..
وتحركت سجى حينها وغادرت قبل أن تسمع منها أي شيء آخر، وكذلك بدأن جميعهن يتحركن عدا أفنان المصابة..
وقبل أن تتحرك تسبيح توجهت مجددًا لجوار والدها تتنهد قائلة:
"بابا، أنا بجد آسفة على اللي حصل امبارح والله، صدقني مقصدش أي حاجة بس أنا اتصرفت زي ما شوفت وإن ده الصح يتعمل!"
عقب على حديثها بحدة لم تخلو من نبرته:
"لو حسيتي بأي حاجة، كلميني فورًا يا تسبيح ومتتصرفيش لوحدك تاني"
تنهدت هي بعمقٍ تخبره:
"مش هقدر أوعدك يا بابا، أنا بتصرف بالطريقة الصح صدقني عشان أخواتي يكونوا كويسين!"
غادرت تسبيح البيت، تحمل على كتفيها ثقل المسؤولية وثقل غضب أبيها، بينما هو ظل مكانه يفكر في هذه العائلة، ست بنات.. إنه لأمر صعب عليه بحق أن يحاول أن يراضيهن جميعهن ويحافظ عليهن..
من بداية الكبيرة التي تُحمل نفسها مسؤولية كبيرة على كتفيها، مؤسف!
ــــــــــــــــــــــــ
في الحياة
لا نملك إلا أن نرتدي دروعنا يوميًا لمواجهة العالم.
بعد ليلة من القلق وغضب والدها لم تكن تسبيح تملك رفاهية التهاون، والآن هي ذاهبة نحو عملٍ جديد بالنسبة لها، وبداية طويلة في بيئة مختلفة، كانت تدرك أن الخطأَ في العمل لا يغتفر لذلك وضعتْ على وجهها قناع الصرامة تاركة ما حدث أمس خلف ظهرها، مُستعدة لمواجهة المسؤوليةِ التي لا ترجِعُها إلى أبيها، ولا تُشاركُها مع أخواتِها.. مسؤولية وتفاصيل عملها
لم تكد تسبيح تجلس وتتفحص جدول أعمالها لليوم، حتى فُتِح الباب ودخلت مجموعة من كبار المهندسين أمثالها، وفي مقدمتهم كان يقف ماجد فوزان.
توقفت تسبيح للحظة تبادله النظرات، هو نفسه الذي اصطدم باختها بالأمس، لكن ملامحه كانت هادئة، الآن مختلفة تمامًا، وكأنه لم يكن ذلك الرجل الذي رأته ليلة أمس بجوار سيارته الضخمة بل كان المهندس ماجد فوزان؛ برودة ملامحه التي رُسمت لتكون له هو فقط، عادت لتكسو وجهه، مرتديًا بذلةً رسميةً تليقُ بوقاره ومركزه.
توقفت عيناه الزرقاوان عند تسبيح، لم تظهر عليه علامات الدهشة، بل كانت نظرة سريعة عليها.
لا يعرف كيف ولكنه كان يعلم أن هذا اللقاء قادم، كان يعلم أن هناك ما قد يجمعهما في يومٍ ما، لكنه لم يكن يعلم أنه سريعًا هكذا.
ياللسخرية!
كان من المفترض أن يكون هذا اللقاء هو أول تعارف مهني، ولكنه الآن استكمالًا للقاء مستشفى وأقدام أختها المصابة!
مدّ ماجد يده نحو تسبيح التزامًا بالرسمية:
"صباح الخير يا بشمهندسة تسبيح"
صافحته تسبيح بثبات، كفه كان باردًا وقويًا، وكفها كان رقيقًا ودافئًا:
"صباح النور يا بشمهندس ماجد"
ردًا بردٍ
كلمة بأخرى!
نظرات خارقة يتبادلاها..
جلس ماجد على رأس الطاولة وجلست هي الأخرى في مقعدها بينما بقية المهندسين تفرقوا في بقية المقاعد حتى صرح مدير المشروع بجمودٍ:
"المهندس ماجد فوزان هيكون المنسق والمشرف المباشر على مشروع الحي السكني الجديد، وإحنا أكيد عارفين كفاءته الكبيرة في السوق!"
بينما تسبيح لم تنظر إلى ماجد، بل تحدثت بتركيز إلى المدير:
"تمام، أنا أطلعت على ملفات البشمهندس وتقييمه للمراحل الأولى، أعتقد أننا محتاجين لوضع خطة زمنية أكثر دقة للمراحل المتأخرة.."
تدخل ماجد بنبرة هادئة وحاسمة:
"أعتقد أن التقييم اللي وصلكِ يا آنسة تسبيح كان شامل، لكن ممكن نناقش التفاصيل الباقية متقلقيش، المشروع طويل وبينا وقت كبير هنكون سوا فيه"
ثم التفت إليها بنظرة فيها هدوءٍ:
"أتمنى أن تكون الظروف الصحية للآنسة أخت حضرتك تسمحلك بالتركيز التام على الشغل النهاردة!"
هو حاول اعطاها تنبيه أن عالم العمل لا مجال فيه بالتداخل بين الأمور العائلية والمهنية، وبالفعل هي تعرف ذلك..
لذلك نظرت إليه مباشرة، وجهها لا يعكس أي انفعال، فقط بهدوءٍ أجابت:
"الحمد لله، بسيطة جدًا، التركيز هو أساس شغلي بغض النظر عن أي ظروف طارئة"
حينها ثبت هو قواعده الصارمة منذ بداية لحظاته الأولى في عملهما سويًا:
"أتمنى، لأني مبقبلش إلا بالكمال في المشاريع اللي بشرف عليها"
تبادلا النظرات، ثم ابتسمت هي في وجهه ليرد لها الابتسامة..
ردًا بردٍ
حرب باردة!
ـــــــــــــــــــــــــ
حل الليل وحان موعد حفلة منتظرة
وصل مع أخته للحفلة، كانت الحفلة مُنظمة في إحدى المقاهي على النيل، كان تنظيمها دقيقًا واعجبه لكنه سريعًا ما عرف أنه يخص فتاة!
من خبرته في هذا العمل يستطيع بسهولة معرفة إن كانت الحفلة منظمة من قبل رجل أو امرأة، كل منهما يترك طباعًا يمكنك تمييزها بسهولة
المرأة تهتم بالتفاصيل الدقيقة، بينما الرجل يهتم بالمظهر العام أن يكون لافتًا ومميزًا دون التطرق للتفاصيل!
وهذا هو الفرق في كل شيء بين الجنسين
ابتسم لنور يخبرها:
"استمتعي بأجواء المكان وأنا قاعد هنا ومراقبلك الوضع، عشان مش عايز اقيدك بس"
بادلته الابتسامة تشكره قائلة:
"ماشي ياحبيبي تسلملي يارب، ربنا يديمك ليا يا أحلى تميم في العالم"
وبالفعل جلس هو على إحدى الطاولات يشعل سيجارته حتى لمح طيفًا أمامه يقترب ثم وقف:
"لو سمحت ممنوع التدخين هنا!"
رفع نظره نحوها وأول ما جذبه هو شعرها الأسود!
إلهي هل الليل سكن شعرها؟
_"ممنوع ليه المكان مفتوح؟"
سألها بهدوءٍ وهو يمرر نظره عليها، كان وغدًا حقيرًا بنظراتٍ ثاقبة إن لمح فتاة جميلة.
_"من قواعد المكان إنه ممنوع حتى لو مفتوح يا أستاذ، فبعد إذنك اطفي السيجارة دي أو اتفضل أطلع دخنها برا!"
قالتها بصرامة لكن بنبرة منخفضة حتى الآن حتى لا تثير الريبة في المكان.
وقف مكانه وقبل أن يجيبها بعنادٍ لمح أخته تنظر بغضب نحو شاب يقف أمامه وكان يحاول إمساك يدها..
تحرك بسرعة نحوهما وتفوه بكلمة:
"يا نجــم!"
ثم بلكمة قوية استقرت فوق وجهة ذلك الـ "نجم"
وشهقات خرجت من الأفواه، حتى فِيه الواقفة هنا في مكانها.. "سجـى"