رواية ظل البراء كامله وحصريه بقلم آية احمد عرفة
ظِلــــــــي، غيمتــــــي"
2
"ظِـــــــــل البــــــــــراء"
أهلًا بكم في حكايةٍ أنا من سأرويها، ولكن أنتم من ستدعموني لأكملها.
ليست مثل باقي أعمالي، فهي أكثرهم اختلافًا.
...
...
...
قبل أن تبدأ هذه الرواية، عليك أن تعلم أنك لن تقرأ شيئًا خياليًا، بل ستجد أحداثًا من صميم الواقع. ستجد فيها كل الفئات، وكل الجوانب الغني والفقير، الخبيث والصادق، من يسير على أمور دينه، ومن لا يعلم عنها شيئًا.
فإن كنت من محبي الواقع، فشرفٌ لي أن تكون ضمن رحلتي... مع ظلّ البراء،
حيثُ المنطقُ هو من يدير هذه الرواية.
هنا سنعيش الواقع؛ لا أعدكم بغير ذلك.
سنضحك بصخب، وسنُقهَر من شدة البكاء أيضًا.
أقول هذا لأكون صريحة معكم قبل أن نغوص معًا ونسير في الدروب مع أبطالنا، الذين لا أعلم إن كنتم ستُحبّونهم وتتعلّقون بهم أم لا؟
...
...
...
ولكن، حتمًا لن تنسوهم.
من على استعدادٍ أن يعبر معي؟
فمرحبًا بكم في حكايةٍ لا أضع حدًا لنهايتها.
بقلم/آية أحمد عرفه ــــ البداية 2025
فلتأتى معى إلى المقدمة.
.
.
.
أنا لستُ شيخًا ولا نبيًّا أنا رجلٌ اختار أن يسير في الطريقِ الصحيح، حتى لو سار الناسُ جميعًا في الطريقِ الخطأ. لا أزعم أنّني مَلَك، لكن إن كان لا يزال هناك من يحاول أن يبقى نقيًّا وسط الطين فأنا أحدُهم اسمي براء الزيني وقد تعلّمتُ أن أكون ظلًّا لمن لا ظلَّ لهم.
2
"ليس كل من يمشي تحت الشمس يملك ظلًّا،
فبعض الظلال لا تُرى لكنها تحمي، تسند، وتمنح الأمان.
"في بلدٍ تُهان فيه المرأة باسم الصبر، وتُدان المطلقة باسم العيب، وتُسخر العانس باسم النصيب، ويُكتم صوت الغاضب باسم الأدب، ويُدفن المختلف تحت لافتة (مريض) قرر أن يصمت لا خوفًا بل لأنه أقوى من أن يُشرح للعالم لماذا ما زال نقيًّا."
"كانوا يطلبون منه أن يكون مثلهم لكنّه اختار أن يبقى ظلًّا لمن لا ظلّ لهم، في زمنٍ صار فيه الطيب مذنبًا، والصادق متهمًا، والبراءة... تهمة."
والصدقُ تهمةً يعاقَبُ عليها صاحبها... كان لا بد أن يولد من يشبه النقاء، ويقاوم القبح بصمته.
لم يكن بطلًا كما يكتبون في الروايات،
بل كان رجلًا آمن أن الرجولة موقف،
وأن الكلمة الطيّبة عبادة،
وأن الصبر لا يعني الاستسلام... بل الحكمة.
"لم يكن بطلًا، ولا عالمًا، ولا شيخًا.
كان فقط رجلًا اختار أن يظل نقيًّا... في عالمٍ خسر طُهره.
لم يرفع صوته، ولم يطالب بحقه في الضوء،
لكنه صار ظلًّا يسير جوار الضعفاء،
"يُسنِدُهُم من دون أن يشعروا."
"في عالمٍ تلوّثت فيه النوايا،
وبهتت فيه المبادئ،
ظلّ هو على عهد الفطرة... نقيّ القلب، صادق اللسان.
لم يخدع، لم يؤذِ، لم يُساوم...
فقط سار كما أراده الله... ظلًّا من نور،
يسكن الزوايا التي نسيها الجميع."
وُلد في زمنٍ انقلبت فيه الموازين،
وقرر أن يبقى ثابتًا... ولو على حدّ السكين.
هذه ليست فقط حكاية رجل...
بل حكاية وطنٍ، وامرأة، وصوتٍ مكسور،
وقلبٍ لم يتلوث... اسمه براء
ـ
ـــ اريد إلى كل من سيتابع وقد وصل إلى هنا فليثبت وجوده، ويخوض معى هذه الرحلة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"خراب بيوت"
سيأتي كل شئ قد دعوت به، وقد يطول وقته ، وقد
يأتي متأخرا ، لكنه سيأتي لأن الله قريب مجيب
فَاللهُم صَبرًا عَلَيٰ مَالَم نُحِط بِهِ خُبرًا
لحظة استجابة الدعاء مهيبة ، تخليك تبكي وأنت مستشعر إن ربنا سبحانه وتعالى يعلم دعائك بل استجاب له كمان ورزقك اللي بتدعي بيه!
وأنت ولا حاجة ، حرفيًا ولا حاجة
لكنه الله الكريم اللطيف ."
- اللهم شعُور الإجابة
....
....
....
"كان للناس ظِلّ يسير خلفهم... أما هو، فكان ظِلًّا لِمن لا ظِلّ لهم."
.
.
.
في قسم شرطة صغير قريب من "باب الخلق"،
رجل في الأربعينات جالس على الأرض، مكبل اليدين، ملابسه متّسخة، ووجهه شاحب.
كانت تهمته محاولة سرقة من سوبر ماركت.
وقف الضابط وقال بحدة:
- "سرق لبن وعيش وعلبتين جبنة! ولسه بيقول مش حرامي؟"
ردّ الرجل بتعب ظاهر:
- "معايا ٣ عيال جعانين... ومش عايزهم يمدّوا إيديهم لحد."
جميع من فى القسم لم يكونوا مهتمّين، غير أنّه في ركن قريب كان براء الزيني يقف، وقد جاء ليُنهي بعض الإجراءات الخاصة بأحد محلاته، لكنه استمع إلى الحوار.
اقترب بهدوء، وقال للضابط:
- "يا باشا، ممكن أكلم حضرتك دقيقة لوحدنا؟"
دلفوا الى مكتب صغير، وقال بهدوء:
- " ممكن حضرتك تسحب المحضر، وأنا أدفع تمن
الحاجة، بس عايز أطلب طلب صغير."
استغرب الضابط رمقه بنظرات مستنكرا ثم هتف:
- "وإنت مالك؟ تعرفه؟"
أجابه براء بهدوء:
- "لا... بس عرفت الجوع من عينه، وعرفت الكرامة من طريقته وهو بيشرح. وكل واحد فينا ممكن يبقى مكانه."
غادر براء، وذهب إليه توقف امامه ومد لهو يده بظرف، لينظر الرجل بدهشة يصحبها عدم الفهم:
- "إنت مين؟!"
أجابه براء بابتسامة بسيطة:
- "أنا مجرد... ظلّ عدى من هنا."
وخلف هذه الحكاية كان براء الزيني حاضرًا،
ذلك الذي إذا مرّ لا يترك أثرًا على الأرض،
لكنّه يترك أثرًا في القلوب
1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قلب حيّ السيدة زينب بالقاهرة، داخل بناية متوسطة الطوابق، تحديدًا فوق محل عطارة قديم، يملكه رجلٌ يُدعى براء الزيني، استفاق صاحب البيت على صوتٍ عالٍ كالعادة.
أزاح الغطاء عن جسده بتنهيدة ثقيلة،
أغمض عينيه نصف إغماضة، ثم قال بصوت خافت:
- "أصبحنا وأصبح المُلك لله."
فتح الباب وخرج من الغرفة ليجد زوجته "هند" ترفع صوتها في مشادّة حادّة مع أخيه الأصغر "مهاب".
اقترب متسائلًا:
ــ في إيه؟
.
قال مهاب بضيق وهو ينظر إلى أخيه:
ــ فيه أن هند كالعادة عاملة مشكلة معايا كأني درتها
1
نظرت هند إليه بغضب قائلة:
ــ خليك كده يا مهاب عالطول مش طايقني، نفسي تتعامل معايا ولو مرة واحدة كويس وتحترمني لاني مرات اخوك وبنت عمك يعني بالنسبالك صفتين
هتف مسرعًا وهو يرد على حديثها:
ــ لولا اخويا كان زمانك صفة واحدة بس
لم يعلّق براء، بل اكتفى بنظرةٍ قصيرة يرمق كل منهما فهو اعتاد مثل هذه المشاهد، ولا يُجيد الانفعال معها، بل امتصاصها.
هو رجل لم تمنحه الحياة فرصة للطفولة، فقد والده وهو في الإعدادية، وما إن دُفن الجسد، حتى انكشف القناع عن "عمه" شوقي من يشاركهم الدم، لكن لا يشاركهم الضمير.
أُجبر براء على ترك المدرسة، واحتراف المهنة التي ورثها عن أبيه، وهي العطارة ورث المحل... لكنه لم يرث المال، بل الألم، والمسؤولية.
كبر قبل أوانه، وصار أبًا لأخواته.. وسندًا لأمه... وظلًّا لبيتٍ كان سينهار لولاه بعد ربنا سبحانه وتعالى.
وإخوته منهم من أنهى دراسته الجامعية، ومنهم من لا يزال يشق طريقه نحوها، أما "حمزة" فكان حالةً خاصةً بكل المقاييس. شابٌ في الثانية والعشرين من عمره، مصابٌ باضطراب التوحّد، غير أنه يمتلك ذكاءً فريدًا، يرى العالم بعيونٍ مختلفة، بمنظورٍ لا يُدركه سواه. يتذكّر التواريخ بدقّة، ويحفظ الأرقام، ويحلّ الألغاز دون عناء.
لم يكن براء يراه عبئًا كما يظن البعض، بل كان يعدّه نعمةً تستحق الحماية، يحبه حبًا لا يوصف، ويخشى عليه كما يخشى على قلبه ذاته أما هند، فكانت النقيض تمامًا. هي زوجته، وابنة عمه، زواجٌ جمع بينهما بحكم العائلة لا بحكم القلب.لم تُرزق بأطفال،
وكلّ عامٍ يمرّ بلا مولودٍ كان ينهش أعصابها أكثر،
تزداد غمزاتها، وتتضاعف غيرتها. كانت ترى في حمزة جدارًا يفصلها عن براء، وتسخر منه خفيةً حين يغيب تعلق سخريتها بحديثها عليه لكنها ما إن تسمع وقع خطوات براء حتى يتبدّل وجهها فورًا وتظهر الحب لهم كانت تعرف تمامًا أن الاقتراب من حمزة يعني اقتحام قلب براء ذاته، وقلبُ براء لا يُمسّ.
2
وفي الطابق الأعلى من العمارة ذاتها، كان يقيم شوقي الزيني العمّ الذي اغتصب حقّهم بعد وفاة أبيهم، وما زال حتى اليوم ينافس براء في لقمة عيشه، إذ يمتلك محلَّ عطارةٍ في الشارع نفسه.
غير أن الفارق بينهما كالفارق بين ميزانٍ صادقٍ وميزانٍ مُغشوش.
يقول أهل الحيّ:
«براء الزيني يبيع بإخلاص،
أمّا شوقي... فيبيع بالكلام.»
نعم يوجد النوعين بيننا في الحياة الواقعية نقابلهم في السوق، وفي المحلات، وفي الجزارة فكل شخصًا يبيع بما يرضيه ضميره به.
لم ينسَ شوقي يومًا أن براء أفلت من قبضته، وأنه نجح، وازدهر، وامتلك أكثر من محل، بينما ظلّ هو متّكئًا على زبائن قدامى، وغشٍّ عتيقٍ لا يزال يتعاش عليه. أمّا براء، فلم يكن يردّ عليه، بل كان يجيبه بالصمت...
فهو يؤمن أن الرجولة ليست صياحًا... بل أفعالًا.
ــــــــــــــــــ
ذهبوا إلى الأسفل وافتتحوا المحل وكان العمل كثيرًا. رائحة اليانسون والحلبة والنعناع كانت تتصاعد في الأجواء كأنها بخور البركة.
كان براء واقفًا في مكانه المعتاد، خلف الطاولة الخشبية القديمة التي كان يقف وراءها والده في الماضي عيناه تلتقطان كل تفصيلة، لا تفوته حركة زبونٍ داخلٍ أو خارج، ولا تصرف حمزة وهو يجهّز الطلبات بعناية.
أما حمزة، فكان غارقًا في عالمه الخاص. يرتّب الأعشاب بأنامل دقيقة، يحسب بالكيلوغرام كأنّ الأوزان محفورة في ذاكرته، وكلّ حينٍ ينادي على براء بصوته الواثق:
- "الست اللي طلبت حبّ الرشاد الشهر اللي فات جات النهارده تاني، وعايزة نفس الكمية بس من غير نعناع المرة دي."
أجابه براء بابتسامةٍ هادئة:
- "عينك ميزان دهب يا حمزة."
كان مهاب يعدّ الفكة ويكتب الفواتير، محاولًا أن يخفي توتره الذي بات واضحًا لعين براء، لكن الأخير تركه حتى يقرّر هو وقت البوح.
كانت الزبائن تملأ المكان،
اردفت جارتهم أم رضا بصوتٍ مرتفع وهي تتسلّم كيس الأعشاب الورقي:
- "ربنا يباركلك يا شيخ براء إنت وشّك وشّ الخير."
ضحك براء وردّ عليها بلطف:
ــ "أنا مش شيخ يا حاجة... دي حاجات بسيطة من اللي علّمْهالنا أبويا، الله يرحمه."
دلف رجلٌ بدا مألوفًا، لكنه ادّعى أنه زبون قديم طلب طلبية كبيرة، ثم عاد اليوم يُصرّ أنه دفع الحساب مسبقًا.
لكن حمزة لم يتلعثم، بل قال بهدوء وبثقة وهو يحاول تجنب التواصل البصري المباشر لأنه يزيد وتيرة التوتر لديه:
- "إنت جيت أول مرة يوم 10 في الشهر اللي فات، الساعة كانت 1:03 الضهر طلبت كيلو لبان دكر، ونص كيلو سنا مكي، وربع كيلو مر البطارخ خدتهم، ومفيش نقص، أنا اللي جهزت الطلبات وفاكر كويس اليوم ده "
تلعثم الرجل، وادّعى أنه دفع، لكنه نسي.
فقال حمزة بعفوية طفولية ووضوح قاتل:
- "أنا ما بنساش إنت لابس نفس الجاكيت اللي كنت لابسه ساعتها، وفيه بقعة صغيرة ناحية الجيب الشمال وبراء قال لي ما أقولش لحد علشان ما تتكسفش."
وفي هذه اللحظة، خرج "براء" من المخزن بعد سماعه للحديث نظر أولًا إلى حمزة، ثم إلى الرجل بنظرة حاسمة، وقال بصرامة:
- "شكرًا مش هنكمل الطلبية، ومش عايزين شغل من ناس بتجرّب تلعب علينا."
ثم التفت إلى حمزة، وابتسم بفخر:
- "إنت مش بس أخويا إنت بركة البيت دي كلها يا حمزة."
1
ابتسم حمزة وهزّ رأسه كطفلٍ لم يدرك أنه للتو.
أنقذ المكان من محتال.
وفي عيون لا ترى إلا ظاهر الأشياء، لم يكن "حمزة" سوى متوحدٍ غريب الأطوار لكن في قلب "براء"، كان هو الميزان الذي لا يخطئ، ولا يميل.
ــــــــــــــــــــــ
وفي أحد مستشفيات القاهرة، تجلس "د. سُكن علوان" طبيبة نفسية شابة، تراجع ملفات بعض الحالات، من بينها حالة "حمزة الزيني." الذي عرضها الطبيب المسؤول عليها
كانت تقرأ الملاحظات ثم امسكت بالقلم وبداءت أن تدون وهي تهمس من بين شفتيها
"شاب ذكي بطريقة غير تقليدية التوحد لا يمنعه من الإدراك بل يُفتح له نافذة أخرى على الحياة"
أغلقت الملف، ولم تكن تعلم أن هذه الورقة الصغيرة،
كانت بداية صفحة جديدة في قَدرٍ كبير.
2
ـــــــــــــــــــــ
جاء الليل مع آذان المغرب، هدأت حركة الزبائن،
وتبدّلت رائحة الأعشاب بروائح الطهو المنبعثة من بيوت الحيّ. أنهى براء يومه كالعادة مسح الميزان، أغلق دفتر الحساب، ثم أغلق باب المحل، وألقى نظرة قصيرة على الشارع.
قال حمزة بهدوء وهو ينظر إلى الارض:
- "النهارده كان في 43 زبون منهم 3 خدوا نفس النوع، وأم سعيد نسيت الكيس اللي فيه القرنفل."
ابتسم براء عليه فهو كالعادة يدقق اتفه الاشياء، أردف متسائلًا:
- "وإنت ما نسيتش حاجة، كالعادة يا حمزة."
نفى برأسه ثم صعدوا إلى الطابق العلوي، قد دلف حمزة غرفته مباشرة، وبدأ يرتب كتبه الصغيرة والألعاب العقلية التى يفضل استخدامها
أما براء ابدل ثيابه، وتوضأ، ثم دلف يؤدى فرضه في الغرفة الصغيرة اللي خصصها كـ"ركن هادئ". كانت هند تراقبه من بعيد، وفي عينيها ضيقٌ خفيّ، لا يُدرى إن كان حزنًا أم غيرةً أم شيءً آخر، ولسانها يوشك أن ينطق، لكنه محبوسٌ خلف كبرياءٍ صامت كبرياء
ليس هذا مجرد كبرياء، بل هو كبرياء امرأةٍ تعمّدت إخفاء سرٍّ كبير، لأنها من وجهة نظرها تستحق أكثر من ذلك بكثير.
دلفت بعد دقائق، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًا:
- "مش هتتعشى؟"
ردّ بهدوءٍ دون أن يرفع رأسه:
- "لا أنا هصلّي وأطلع بعدين."
أردفت بضيق:
"بس أنا عاوزة اتكلم معاك بخصوص مهاب"
رفع براء عينيه نحوها، بعينٍ مرهقة أردف بهدوء:
- "حاضر أنا هتكلم معاه"
غادرت الغرفة وفي منتصف الليل، كان براء جالسًا على الأرض، يتكأ بظهره للحائط، يغمض عينيه الإرهاق بادئ على وجهه يفكّر في الغد، في إخوته، في والدته، وفي نفسه التي باتت آخر أولوياته
همس بصوتٍ خافتٍ كأنّه مناجاة:
- "يارب إديني الصبر أنا مش بشتكي، بس بعضف من الهم الكتير اللهم لا حول ولا قوة إلا بك"
ثم ابتسم فجأةً حين سمع باب غرفة يُفتح، قد دلف حمزة، يحمل كوبًا من اللبن، وقدّمه له قائلًا:
- "إنت نسيت تشرب اللبن زي ما انت متعود وأنا فاكر إنك ما بتنامش غير بعده."
اخذه منه قائلًا:
ــ تسلم ايدك يا حبيبي
مر الوقت وكان الليل قد استقرّ على البيوت، والشارع لم يعد يسمع سوى صوت الريح الخفيف، لكن طرقًا على الباب قطع السكون. تبادل براء وحمزة النظرات،
ثم أسرع براء ليفتح، وما إن فُتح الباب حتى اتسعت عيناه كانت "أميرة" أخته تقف بثياب غير مرتّبة،
وجهها عليه آثار كدمة واضحة بجانب الحاجب،
وفي حضنها طفلتها الصغيرة ذات الخمس أعوام نائمة على ذراعها، وكأنها هربت من حلم مزعج إلى صدر أمها.
قال براء بصوت من بصوت ممتلئ بالغضب، لكنه حاول جمحه بصعوبة:
- "تعالي يا أميرة تعالي."
ولجت وهي تزيل عبراتها بكفّها المرتجف، وجلس حمزة في صمت، ينظر إليها، ثم إلى الطفلة، ثم قال:
- "هي فريدة نايمه؟"
اومأت بنعم، ثم هتفت وهي تنظر إلى ابنتها:
- " كانت بتعيط ونامت"
لكن قبل أن تتابع، خرج مهاب من غرفته، وما إن رأى وجهها حتى انفعل بغضب:
- "مين عمل فيكي كده؟!"
ليضيف قائلًا:
ــ "حسن صح طب والله ما أنا عاتقه يا أنا يا هو"
ثم التقط مفاتيحه، وهو يهم بالمغادرة ولكن قد هتف براء:
- "اقعد مكانك!"
ليتابع بهدوء:
- "اللي يمد إيده على أختنا مش هنسكت له بس مش هنرد الغلط بغلط زيه"
ثم التفت نحو أميرة، اقترب منها، وجلس بجوارها، وقال بصوت هادئ:
- "حصل إيه؟"
لكن قبل أن ترد، ظهرت والدته من الغرفة، نظرت إلى ابنتها اقتربت منها جلست بجوارها متسائلة:
ــ "إيه اللي حصل"
انخرطت أميرة في البكاء، لتضمها إلى أحضانها وهي تربت على ظهرها، ثم أردفت والدتها وهي تحاول تضميد قلبها بكلمات يصحبها حديث الأهالي القديم بعد أن علمت أنها قد تشاجرت مع زوجها:
ـ "بلاش تخربي بيتك استحملي بكرة يتغير والرجالة كده ساعات بيغلبهم الشيطان."
2
رمقها براء بنظرة صامتة لكنها كانت كافية لتوحي بضيقه ثم قال بثبات:
- "اللي بيضرب مراته مش راجل، ومش هيبقى بني آدم تاني"
2
ثم أضاف:
ــ "يا أمي العشرة مش سوط، العشرة امان"
ثم رفع الطفلة الصغيرة برفق من على ذراع أميرة،
وقبّل جبينها، ثم هتف:
- "وهي ذنبها إيه؟ تكبر تشوف أمها بتضرب وتقول دا العادي؟
صمت الجميع.حتى والدته لم تجد ردًا، سوى دموع باردة، تسقط على كفّ ابنتها. كان "حمزة" قد أخذ الطفلة منه برفق، قائلًا بابتسامة دافئة:
"أنا هاخد بالي منها ومش هخلي حد يزعّلها، زيّ ما براء مش بيزعلني."
قال حديثه ثم مضى إلى الغرفة في هدوء نظر "مهاب" إلى أخيه قائلًا:
ــ "أدهم كلّمني، بيقولي قابلني عند القهوة."
أردفت والدته متسائلة:
ــ "مش ده اخو الدكتورة سكن؟"
اجابها مهاب وهو يرتدي جاكيته فهما فى أول الشتوية:
"أيوه بس مش شبهها خالص، دا سايبها ماشية في سكة، وهو في سكة تانية"
أضاف "براء" بصوتٍ هادئ:
"يا ريت تقعد معاه وتكلمه بالعقل، عشان أنا شايفه ماشي مع ناس مش تمام."
هزّ "مهاب" رأسه وهو يتجه نحو الباب قائلًا:
"أنا عارف بس اللي زي أدهم ما بيسمعش الكلام،
بيحس نفسه حرّ، وهو في الحقيقة مربوط فاكر نفسه طير بس اللي بيحاول يطير هنا بيتقصص جناحاته"
قال ذلك وفتح الباب وغادر بعد قليل كان يجلس بجواره داخل أحد القهاوى كان "أدهم" أيضا جالسًا عيناه معلّقتان في السماء كأنّه يُحادث غائبًا لا يُرى. سحب نفسًا طويلًا من سيجارته، وقال بصوتٍ متقطّع:
ــ "فاكر لما كنت بقولك نفسي أروح أساعد هناك. في غزّة؟"
نظر إليه "مهاب" بهدوء، وأجاب:
ــ "اكيد عشان انت كنت دايمًا بتتكلم عنهم وكأنك واحد منهم."
ضحك "أدهم" ضحكة تحمل في طيّاتها وجعًا دفينًا وقال:
"أنا ماكنتش بتكلم وخلاص أنا كنت هناك اصل أنا يا مهاب مش خسرت حلم ولا وظيفة أنا خسرت يوسف."
تغيّر وجه "مهاب" بدهشة:
"يوسف؟ مين يوسف؟"
قال "أدهم" وهو يسرد عليه يحمل بين طياته الألم كأنّه يسترجع روحه الضائعة:
"ابن خالي كان عايش في غزّة، بس كنا زي التوأم،
كبرنا سوا، كنا نفس التفكير. كان بيبعت لي تسجيلات صوتية وهو تحت القصف، كنت بسمعه وهو بيضحك ويقول:
"مش مهم نموت، المهم مش نعيّش جبناء وفي آخر مكالمة مش سكت صوته بس هو سكت للأبد."
صمت لحظة، ثم تابع بصوتٍ مثقل بالوجع:
" أنا لغاية دلوقتي فاكر المكالمة كويس أوي قالي أنه سامع صوت طيارات وأنه مش خايف من الموت ملحقش يكمل كلامه وصوته اتبدّل بصوت انفجار
ثم أضاف بحزن:
"البيت اللي كان فيه اتنسف بالكامل."
تمتم "مهاب" بتأثرٍ:
"الله يرحمه."
ردّ "أدهم" بعينٍ شبه دامعة:
"من ساعتها وأنا مش شايف غير السواد"
تنهد ثم تابع:
"سألت نفسي ألف مرة ليه...ليه هو مات هناك راجل، وأنا؟ قاعد هنا، ساكت ومكسور وبدل ما أواجه انطويت، ما أنا مش في أيدي حاجة أقدمها ليهم قولي إيه اللي اقدر اعمله لأهل غزة، إيه اللي ممكن يتعمل على فكرة هما اقوية آه والله دول ربنا مصبر قلوبهم كل شوية خبر مستشفى او مدرسة أو بيوت راحت تحت القصف الواحد بينقهر يا مهاب"
وضع "مهاب" يده على كتف صديقه وقال برفق:
"يمكن ربنا عايزك تواجه بطريقتك بلاش تكون كده يا أدهم أنا كمان زعلان على اللي بيحصل هناك بس مش في أيدي حاجة غير اني ادعيلهم بالنصر مين عارف ده الأحوال بتتبدل في ثانية يا صاحبي"
تنهد أدهم ثم قال:
"ساعات بقول إني خلاص ضعت، بس برجع واقول إن قلبي اتدفن هناك خالي ومرات خالي وابنهم عيلة راحت ما بالك كام وأحد هناك خسر حد من أهله، كل عيلة هناك منها اللي خسر ابن، ومنها اللي خسر أب، ومنها اللي خسر أم...ومنها اللي خسر أخ....ومنها اللي خسر عيلته كلها"
صمت الاثنان طويلًا، حتى قال "مهاب" بنبرةٍ جادّة:
"بس اللي إنت مريت بيه المفروض يديك دافع تقوم، مش تدفن نفسك! هو أنت تفتكر يوسف مبسوط وهو شايفك بتتدهور كده؟"
نظر إليه "أدهم" بعينين مثقلتين بالدموع التي لم تجد طريقها للنزول، ابتلع غصّته وهمس كمن يعترف بخطيئة:
"حاولت يا مهاب حاولت أوقف على رجلي، عشان أنا مش اول واحد يخسر حد منه، عشان الفراق مكتوب حاولت اقوم من تاني ورحت اشتغلت مع قافلة طبية في سينا فضلت هناك أربع شهور."
توقّف قليلًا، ثم أكمل بصوتٍ متهدّج:
"كان نفسي أرجع إنسان طبيعي، أمد إيدي وأساعد وفعلا بداءت اعمل كده واباشر مهنتي بس اللي شُفته هناك خلاني أموت تاني."
نظر "مهاب" لهو بعدم فهم ثم تساءل بصوتٍ خافت:
"شُفت إيه؟"
أطرق "أدهم" رأسه كمن يرى الجحيم أمام عينيه:
"شُفت طفل كان عنده ١٤ سنة،أبوه مضى ورقة يتنازل عن كليته"
ثم أضاف:
"كنت فاكرهم بيساعدوا طلعوا بيتاجروا في الأعضاء تحت اسم تبرعات طبية. أول ما اعترضت قالولي انت مش قد التوقعات امشي."
صمت للحظة، ثم ابتسم بسخريةٍ موجعة:
"كانوا عايزين أمد إيدي معاهم بس مش علشان أساعد، لأ علشان أقطع جزء من ضميري وأسلمه ليهم بإيدي."
تابع بصوتٍ خافتٍ كأنه يحمل وجعًا:
"أنا كل ما اخد خطوة واحاول اقوم اتعرض لموقف يرجعني مليون خطوة لوراء"
اقترب "مهاب" أكثر، ووضع يده على كتفه قائلًا:
"بس لسه فيك نفس... ولسه فيك قلب... ولسه فيك يوسف...ولسه فيك نفسك وأهلك وابوك وأخواتك"
ابتسم "أدهم" أخيرًا، ابتسامة باهتة كأنها خرجت من قلبٍ مُتعب، وقال بصوتٍ مكسور:
"اقولك حاجة يوسف كان أكتر واحد بيضحك بس مات وهو بيصرخ."
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ يائسة كأنها آخر ما تبقّى فيه من حياة:
"أنا روحي ماتت مع يوسف خسرت نفسي، وشغلي، وكل حاجة."
نظر إليه "مهاب" بحزنٍ عميق، وعيناه تمتلئان بالأسى، بينما ظل "أدهم" محدّقًا في الفراغ، كأن الزمن توقّف عند لحظة الانفجار التي سرقت منه كل شيء حتى نفسه.
1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل منزل عائلة سُكن علوان الذي يقع في أحد أحياء القاهرة المتوسطة، داخل شقة تحاول أن تبقى هادئة رغم الضجيج الداخلي، كانت "سُكن علوان" تجلس على الأريكة، كان الملف في يدها، وكوب شاي في الأخرى، تحاول التركيز في الحالة الجديدة لكنها فشلت نظرت إليها اختها قائلة:
- "من سعت ما رجعتي من المستشفى وانتِ ساكتة"
قالتها "سُندس"، أختها الكبرى، وهي تفتح الستارة بعصبية، وتغمغم بصوت يغلب عليه الضيق:
"أنا زهقت يا سكن مبقتش عارفة اقابل صحابي عشان كلهم اتجوزوا ومنهم اللي مخلف وعياله في المدرسة وانا بقيت واحدة عندها تلاتة وتلاتين سنة وكذه حد بيفضل يلقح عليا بالكلام، وفيه اللي يفضل يسأل مش اتجوزت ليه لحد دلوقتي"
ثم نظرت إلى اختها لتتابع:
"تعبت من السؤال اللى كل ما حد يشوف خلقتي يسألوا ليا"
رفعت سكن عينيها نحوها بنظرة حنان، وقالت برفق:
"سُندس، إنتِ مش ناقصة حاجة ولا قيمتك هيكون بشبكة في صينية اللي عارف قيمتك هيجوزك، واللي شايفك لقب ما يستاهلكيش، افهمي يا حبيبتي ده نصيب واكيد ربنا شايل ليكي نصيب حلو أوي."
ضحكت سندس ضحكة تحمل في طياتها الوجع قائلة:
"قولي الكلام ده لعمتي اللي بتعدي عليا وتقول جبتلك عريس أرمل وعنده تلات عيال! يعني كأنها بتبيعني مش بتجوزني!"
انفجرت سُكن ضاحكة رغم وجع الموقف، فهي تعلم كم يوجع هذا الكلام، وكيف تتحوّل الأنثى في مجتمعهم إلى رقم ناقص، لمجرد أن النصيب لم يأتِ بعد! أردفت قائلة:
"قولي ليها مش هسيب بيت ابويا غير للي يستهالني وبس أو أنا ارد عليها"
وقبل أن تُكمل إحداهما حديثها، دخل "أدهم"، فهو الأخ الأوسط لهم، يجرّ قدميه بتكاسل، وعيناه نصف نائمة. قالت سكن وهي تنظر إليه باستغراب:
"إنت رايح فين هتنام؟"
رمقها أدهم بنظرة لا مبالية وقال:
"ملكيش دعوة."
قالت سُندس بغيظ:
"أمال ناوي تفوق لنفسك إمتى يا أدهم!"
رمش أدهم وغمغم ببرود:
"طب ما تتجوزي يا أختي وتوفّري علينا التريقة!"
رمقته سندس بنظرة موجعة، لكنها تمالكت نفسها وولجت إلى غرفتها دون أن تنبس بكلمة.
أما سكن فجلست في صمت، تحدّق في اللاشيء،
فقد غضبت من حديثه مع اختهم الكبيرة هكذا فإذا هو من فعل ذلك، ماذا ترك للغريب أن يفعل؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
داخل غرفة أدهم جلس على الفراش وحيدًا، في يده هاتف قديم، احتفظ به لا لقيمته، بل لأنه يحمل الذكرى الوحيدة التي لم تُدنَّس بالخيانة. فتح التسجيل ليستمع إلى نفس الصوت، نفس الرعشة، نفس الدموع التي لم تزل تُوجعه رغم مرور الزمن ليستمع إلى صوت ابن خاله:
"أدهم لو مت، ما تزعلش، الموت هنا بقى أسهل من الحياة بس عايزك تفتكرني وأنا بضحك، وقول لأهلك إني كنت بحبك وإن غزة مش بس بلد غزة حتة مني."
1
ضغط أدهم زرّ الإيقاف لكن قلبه هو الذي لم يستطع أن يُكمل. نهض ببطء، فتح النافذة، نظر إلى المارة نفس الزحام، بنفس الوطن غير أن داخله كان ميتًا حيًّا. همس بصوت مبحوح، يكاد يُسمع:
"أنا كنت سامعه يا يوسف كنت سامع آخر نفس ليك سامع القصف وسامع السكوت اللي جه بعده."
ارتدت ذاكرته إلى الوراء إلى تلك الليلة التي تلقّى فيها الخبر، إلى لحظةٍ ظلّ يبحث فيها عن وسيلة تواصل، وحين وجد أحد الجيران، سمع الجملة التي هزّت كيانه:
"ابن خالك اتنسف مع البيت. ما لقيناش غير بقايا هدومه."
وقف أدهم أمام المرآة، يحدّق في وجهه المرهق، وسأل نفسه:
"أنا إزاي عايش بعده؟! إزاي بشرب وباكل وهو كان بياكل تراب؟
أنا جبان؟!
ولا أنا... ضحية؟
ولا أنا كِسرة الوطن اللي بقت عادي تتساب؟"
تجمّعت الدموع في عينيه، لكنه أبى أن يتركها تنزل، وقال بصوت متهدّج:
"أنا عايش بس ميت. وكل ما حد يقول كلمة أمل،
بفتكر صوته وهو بيصرخ تحت الأنقاض."
التقط المصحف، ثم جلس يبحث بين آياته عمّا يربط على قلبه المنهك. قرأ بصوت خافت حتى هدأت أنفاسه، ثم همس، والصدق يختلط بالدمع المكظوم:
"سامحني يا يوسف أنا مش نسيتك أنا بموت كل يوم بعدك."
كُنتَ هناك وبيننا سلكٌ من الأملِ،
تمدُّه "ألو" وتخنقهُ قذيفةُ الخجلِ
صوتُك يهمسُ لي: "استنّـى قربت أهو"
فاستدارَ الوقتُ وانكسرَ الزمانُ على المقلِ
لا صرخةً وصلت، لا حرفَ ودٍّ نجا،
ماتَ الحنينُ، وما ارتجفنا من الوجلِ
أكنتُ أعرفُ أنني سأعيشُ وحدي؟
وأنّ في الهاتفِ سأدفنُ من رحلِ؟
يا ابنَ خالي أأنتَ الآن في وطنٍ؟ أم تحته؟
وهل الجوابُ عن السؤالِ هو الأجلِ؟
أنا الذي سمعَ النهايةَ واضحة،
لكنني حتى اللحظةِ لا أعقلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل بيت براء الزيني قالت أم براء بنبرة حازمة:
"يا براء إحنا اتربينا نصبر، الرجالة كده من زمان ما تكبّروش المواضيع، ياما ستات بتتخانق وتسيب البيت بس بترجع بيتها في الآخر"
تدخلت هند في الحديث، بصوت ناعم يصحبه الابتسامة:
"معاكي حق والله يا طنط مفيش بيت خالي من المشاكل وأهو يمكن حسن كان متضايق، والعصبية خدتُه."
رمقها براء بنظرة سريعة، لكنها كانت كافية لتجعلها تبلع ريقها، وتحاول تصحيح الموقف سريعًا:
"يعني قصدي كلنا بنتخانق وبنغلط. وأميرة مش ناقصة كلام الجيران، ولا نظرات الناس في الحي."
نظرت أميرة إليها بغيظ مكتوم، لكنها آثرت الصمت،
بينما قال براء بنبرة ثقيلة وواضحة، لا تحتمل النقاش:
"اللي ساكت على الغلط. شريك فيه. واللي يضرب مراته ما يتقالش عليه راجل. وأنا لا يهمّني كلام الناس ولا نظراتهم. أنا يهمّني أختي وكرامتها وبس"
صمتت هند، وارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة، ثم جلست في مكانها بهدوء متصنّع. كانت تفهم جيدًا أن الأمور لا تتوقف عند كلمة، ولا عند صلح شكلي.
فـ براء الزيني حين يقول كلمة، يركب خلفها ألف فعل.
ـــــــــــــــــــ
عاد مهاب من الخارج، وملامح الحزن ترتسم على وجهه بوضوح، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يبوح فيها أدهم بما يثقل صدره. شعر بثقل الكلمات في صدره، وكأنها استقرت داخله وأبت أن تغادر.
حاول أن يُبعد شبح الحزن الذي خيّم على قلبه، فأمسك بالريموت ظل يقلب ليستقر على فيلم أكشن، علّه يشتّت أفكاره ويكسر وطأة الكآبة.
كان الجميع يجلسون حوله يتابعون معه، بينما عيناه لا تتابعان شيئًا، بل ظلّت معلّقة بكلمات أدهم وكأن صدى صوته لا يزال يتردّد داخله.
ولكن قد تشوشت القناة، نظر إلى الشاشة بدهشة وقال:
ــ القنوات مش شغالة ليه؟
ردّ حمزة وهو يُقلب في الريموت:
"واضح إن الدِّش زعل وقرّر ياخد بريك مثلا يعني"
1
أمسك بالوسادة والقاها عليه قائلًا:
"يخربيت خفة دمك، ما انت حلو يا حلو بتعرف تهزر اهو زي الناس"
قال ذلك ونهض قائلًا:
" هطلع اشوف الطبق ماله"
قال ذلك وصعد إلى الأعلى حيث السطح وبعد دقائق سمع براء صوت خبطٍ قوي بالاعلى فالتفت إلى حمزة وقال ساخرًا:
"فيه زلزال فوق"
ضحك حمزة يتابع بنفس السخرية"
"مهاب بيصارع طبق الدش"
قال ذلك وهو. يتابع القنوات ثم أمسك هاتفه واتصل على أخاه قائلًا:
"الإشارة راحت خالص انت قولت هترجع الإشارة شوية بس كده روحت بيها الشرق"
أتى صوت مهاب قائلًا:
"طيب وكده"
في الاعلى كان مهاب واقفًا ممسكًا بعصا طويلة، يهز بها طبق الدش، ويتحدث في الهاتف مع حمزة تساءل:
"إنت شايف الصورة اتحسّنت؟"
إجابة الاخر بسخرية:
"صورة إيه انت خليتها تروح خالص"
قال مهاب محاولًا التعديل:
"طب وكده؟"
أجابه حمزة:
"لا مفيش حاجة زي ما هيا"
تعصّب مهاب ولفّ الطبق بعنف أكثر. وفجأة، دوّى صوت طَقّة عالية! انفصل الطبق من قاعدته، وبقي معلقًا في يد مهاب صرخ بأعلى صوته عبر الهاتف:
"آآااه! الطبق اتفك! الطبق طــــار!!"
قال ذلك حينما انساب من يده، ليركض وراء طبق دشٍّ طائر، كأنه طيّارة ورقية خرجت عن السيطرة ويحاول أن يمسك بها وأخيرًا نجح مهاب في إسقاط الطبق على الأرض، بعد معركة خاسرة مع الرياح، وكان يلهث من التعب.
3
هبط إلى الأسفل ودلف إلى الشقة متغطيًا ببقجة، وقال وهو يلهث:
"أنا مش هطلع فوق تاني اللي عايز القنوات، يتفرّج على اليوتيوب مش اثر معانا في حاجة"
ضحك براء حتى دمعت عيناه قائلًا:
"يا ابني، إحنا ما كناش عايزين قنوات إحنا كنا عاوزين برنامج نجاتك من السطوح الاول المهم أنك نزلت بخير"
ضحك حمزة بدوره وأضاف:
"الدش طار، بس الحمد لله مهاب لسه عندنا! دي بشارة كويسة"
نظر إليه مهاب بغيظ وولج إلى الغرفة قائلًا بنبرةٍ مرتفعة:
"ما انت طلعت حلو اهو يا حمزة ونازل سخرية في اخوك اللي من دمك، بدل ما تطلع تمسك معايا الطبق اخص على ديه إخوة"
وفي اليوم التالي كتب أحد الجيران على جروب العمارة:
"ممكن حد يقولنا، هو كان في عرض طيارات ورقية حصل امبارح ولا ده كان طبق الزيني؟!"
أحيانًا لا يكون الضحك دليلَ سعادة، بل استراحةً قصيرة بين جرحين ففي كل بيت حكاية، وفي كل ابتسامة وجعٌ خفيّ لا يُرى لكن ما دام في القلب ضوءٌ يبتسم رغم العتمة، فالحياة ما زالت ممكنة،
والأمل لم يمت بعد
إلى كل من سيتابع الرواية، اقرأو على حسب ترتيب عدد الفصول لأن الواتباد لخبط الأرقام في بعض
ـــــــــــــــــــــــ