رواية ظل البراء الفصل الثاني 2 بقلم آية احمد عرفة
ارت2ـ بيت من غير باب
قال تعالى:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
يبشّرنا الله أن مع كل مشقة هناك تيسير، بل يأتي التيسير مرتين تأكيدًا على أن الفرج قريب مهما اشتدت الظروف.
في الحياة، كل لحظة تحمل عسرًا ويسرًا معًا،
كما الليل لا ينجلي إلا بصبحٍ جديد،
وكما الدمع لا ينكفئ إلا بابتسامة تطرق الباب في وقت غير متوقع.
ربما كل ما نشعر به اليوم من وجع، هو مجرد تمهيد لشيء أهدأ في الغد.
ــــــــــــــ
في منزل "سكن علوان"، كانت تقف أمام المرآة تلفُّ خمارها بتأنٍّ، ثم التقطت حقيبتها وهمّت بالخروج. توجهت نحو غرفة والدها، طرقت الباب بخفة ودخلت قائلة:
- صباح الخير يا حاج.
قالتها وهي تقبّل يده، فابتسم "علوان" وأجابها:
- صباح النور يا "وردة البيت". أنتي ماشية؟
سكن:
- آه، هروح المستشفى، يدوب كده.
علوان:
- خلي بالك من نفسك.
سكن بابتسامة خفيفة:
- حاضر، متقلقش... بنتك ما يتخافش عليها.
علوان بدعاء حانٍ:
- ربنا يحميكي يا بنتي يا رب، ويوقّفلك ولاد الحلال، ويبعد عنك كل شر.
ابتسمت إليه:
- أهو كفاية الدعوة الجميلة دي على الصبح.
خرجت من الغرفة، وكادت تتجه نحو باب الشقة، لكنها توقفت فجأة، ثم التفتت نحو غرفة أخيها وغيّرت مسارها. وقفت أمام الباب، طرقت مرتين، لم يرد... لكنها أيقنت أنه مستيقظ، فالرائحة المنبعثة من غرفته كانت كفيلة بفضح أمره.
فتحت الباب بهدوء ونظرت إليه؛ كان جالسًا على الفراش، يستند برأسه إلى الخلف، ويدخن السيجار، لتردف بضيق:
- بدّام صاحي، مش بترد ليه وأنا بخبط؟
أجاب دون أن ينظر إليها:
- عشان أنا عارف "سكن" ونبهتها هتشمّي ريحة السجاير، هتعرفي إني صاحي.
ثم نظر إليها وأضاف بسخرية:
- سكن، أنتي ليه بقيتي دكتورة نفسية؟
أنا شايف لو كنتي قدمتي للشرطة، كنتي هتلاقي فرصة أفضل بكتير أوي.
فهمت أنه يسخر منها، فوقفت أمامه بحدة:
- عجبك الخنقة اللي انت قاعد فيها دي؟
ثم اتجهت نحو الشباك وفتحته لتسمح للهواء بالدخول، ونظرت إليه قائلة:
- شوف، إنت امبارح جرحت "سندس" بكلامك لو سمحت، ادخل رضيها.
ظلّ صامتًا، وأكمل شرب سيجارته. فتابعت "سكن" بلهجة تجمع بين العتاب والألم:
- أدهم، أنا بكلمك... إنت مكنتش كده.
إيه اللي غيرك؟
ومن أمتى وواحِد فينا بتهون عليك تجرحها؟
يعني لما انت تعايرها، سبت إيه للغريب؟
.
تنهدت بحرقة، وكأنها تشكو له تحاول أن تضعه في الصورة التي نسوها جميعًا، لعلّه يعود كما كان، يهتم ويحتوي.
- مش كفاية عمتي اللي كل ما تيجي تقعد تقولها "سِنِّك كِبِر، واللي قدّك مخلفين تلاتة ولا أربعة"،
ولا عمتها اللي كل شوية تجيب لها عريس، يا إما أرمل ومعاه تلات عيال،
يا إما عنده ستين سنة ولما ترفض، تقولها "فرصتك في الخلفة قدّام هتقل، ومش هتلاقي حتى فرصة للجواز".
نفسي أعرف، ليه بيعملوا كده؟
عشان عندها ٣٢ سنة؟
بجد، ناس مريضة... ومع الأسف، أهلنا.
بدأت تسعل من كثافة الدخان، فأطفأ السيجارة فورًا، ونظر إليها بقلق:
- عمتها قالت كده عليها؟
سكن:
- آه وفي الآخر، إنت كمان بتعايرها.
أدهم بضيق من نفسه:
- سكن، مكنش قصدي بس كنت جاي من بره مخنوق، ومش طايق أتكلم مع حد.
وكمان، مين قالك إني ممكن أقبل إن أختي تتجوز جوازة زي دي؟
عَمّاتك وخالاتك، لو حصل تاني، أنا هقف ليهم وأعرفهم حدهم، أيه أنا أخواتى خط أحمر.
أساسًا، مالهمش حق يدخلوا في حياتنا.
اقتربت منه "سكن" وضعت يدها على كتفه وقالت:
- عاوزة "أدهم" بتاع زمان يرجع، أدهم الطيب، الحنين، اللي لو حد بس حاول يضايقنا، بيقلب عليه فورًا.
تنهّدت وتابعت:
- بابا كِبِر يا أدهم، وأنا مش بحب أشغله بمشاكلنا.
إنت سندي أنا و"سندس" عشان خاطري، ارجع زي ما كنت. بطل شُرب السجاير إنت عمرك ما كنت كده.
ارجع المستشفى، واشتغل مش معقول تكون دكتور أطفال، ومش بتشتغل بمِهنتك!
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
- عارفة إحنا إيه مشكلتنا مع الدنيا دي؟
هزّت رأسها نفيًا، فأكمل وهو ينظر نحو الأرض:
- إن قلبنا، للأسف طيّب يا دكتورة.
والزمن ده مش بينفع معاه اللي قلبه طيّب.
1
ابتسمت بخفة وبداخلها وجع كبير من حديثه، اقتربت منه وهمست:
"قال رسول الله ﷺ:
(تحرِّم النار على كلّ هيِّن ليِّن قريبٍ من الناس)
يا أدهم، دا مش ضعف... دي نعمة من ربنا.
رفعت إيديها ولمست وجهه اللي ظهر عليه آثار التعب والارهاق اكثر من عمره:
- الطيبة مش جُرم يا أدهم، ده إحنا اللي غلطنا لما صدقنا إن لازم نكون قاسيين عشان نعيش.
الدنيا لسه بخير، وطول ما انت بتطبطب على طفل صغير، أو بتوقف جنب مريض، ربنا هيسهل امورك.
صمتت لحظة ودمعة نزلت علي وجنتيها وهي تتابع بخفوت:
- أنا مش عايزة غير أخويا اللي كنت أعرفه، اللي كنا بنفتخر إنه دكتور بيداوي، مش اللي بيدوس على قلبه ويطفيه بسيجارة.
ثم أضافت:
ــ عشان خاطري ارجع. أدهم الي اعرفه
قالت هكذا لتذهب، لينظر إلى أثرها؛ بصمت ثقيل، قلبه مثقل بالندم فهو بالفعل كان ينوي الحديث مع سندس حين تصحو، فهو يعلم أنه أخطأ وجرحها بالأمس، وهذا بالضبط ما جعله يعجز عن النوم طوال الليل في الحقيقة، كان ينوي الحديث مع سندس عندما تستيقظ، يعلم جيدًا أنه أخطأ بحقها وجرحها بكلماته في الأمس، وذاك بالضبط ما جعله يعجز عن النوم طوال الليل.
ـــــــــــــــــ
داخل بيت براء الزيني، كانوا يجتمعون على مائدة الإفطار، حين لاحظ شقيقته جالسة شاردة لا تلمس الطعام، فقال بهدوء:
ـ أميرة؟
نظرت إليه بانتباه، فأكمل:
ـ مش بتفطري ليه يا حبيبتي؟
أميرة بصوت خافت:
ـ مليش نفس.
براء بمزاح وهو يحاول كسر التوتر:
ـ لا إزاي ملكيش نفس ما انتي ما اتعشيتيش امبارح
ثم أضاف بمزاح:
ـ في إيه يا بت مالك هو انتي غريبة عننا ولا علشان روحتي اتجوزتي هتحسسيني إن البيت دا غريب عليكِ! دا بيتك يا أميرة... فاهمة؟
ابتسمت له ابتسامة دافئة:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا براء.
اردف حمزة مازحًا فكان يُجلس فريدة على ركبتيه ويشربها اللبن:
ـ ومفيش "ربنا ما يحرمنيش منك يا حمزة" كمان؟
نظرت إليه، ثم إلى فريدة، ثم إلى مهاب، وقالت بنبرة مليئة بالحب:
ـ ولا منك يا حمزة... ولا منك يا مهاب... إنتوا التلاتة سندي.
هتف حمزة بفخر:
ـ شُفتي فريدة شاطرة إزاي نامت جنبي طول الليل.
أردفت أميرة بابتسامة:
ـ الأطفال بتحبك يا حمزة.
نهض براء واقفًا:
ـ الحمد لله.
كاد أن يغادر، فأوقفته هند قائلة:
ـ براء، شوية كده وهطلع أشوف ماما.
براء بهدوء:
ـ اطلعي.
وهنا تدخلت والدته:
ـ براء... عاوزة أتكلم معاك قبل ما تنزل.
قالت ذلك، وذهبت إلى غرفتها، نظر إلى أثرها، يعلم تمامًا ما الذي تودّ الحديث عنه. تنهد، ثم لحق بها.
مهاب وهو ينهض:
ـ أنا هنزل أفتح، يا براء؟
ـ ماشي.
دخل إلى غرفة والدته، التي نظرت إليه مباشرة، وقالت:
ـ هتروح لجوز أختك صح؟
أومأ براء قائلا بحزم:
ـ أكيد هروح.
ـ وهتعمل إيه معاه؟
ـ هعمل اللي لازم يتعمل يا أمي. مش أخت براء الزيني اللي يتمدّ إيده عليها! مش من حقه يعمل كده! أنا أخوها، اللي ربّاها عمري ما رفعت إيدي عليها، ييجي هو يمد إيده؟! فاكر نفسه مين؟!
أردف مفيدة بنبرة رجاء:
ـ علشان كده قلت أكلمك قبل ما تمشي بُص يا ابني، مفيش أم بتحب لابنتها الخراب. علشان خاطري، بلاش تقفلها في وشه. هو برضو جوزها، وأبو بنتها متنساش إن أميرة معاها بنت!
خذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
ـ فريدة هربّيها زي ما ربّيت أمها. متقلقيش من الناحية دي. إنما موضوع خراب البيت وكلام الناس؟
مش فارق معايا. أنا يهمّني راحة أختي وبس عارفة يعني إيه نخلّيها تعيش تحت مسمّى "جوزها عادي يضربها"؟ يبقى بنموت اتنين أميرة، وبنتها فريدة اللي عندها خمس سنين بُكرة تكبر وتفهم وتشوف أبوها بيضرب أمها، تفتكري هتتأثر إزاي؟ هتكره الجواز وهتكره أبوها وهتكره أمها كمان!
ليه؟ علشان اختارت لها بيئة تعيش فيها كده.
قالت والدته بأنفاس متعبة:
ـ عنيد زي أبوك الله يرحمه مهما حاولت أغيّر رأيك، هتفضل على قرارك.
ابتسم براء ابتسامة حزينة وقال بهدوء:
ـ ربنا سبحانه وتعالى وصّانا على النساء يا أمي، ودي أختي مش هسمح إنها تتهان طول ما أنا عايش على وش الدنيا.
قالت والدته بحزن ورجاء:
ـ روح يا ابني ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يا رب.
نفسي أشوف لك عيل، بقالك سبع سنين متجوز!
نفسي أشيل ابنك بين إيديا
شعر بالألم عند ذكرها لذلك، فردّ بهدوء:
ـ ربنا يسهل
ثم خرج من الغرفة، وقلبه يثقل عليه كلما تذكّر أمنيّتها المؤجَّلة...أمنيّة يعلم في قرارة نفسه أنها من الصعب تحقيقها.
ـــــــــــــ
نزل حمزة السلم بخطوات منتظمة، شنطته متعلقة على كتفه الأيمن، وشه ثابت، بلا أي تعبير واضح، لكن عينه تراقب كل التفاصيل.
قال براء له وهو يعدّل ياقة قميصه:
ـ رايح الكلية بدري كده ليه؟
أردف دون أن ينظر لهو، أجاب بنبرة هادئة وكأنه يردد معادلة:
ـ المحاضرة بتبدأ 8 ونص، الطريق بياخد 17 دقيقة، لازم أكون هناك قبل الزحمة بـ 5 دقايق على الأقل.
ضحك مهاب:
ـ ماشي يا عبقري، ربنا يوفقك.
وقف حمزة لحظة، وقال بنبرة جادة وهو يحاول أن لا يتواصل مباشرة نظرية معه:
ـ مش عبقري بس عقلي بيحب الأرقام أكتر من الناس يا مهاب وانت عارف كده
هتف براء متسائلا:
ـ بس إحنا مش أي ناس، إحنا ناس بتحبك يا حمزة، فاهم؟
سكت حمزة، ثم قال بهدوء:
ـ أنا كمان بحبكم بس ما بعرفش أقولها وأعبر زيكم
مهما حاولت مش...بعرف اغير عن اللي جوايا
قال ذلك وذهب، لينظر مهاب إلى أثره.
ثم نظر إلى أخيه باستغراب، فقد كان يرتدي بنطال جينز وقميصًا أسود، على غير عادته.
قال بدهشة:
ـ رايح فين كده؟
كان يعرف أن أخاه يفضّل ارتداء الجلابيب، ولا يلبس مثل هذه الملابس إلا حين يخرج من السيدة زينب.
رد عليه براء وهو ينظر للأمام:
ـ هروح لحسن عشان أوصل معاه لحل.
قال مهاب بغيظ مكتوم:
ـ عندك حق ما هو مش معقول كل شوية يمدّ إيده عليها، هو فاكر إنها ملهاش ضهر ولا إيه؟
أجاب براء:
ـ مين قال كده؟ عامة أنا هوصل معاه لحل نهائي
ثم أكمل وهو يضبط ساعة يده:
ـ وبعدين هروح مشوار، احتمال أطوّل.
قال مهاب:
ـ براحتك، متقلقش... أنا موجود.
وضع براء يده على كتفه وقال بابتسامة:
ـ ربنا ما يحرمني منك
ثم تنهد وأكمل:
ـ اتكلمت مع أدهم امبارح ولا لا، عشان اخدت بالي لما رجعت شكلك كان مضايق، بس قولت أسيبك براحتك.
رد مهاب وهو ينظر بعيدًا:
ـ اتكلم... وياريته ما اتكلم، شايل وجع كبير أوي.
صمت لحظة، ثم أضاف:
ـ هو محتاج وقت عشان يرجع زي الأول.
تطلع اليه قائلا بهدوء:
ـ وأنا مش هسألك مالُه، طالما شايف إنه محتاج وقت، خليك جنبه وسانده لحد ما يرجع صاحبك اللي إنت عارفه.
ثم ابتسم وهو يبتعد:
ـ آه، وابقى هات حد يصلّح طبق الدش كفاية اللي حصل امبارح!
ضحك مهاب وردّ:
ـ مش تفكرني! أنا كنت بجري ورا الطبق زي الأهبل
في تلك اللحظة، دخلت زبونة إلى المحل وهي تقول:
ـ صباح الخير.
براء بابتسامة:
ـ صباح النور يا أم سعاد.
قالت متعجبة وهو ترمق كل منهما:
ـ إلا صحيح يا ابني كان عندكم طبق بيطير امبارح على السطح ولا دي إشاعات؟
قال ذلك بفضول ضحك براء وقال:
ـ لا مش إشاعات كان بيطير هو وأخويا! أهو، بيغيروا جو.
ثم نظر إلى مهاب وأشار له:
ـ أنا ماشي، شوف أم سعاد عايزة إيه.
هزّ مهاب رأسه موافقًا، لينصرف براء.
نظرت أم سعاد إلى مهاب وقالت بقلق:
ـ الحمد لله إنك بخير... افرد كنت وقعت!
مهاب، وهو يحاول يخفف عنها بابتسامة:
ـ الحمد لله... الأعمار بيد الله.
ــــــــــــــــــ
بعد مرور فترة، كان براء يقف أمام باب الشقّة، يضغط جرس الباب، وإذ بشاب يفتح، تتوتر ملامحه فور أن التقت عيناه بعينَي الزائر.
قال براء بنبرة هادئة لكنها تحمل ما خلفها:
ـ إيه يا حسن مش هتقولّي اتفضّل؟
ابتعد عن الباب سريعًا وهو يتمتم:
ـ أكيد، اتفضّل...
دخل براء إلى الداخل، وجلس على الأريكة، بينما قال حسن متلعثمًا:
ـ تشرب إيه أعملك قهوة إيه رأيك؟
كاد حسن أن ينصرف إلى المطبخ، لكن براء أوقفه:
ـ أنا جاي أتكلم، مش جاي أضايف اترزع، خلّيني أقول الكلمتين اللي جاي عشانهم
شعر حسن أن في نبرة براء ما لا يُطمئن، فجلس متوترًا، ونظر إليه بصمت.
قال براء وهو ينظر له مباشرة:
ـ إيه يا حسن؟ شايفك مش عايز تعيش وتحتوي بيتك، وبصراحة إنت مش سايب لي اختيارات.
ردّ حسن بتوسّل:
ـ آخر مرة يا براء... صدّقني، مش هتتكرّر تاني.
براء، وقد عقد حاجبيه ورفع صوته قليلًا:
ـ يا راجل! قول كلام غير دا!
لو حمزة موجود دلوقتي، كان عدّلك!
دي المرة الكام اللي بتقول فيها نفس الكلام، بس في الآخر الكلام؟ مفيش أسهل منه!
حسن دافع سريعًا:
ـ المرادي بجد... هي اللي عصّبتني، هي السبب.
نظر له براء بحدة:
ـ عملت إيه؟ قول! سامعك، ولو أختي هي اللي غلطانة بوعدك، هروح أجبها من إيدها وأرجّعها.
صمت حسن وانخفض برأسه.
سخر براء بمرارة:
ـ راح فين لسانك؟
عُمومًا... أميرة زهقت منك، وكرِهتك من تصرّفاتك.
رفع حسن نظره فجأة:
ـ يعني إيه؟!
قالها براء بلا مواربة:
ـ يعني... هي عايزة تتطلّق.
انتفض حسن من مكانه، يصرخ:
ـ إنت اللي بتقول كدا يا براء؟ إنت عارف إن "أبغض الحلال عند الله الطلاق"!
وقف براء أيضًا، بنبرة فيها احتداد وغضب دفين:
ـ بتكلّمني بالدين دلوقتي؟ كان فين الدين لما ضربتها؟!
ربنا سبحانه وتعالى قال: "واستوصوا بالنساء خيرًا..." وقال كمان: "وجعل بينكم مودة ورحمة."
"وعاشرُوهُنَّ بالمعروف"
ــ فالعشرة الطيّبة واجبة، لا فضلًا... وحين تغيب، يغيب السكن والمودّة.
ثم أضاف:
ــ بلاش تكلّمني في الدين... عشان هتخسر!
نظر حسن إليه، لسانه انعقد عن الإجابة، لينظر إليه بهدوء:
ـ طلقها بالذوق، والا هلجأ لأساليب تانية؟
تركه براء وذهب، ليجلس حسن على الأريكة وهو يفكر ماذا سيفعل، فهو لا يريد أن يطلقها.
ــــــــ
دخل حمزة المدرج كانت عيناه لا تفارق الأرض، وخطواته سريعة كأنها محسوبة بالملليمتر.
جلس في الصف الثاني، وأخرج أدواته، ثم بدأ يراجع معادلات المحاضرة السابقة، يتمتم بالأرقام والمعادلات كأنها لغة وحده يفهمها.
اقترب زميله "وليد" مع مجموعة من الطلبة، جلسوا خلفه مباشرة.
ضحك أحدهم بصوت خافت، ثم قال هيثم بنبرة عالية متعمدة:
- هو إنت لسه بتذاكر من أول المحاضرة؟ ده حتى الدكتور ما وصلش!
لم يرد حمزة.
لكن يده بدأت تهتز وهو يقلب الصفحة.
قال هيثم بسخرية وهو يضحك:
- ده لو حطّوا دماغه في آلة حاسبة، الآلة نفسها تتحرق من كتر الضغط!
ضحك الشباب، لكن حمزة ظلّ صامتًا يستمع لهم
ثم أغلق دفتره نظر إليهم بعينين زائغتين، ثم صاح:
بتوتر:
"أنا فاهم أكتر منكم كلكم... بس إنتو... إنتو مش فاهمين! وكل اللي بتعمله ده عشان غيران مني"
قال هيثم بنبرة مزاح:
- يا عم اهدا، إحنا بنهزر!
صرخ حمزة بصوت أعلى من اللازم، يدل على انفعاله:
- ما تهزروش معايا! ما بحبش الهزار ده
أردف زميل آخر بصوت مسموع:
"دا حمزة بتاع المقال اللي قلب الفيس بوك؟ شكله ناسي إن دي كلية مش جلسة علاج جماعي!"
تشنج فكّه، وتحركت يده لا إراديًّا فوق الطاولة، يطرق بأصابعه كأنه يُفرغ شيئًا لا يُقال... لكنه ظل ساكنًا، محاولًا أن يجلس مكانه دون أن يفتعل المشاكل.
ولكنه سمع صوتًا خشنًا خلفه وكان صوت هيثم واضح وهو يقول:
"إيه يا أُنسه، مش هينفع تعدي من غير ما تسيبي رقمك معايا الأول!"
التفت حمزة بسرعة، فرأى هيثم يحاصر فتاة يبدو عليها الخوف، بينما يضحك برفقة اثنين من أصدقائه.
اقترب حمزة قائلا:
"ابعد عنها يا هيثم اللي بتعمله ده غلط؟!"
أجابه هيثم بتحدي:
"وإنت مالك، بقولك إيه أرجع مكانك وملكش دعوة"
أردف حمزة صوته يرتفع:
"يا هيثم لم نفسك بقى عشان زودتها أوي"
دفعه هيثم بقوة وقال:
"إبعد يا حمزة بدل ما أخليك تندم."
غضب حمزة لانه قد لمسه وأيضا من تصرفه اندفع نحوه بلا تفكير، صرخ به بغضب وهو يوجه له لكمة مفاجئة أسقطت هيثم أرضًا، تبعها عراك عنيف شارك فيه الجميع، لكن حمزة كان قد فقد السيطرة تمامًا. كان يضرب وهو يبكي، يصرخ بكلمات غير مفهومة، كأن كل جراحه القديمة خرجت دفعة واحدة.
حتى حين أبعده زملاؤه، كان جسده يرتعش. فجأة انهار على الأرض.
اردف أحد الطلاب بذعر صرخ:
"الحقوااا! حمزة مش بيتنفس كويس!"
أردف طالب آخر من الخلف وهو ينظر إلى الدكتور الذي دلف للتو قال:
"يا دكتور بيعرق جامد مش عارف إيه اللي حصله"
اقترب الدكتور، انحنى عليه، حمزة كان يتمتم بأرقام غير مفهومة، جسمه يرتعش، وكل عضلة فيه مشدودة.
مال الدكتور بجذعه محاولا افاقته:
"حمزة، انت سامعني؟"
لكن حمزة قد فقد وعيه.
5
ـــــــــــــــــــ
التنمر… ذلك السهم الصغير الذي يبدو بلا وزن، لكنه يغرس في القلب جرحًا لا يلتئم. يظن من يلوّح به أنه يمارس قوة، لكنه في الحقيقة يزرع خوفًا، حزنًا، وربما كراهية لنفسه وللعالم. كل كلمة جارحة، كل ضحكة ساخرة، تترك أثرًا عميقًا في أعماق من يُستهدف، وقد تحرّك فيه عاصفة من الألم لا يراها أحد.
التنمر لا ينتهي عند لحظة الإهانة، بل يتسلل، يبني جدارًا من الشك والخوف، ويجعل كل خطوة نحو الحياة أبطأ وأثقل. وكم من قلوب تحطمت، وكم من أحلام توقفت، بسبب لحظة استخفاف أو سخرية؟
فلنحذر من كلماتنا، فكل واحدة منها تحمل وزنًا، وكل جرح، مهما بدا صغيرًا، قد يكون بداية لعاصفة داخل إنسان لم يطلب سوى الأمان والاحترام.
1
ــــــــــــــــــ
بعد ربع ساعة داخل سيارة الإسعاف:
كان الدكتور جالسًا بجوار حمزة، وهو فاقد الوعي، مستلقي على نقالة وجهاز أكسچين موضوع على وجهه.
المسعف قال:
- عنده انهيار عصبي حاد والضغط عنده نزل"
1
ثم نظر لهو:
"التشنج ده مش طبيعي، لو كنت اتأخرت شوية كان زمانه دخل في نوبة انهيار كامل هنكمل الاسعافات لما نوصل المستشفى
أومأ لهو وهو يتابع حمزة بعينه
ــــــــــــــــــــــ
في عمارة راقية، وداخل عيادة خاصة، خرج من غرفة الكشف وجلس أمام الطبيب قائلًا بثباتٍ يحاول التماسك:
ــ في جديد؟
أجابه الطبيب بنبرة حزينة:
ــ للأسف لا العلاج ما جابش أي نتيجة. يؤسفني أقولك إن الموضوع صعب جدًا.
خفض براء رأسه قليلًا، ثم تمتم:
ــ لا، قول عادي
تابع الطبيب بجديةٍ خافتة:
ــ بص، إحنا جرّبنا كذا طريقة، وحاولنا كتير، بس حالتك مش بتستجيب للأسف مفيش حل دلوقتي.
أومأ براء برأسه بصمت، يبدو عليه الثبات، لكن داخله كان ينهار. خرج من العيادة بخطواتٍ ثقيلة، ونزل إلى الأسفل، ركب سيارته، وأسند رأسه إلى المقعد الخلفي وهو يغرق في أفكاره.
1
هل يُعقل؟ هو متزوج منذ سبع سنوات وعندما تأخّر الحمل في أول سنة، قرّر أن يكشف هو وهند.
النتيجة كانت صادمة المشكلة منه هو منذ ست سنوات وهو يُحارب، يتنقّل من علاج لآخر، متمسكًا بأملٍ صغير أن يصبح يومًا أبًا. لكن اليوم... انطفأ ذلك الأمل الأخير.
1
رن هاتفه فقطع شروده، نظر إليه، كان المتصل: حمزة.
فتح الاتصال سريعًا:
ــ ألو؟
لكن الرد جاء بصوت غريب:
ــ حضرتك أخوه؟
1
ارتبك براء وقلق بشدة:
ــ إنت مين؟ فين حمزة؟
أجابه بهدوء:
ــ هو تعب شوية في الكلية، جبناه المستشفى الحكومي اللي على طريق الجامعة.
صاح براء دون تردد:
ــ أنا جاي حالًا!
أنهى المكالمة بسرعة، وأدار محرّك السيارة، وانطلق في الطريق إلى المستشفى القلق ينهش قلبه، وألف سيناريو وسيناريو يضج في رأسه كلّها أسوأ من بعضها.
ـــــــــــــــــــــ
داخل بيت "علوان"، كان أدهم جالسًا في غرفته، حين سمع صوت خبط خافت قادم من المطبخ. نهض ببطء، وفتح الباب ليتأكد أن "سندس" هي من بالداخل. وحين رآها، أخذ نفسًا عميقًا، ثم خرج من الغرفة وتوجه مباشرة نحو المطبخ.
كانت تقف أمام البوتاجاز، يتصاعد بخار الطعام أمام وجهها، تمسك الملعقة وتقلب بهدوء، حين حمحم قائلاً بنبرة خافتة:
ــ الشيف "سندس" فاضية ليّا خمس دقايق، عشان عاوز اتكلم معاكي إذا سامحتي لي طبعا؟
توقفت عن التقليب، ثم التفتت إليه بجديّة:
ــ في حاجة؟
جذب الكرسي الموضوع أمام الطاولة الصغيرة وجلس عليه بهدوء، ثم قال:
ــ حتى لو عايز، مش هطلب وانتي زعلانة كده
سكت لحظة ثم أكمل:
ــ اقعدي، عايز أتكلم معاكي
جلست بتردد، فيما هو ينظر إليها بحزن وقال:
ــ أنا آسف عارف إني زعلتك امبارح بكلامي
أنا بقيت دبش، معلش متزعليش مني.
كانت تنظر إليه بصمت، فتابع:
ــ واضح إنك زعلانة طيب، قوليلي إيه اللي يرضيكي وأنا أعمله.
نظرت إليه بعيون دامعة وقالت:
ــ متوجعنيش يا أدهم.
شعر بكلماتها تخترق قلبه، فقال متألمًا:
ــ أوجعك أنا يا "سندس"؟
ردت بنبرة موجوعة:
ــ الجملة اللي رميتها في وشي امبارح وجعتني قوي.
أنا يمكن بسمعها من الناس اللي حواليا، بحس بيها مع صحابي اللي كانوا معايا أيام المدرسة كلهم قطعوا صلتهم بيا. عارف ليه؟ عشان اتجوزوا وخلفوا، وأنا لأ ساعات بحس إني الوحيدة فيهم اللي ما اتجوزتش لحد دلوقت بقيت حاسة إنهم حتى مش عايزيني أزورهم خايفين على بيوتهم مني!
إنت مش عارف المواقف دي كانت بتوجعني إزاي، مع إني والله بتمنالهم الخير بس هما مش شايفين كده.
عشان كده أنا بعدت، زي ما هما بعدوا مكنتش مصدقة إن صداقتنا ضعيفة كده مبنية على الجواز؟
أنا قربت أكره نفسي وأكره نظرات الناس لما يعرفوا إني عندي ٣٢ سنة ولسه متجوزتش بس ساعات بقول عندهم حق، إذا كان أقرب الناس ليا بيحسسوني إني فيا عيب أنا نفسي مش فاهماه.
أيًّا كان عمتي، خالتي
3
لتنهمر دموعها على وجنيتها وهي تتابع بحزن:
ــ بس إنت... إنت أكتر واحد وجعتني عشان إنت الوحيد اللي ما كنتش متوقعة تعايرني أنا امبارح نمت وأنا بعيط فضلت أعيط، معرفش نمت إمتى، مع إنها مش أول مرة. هو أنا في إيدي إيه رد عليا
ثم أضافت:
ــ أنا متربية كويس معايا بكالوريوس تربية، من عيلة طيبة وسمعتها حلوة بس هو نصيب ليه الناس مش شايفة إنه نصيب؟ ليه لازم يكسروا اللي قدامهم في حاجة مش ليهم يد فيها؟
لتتابع بضيق شديد ممزوج بأسي:
ــ يعني أتجوز أي حد وخلاص بس عشان أُرضيهم؟
مش من حقي أختار شخص مناسب ليا؟
أنا ممكن فعلاً أتجوز أول عريس ييجي، بس عارف ساعتها إيه اللي هيحصل؟
هتطلق وبرضو الناس هتعايرني عشان المجتمع اللي إحنا عايشين فيه مليان ناس مريضة
اقترب منها، وجذب الكرسي أقرب لها، ثم سحبها برفق إلى حضنه وقال وهو يربت على ظهرها بحنان:
ــ أنا آسف يا حبيبتي صدقيني مكنش قصدي.
نظر في عينيها وقال بنبرة جادة
ــ ومين قال إنك هتتجوزي أي جوازة والسلام؟
لأ طبعًا، أختي مش هتتجوز غير حد يصونها ويشيلها فوق دماغه كمان وزي ما انتي قولتي دا نصيب، ونصيبك لسه متشال.
ثم قبّل رأسها، وهو يحاول أن يُعبّر عن أسفه العميق، يكفي جرحه لها ليلة البارحة.
ليس في التأخّر خزيٌ كما يظنّ الناس،
فبعض الطرق تحتاج وقتًا لتُفتح، وبعض القلوب تُمهَل لتجد من يُقدّرها.
ما كُتب لك لن يُفوِتك، وما فاتك لم يكن يومًا نصيبك،
فثقي أن القدر لا يظلم من صبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
داخل عمارة الزيني، وفي شقة شوقي الزيني، كانت "هند" تجلس بصحبة والدتها "سهام"، حين قالت الأخيرة بقلقٍ ظاهر:
- وآخِرت اللي انتي فيه ده إيه؟
ردّت "هند" وهي تحتسي الشاي بهدوء:
- هيكون إيه يعني؟ حياتي ماشية كويس جدًا، مفيش أحسن من كده.
أردفت سهام بصوت منخفض وقلق:
- خايفة عليكي من نفسك.
وضعت الفنجان بهدوء على الطاولة، وقالت بنبرة واثقة:
- ومالها نفسي يا ماما؟ أنا كنت عايزة أتجوز براء من سبع سنين، ووصلت لهدفي واتجوزته وبصراحة، قرار عمري ما هندم عليه. براء حنين، وبيعاملني برفق وحنيّة أنا شايفة إنه زوج مثالي، مش هلاقي زيه.
آه، هو مش واخدني عن حب وآه ما جبناش أولاد،
بس يكفي إنّي بحبه
نظرت إليها "سهام" بريبة من ثقة ابنتها وقالت:
- شكلك نسيتي إنك بتخدعيه! ولا إنتي ناوية تكدبي الكدبة وتصدقيها؟
1
نظرت إلي والدتها مباشرة قائلة بتهكم:
- فيها إيه لما أصدق الكذبة؟
أمال أقوله إن العيب فيا أنا؟
أنا عارفة ساعتها إيه اللي هيحصل براء هيطلقني، وهيتجوز، ويخلّف، ويعيش حياته. وأنا؟ أنا اللي هتدمر ومش هعرف أتجوز تاني لأني مش بخلف.
وساعتها طبعًا الموضوع كله هيتعرف.
هزّت سهام رأسها بأسى من تصرف ابنتها:
- يا خوفي... يا خوفي لبراء يكتشف كدبتك ساعتها مش هيسكت!
ثم نظرت لها:
ــ إنتي ضيعتي سبع سنين من عمره في كدبة
فاهمة حجم المصيبة اللي انتي فيها؟
قالت اخر جملة وهي تصرخ بها بنفاد صبر
قالت "هند" ببرود وثقة قاتلة:
- مش سبع سنين بس عمره كله هيضيع في الكدبة، لحد ما يموت قولي ليه؟
نظرت لها بعدم فهم:
- ليه؟
ابتسمت "هند" بخبث وقالت:
- لأنه عارف إنه عقيم معيوب وعمره ما هيقدر يتجوز تاني، عشان كفاية عليه إنّي مستحملاه وأنا مش هبقى أم وبالعكس ده هيزيد قيمتي عنده. يعني أنا عارفة إنه ما بيخلفش، وراضية وعايشة. يبقى هيفكر يتجوز ليه؟!
11
ثم أضافت:
ــ ده غير إن موضوع العقم ده جرحه ومسبب له نقص جامد أوي ودي حاجة حلوة جدًا. لازم هو اللي يحس بالنقص مش أنا.
1
تنهدت والدتها ثم قالت:
- مفيش كذبة بتفضل مستورة افهمي بقى.
لكنها ردت بابتسامة باردة:
- وأنا مش هتكشف ما تنسيش بردو أنا معايا بكالوريوس تجارة، إنما براء مكمّلش الإعدادية.
وفوق كده مقتنع إن العيب منه، يبقى الحاجة الوحيدة اللي ممكن تكشفني إنه يتجوز، ومراته تحمل. بس أنا واثقة عمره ما هيعملها، مفيش وأحد هيفضح نفسه كفاية اني مستحملاه.
ليصدَعَ صوتُ هاتفها المحمول فجأة،
فالتقطته بسرعة، ثم أجابت بنبرة متحفّظة:
- في حاجة؟
جاءها الصوت من الطرف الآخر:
- براء كان عندي.
خفق قلبها للحظة، وقالت بقلقٍ مكبوت:
- وبعدين؟
ردّ بصوت مطمئن:
- متقلقيش يا مدام هند، فهمته إن الأمل مفقود.
ابتسمت براحة وهي تقول:
- شكرًا يا دكتور، الفلوس هتوصلك في أقرب وقت.
أنهت المكالمة، ثم وقفت، بينما كانت "سهام" تراقبها بعين القلق، وقالت:
- ربنا يسترها يا بنتي أنا خايفة عليكي، مهما كان، إنتي بنتي الوحيدة.
قالت "هند" بثقة لا تخلو من القسوة:
- متخافيش بنتك عارفة بتعمل إيه أنا خدعت براء سبع سنين، فمش هتقلقي عليا دلوقتي!
ثم تابعت:
ــ هيفضل عايش في الوهم إنه هو اللي ما بيخلفش،
وأنا هفضل قدّامه الزوجة المثاليه اللي مستحملاه
ما أبشع الكذب حين يتزيّن بثوب الذكاء، فهو لا يُنقذ صاحبه بل ينسج حوله قيدًا من وهمٍ قاتل والذين يظنون أنهم يملكون الخداع، لا يعلمون أن الحقيقة لا تموت، بل تنتظر اللحظة التي تُبيدهم فيها بصمتٍ عادل.
1
ـــــــــــــــــــــــــ
في المستشفى،
وصل "براء" بخطوات متسارعة، ليقابله الدكتور الذي أتى مع حمزة ليشرح لهو الوضع قائلا:
- كل اللي فهمته أن حصلت مشادة بينه وبين طالب،
وفجأة تعب وفقد أعصابه.
هز "براء" رأسه بأسى:
- بيحصله كده... لما حد يضغط عليه.
خرج الطبيب من الغرفة، وبصحبته فتاة ترتدي بالطو أبيض، نظر الي براء وقال:
- حالة "حمزة" دلوقتي مستقرة، متقلقش شوية ويفوق.
وأشار إلى الفتاة:
- دي الدكتورة "سُكن"، قرأت ملف حمزة بالكامل،
وهتبقى المسؤولة عن حالته من دلوقتي.
ابتسم "براء" بلطف وقال بهدوء لا يخلو من القلق:
- أهلاً يا دكتورة.
هزّت "سُكن" رأسها بخفوت، كترحيب صامت.
4
لكن لم يعلم أحدهما أن تلك لم تكن مجرد مقابلة عابرة، بل بداية لأحداث ستغيّر مصيرهما معًا.
أحيانًا لا يكون اللقاء مجرّد صدفةٍ عابرة، بل بدايةً خفيّةً كُتبت في لحظة غامضة من القدر...
تُعيد ترتيب الأرواح، وتكشف لنا أن بعض الطرق تبدأ حين نظن أننا وصلنا إلى النهاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ