📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة كامله وحصريه بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة كامله وحصريه بقلم وسام اسامة 



تَحسَبِينَ الحُبَّ لُعبَة
الفصل الأول
حارس الظل، وفتنة الأضواء..!
كان الشتاء قد أعلن سيادته المطلقة فوق أرجاء المدينة، وبدأت خيوط الأمطار تمشط الشوارع في غسيلٍ سرمدي طال أمده، حتى انكسرت حدة البرودة قليلاً، فاسحةً المجال لجوٍ من السكون الرطب.
وإن كانت تلك الأجواء تبثُّ نكداً في نفوس البعض، فقد كانت مبعث غبطةٍ لآخرين؛ ومن بينهم عائلة "السيدة نعمات"، التي كانت تعكف على إعداد وليمةٍ سخية، تفوح منها رائحة الدفء قبل المذاق، لترمم بها أجساد عائلتها وتدفئ بطونهم الخاوية. كانت تنضد الأطباق فوق مائدة العشاء في تؤدةٍ، وهي تهتف بصوتٍ رزين:
"رقية.. أخبري دريد أن العشاء قد استوى، ويحيى على أعتاب الوصول.. هيا يا ابنتي."
تركت رقية قلمها على عجل، وكأن نداء والدتها كان طوق نجاةٍ انتشلها من لُجّة المذاكرة التي استنزفت قواها، حتى شعرت برأسها يكاد ينشطر من فرط التركيز. غير أن عبير الطعام المتسلل عبر شقوق الباب جعل تركيزها يتهاوى في الدقائق الأخيرة، بينما ارتفعت "قرقعة" معدتها كاحتجاجٍ صارم يطالب بالمدد.
خرجت من غرفتها، تسبقها نظراتها نحو الطاولة العامرة، وسألت في نبرةٍ حاولَت جعلها عادية:
"هل سيشرفنا عمران كما وعد، أم أن زوجته الغالية ستحول بينه وبين عهده ككل مرة؟"
رمقتها نعمات بنظرةٍ لائمة، مشوبةٍ بضيقٍ مكتوم قبل أن تجيبها مؤكدةً ظنونها:
"هاتفني عمران واعتذر.. اليوم ذكرى زواجهما، ومن الأليق أن يقضيه في داره، وسيأتي غداً بإذن الله."
أطلقت رقية ضحكةً ساخرة ممتزجة بتهكمٍ وهي تتهادى نحو غرفة شقيقها:
"أوه، بالطبع! يبدو أن ذكرى زواجهما وعيد ميلادها يتكرران أربع مرات في العام الواحد!"
طرقت باب الغرفة في إيقاعٍ مسموع وهي تهتف:
"دريد.. أمي تناديك، العشاء جاهز، ويحيى أضحى على الأبواب."
لم يأتِها من خلف الباب سوى الصمت، فعادت لوالدتها لتنبئها بصمت شقيقها المطبق. هنا، سكنت حركة نعمات، وارتسم على وجهها ضيقٌ ممزوجٌ بندمٍ استشعرته رقية بحدسها الأنثوي، فسألت في حذرٍ قلق:
"هل أغضبكِ دريد؟ ما الذي جرى؟ لقد كنتما على خير ما يرام منذ ساعات!"
تنهدت نعمات بأسى:
"بل أنا من أوغرت صدره.. جلستُ إليه بعد صلاة العشاء أفتح معه سيرة (مها)، فثارت ثائرته ورفض، فلم أجد بداً من تهديده بغضبي عليه إن لم يمتثل لرغبتي."
شهقت رقية في ذهول:
"أمي! ما الذي فعلتِه؟ تعلمين يقيناً أنه سيوافق مرغماً اتقاءً لعقوقكِ.. هو يخشى الله فيكِ يا أمي، فكيف توصدين الأبواب في وجهه هكذا؟"
أجابت الأم بعنادٍ لا يلين:
"أنا أدرى بمصلحته.. وما عيب مها؟ زينة الفتيات ديناً وخُلقاً وجماعاً، فما الذي يجعله ينفر من ذكر اسمها هكذا؟"
جعدت رقية جبينها في حيرة، وهي ترمق والدتها التي لا ترى سوى منطقها الخاص. تعلم أن "مها" ابنة خالهم لا يعيبها شيء، فقد تربين سوياً، ولكن قلوب الرجال لا تُساق بالعصا. ودريد الحليم، ذو الطبع الهادئ، يفقد وقاره وسكينته بمجرد ملامسة اسم مها لمسامعه. تنهدت رقية بيأس، مدركةً أن شقيقها سيلوذ بصمتٍ سرمدي وانطواءٍ مضاعف؛ فهو وإن كان حليماً، فإنه كتومٌ حدَّ الوجع.
قطع حبل أفكارها رنين جرس الباب، لينقشع الضيق وتشرق على ثغرها ابتسامة عريضة وهي تنطلق نحو الباب:
"جاء يحيى أخيراً!"
فتحت الباب بلهفة لتجد يحيى وقد اصطبغت ثيابه بآثار المطر، فلم تبالِ ببلله وارتمت بين ذراعيه هاتفة:
"أهلاً بوسيم العائلة! لقد طال غيابك.. انظروا إليك، يبدو أن كتفيك قد ازدادا صلابة وقوة!"
قهقه يحيى وهو يطوقها برفق، ممرراً كفه فوق شعرها بعبث:
"على رسلكِ يا (رقة).. لو أبصركِ دريد وأنتِ تفتحين الباب بشعركِ المنسدل هكذا، لأذاقكِ من لومه ما يجعلكِ تبكين فوق كتفي هذا!"
ضحكت وهي توصد الباب، تسايره نحو الداخل وتهمس في حذر:
"هو الآن في حالةٍ تسمح له بزجر أي كائنٍ يمرُّ أمامه بلا رحمة!"
رفع يحيى حاجبه بفضول:
"أوَّه! أتتحدثين عن الشيخ دريد العاقل؟ ما الذي كدر صفو حليم عائلتنا؟"
همست له رقية كمن يبثُّ سراً خطيراً:
"أمي.. عادت لفتح ملف الزواج من مها، وهو الآن معتكف في غرفته في صمتٍ رهيب."
أومأ يحيى برأسه متفهماً، وصمت كلاهما حين أقبلت نعمات تفتح ذراعيها لاستقبال الغائب:
"أنرت الدار يا حبيبي.. لقد طالت غيبتك هذه المرة."
انحنى يحيى يعانقها بمودة، وقد لانت ملامحه الخشنة فور رؤيتها:
"اشتقتُ إليكِ يا خالتي.. كيف حال قدمكِ؟ هل تماثلت للشفاء؟"
ربتت نعمات على كتفه بحنان، وعيناها تدوران فوق ثيابه المبتلة:
"ادلف إلى غرفة دريد، أبدل ثيابك هذه بأخرى جافة، ثم أحضره معك للعشاء قبل أن يبرد."
وقبل أن يخطو، استوقفته هامسةً بقلق:
"تحدث معه في أمر مها يا بني.. والله لن يجد في طهرها وأدبها أحداً.. ألا ينشد الزوجة الصالحة؟ هي والله خيرُ عونٍ له."
هز يحيى رأسه موافقاً على مضض، وهو يعلم في قرارة نفسه أن دريد لن يلين، لكنه آثر السلم. دلف الغرفة فجأة دون استئذان، مما جعل دريد يرفع رأسه بملامح متأهبة لتوبيخ المقتحم ظناً منه أنها رقية، لكن ما إن وقع بصره على يحيى، حتى افتر ثغره عن ابتسامة طيبة، ونهض من فراشه مرحباً:
"ألقِ السلام أولاً، أو على الأقل أصدر صوتاً كي يتحشم المرء يا رجل!"
احتضنه يحيى بقوة، يربت على ظهره في ود:
"السلام عليكم يا شيخنا.. كيف أنت؟"
"بخير والحمد لله.. وأنت، هل وصلت لتوك؟"
"ألا ترى كيف احتفى بي الشتاء؟ هيا، أخرج لي جلباباً مريحاً من خزانتك، لعل بركتك تحلُّ عليَّ!"
ضحك دريد وهو يوكزه بمحبة:
"لا أدري متى ستكفُّ عن السخرية مني ومن ثيابي؟"
أجابه يحيى بنبرةٍ مازحة:
"وهل يجرؤ مثلي على السخرية منك يا شيخنا؟"
خرج يحيى من الغرفة مرتدياً جلباباً واسعاً من جلابيب دريد، وقد أضفى عليه الجلباب هدوءاً غريباً تناقض مع صرامة جسده الرياضي الذي اعتاد بدلات الحراسة الرسمية. خلفه سار دريد بخطىً وئيدة، رأسه مطرقٌ في صمتٍ وقور، وكأنما يحمل فوق كتفيه جبالاً من الحياء والضيق المكتوم.
اجتمعت العائلة حول المائدة التي كانت تفوح منها رائحة "الأرز المعمر" و"الحساء الدافئ"، لكن البخار المتصاعد لم يفلح في إذابة جليد الصمت الذي خيم على الأجواء. تصدرت السيدة نعمات المائدة بجلال المعلمة الذي لا يفارقها حتى في بيتها، كانت توزع نظراتها بين دريد الصامت ويحيى الذي يحاول امتصاص التوتر بهدوئه المعهود.
بدأ العشاء بـ "بسم الله" خافتة من دريد، الذي انهمك في طعامه دون أن يرفع عينيه عن طبقه. قطعت نعمات الصمت، وهي تضع قطعة من اللحم أمام يحيى قائلة بنبرة تحمل عتاباً مستتراً:
"كل يا يحيى.. يبدو أن الغربة قد نهشت من عافيتك الكثير، ليتك تتعلم من دريد الاستقرار، فالرجل لا يكتمل سكنه إلا ببيتٍ يضم زواياه، وزوجةٍ تعينه على نوائب الدهر."
توقف دريد عن المضغ للحظة، قبضته اشتدت حول الملعقة حتى ابيضت مفاصله، لكنه لم ينطق. سارعت رقية بذكائها المعهود لإنقاذ الموقف، فوجهت حديثها ليحيى محاولةً تغيير المسار:
"اخبرني يا يحيى.. كيف كانت مأموريتك الأخيرة؟ هل واجهت مخاطر تليق بوقتي الثمين لاجلس واسمعها منك بعد العشاء"
ابتسم يحيى نصف ابتسامة، وهو يلمح بطرف عينه انكماش ملامح دريد، فأجاب بنبرة رصينة حملت بعض المشاكسة:
"للأسف يا رقة، ستحتفظين بوقتك الثمين هذا للمذاكرة، لا تحاولى الهرب بي.. الطب ليس مزحة يا أم وقت ثمين.. ثم أنني اود الجلوس مع خالتي بعض الوقت، علها ترضى عني وتجد لي عروس أنا الأخر"
رفع دريد رأسه أخيراً، التقت عيناه بعيني يحيى، فكانت نظرة دريد تفيض بعتابٍ خفي، وكأنما يقول له: "لا تفتح علينا جدال لن استطيع صده". أدرك يحيى الإشارة، فحول دفة الحديث نحو نعمات:
"بالمناسبة يا خالتي.. ستكون اجازتي قصيرة هذه المره قبل عودتي للمدينة..احتاج أن اذهب لبيت جدتي لأخذ ما بقى من اغراضي لأنقلها لشقتي، ودُريد سيساعدني.
هنا، تنفست نعمات الصعداء، وظنت أن هذا الخروج قد يلين من قسوة دريد، فقالت بهدوء:
"اذهب معه يا دريد.. لعلك تشتم هواءً غير هواء الغرفة الذي أطبق على صدرك ولتُفكر مليًا فيما حدثتك فيه"
أومأ دريد برأسه موافقاً دون كلمة، لكن في داخله كان يعلم أن رحلة الغد مع يحيى لن تكون مجرد "خدمة لنقل الاغراض"، بل هي الهروب المؤقت من حصار "مها" وغضب والدته. لم يكن يعلم أن تلك الرحلة هي التي ستضع أول حجر في "اللعبة" التي ستقلب حياته رأساً على عقب.
انتهى العشاء، وانسحب دريد لغرفته ليصلي ركعتين يبث فيهما لواعج قلبه للخالق، بينما بقي يحيى مع نعمات التي مالت عليه هامسة:
"هل ستكلمه يا يحيى؟ مها أصبحت عروس يتهافت عليها الرجال يا بني، وهو يزداد صدوداً.. أخاف أن يضيع الفتاة من يده"
وضع يحيى يده على يدها مطمئناً، رغم يقينه أن ما يطلبه دريد أبعد بكثير مما تراه عين نعمات.
***
أنهت جلستها التصويرية التي استنزفت ساعات طوال من عمر اليوم، وصعدت إلى "الكرفان" الخاص بها تنشد قسطاً من الراحة قبل الاستعداد للمشهد التالي. هكذا كانت حياة "شهيرة"؛ سباقاً محمومًا مع الزمن، وعملاً دؤوباً يتخلله استراحات قصيرة لا تسمن ولا تغني من جوع.
كانت تلك ضريبة النجاح الباهظة، وشهرةً برّاقة لم تذق بعدها طعم الهجوع الحقيقي. ورغم غبطتها بهذا الألق الذي يحيط بها، إلا أنها كانت تتوق في خلواتها للحظاتٍ عادية، تنفصل فيها عن صخب الأضواء ولو لأيامٍ معدودات.
وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاس وجهها ملياً؛ كانت آية في الجمال كما يجمع الجميع، ملامحها الأوروبية الممزوجة بفتنة الشرق جعلت منها أيقونة جذابة. خصلات شعرها كانت تتراقص بين العسلي والذهبي الطبيعي، وعيناها تحملان بريقاً وإغراءً لم تكن تملك حيال تأثيرةما دفعاً. أما جسدها، فقد كان مطمعاً ومقصداً لنظرات الرجال المتحرقة من حولها.
تنهدت بعمق وهي تنزع حليّ المشهد وتودعها صندوق الزينة، قبل أن تقع عيناها على علبة هدايا أنيقة ركنت فوق المنضدة. عقدت حاجبيها في ريبة، واقتربت أناملها لتفك الشريط الحريري الذي يطوقها في توجس، ثم رفعت الغطاء.
في تلك اللحظة، انطلقت من حنجرتها صرخةٌ مزقت سكون المكان، وانتفض جسدها عن المقعد لدرجة أنها كادت تتردى أرضاً. على وقع صرختها، هرعت مساعدتها الشخصية نحوها والذعر يسبق خطاها:
"ما الذي حدث يا سيدتي؟ ما الأمر؟!"
أشارت شهيرة نحو العلبة وهي تئنُّ من فرط الرعب، والدموع تنهمر من عينيها المصدومتين. لم تمضِ لحظات حتى انطلقت صرخة أخرى مذعورة من المساعدة وهي تلطم وجنتيها في هلعٍ شابه هلع سيدتها، ثم تساءلت بنبرةٍ مرتجفة:
"أيعقل.. أيعقل أن يكون هو من جديد؟!"
شهقت شهيرة رعباً وهي تواري وجهها بيديها، وجسدها يرتجف بلا هوادة. لقد عاد المهووس ثانيةً، عاد ولن يتركها وشأنها، سيقتحم أسوار حياتها بلا مقدمات، ليبث الرعب في أوصالها ويسلب النوم من جفونها. لقد عادت لدوامة العذاب من جديد!
هتفت المساعدة وهي تقبض على هاتفها بيدٍ مرتعشة:
"لقد هاتفت المخرج ليخطر أمن الموقع، سيأتون في الحال.. لا تخافي يا سيدتي!"
لا تخاف؟! وهل للخوف مكانٌ آخر غير هذا؟ كيف لا تتردى في غيابات الرعب وملاحقها المهووس يقتفي أثرها في كل شبر، ويطلق رجاله كظلالٍ سوداء تراقب أنفاسها؟ كيف تنسى تلك الليلة التي استيقظت فيها لتجده شاخصاً فوق رأسها، يحدق في ملامحها بنظراتٍ مدلهة تفيض هوساً؟
أبلغت الشرطة مراراً، واستنجدت بمسؤولين كبار، وتعاقدت مع شركات حراسة، لكن هذا "الشبح" كان يفلح دائماً في اختراق كل التحصينات والوصول إليها.. إلى أن قابلت "نصير" وبثت إليه شكواها راجيةً الخلاص.
رغم تعاطفه، كان نصير مذهولاً من طلبها؛ فهو شريك في شركة إنتاج، وليس رجل أمن أو زعيم عصابة! لكنه وافق في النهاية، واعداً إياها بطاقم حراسة خاصة يراقبونها من كثب دون إثارة جلبةٍ حولها.
خرجت من شرودها المذعور وهي تهمس لمساعدتها بصوتٍ متهدج باكي:
"اتصلي بنصير.. أخبريه أن يأتي فوراً.. أنا في أمس الحاجة إليه."
لم تمر ساعة حتى كان نصير يقف في "الكرفان"، يحدق بجمودٍ نحو الصندوق المفتوح، حيث تمددت قطة صغيرة غارقة في دمائها، وإلى جوارها ورقة كُتبت بخطٍ أنيق ومنمق:
"قطتكِ ناعمة مثلكِ.. أتمنى ألا ينتهي بكِ المطاف مثلها."
تنهد نصير بضيقٍ وهو يعاود النظر إلى شهيرة التي انزوت فوق الأريكة، تتدثر بدثارٍ يحاول تهدئة رجفتها، وجسدها بارد كقطعة ثلج. تمتم وهو يغلق الصندوق بصرامة:
"كيف استطاع اختراق شقتكِ وأخذ الهرة؟ وكيف ولج إلى موقع التصوير يا شهيرة؟!"
هزت رأسها نفياً في ضياع، والخوف يغتال كل ذرة أمان في قلبها، وغمغمت بوهن:
"لا أدري.."
اتخذ نصير مقعداً قبالتها، واستند بمرفقيه على فخذيه يرمقها بنظرةٍ حانقة، بدا فيها سخطه على أفعالها الطائشة، وقال بنبرةٍ جمعت بين الهدوء والجمود:
"لقد استطاع لأنكِ صرفتِ الحراس يا شهيرة! خلطتِ بين حمايتكِ وبين خلافنا حول مشاعركِ، وبكل سذاجة تخليتِ عن الحراسة كي تثبتي لي أنكِ في غنى عن خدماتي."
صفعتها ذكرى رفضه القاسي لحبها، تلك الذكرى التي كوت فؤادها لأسابيع. كانت حزينة وغاضبة، فظنت أنها بصرف حراسه تحفظ كرامتها المهدورة، ولم تدرِ أن دوافعها كانت مفضوحة أمام عينيه الصقريتين. نظرت إليه بعيونٍ دامعة وقالت:
"نصير.. أنت تجرحني بكلامك."
"إنها الحقيقة المرة.. هذا الرجل لا يمزح، كفى تصرفاً بصبيانية وتقبلي المساعدة، وإلا فتعايشي مع هذا الرعب وانتظري خطوته القادمة."
نكست رأسها وهمست بصوتٍ خافت كتمت فيه حزنها العميق:
"أنا آسفة.."
كانت تبدو منكسرة، رقيقة، وناعمة.. لكن انكسارها لم يحرك فيه ساكناً ليواسيها. انكسار شهيرة كان لعنة إغراء لأي رجل، إلا نصير؛ فهو لا يتأثر بفتنتها الفياضة ولا بهالتها الوردية. وللدهشة، كان قلبه يخفق لـ "مرام" التي لا تملك معشار جمال شهيرة، لكنها تملك روحاً تربكه، ودمعاً يغويه بتقبيل عينيها.
خرج من شروده المتمحور حول مرام، وقال بلهجة جادة:
"اسمعي يا شهيرة، هذا الرجل ليس بمفرده، الأمر أكبر من مجرد معجب مهووس."
مسحت دموعها وقالت بلهفة:
"لو أراد المال ثانيةً سأعطيه.."
قاطعها بحزمٍ لا يلين:
"لا.. لن ينال قرشاً واحداً. من اليوم ستعود الحراسة، وقائدهم سيكون ضابطاً كفؤاً، كان حارساً لأحد الوزراء سابقاً قبل أن يؤسس شركته الخاصة. سيكون معكِ في كل خطوة، حتى داخل مواقع التصوير.. قد تجدين صعوبة في مراسه، لكنه لن يسمح لذبابةٍ بالاقتراب منكِ."
لم تجد قوة للاعتراض، فرمشت بعينيها وهي تسأل بخفوت:
"ولكن.. ألن يلفت هذا أنظار الصحافة؟"
أجاب بضيقٍ وصبِرٍ نافذ:
"أيهما أهم؟ الصحافة أم سلامتكِ؟"
أطرقت رأسها مجدداً كالمذنبة وهمست:
"سلامتي.."
نهض نصير قائلاً بنبرة سيطر عليها اللين قليلاً:
"جيد.. سأتصل بالحرس ليتجهوا لمنزلكِ، وسيغيرون الأقفال ويضعون أخرى إلكترونية، أما بالنسبة لمساعدتكِ.."
قاطعته وهي تزيح الدثار عن كتفيها:
"أنا أثق بمساعدتي، هي معي منذ سنوات."
"سأترك هذه التفاصيل لـ (يحيى) وهو صاحب القرار. والآن، هيا لأوصلكِ إلى شقتي لتمكثي فيها حتى ينتهي تأمين منزلكِ."
خلع سترته ووضعها فوق كتفيها المرتجفين، وصحبها للخارج. سألت بوهن:
"من يحيى؟"
لم يجبها، بل صرف مساعدتها بجدية وتجاهل طاقم التصوير ونظرات الفضول التي أحاطت بـ "شهيرة" وخطيبها قليل الظهور. لم ينتبه للكاميرا البعيدة التي كانت تلتقط لهما صوراً وهو يحاوط كتفها ويدخلها سيارته.
في السيارة، أجاب أخيراً:
"يحيى عسل.. الضابط المكلف بحمايتكِ. رجلٌ صعب المراس ولكنه كفؤ، سيحميكِ حقاً."
"المهم أن يحميني.. لا يهم إن كان صعباً أو سهلاً."
أسندت رأسها على النافذة بتعبٍ نفسي وعاطفي. هي التي تؤثر في كل الرجال، لم تنجح في تحريك ساكنٍ في الرجل الذي اختاره قلبها. أي حظٍ عثرٍ يلاحقها؟
توقفت السيارة أمام البناية الراقية. سألته بضعف:
"ألن تصعد؟"
هز رأسه نفياً ببرود:
"لا يا شهيرة، يجب أن أعود."
"إلى القرية؟"
"لا.. إلى منزلي الآخر.. حيثُ امرأتي."
وقعت الكلمة عليها كالصاعقة. سألت بذهول:
"امرأتك؟!"
أومأ بتأكيدٍ جمد الدماء في عروقها:
"هل تزوجت؟"
"نعم."
خفت بريق الأمل في عينيها وحلّت مكانه البلادة. سألت بصوتٍ كأنه الشوك:
"تلك المرأة التي رأيتها في شقتك.. أليس كذلك؟"
"نعم هي."
"لقد شعرتُ بذلك.."
تحدث بهدوء يواسيها:
"اصعدي يا شهيرة، لن يصل إليكِ أحدٌ هناك، ويحيى سيأتيكِ فور انتهائه ليرتب معكِ كل شيء."
"حسناً.. وداعاً يا نصير."
خرجت من السيارة بخطواتٍ مهتزة، تسير فوق أشواكٍ تمزقها، متجرعةً ألم الرفض والوحدة بصمتٍ مرير.
***
في صباح اليوم التالي، داخل منزل الجدة، كان السكون ينسدل على الأركان في هدوءٍ ثقيل، كأن الجدران ما زالت تحتفظ بأنفاس من مرّوا بها. الضوء يتسلل بخفة من النوافذ، فيكشف عن غبارٍ راكدٍ فوق الأشياء، وعن ذكرياتٍ لم تغادر مكانها بعد.
كان دُريد في غرفة يحيى القديمة، ينحني بين الحين والآخر ليلتقط بعض الأغراض، يرتبها بيدٍ منشغلة، وعقلٍ أبعد ما يكون عن هذا الترتيب. ملامحه متجهمة منذ الصباح، كأن ليلته لم تُطفئ ما بداخله، بل زادته ثِقلًا.
راقبه يحيى لحظات، قبل أن يقطع ذلك الصمت بنبرةٍ يغلب عليها العتاب:
"ألن تنسى ما حدث يا دُريد؟ لقد مضت خمس سنوات... أو أكثر. لا تدع للشيطان عليك سبيلًا يا شيخ... أأنا من يذكّرك بهذا؟"
لم يرد دُريد فورًا. أتمّ ما بيده أولًا، ثم وضع الأغراض جانبًا، واستدار ببطء. تحرك نحو أحد المقاعد وجلس عليه، في هدوءٍ بدا متماسكًا من الخارج فقط.
"لا أريد الزواج منها... أليس الزواج إيجابًا وقبولًا؟ وأنا لا أجد لها قبولًا في نفسي."
تنهد يحيى، واقترب منه، ثم جلس قبالته محاولًا أن يُلين حدّة الرفض:
"حاول أن تجلس معها و—"
قاطعه دُريد قبل أن يُتم جملته، وهو يتمتم باستغفارٍ خافت، ثم أشاح بوجهه في ضيقٍ واضح. مرّت لحظة صامتة قبل أن يعود للحديث، وقد بدا أنه يُجاهد صبره:
"وهل جلوسي معها سيُغير رأيي؟ يا أخي، أقول لك لا أريدها. ليرزقها الله برجلٍ أفضل مني... أنا لا أريد الزواج منها."
ساد صمت قصير، لكن يحيى لم يتراجع. كان واضحًا أنه مستعد للمضي في هذا الحديث مهما طال، خاصةً حين يكون الأمر متعلقًا بنعمات.
وقبل أن يتكلم من جديد، سبقه دُريد هذه المرة، بنبرةٍ حاسمة:
"أعلم أن أمي أوصتك لتتحدث معي. أخبرها أنك أديت الأمانة، وحاولت إقناعي، ولم تجد مني إلا الصدّ. وإن كانت تريد راحتي... فلتكف عن ذكرها أمامي."
اعتدل يحيى في جلسته قليلًا. لم يكن طويل البال بطبعه، لكن ما يخص نعمات كان كفيلًا بأن يجعله يصبر أكثر مما ينبغي. حاول أن يضبط نبرته، وأن يجعل حديثه أكثر عقلانية:
"لنتحدث بهدوء يا دُريد... لا تتسرع. أنت أخي الصغير، ومن حقي عليك أن تسمعني، ولو لمرة."
لم يعلّق دُريد. رفع نظره إليه في صمتٍ جامد، لكنه لم يقاطعه هذه المرة، وكأن في ذلك إذنًا غير معلن بالاسترسال.
تنحنح يحيى قليلًا، ثم بدأ يتحدث بنبرةٍ أكثر ترتيبًا، كمن يسوق حججه واحدةً تلو الأخرى:
"أنت تريد امرأة ملتزمة، تكون عونًا لك، بارة بك وبأهلك. والفتاة منذ تلك الأزمة تغيّرت... أصبحت أكثر التزامًا، بالحجاب الشرعي، وأتمّت حفظ القرآن—هذا ما سمعته من خالتي. والجميع يشهد بأخلاقها وأدبها. ثم إنها جميلة، وابنة خالنا... فما المانع من أن تعطي نفسك فرصة واحدة فقط؟"
رفع دُريد عينيه إليه ببطء، وفي نظرته شيء من الإرهاق الممزوج بسخريةٍ خفيفة:
"ولِمَ لا تتزوجها أنت، ما دمت ترى فيها كل هذه المحاسن؟"
ابتسم يحيى ابتسامةً قصيرة، لا تخلو من جدية:
"لأنها تريدك أنت يا دُريد. خالتي تقول إنها ترفض كل من يتقدم لها، لكنها بدت راضية حين ذُكرتَ أمامها. أفأتزوج امرأةً قلبها معلق بابن خالتي؟"
أطرق دُريد لحظة، ثم تمتم باستغفارٍ خافت، قبل أن يرفع رأسه بنفاد صبر:
"هذا ليس وقت مزاح يا يحيى... أرجوكم تقبلوا رفضي، وانتهى الأمر."
عاد الصمت بينهما، لكنه لم يكن هذه المرة مريحًا. كان مشحونًا بما لم يُقال.
وبعد لحظات، عاد يحيى يحاول، لكن بنبرةٍ أخف، أقرب إلى النصح منها إلى الإقناع:
"ما رأيك أن تصلي استخارة؟ إن لم ترتح بعدها، تحدث مع خالتي بصراحة. لكن قبل كل شيء... اجلس مع مها. صدقني، هذا أقرب للصواب."
ظل دُريد ساكنًا، وكأن الكلمات تمر داخله دون أن تُحدث أثرًا ظاهرًا. ثم قال أخيرًا، بنبرةٍ أخف، لكنها لا تحمل اقتناعًا كاملًا:
"حسنًا... لنُنهي جمع أغراضك أولًا. لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا."
ثم عاد إلى الصمت، وأعرض عن استكمال الحديث، كأنه أغلق الباب دون أن يُحكم إغلاقه.
فهم يحيى ذلك، فلم يضغط أكثر. ترك الموضوع جانبًا، وانشغلا معًا بترتيب الأغراض. ومع مرور الوقت، انحرف الحديث تدريجيًا نحو ذكرياتٍ قديمة، عن ذلك المنزل الذي كان يومًا نابضًا بالحياة، وعن طفولةٍ لا تزال عالقة في تفاصيله، رغم كل ما تغيّر.
***
بعد يوم طويل من الاعمال، تبدلت الأجواء تمامًا.. حيث الليل قد نشر ظلاله تمامًا على الأرجاء، وكان "يحيى " قد استسلم للنوم بعد يومٍ شاق، لولا رنين هاتفه الذي صدح ليمزق السكون.
فتح عينيه ببطء، وتناول الهاتف.. أبصر اسم "نصير" على الشاشة، رفيقه القديم، وضلع المثلث الذي اكتمل بـ "عبد العزيز" لسنواتٍ طوال.
أجاب بصوتٍ يغلبه نعاس خشن:
"أهلاً يا نصير.. أهذا وقتٌ للاتصال يا رجل؟"
جاءه صوت نصير مشحوناً بجديةٍ لا تحتمل التأجيل:
"يحيى.. هل أنت في المدينة؟"
اعتدل يحيى في فراشه، وقد بدأ الانتباه يتسلل إلى حواسه:
"لا، أنا في إجازةٍ بين أهلي بالقرية، وسأعود بعد يومين.. ما الأمر؟ صوتك لا يبشر بخير."
تنهد نصير بعمق، وقال بنبرةٍ آمرة وصديقة في آنٍ واحد:
"أحتاجك أن تعود في أقرب وقتٍ ممكن.. هناك خدمة ضرورية لا يحتمل أمرها التأجيل، ولا أثق في أحدٍ غيرك ليؤديها.. وقطعًا لن ترفض هذه المره."
تغضّن جبين يحيى في قلقٍ مكتوم، وسأل باهتمام:
"ما الذي حدث؟ هل أصابك مكروه؟"
ألقى نصير قنبلته بكلمة واحدة، كانت كفيلة بجعل يحيى يزفر بضيقٍ شديد:
"شهيرة."
في تلك اللحظة، تجعد جبين يحيى في سخطٍ واضح، وخرج صوته حاداً ومتحفظاً:
"نصير.. ألم أخبرك مراراً أنني لا أتعامل مع أوساط الفنانين؟ لقد رشحتُ لك أطقم حراسةٍ على أعلى مستوى، فلماذا تعود إليّ الآن؟"
أجابه نصير في حنق من عناد صديقه:
"حتى تلك الأطقم فشلت يا يحيى.. الأمر تجاوز مجرد ملاحقات وابتزاز.. لقد وصل الأمر لتهديدٍ صريح بالقتل، بل وبدأ التنفيذ بدمٍ بارد. الحراسة التي رشحتها عجزت عن اختراق ذكاء هذا المهووس، وأنا أطلب منك أن تتولى زمام حمايتها بنفسك.. إن استطعت."
اعترض يحيى بحزم، وقد استيقظت فيه روح الضابط الذي يعتز بمهنته:
"أنت تعلم طبيعة عملي يا نصير.. أنا أؤمن الشخصيات السياسية والهامة فقط، ولستُ حارساً شخصياً للمشاهير تحت الأضواء."
هنا، لم يجد نصير بداً من استخدام لغة المنطق التي يفهمها صديقه، فقال بذهولٍ مصطنع:
"أهكذا تقيم الأمور يا يحيى؟ أليست كل الأرواح سواء أمام واجبك؟ ثم إن شهيرة ليست مجرد ممثلة، هي شخصية عامة وهامة جدًا، وقد تدخل كبار المسؤولين في الدولة لإيجاد حلٍ لهذا التهديد.. صدقني، الأمر جلل."
صمت نصير للحظة ثم أردف بنبرةٍ تحمل طابع التحدي والتحذير:
"اسمعني جيداً.. إن لم تقبل تولي حراستها عن طريق شركتك الخاصة وتستفيد من العائد المادي المجزي، فسيتم تكليفك بالأمر بشكلٍ رسمي من جهة الحراسة العليا.. وحينها لن تملك حق الرفض."
شعر يحيى بضيقٍ يطبق على صدره، وسأل بتهكمٍ لا يخلو من عتاب:
"أليست خطيبتك يا رجل؟ ألا تشتعل فيك الغيرة لتذود عنها بنفسك؟ لماذا تلقي بعبئها فوق كاهلي وتتوارى أنت؟"
جاءه رد نصير هادئاً، بارداً، وصادماً:
"شهيرة لم تعد خطيبتي يا يحيى.. تلك الخطبة لم تكن سوى واجهة لأغراض عملية بحتة، وقد انتهى دورها.. أنا الآن رجلٌ متزوج، ولي امرأةٌ أنتظر العودة إليها."
ساد الصمت لثوانٍ، كان يحيى خلالها يستوعب المفاجأة التي ألقاها صديقه. زفر بضيقٍ أخير، وهو يدرك أنه قد حوصر بين نداء الصداقة والواجب الرسمي. تمتم بموافقةٍ مضطرة شابتها نبرة وعيد:
"سأعود غداً..ولكن إن اعترضت على طريقة عملي أو أوجعت رأسي بتفاهات او التهور اقسم أن أترك هذه المهمة، ولن يجبرني أحد عليها، حتى صداقتنا.
أغلق الهاتف، ونظر عبر النافذة نحو سماء القرية الصافية، هو أراد مهام هينة يأخذها كإستراحة من أعباء عمله في الأشهر الماضية، وتأمين نجمة سينمائية لن يكون شاقًا، بل وكأنه يحرس طفل في الحديقة... فلا بأس من تقبل الأمر.
قرر يحيى أن يريح عقله من طول التفكير وعاد لوسادته مره أخرى في نعاس
فالغد سيعود للقرية ويذهب للنجمة!
***
كانت عيناها تأبى النوم، حتى بدأت الدوائر السوداء تزحف أسفل جفنيها، تنتزع من ملامحها نضارتها المعهودة وجمالها الذي طالما اعتادت عليه. لكنها، في تلك اللحظة، لم تكترث لوجهٍ فقد بريقه، ولا لهيئةٍ أنهكها السهر؛ فقد صار الخوف أكبر من أن يُزاحمه أي شيءٍ آخر.
كان النوم قد حُرم على عينيها مؤخرًا، منذ مقتل هرتها على يد مترصدٍ مجنون، يقتحم عالمها بلا استئذان، ويُحاصرها بعشقٍ مريضٍ يبعث الرعب في أوصالها.
انهارت أعصابها كليًا، وصار الخوف قيدًا يلتف حولها، يُكبّل حركتها ويخنق أنفاسها، خشية أن يقتحم ذلك المهووس الشقة في أية لحظة.
حاولت الاتصال بنصير مرةً أخرى، لتخبره برغبتها في مغادرة شقته، لكن شجاعتها خانتها قبل أن تكتمل المحاولة. كانت محطمةً عاطفيًا، منهارةً نفسيًا، حتى إن مساعدتها اختفت تمامًا ولم تعد تجيب على اتصالاتها، تاركةً إياها وحيدة في مواجهة هذا الفزع.
طلع الصباح وهي لا تزال جالسةً على الأريكة، بملامح مرهقة وعينين زائغتين، تتمسك بدثارها بقوة، كأنها تبث فيه ما يعتمل داخلها من خوفٍ لا ينفك. وإذ بقرقعة معدتها الخاوية ترتفع، تذكّرها—للمرة العاشرة—أنها لم تتناول شيئًا منذ يومين، وأن جسدها على وشك الانهيار إن لم تسعفه بلقمةٍ تسنده.
وقفت ببطء، على أطرافٍ متيبسة، وقد شحذت ما تبقى لديها من شجاعة، واتجهت نحو المطبخ بخطواتٍ مترددة قلقة. كانت تمسك هاتفها بإحكام، وقد جهّزت رقم الطوارئ، وكأنها تستعد لأسوأ الاحتمالات.
لم تعد تثق حتى في الجدران أن تحميها، ولا في الأبواب أن تصدّ عنه طريقه. كانت تتوقع رؤيته خلف أي باب… فهي لم تنسَ تلك الليلة التي استيقظت فيها لتجده قائمًا فوق رأسها، يحدق بها في صمتٍ مرعب.
ألقت نظرةً متوجسة في أرجاء المطبخ، تحاول أن تستجمع تركيزها المبعثر لتُعدّ أي شيءٍ تأكله. لم تعد تطمح لأكثر من قطعة خبزٍ بالجبن، كتلك التي كانت تتناولها مع صديقاتها في بساطة الأيام الماضية؛ لم تعد تشتهي رفاهية الطعام، فالرعب كفيلٌ بأن يقتل كل رغبة.
فتحت الثلاجة، فتوقف الزمن لثانية.
كانت فارغة.
فارغة على نحوٍ مريب… نظيفة أكثر مما ينبغي، كأن أحدًا لم يمسها منذ زمن، أو كأن الشقة بأكملها لم تُسكن من قبل.
تهدلت كتفاها في إحباطٍ بارد، بينما ظلت تحدق في الداخل، وقد تسلل إليها شعورٌ الفزع وقد ارتفعت طرقات قوية على باب الشقة جعلت قلبها يهبط في قدميها ويرجفها.
تحركت بخطوات فزعة نحو الباب تطمئن انه مغلق باحكام، ولكن الطرقات القوية جعلتها تشهق في رعب تحاول التحكم به قبل أن تقول في صوت متردد خائف لم يصل للطارق من الاساس:
-من؟
سمعت زمجرة تلاه صوت حديث منخفض لم تسمعه، ولكن توقفت الطرقات اخيرًا
بدى وجهها الشاحب خير دليل على الرعب الذي تعيشه.. ولكنه تحول أكثر الملامح كارثية وهي تسمع رنين الغاء القفل الالكتروني مقرون بفتح الباب وقد ظهر من خلفه رجل بدى كالمارد بملامح خشنة واجمة.
حينها أطلقت صرخة فزع وانهارت أرضًا وقد فقدت وعيها تمامًا في أقل من عشر ثوان!!
بينما أمامها رجل يحدق فيها بعيون مذهولة.. يتأمل الجسد المسجي أرضًا دون أي مقدمات !!
.............................................................



تعليقات