رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثاني 2 بقلم وسام اسامة
خطأ لا يُغفر وقلب لم ينسى...
وقف أمام مرآته، يُسوّي ثوبه بأنامل متأنية، كأنما يحاول أن يُخفي اضطرابه تحت عنايةٍ ظاهرة. غير أن انعكاس عينيه فضح ما لم تُخفِه يداه؛ شرودٌ ثقيل، وأفكارٌ تتنازع داخله بلا هوادة.
للمرة التي لم يعد يحصيها، يفشل في إقناع والدته بأنه لا يريد هذا الزواج. وكانت هي—في كل مرة—تعيد عليه السؤال ذاته: كيف ترفض من لم تُعطِ نفسك فرصةً لمعرفتها؟
وكان لسانه، كلما همّ بالجواب، يرتد إلى صدره، مستغفرًا، كأن الكلمات تأبى أن تُقال، أو كأن الحقيقة أثقل من أن تُفصح.
حتى إذا ضاقت به، أقسمت عليه—بما لا يملك ردّه—أنها لن ترضى عنه إن رفض دون أن يجلس معها. أقسمت، وغضبها كان أوجع من كل حُججه الصامتة.
عندها لان لها على مضض، لا اقتناعًا، بل اتقاءً لمرارة قطيعتها. استخار ربّه، ثم أسلم الأمر لما كُتب له، كمن يُسلّم دفته لريحٍ لا يعرف وجهتها.
واليوم… سيذهب.
سيطلبها رسميًا، ويجلس معها جلسةً لا يملك فيها قلبًا خاليًا، ولا ذاكرةً صافية.
تنفس ببطء، كأن الهواء لا يبلغ صدره كاملًا، وراح يُردد الصلاة على النبي، يُلتمس بها سكينةً لا تُقيم في قلبه طويلًا.
قطع سكون الغرفة طرقٌ خافت على الباب.
أذن بالدخول.
انفرج الباب، وأطلت رُقية بنظرةٍ حذرة، سرعان ما تلاشت، لتحل محلها لمعةُ مشاكسةٍ دافئة. راحت تتأمله من رأسه إلى قدميه، في ثوبه البُنّي، وقد استقرت القُحفية على رأسه في هيئةٍ زادته وقارًا.
ابتسمت، وقالت بنبرةٍ خفيفة:
"يا حظّ مها بعريسها الأنيق… ما هذه الطلّة يا دُريد؟ عيني عليك باردة، حفظك الله."
بادلها ابتسامةً هادئة، لا تعكس ما يضجّ داخله، واكتفى بقبول ثنائها:
"سلمتِ يا رُقية… العُقبى لكِ. رزقكِ الله الزوج الصالح."
هزّت رأسها، وقد بدّلت لهجتها إلى شيءٍ أقرب للجد:
"بل يرزقني الله النجاح أولًا، وأكون طبيبةً تفخرون بها… وبعدها ننظر في أمر الزوج الصالح."
نظر إليها نظرةً يغلب عليها الثبات، وقال:
"فخري بكِ وأنتِ زوجة صالحة في بيتكِ لن يقلّ عن فخري بكِ طبيبة… لا تنسي الفطرة."
تأففت بخفة، وقد ضاقت بهذا النقاش الذي يتكرر بينهما:
"نعم، نعم… الفطرة أن أكون زوجةً وأمًا، لا أن أكون في العمل خارج الدار. وأنا—للمرة المائة—أقول إن الطب مهنة سامية، لها أجرها عند الله أيضًا."
وقبل أن يُتابع، قطعت عليه الطريق، كأنها تُغلق باب جدلٍ تعرف نهايته. تناولت عطره، ونثرت منه على صدره برفق، وقالت بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
"دعنا من هذا… لا أريد أن نفسد يومك بهذا النقاش."
توقفت لحظة، ثم نظرت إليه بجديةٍ صادقة:
"أريدك فقط… أن تنظر لمها بعينٍ رفيقة. لا أعلم سرّ رفضك، لكني واثقة أنها فتاة صالحة… رقيقة… وتشبهك كثيرًا.. ستحبها، فلا تجلس معها وأنت قد حكمت مسبقًا. أعطِ الأمر فرصة."
سكتت، وكأنها تنتظر منه وعدًا.
لكنه لم يُعطِها إلا ابتسامةً خفيفة، ومدّ يده يدفعها برفق نحو الباب:
"اتركي عنكِ أحاديث الحب هذه، واهتمي بمذاكرتك التي لا تكفّين عن التذمر منها. واذهبي… أخبري أمي أنني سأنزل لصلاة العشاء، وبعدها أنتظرها أمام المنزل."
لم تُجادل هذه المرة. اكتفت بنظرةٍ أخيرة، ثم خرجت.
خرج دُريد بعد ذلك متجهًا إلى المسجد، يؤدي صلاة العشاء إمامًا، بصوتٍ خاشعٍ ثابت، وقد رمى الدنيا خلف ظهره.. وترك نفسه بين يدي الله يُدبر أمره
وفي الجهة الأخرى من البيت، كانت نعمات جالسةً في غرفتها، ساكنة الجسد، مضطربة العقل..تتسلل إليها هواجس لم تكن حاضرة حين أصرت، ولا حين أقسمت.
هل أحسنت حين ضغطت عليه؟
أم أنها—دون أن تدري—انتزعت منه حقه في اختيار عروسه بنفسه
أطبقت عينيها، وزفرت زفرةً مثقلة، ثم استعاذت بالله من وساوس الشيطان التي شابت فرحتها، وأربكت يقينها.
راحت تُقنع نفسها—بإلحاحٍ متردد—أنها ستقبل قراره، أيًا كان.
أنها لن تُمسك به بعد هذه الخطوة.
فثمة صوتٌ خافت في داخلها…
يهمس بأن القلوب لا تُساق قسرًا،وأن الكلمة الأخيرة في أمور الزواج، يجب أن تكون له.
***
..أدّت صلاة العشاء في خشوعٍ ظاهر، وقلبٍ مضطربٍ لا يستقر.
كانت تقف بين يدي الله بجسدٍ خاشع، لكن عقلها—رغمًا عنها—كان يتسلل بعيدًا، يفرّ منها كلما حاولت الإمساك به، ويعود محمّلًا بما تُحاول نسيانه.
شردت أكثر من مرة أثناء الصلاة.
وفي كل مرة كانت تنتبه لنفسها، تستغفر في خفوت، وتستأنف قراءتها، كأنها تُعيد جمع روحها التي تتبعثر بين الركعة والأخرى.
فلما سلّمت، لم تجد في صدرها ذلك السكون الذي اعتادت أن يفيض بعد الصلاة، بل شعرت بأن شيئًا ما لم يكتمل، وكأن صلاتها أُديت بجسدها، لا بقلبها.
عندها حسمت أمرها.
قررت أن تعيد الصلاة مرةً أخرى، ولكن بعد أن تُجلي عقلها من كل ما يثقلها.
وأن تُصلي هذه المرة منفردة، دون أن يُربكها صوت الإمام، ولا يسبقها ذهنها إلى ما سيحدث بعد دقائق.
فهو سيأتي.
سيجلس في بيتهم… وسيكون اللقاء الأول.
الرجل الذي يهفو له قلبها رغمًا عنها، والذي حاولت كثيرًا أن تُقنع نفسها بأنه مجرد اسمٍ عابر، لكنه ظل حاضرًا… أقرب مما ينبغي.
تنفست بعمق، وزفرت ببطء، كأنها تُفرغ صدرها من هذا التوتر الذي يتصاعد بلا استئذان.
وكان صوتها الداخلي يهمس لها في رجاءٍ هادئ:
اهدئي يا مها… لا بأس… ركّزي… لنُتم الصلاة أولًا، وبعدها… لكل حادثٍ حديث.
استقبلت القبلة، وثبتت نظرها، ثم أغمضت عينيها لحظةً قصيرة، تستجمع فيها ما تفرق منها، قبل أن ترفع يديها وتُكبّر:
"الله أكبر."
شرعت في الصلاة من جديد، هذه المرة بيقظةٍ أشد، كأنها تُحرس قلبها من كل خاطرٍ طارئ.
وكلما حاول الشيطان أن ينزغها، أو يُلقي في نفسها ما يُشوشها، استعاذت بالله منه، وعادت، حتى أتمّت صلاتها كما ينبغي، ركعةً بعد ركعة، دون أن تسمح لشرودها أن ينتصر.
فلما فرغت، تنفست الصعداء مرةً أخرى، وقد خفّ عنها بعض ما كان يثقلها، وإن لم يزل تمامًا.
وقفت على ساقين لا تزالان تحملان أثر التوتر، واتجهت لتتهيأ.
فتحت خزانتها، وتوقفت لحظات، تُمعن النظر فيما تملك، لا بحثًا عن زينةٍ لافتة، بل عمّا يُشبهها.
ثم اختارت عباءةً من أبهى ما لديها، تجمع بين الحشمة والأناقة، لا تُبالغ في لفت النظر، لكنها تُعطي حضورًا هادئًا.
وأتبعتها بحجابٍ طويل، ينسدل بنصف طوله على صدرها، ويستقر نصفه الآخر خلف ظهرها، في هيئةٍ وقورة تُناسب ما هي عليه.
كانت بسيطة ناعمة… لكنها مرتبة محتشمة
وبينما كانت تُتمّ استعدادها، انفتح الباب، ودخلت والدتها، وقد ارتسمت الدهشة على وجهها، وتبعها شيءٌ من الاستنكار:
"ما هذا يا مها؟ كل هذا الوقت ولم تتجهزي بعد؟
عمتك تجلس مع والدك… ودُريد."
ما إن وقع اسمه على مسامعها، حتى ارتبكت فرائصها، وسرت في وجنتيها حمرةٌ خجلى، كأن الاسم وحده كافٍ لأن يُفقدها تماسكها.
نظرت إلى نفسها سريعًا، ثم تمتمت في توترٍ ظاهر:
"ولكنني جاهزة يا أمي… هل آن خروجي؟"
رفعت أمينة أحد حاجبيها في حنقٍ خفيف، وأشارت إلى وجهها في دلالةٍ واضحة:
"ألن تضعي شيئًا على وجهك؟ ولو قليلًا… بعض حمرة الشفاه، حتى وإن كانت خفيفة."
جاء رد مها حاسمًا، لا يحمل ترددًا:
"لن أضع شيئًا يا أمي قبل أن نجلس.
وإن شاء الله، إن كتب الله لنا نصيبًا، أضع حينها ما تشائين."
تنهدت أمينة، وقد أدركت—كما في كل مرة—أن ابنتها إذا تشبثت برأيها في هذه الأمور، فلن تُجدي المحاولة معها.
تمتمت بنبرةٍ يغلب عليها العتاب:
"ولِمَ رفضتِ حضور أخواتك؟ كنّ سيفرحن بكِ، بدل أن تجلسي وحدك هكذا."
خفضت مها بصرها قليلًا، ثم أجابت بهدوءٍ مشوبٍ بشيءٍ من التردد:
"ليكتب الله نصيبًا أولًا… وليأتين بعدها ونفرح جميعًا.
لكن هذه مجرد رؤية شرعية يا أمي… ولربما لا أُعجبه."
خرجت جملتها الأخيرة خافتة، متكسرة، كأنها تخشى حتى من احتمالها.
لكن أمينة لم تسمح لهذا الظن أن يستقر، فجاء ردها سريعًا، قاطعًا:
"ولِمَ لا تُعجبينه؟ ما شاء الله عليكِ… جمالٌ وأدب، وألف رجلٍ يتمنى مثلك زوجة."
وقبل أن ترد مها، شقّ صوت والدها الأجواء، وهو ينادي أمينة لتُحضر القهوة.
التفتت أمينة على عجل، وقد استجابت للنداء فورًا، وانصرفت مسرعة.
وبقيت مها وحدها في الغرفة.
بينما في صالة المنزل، كان المجلس مرتبًا بعنايةٍ تُشبه المناسبات التي يُراد لها أن تمرّ على خير.
جلس عبداللطيف في صدر المكان، وإلى جواره نعمات، بهيئةٍ يغلب عليها الوقار، بينما جلس دُريد إلى جانبها، مستقيم الظهر، هادئ الملامح.. صامت
لم يكن في وجهه ما يُفصح عن شيءٍ بعينه؛ لا رفضٌ ظاهر، ولا قبولٌ صريح… وهذا ما أربك نعمات وخشيت ان يُلاحظ اخيها وجومه
لحظات وتبادل الرجال أطراف الحديث في البداية، حديثًا عامًا، يمهد لما بعده، بينما كانت أمينة تتردد بين المطبخ والمجلس، تُتمّ ما يلزم من ضيافة، وقلبها مشدودٌ إلى اللحظة التي ستدخل فيها ابنتها.
وبعد دقائق، حملت مها صينية القهوة.
تقدمت بخطواتٍ محسوبة، متهملة وعقلها يخشى اسوء السيناريوهات في سكب القهوة مثلا أمام الجميع، غير أن كفّيها—رغم ثباتهما الظاهري—كانتا تحملان شيئًا من رجفةٍ خفيفة.
دخلت المجلس.
أول ما وقع بصرها عليه… كان هو.
لم ترفع عينيها إليه كاملًا، اكتفت بنظرةٍ خاطفة، بالكاد لامست ملامحه، ثم أسرعت تُخفض بصرها، كأنها تخشى أن يُقرأ في عينيها ما أخفته طويلًا.
أما دُريد، فقد وقعت عيناه عليها لحظة دخولها، نظرةً واحدة، قصيرة، لكنها كافية.
كانت نظرة تقييم لهيئتها، … ثم صرف بصره، وعاد إلى جلسته كما كان، دون أن يُظهر شيئًا.
تقدمت نحو نعمات أولًا.
مدّت يدها بالصينية في أدبٍ ظاهر، وصوتها خفيض:
"تفضلي يا عمّتي."
تناولت نعمات الفنجان، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا، وهي تُمعن النظر في مها:
"تسلمتِ يا ابنتي… ما شاء الله."
ثم انتقلت مها إلى دُريد.
وقفت أمامه لحظةً قصيرة، لا تكاد تُحسب، ومدّت الفنجان دون أن ترفع عينيها:
"تفضل."
أخذه منها بهدوء، وقال بصوتٍ منخفض:
"جزاكِ الله خيرًا."
لم تتجاوز الكلمات هذا الحد، لكنها حملت من الحضور ما يكفي ليزيد ارتباكها، فانسحبت بخفة، وجلست في مكانٍ قريب، محافظة على هدوئها الظاهري، بينما خفق قلبها لم يهدأ.. وكانت هذه اول كلمات موجهة لها منه منذ سنوات
بدت نعمات صريحة وهي تدخل في صلب الموضوع قائلة في رفق:
" تعلم سبب حضورنا يا أخي، فلن افعل كما الاغراب وادور حول الحديث..نحن نريد مها لتكون زوجة لدُريد.. لن أُعدد صفاته ومزاياه فأنت أعلم الناس به..كما أنني أعلم الناس بمها زينة البنات."
تحدث عبداللطيف في ايجاب مبستم وهو ينظر لدُريد:
" والله يا نعمات لقد سبقتموني في هذا الطلب، فلو لم تحادثيني أنتِ برغبتكم لكنت حدثته أنا عن مها... فلن أجد خير منه لاعطيه ابنتي.
تلون وجه مها في خجل بينما اعترضت أمينة وخرج صوتها لائمًا:
" ما هذا يا عبداللطيف أنت تُظهر ابنتك وكأنها لا يأتيها الخاطبين"
تدخلت نعمات تقول في نبره مهادنة:
"أخي لا يقصد هذا يا أمينة، بل قصد أنه رأى أن من الخير أن نزوجهما لبعضهما
ثم أن هذا الفعل لا يقلل من مها، المثل يقول اخطب لابنتك ولا تخطب لولدك"
ثم حولت بصرها نحو مها الصامتة وقالت في نظرة حنونة صادقة:
" ورغم ذلك مها لا تستحق سوى الخير، أنا اتمناها لدُريد"
بعد ابتسامات متبادلة بينهم، قررت نعمات أن تذهب مع أمينة للمطبخ وكاد عبداللطيف يتبعهم ولكن تحدث دُريد موجهًا حديثه لخاله:
" هل استطيع الجلوس مع مها وتكون جالسًا معنا يا عمي"
توقع عبداللطيف هذا الطلب، فقرر الجلوس في أخر المجلس ليعطيهم مجال للحديث وليكونا تحت عينيه بنفس الوقت.
تنهد دُريد وهو يحاول التغلب على شيطانه.. ولكنه كلما نظر لها تذكر تلك الحادثة القديمة، فيعود صدره ينقبض ويغلبه غضب مكتوم نحوها
أما هي فكانت غافلة تمامًا عن الحرب التي تدور في ذهنه، كانت خجولة، مرتبكة
وصمته لا يشجعها.. فتمتمت بصوت خافت لم يصل لوالدها الجالس بعيد عنهم:
" لا تُجبر نفسك يا باشمهندس.."
انتبه لها دُريد وتسائل في هدوء:
"على ماذا؟"
تحدثت بذات الخجل المرتبك وهي تبرر قولها:
" إن كان الله لم يضع قبول في نفسك نحوي لا تُجبر نفسك."
حسنًا لقد وضعته في موقف محرج وتضائل في نظر نفسه.. لقد بدى رفضه واضح لها حتى وإن تجاهل الجميع ما يرونه في هدوئه وصمته
ومهما كان شعوره نحوها فلا يجب أن يجرحها به
فلم ينكر قولها ولم يؤكده.. بل تحدث في هدوء وهو ينظر لها للحظة:
"مسألة القبول هذه سنرى نتيجتها في نفسونها بعد جلستنا هذه
إن كانت لديكِ أسئلة تفضلي وأنا سأجيب عليها.
كانت تعتصر كفيها وكأنها في امتحان عسير
حاولت البحث في رأسها عن أسئلة.. ولكن لا شيء
حاولت تتذكر أسئلة قريناتها لازواجهن في الرؤية الشرعية.. ولكنها لا تجدها مناسبة، فـدُريد واضح كصفحة بيضاء.. رجل ملتزم دينيًا ولا غبار على مدى تدينه
وكذلك ذو شهادة وعمل ممتاز، وفوق كل هذا هو بن عمتها، وطباعه لينه
رحيم القلب يعطي كل ذي حق حقه.. وهي تعلم هذا من خلال رقية وعمتها
فماذا تسأله ؟
حينما طال صمتها بادر هو بالحديث الهادئ:
"إن لم يكن في ذهنك أسئلة حاليًا فسأبدأ أنا"
حركت رأسها في ايجاب تنتظر اسئلته وتحضر نفسها للجواب عليها...جاء صوت دُريد هادئ ناقد أكثر من كونه سؤال عادي:
"هل لازلتِ على تواصل في أصدقائك في المرحلة المدرسية؟"
أول سؤال ضربها في مقتل، جعل لونها يشحب في قلق وهي ترفع عيناها له وترى تلك الملامح الجامدة التي لا تمت لرجل يريد الزواج من المرأة التي تجلس أمامه
لم تظن أنه سيأتي على ذكره، بل لا تظن أنه سيتذكرهم أصلا بعد كل هذه السنوات
هتف صوت خائف في نفسها .. هل لازال يذكر ما حدث؟
ورغم سؤاله الذي كان كقنبلة دمرت ما بقى من ثباتها، إلا أنها حاولت شحذ بعض الهدوء وهي تحرك راسها نافية وتقول:
"لا .. انقطع أي تواصل بيننا منذ الصف الثاني الثانوي"
همهم دُريد في هدوء.. كان يعلم الإجابة.. فهو بنفسه تأكد منها قبل سنوات...وأقسم أنها لو لم تفعل سيقُص لخاله عن كل شيء حدث حينها.
تحدثت مها بحذرٍ ظاهر، وصوتٍ يلامس القلق، وهي ترفع عينيها نحوه على استحياء، تتفحص ملامحه الجامدة كأنها تبحث فيها عن ردٍ يُطمئنها:
"لم تجمعنا مناسبات عائلية، ولا حديثٌ بيننا، لأخبرك أنني قطعت كل تواصلٍ معهم… وأنني نادمة على ما كنت عليه.
ولولا الله… ثم أنت… لكنت—"
توقفت، كأن الكلمات خانتها في منتصف الطريق.
لم يُمهلها دُريد لتُكمل.
قاطعها بهدوء، وقد خفّ التوتر في نبرته عمّا كان عليه، وكأن شيئًا ما في حديثها وصل إليه:
"لا داعي لاستحضار ما مضى… يكفيني أن أرى صدقك."
ساد صمتٌ قصير.
حركت مها رأسها بإيماءةٍ خفيفة، دون أن تجد ما تضيفه، واكتفت بذلك القبول الصامت، بينما عيناها عادت إلى الأرض في خجلٍ ممزوجٍ بشيءٍ من الارتباك.
أما دُريد، فآثر الصمت أيضًا.
لكنه هذه المرة لم يكن صمت نفور، بل صمت تأمل.
ترك لنفسه فسحةً ينظر فيها إليها… لا كذكرى قديمة، بل كامرأةٍ جالس أمامها الآن، يُفترض أن يُقبل عليها أو ينصرف.
كانت ملامحها رقيقة، هادئة على نحوٍ لا يلفت بقدر ما يُطمئن.
بشرتها حنطي ة صافية، تُكسبها دفئًا خافتًا، وعيناها واسعتان، يحيط بهما رموشٌ طويلة داكنة، تزيدهما عمقًا وسكونًا.
أما حاجباها، فكانا مرسومين بسوادٍ طبيعي، كأنهما جناحان يظلان ذلك الصفاء.
لم يكن في هيئتها ما يتكلف الزينة.
ملابسها فضفاضة، تُخفي تفاصيل جسدها، فلا تُظهر منه شيئًا يُمكن أن يُحكم عليه، لكن من صِغر وجهها وتناسق ملامحها، خمّن أنها أقرب إلى النحافة… أو الاعتدال.
كان ينظر… ويقارن.
تلك التي أمامه الآن…
لا تُشبه، في شيءٍ تقريبًا، تلك الفتاة التي جاءت إليه منذ سنوات.
تلك كانت مضطربة، منكسرة، تبحث عن نجاة.
أما هذه… فهادئة، متماسكة، وكأنها خرجت من تلك العاصفة بشيءٍ آخر... بشخصية جديدة لا يعلم مدى صدقها
كانت مها…
لكنها، في الوقت ذاته، لم تعد هي
انتبه من شروده على همهمتها، وقد توهّج وجهها تحت وطأة نظراته الطويلة، كأنها لم تعتد أن تُرى بهذا الامتلاء من الاهتمام.
ترددت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يغلبه الحرج:
— لا أريد أن أسألك… سوى شيءٍ واحد يا دُريد.
التفت إليها بانتباهٍ هادئ، وأجاب ببساطة:
— تفضّلي.
سكتت قليلًا، تجمع شتات شجاعتها، ثم خرج سؤالها متقطعًا، كأنها تخشى صداه قبل جوابه:
— أنت… لا تحب امرأةً أخرى؟
انعقد حاجباه لحظة، مفاجأةً لا استنكارًا، ثم أجاب دون التفاف:
— لا… لا أحب امرأةً أخرى، ولو كان الأمر هكذا… لكنت قد تزوجتها.
كان جوابه واضحًا، خاليًا من الزخرف، لكنه وقع في نفسها وقع الطمأنينة التي لم تكن تتوقعها.
تنفست بعمق، وانفرجت ملامحها دون أن تشعر، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ هادئة، كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه، وهمست في رضا:
— الحمدلله.
تسللت ابتسامة خفيفة إلى وجهه هو الآخر، دون قصد، فمال ببصره عنها قليلًا، وفي داخله شعورٌ غريب، مزيج من ارتياحٍ وخفّة، ومن زهوٍ رجوليٍ خافت لم يُعلن عن نفسه من قبل.
ومن تلك النظرة العابرة بينهما، استطاع والدها أن يقرأ ما بين السطور، فاقترب بخطواتٍ هادئة، وقال:
— هل انتهى الحديث؟
أومأ دُريد برأسه، وأجاب بتروٍ محسوب:
— سأترك مها تُصلي الاستخارة… وسأفعل مثلها، ثم أنتظر منك مكالمة يا خالي.
ابتسم الرجل ابتسامةً تحمل شيئًا من التفاؤل، وقال:
— ولكن البشرى تبدو واضحة… فلمَ التأجيل؟
أجابه بهدوءٍ ثابت:
— حتى مع الوضوح… لا بد أن نستخير، ليفعل الله بنا ما فيه الخير.
هزّ رأسه موافقًا، ثم التفت إلى ابنته قائلًا:
— وهو كذلك… اذهبي يا مها، وارتدي دثارك، وأعدي العشاء.
أطاعته في صمت، وغادرت المجلس بخطواتٍ مترددة، وقلبها معلق خلفها بالشيخ الصامت.
كانت تشعر براحةٍ لم تعهدها… لكنها، رغم ذلك، لم تأمن تمامًا.
فما اطمأن له قلبها… لا تدري إن كان قد استقر في قلبه هو أيضًا، أم أنه مجرد هدوءٍ عابر، لا يُبنى عليه وعد.
أما دُريد فقد كلن عقله منشغل بذنبٍ لم ينساه وحتى إن تابت عنه
وفي نفسه شيء يميل لها...وفي ذاكرته ما يُقصيه عنها.
لذا طلب المهلة لم يكن لأجلها فقط... بل لأجله ليفكر مليًا.
****
كان يحيى يزفر ضيقاً وهو يطالع عقارب ساعته التي تجاوزت منتصف النهار بكثير، بينما لا تزال تلك القابعة على الأريكة غارقة في سباتٍ عميق. فشلت كل محاولاته لإيقاظها؛ فبعد أن استنفد مفعول الكحول، لجأ لقطع البصل التي لم يجد غيرها في المطبخ، لكن غيابها عن الوعي تحول إلى نومٍ رصاصي ثقيل.
تمتم بحنقٍ وصوت معدته يقرع أجراس الجوع:
"تركتُ زاد الخالة نعمات لأجلس هنا حارساً لهذا الشبح النائم.. صبراً يا نُصير، سأصفي حسابي مع أنفك المغرور الذي ورطني في هذا."
ولما ضاق به الصبر، طلب طعاماً من الخارج وجلس يقتل الوقت بتصفح هاتفه في مللٍ جليّ، بينما رجاله في الخارج يترقبون أي إشارة منه للاقتحام أو المغادرة.
وصل الطعام أخيراً، وبينما كان يهمُّ بفتح علبته بنهم، بدأت "شهيرة" تتململ. فتحت عينيها بتثاقل، تجول بنظراتها في الأرجاء كمن ضل الطريق، وما إن وقع بصرها عليه حتى شهقت شهقةً مخنوقة وانكمشت على نفسها بذعرٍ طفولي، وسألته بصوتٍ محشرج:
"من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟"
تأمل يحيى ملامح الفزع التي كست وجهها الشاحب؛ لم تكن تلك "شهيرة" البراقة التي تطل عبر الشاشات، بل بدت نسخة باهتة، مجهدة، وكأنها خرجت للتو من مشهدٍ في فيلم رعب. نطق أخيراً قبل أن تنهار أعصابها:
"أنا ضابط الحراسات يحيى عسل، المسؤول عن تأمينكِ لحين القبض على ذاك المجرم."
يحيى عسل؟ ردد عقلها الاسم بصعوبة وهي تسترجع شظايا حديثها الأخير مع نُصير، لكن الشك لم يغادر عينيها وهي تتفرس في هيئته. بسترة رمادية وبنطال "جينز" وكاب يغطي رأسه، وبجثته العريضة وملامحه التي نحتتها الخشونة، لم يشبّه أبداً ضباط الحراسات المنمقين الذين اعتادت رؤيتهم.
لم يمهلها يحيى وقتاً لتقييمه، بل تحرك في أرجاء الشقة بغير اكتراث، مستغلاً الفرصة لتعتدل هي في جلستها وتسوي ملابسها بأنامل مرتجفة، وتبحث عن هاتفها بلهفة. في تلك اللحظة، عاد ليقف أمامها ماداً يده بزجاجة مياه، وفي يده الأخرى كان يقبض على هاتفها.
رفعت وجهها إليه وهي تتناول الزجاجة بضعف، وعيناها تطاردان الهاتف بتساؤلٍ قلق، فتطوع هو بالإجابة بهدوء:
"قضيتُ ساعاتٍ هنا بانتظار استيقاظكِ، تصفحتُ خلالها هاتفكِ للتأكد من ثغراته الأمنية.. شقتك الآن مؤمنة بالكامل، وعلينا المغادرة فوراً."
تجرعت جرعة كبيرة من المياه وهي تحاول استجماع شتات نفسها. رجلٌ غريب، خشن الطباع، اقتحم خصوصيتها وفتش هاتفها والآن يصدر الأوامر؟ حدثت نفسها خفية:
"تماسكي يا شهيرة.. استردي الهاتف أولاً، ثم قرري كيف ستتعاملين مع هذا الغظ."
فتحت فمها لتتكلم، لكن قاطعها رنين هاتفه هو. أجاب بنبرةٍ واجمة وجافة:
"نعم، أفاقت أخيراً.. سنغادر الآن. املأ المطبخ بالطعام قبل أن تتباهى بأموالك أمامي يا أحمق."
أنهى المكالمة ومد يده بالهاتف إليها بذات الملامح الجامدة:
"خذي.. تحدثي معه."
لم تستوعب سرّ تعاليه في الحديث، ولا من يكون الطرف الآخر. تناولت الهاتف وتمتمت بخفوت:
"نعم؟"
جاءها صوت نُصير كشلالٍ من الطمأنينة التي غمرت روحها في ثوانٍ:
"مرحباً يا شهيرة.. هل أنتِ بخير الآن؟"
جاء صوته كطوق نجاةٍ تتمسك به وسط أمواج حيرتها، فهتفت بلهفةٍ لم تبالِ بإخفائها:
"نُصير.. هذا أنت! كدتُ أتصل بك ولكن..."
بترت حديثها فجأة حين انتبهت لذاك الرابض على مقربة منها، يلتهم قطع البيتزا بنهمٍ غريب أمام ناظريها، غير آبهٍ بوجودها أو بحرج اللحظة. انتشلها نُصير من ذهولها قائلاً بهدوء:
"أخبرني يحيى أنكِ فقدتِ الوعي حين رأيته.. لا بأس، هو رجلٌ صلب ويتقن عمله ببراعة. فقط امتثلي لما يقوله يا شهيرة، وأثق أنه سيضع حداً لهذا المجنون في أقرب وقت."
كادت أن تخبره أنها في هذه اللحظة لا تخشى "المجنون" الذي يطاردها، بل تخشى هذا "القدر" الذي ساق إليها حارساً غريب الأطوار، التهم في أقل من دقيقة قطعتين من البيتزا ويده في طريقها للثالثة.. هل هذا حقاً ضابط حراسات أم إعصار بشري؟
تابع نُصير طمأنتها وكأنه يقرأ صمتها المريب:
"لقد أرسل يحيى بعض رجاله لتأمين شقتكِ، وبإمكانكِ العودة إليها الآن. هو من سيحيطكِ علماً بكل التغييرات، ولا أحد أكفأ منه في هذا الميدان."
شعرت شهيرة ببرودةٍ تسري في أوصالها؛ نُصير يرفع يده عنها، يخلي مسؤوليته من حمايتها وكأنه يغلق صفحتها للأبد. طاف الدمع في عينيها وهي تتذكر حديثه عن "المرأة" التي احتلت حياته؛ لقد تزوج، ولم يعد لها في قلبه متسعٌ حتى للشفقة. أشاحت بوجهها، تمسح عبرةً فرت رغماً عنها، وغمغمت بتسليمٍ مرير:
"أقدر لك ما تكبدته لأجلي.. شكراً على كل شيء يا نُصير."
أدرك نُصير من نبرتها المكسورة أنها فهمت الرسالة وقبلت انسحابه الهادئ، فلم يطل الحديث، بل طلب منها تسليم الهاتف ليحيى. وبأنامل واهنة، قدمت الهاتف لذاك الرجل الذي كاد يجهز على المأدبة الصغيرة أمامه، فأجابه يحيى بصوتٍ واجم وهو ينفض يديه من بقايا الطعام: "من هذه اللحظة، احتفظ بتعليماتك لنفسك واتركني أقوم بعملي.. أبلغ تحياتي لـ 'نجاة' إلى أن ألقاها."
ألقى الهاتف على الطاولة بلا اكتراث، والتقط زجاجة المياه ليتجرعها دفعة واحدة تحت نظرات شهيرة المذهولة، ثم أشار بطرف عينه إلى ما تبقى من العلبة قائلاً:
"إن كنتِ جائعة فكلي هذا قبل أن نتحرك."
حركت رأسها نفياً بكبرياءٍ جريح، فكرامتها أبت أن تأكل "فضلات" رجلٍ لم يكلّف نفسه عناء دعوتها للمشاركة من البداية. لكن يحيى لم يلقِ بالاً لرفضها أو جوعها، بل هبّ واقفاً وهو يطالع ساعته بجدية:
"حسناً.. أمامكِ نصف ساعة لتجهيز نفسك. سنغادر إلى شقتك، ولا يزال أمامنا يومٌ طويل لتتعرفي على نظامكِ الجديد."
التفت ليغادر، فاندفعت شهيرة تتحدث بحنقٍ استمدته من ذهولها بأسلوبه الفج
"أنا من سيتعرف على النظام الجديد؟ أليس من المفترض أن تطوع حراستك وفقاً لجدولي ونظامي أنا.. أم أنني أتخيل يا أستاذ يحيى؟"
استدار إليها، وأجاب بجفاءٍ خالٍ من أي تزيين:
"أنا لا أقف أمامكِ بنظارةٍ وطبشور لتناديني 'أستاذ'.. أنا المقدم يحيى. والنظام الجديد لا يعني المساس بجدولكِ الفني، بل بكل ما يتعلق بمحيطك؛ منزلك، العاملون معكِ، سيارتك، وحتى أدق تحركاتك ستكون تحت إشرافي."
أفحمها رده القاطع، فسكنت تماماً وهي ترى العبوس الذي سيطر على ملامحه الخشنة، قبل أن يسألها بنبرةٍ يغلفها الملل:
"هل هناك أي أسئلة أخرى يا مدام شهيرة؟ أم أننا نضيع الوقت هباءً؟"
خرجت منها كلمة مخنوقة بالاحتجاج:
"لستُ مدام.. أنا آنسة."
لم يعر ملاحظتها أدنى اهتمام، بل اكتفى بإيماءةٍ فاترة من رأسه زادت من اشتعال حنقها، وأردف بجملةٍ قصمت ظهر الحديث
: "لا فرق.. سأنتظركِ في الخارج."
بعد أكثر من نصف ساعة نزلت شهيرة الدرج بخطواتٍ حاولت أن تجعلها متزنة، رغم وهن جسدها الذي لم يسترد عافيته بعد. كانت قد استعادت شيئاً من ملامحها خلف نظارة شمسية ضخمة تخفي ذبول عينيها، ولفحت وجهها برودة الجو وهي تخرج لساحة البناية.
لم تجد سيارتها المعهودة ولا سائقها الذي يألفه خاطرها، بل وجدت سيارتي دفع رباعي بلونٍ أسود داكن، تقفان في وضعية تأهب. أشار يحيى لرجاله بلمحةٍ خاطفة، فاستقر أحدهم خلف المقود، بينما تحركت السيارة الأخرى لتأخذ وضعية الحماية في الخلف.
فتح يحيى الباب الخلفي وأشار لها بالدخول، ثم استقر بجانبها بجمود، تاركاً مسافةً كافية لكنها مشحونة بالتوتر. انطلقت السيارة بسلاسة، وشهيرة تراقب الطريق من خلف زجاجها المعتم، بينما كان يحيى يوزع نظراته بين هاتفه وبين مرايا السيارة بتركيزٍ آليّ.
كسر الصمت بلهجةٍ فاترة :
"هاتفكِ سيبقى هنا.. لا اتصالات، ولا إشارات موقع، حتى ننظفه من الاختراق"
لم تُصدم أن هاتفها مُخترق... فالمجنون الذي يلاحقها استطاع اقتحام منزلها والوقوف أمام فراشها وهي نائمة.. لن يصعب عليه اختراق هاتفها أيضًا.
لذا لم تجادله، بل اكتفت بهز رأسها وهي تشعر بضآلتها أمام هذا الحزم. كانت صامتة، تراقب ظلال المباني التي تمر بسرعة، وتتساءل في سرهاهل يقودها هذا الرجل نحو بر الأمان وسينقذها حقًا من ذاك المترصد.. أم أن رحلتها مع الخوف قد بدأت لتوها فصلاً جديداً؟