📁 آخر الروايات

رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) كامله وحصريه بقلم لبني دراز

رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) كامله وحصريه بقلم لبني دراز



رحلة مختلفة مليانة غموض، وجع، أسرار، وأسئلة مالهاش إجابة

جاهزين تدخلوا العالم ده معايا؟
اتمنى تعجبكم.. ومستنية رأيكم بكل شغف 🤍🔥

#البارت_الاول
#برد_الرحيل(#تقى_والمجهول)

👀💔👀💔👀💔👀

كيف لشيءٍ ما أن ينكسر في داخلك،
دون أن يترك خلفه أثرًا يُرى،
وكأن الانهيار يتقن فنّ الاختفاء؟
ولماذا تبدو الأماكن التي عرفتنا يومًا.. وكأنها تُنكرنا الآن؟
كأن هناك ذاكرةً أخرى لا نعبر إليها نحن؟
متى يبدأ التغيير الحقيقي؟
أحين نراه.. أم حين يكون قد حدث بالفعل دون أن نشعر؟
هل الرحيل دائمًا قرارٌ واضح؟
أم أنه تراكم أشياء صغيرة تتسلّل في صمت، حتى يصبح الرجوع مستحيلًا دون أن نعرف متى حدث ذلك بالضبط؟
ولماذا حين نبحث عن الأمان في الخلف، لا نجد سوى صمتٍ ثقيل..
ليس غيابًا فقط، بل حضورًا لشيءٍ آخر لم نكن نراه من قبل؟
شيءٌ ما.. لم يغادر المكان حين غادرناه.
بل بقي.. كأنه يعرف سرًا لم نعرفه نحن بعد.
وقد لا يكون السر شيئًا واحدًا كما نظن..
بل طبقاتٌ من حقائق دُفنت عمدًا، حتى لا تُقال أبدًا.
ربما هو فعلٌ قديم لم يُغلق بابه، بل تُرك مواربًا، يعود أثره كلما ظنّ الجميع أنه انتهى.
أو وعدٌ كُسر في لحظة غضب، لكنه لم يمت، بل تحوّل إلى ظلٍّ لا يختفي، يتبع أصحابه بصمتٍ لا يُفسَّر.
أما المجهول..
فليس دائمًا شخصًا أو حدثًا.
أحيانًا يكون هو الحقيقة نفسها حين تُخفى، فتبقى حاضرة دون أن تُرى؛
في نظرةٍ تتجنّب المواجهة، ربما في مكانٍ تغيّر دون تفسير، أو في إحساسٍ مفاجئ بأن ما نعيشه ليس القصة كاملة.
والأخطر من ذلك..
أن يكون المجهول ليس في الخارج أصلًا،
بل في ذاكرةٍ تُقاوم أن تُفتح.
وعندها فقط.. يبقى السؤال الحقيقي:
هل نحن من نبحث عن السر..
أم أن السر هو الذي ينتظرنا منذ البداية؟

تقى والمجهول بقلمي✍️________لبنى دراز

فـ القاهرة

حي شعبي هادي شوارعه ديّقة، البيوت مرصوصة جنب بعض هدوء غريب مالي المكان، فـ أخر الحى بيت كبير شوية، فيه كذا دور لونه باهت من المطر، لا هو قديم ولا هو جديد بس الحيطان فيها شروخ بسيطة، والباب الكبير شكله قديم شوية كأنه شايل جواه حكايات كتير، وفـ ليلة غاب عنها القمر والنجوم اختفت ورا الغيوم اللى مالية السما، ليلة شتوية شديدة البرودة، خرجت تقى فـ نص الليل بعد ما انتهت من دفن ابوها وامها، وهي بتجرّ شنطتها وراها ودموعها نازلة زى السيل اختلطت بالمطر اللي نازل شديد وكأن السما بتبكي بحرقة من قلبها عليها، وقفت ع بُعد خطوتين ولفّت تبص لأخر مرة ع البيت اللى عاشت فيه سنين عمرها بتودعه وبتودع ذكرياتها جواه، بعدها اتنهدت وخرجت منها آهة مليانة وجع وخوف من المجهول ومشيت خرجت برة المنطقة وشاورت لـ تاكسي يوصلها لمحطة القطر.

سواق التاكسي كان راجل كبير فـ السن شافها ووقفلها وبنظرة أب حنون ونبرة دافية:
رايحة فين يا بنتي فـ الوقت المتأخر ده؟

بصت له تقى وعيونها مليانة دموع وجسمها بيرتعش، بس مش من البرد لكن من وجع الخذلان:
عايزة اروح محطة القطر لو سمحت.

رد السواق بابتسامة هادية وبنبرة اندهاش:
محطة القطر؟! دلوقتي وفـ الجو ده؟!

ركبت تقى العربية وهى بتبص له بنظرة حزينة وبنبرة انكسار:
مضطرة يا حاج زى ما حضرتك مضطر تشتغل فـ نفس الوقت ده.

السواق بص لها وهو بيهز راسه بهدوء:
يا بنتى انا راجل بطلع أدور ع لقمة العيش عشان أقدر افتح بيتي واجيب مصاريف واحتياجات ولادي، ومع كدا اول ما الجو قلب قولت ارجع اتدفى فـ حضن عيالي واللى خلقنا أكيد مش هينسانا، لكن انتي ايه اللي يجبرك تنزلي فـ الوقت ده؟ خصوصا انك مش هتلاقي قطارات دلوقتي، ولا حتى هتلاقي أى مواصلات سفر تانية لأن الطرق تقريبا مقفولة بسبب المطر الشديد والجو المقلوب ده.

اتنهدت تقى وبنبرة صوت واطية من وسط دموعها ووجع قلبها:
هستنى فـ المحطة لحد الصبح.

السواق وقف بالعربية ما اتحركش ولفّ وشه ليها وبنظرة كلها حنان ابوي وملامح مبتسمة:
وده اسمه كلام برضو يا بنتى؟ معقول تباتي فـ الشارع وبيت عمك حافظ موجود؟ تعالي معايا بيتي وسط بناتي فـ الدفى والأمان، ويا ستي ليكي عليا اول ما يطلع النهار هوصلك لغاية المحطة، لكن دلوقتي مش هتلاقي حاجة تسافري فيها وكمان الوقت ده خطر، الناس كلها فـ بيوتها وما فيش فـ الشوارع غير كلاب الليل اللى لا بيهمهم برد ولا مطر ولا بيخافوا ربنا، وانتى ما تأخذنيش، شابة صغيرة ومش هتسلمي منهم.

ابتسمت تقى ابتسامة حزينة وزادت دموعها وهزت راسها بالرفض: معلش يا عم الحاج سامحني بس ما ينفعش، وصلني المحطة وارجع لولادك.

حافظ صمم ع رأيه ورفض يسيبها فـ الشارع:
ماينفعش اسيبك لكلاب الشوارع يا بنتى، انا عندي بنات فـ سنك واخاف عليكي زى ما بخاف عليهم، تعالي معايا وما تخافيش.

غمضت تقى عينيها تداري وجعها وافتكرت ابوها ازاى كان بيخاف عليها.

"فلاش باك"

منصور كان رايح جاي فـ الصالة كل شوية يبص من البلكونة ويرجع تاني يبص ع باب الشقة وهو هيتجنن، عينيه مليانة قلق وقلبه بيخبط بسرعة جوة ضلوعه وهو بيتخيل أسوأ السيناريوهات بسبب تأخير تقى عن معادها فـ الكلية والمطر نازل شديد طول اليوم، وكل ما يرن عليها يلاقي فونها مغلق، وكل دقيقة بتعدّي ع تأخيرها كانت nـار بتحـ*ـرق فـ قلبه من الخوف عليها، أول ما لمحها وهي بتفتح الباب انـfـجرت دموعه من عيونه وجري عليها بسرعة حضنها بكل قوته كأنه بيحضن الحياة اللى رجعتله برجوعها البيت وبصوت بيرتعش من الخوف، خرجها من حضنه ومسك ودنها بمداعبة لطيفة:
ايه اللى أخّرك يا تقى؟! كدا تقلقيني عليكي؟

ابتسمت تقى ابتسامة خفيفة وغمضت عين واحدة وبوجع مصطنع:
أى، سيب ودني يا عم الحاج وجعتني.

منصور ملامحه ابتسمت وهو لسة ماسك ودنها وضحكته طلعت من قلبه لما شافها واقفة قدامه بخير:
لأ مش هسيب ودنك إلا لما تقوليلي اتأخرتي ليه وخلّيتي دمي نشف من الخوف عليكي.

تقى بحزن مصطنع:
طب سيب وانا أقول لك.

منصور بص لها بحاجب مرفوع ونبرة جد شوية بس دافية:
لأ، وقولي بسرعة قبل ما تصحى امك ع صوتنا.

تقى بهدوء وبقلة حيلة:
الدكتور أخرنا فـ المحاضرة شوية وبعدين الطريق كان زحمة والفون فصل شحن، اعمل ايه انا بقى؟

منصور اتنهد براحة، وساب ودانها وبص لها بغيظ:
هو انا مش قولتلك قبل كدا تخلي دايما معاكي الباور بنك؟! ما بتسمعيش الكلام ليه يا واجعة قلبي.

تقى قربت منه باسته فـ خده بحنية وبنبرة شقية:
انت مالك قلبت ع جليلة كدا ليه يا منص يا حبيبي؟

منصور ضمها فـ حضنه وهو بيضحك:
أعمل فيكي ايه بس يا بنت جليلة؟ كويس انها نايمة وما حستش بتأخيرك.

تقى بضحك:
أه، كنا دخلنا فـ سين وجيم ونون، انا وانت.

منصور ضحك أكتر:
لاااا، ولا كلمتينها اللى ما بتقولش غيرهم.

تقى بنبرة هزار وهى بتقلد امها: طول ما انت بتدلعها يا منصور هتتمرع علينا ومحدش هيعرف يكلمها ابدا، يبقى ما تتأخرش ليه بقى؟

منصور ضحك من قلبه ع طريقة كلامها، قرب منها باس جبينها وبنبرة دافية:
ادخلي يا عفريتة غيري هدومك بسرعة وانا هدخل اصحّي أمك عشان نتغدا.

ضحكت تقى بصوت عالي وهى بتجري ع اوضتها:
علم وجاري التنفيذ يا باشا.

"عودة للوقت الحالي"

فاقت تقى من شرودها ع صوت عم حافظ سواق التاكسي وهو بيقول: وصلنا يا بنتي، البيت اهو، اتفضلي،

بصت تقى من شباك العربية، وفتحت الباب عشان تنزل، ودموعها نازلة ع خدودها من غير ما تحس، ذكرى عدّت فـ دماغها فجأة ووجعت قلبها، وبنبرة بصوت مكسور:
متشكرة أوي يا عم حافظ، ربنا يخليك.

عم حافظ بصلها بحنية، وبنبرة دافية:
مافيش شكر بين الأب وبنته، يلا يا بنتي، اتفضلي، البيت بيتك.

وصل قصاد شقته وفتح الباب بابتسامة صافية، دخل البيت معاه تقى، وقبل ما يرمي السلام شافته مراته واستقبلته بعيون مليانة قلق ونبرة راحة:
حمدالله ع السلامة يا حاج.

ابتسم حافظ ابتسامة صافية يطمن بيها مراته:
الله يسلمك يا حاجّة.
وبعدين همس لـ تقى بحاجة وبص لمراته وابتسم بمكر وهو بيقدمها لها:
ايه رأيك يا حاجّة فـ ضرتك؟ صغيرة وحلوة مش كدا؟!

شهقت الحاجّة واتكلمت بنبرة كلها غيظ:
نععععم يا الدلعدييي؟! ضرتي؟ بقى جاى بعد العمر ده كله، تتجوز عليا يا حافظ؟!

حافظ بص لـ تقى بضحك:
مش قولتلك يا حبيبتي؟! عليها واحدة يا الدلعدي تجيب أخر الشارع.
رجع وبص لمراته بنفس نظرة المكر:
وما اتجوزش ليه؟ هو لا عيب ولا حرام، ربنا قال مثنى وثُلاث ورُباع، وبعدين انتى خلاص يا حاجّة راحت عليكي، قولت لنفسي يا واد حافظ شوفلك واحدة وظوظة صغيرة كدا، تدلعك بدل أم العيال اللى عجزت دي واتجوزها.

بصت له مراته بغيظ وغضب أكتر:
يا راجل اختشي ع دمك، بقى عايز تتدلع يا شايب يا عايب؟! ورايح تتجوز عيلة قد عيالك؟! بدل ما تراعي بناتك وتجهزهم؟.

ضحكت تقى رغم وجعها وقربت منها بهدوء:
ما تخافيش يا طنط، انا مش مراته ولا حاجة، ده عم حافظ بس حب يشوف غلاوته عندك مش أكتر.

حافظ بص لـ تقى واتنهد بحزن مصطنع:
كدا برضو؟! قرّيتي من قبل القلم؟ طيب استني نشتغلها شوية.

مراته بصت له بغيظ نظرة شك:
بقى بتشتغلني يا حافظ؟ ولا عقلك وزك تعملها بجد وعايز تعرف رد فعلي الأول؟

ضحك حافظ وبص لها بنظرة كلها حب:
اخص عليكي يا حاجّة، ده انا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي واحدة تملا حياتي وقلبي زيك يا ام البنات.
وشاور بإيده ناحية تقى وهو بيتكلم مع مراته:
البنت ضيفة عندنا لحد الصبح، ركبت معايا عشان أوصلها محطة القطر، وأديكي شايفة الجو عامل ازاى، ومافيش قطارات دلوقتي، ما كانش ينفع أسيبها فـ الشارع فـ الوقت متأخر والجو وحش ده، ولا ايه يا حاجّة؟.

اتنهدت الحاجّة تنهيدة راحة وبصت لـ عم حافظ وبابتسامة هادية:
طبعا يا حاج ما ينفعش، طول عمرك ابو الأصول والواجب.
وقربت من تقى بابتسامة حنونة ترحب بيها، ولاحظت ملامحها الباكية وعيونها الدبلانة، لكن ما حاولتش تسألها:
أهلا بيكي يابنتي، اتفضلي تشرفي وتأنسي، أدخلي ارتاحي وسط اخواتك، ولو ما شالتكيش الأرض نشيلك ع راسنا، اسمك ايه يا حبيبتي؟

ابتسمت تقى بامتنان ودموعها بتلمع فـ عيونها:
اسمى تقى يا طنط، وبجد انا مش عارفة اشكركم ازاى.
وبهمس خرج منها بعفوية من غير ما تقصد، سمعه حافظ ومراته:
أكرمتوني فـ الوقت اللى أهلي طردوني فيه من بيتي.

سكت حافظ شوية، وبتنهيدة ونظرة أب حنون:
ادخلي يا تقى يا بنتي ارتاحي، والصبح بأمر الله اوصلك المحطة.

دخلت تقى فعلا وبنات حافظ استقبلوها بابتسامة صافية واتعرفوا عليها، شافوا ملامحها الحزينة حاولوا يهوّنوا عليها من غير أى أسئلة، ولا فكروا حتى يعرفوا حكايتها، بس قضوا الليلة فـ رغى بنات عادي وضحك، ولأول مرة من وقت طويل، تقى تحسّ ولو شوية صغيرة إنها مش لوحدها.
وأول ما طلع النهار، عم حافظ قام استعد عشان يوفي بوعده ولقى تقى قاعدة مستنياه بص لها بابتسامة دافية:
صباح الخير يا تقى يا بنتى

تقى بابتسامة هادية ونظرة امتنان:
صباح الخير يا عم حافظ.

قرب منها حافظ بهدوء:
يلا يا بنتي، عشان تلحقي القطر.
وخرجوا فعلا من البيت بعد ما سلمت ع مراته وبناته ووعدتهم انها هتفضل ع تواصل معاهم، وصلها حافظ محطة القطر، ومدّ إيده بشنطة فيها ساندوتشات وكمان طلع فلوس يديهالها.

تقى باعتراض:
لا يا عم حافظ، والله ما ينفع ده كدا كتير قوي.

هز راسه بحزم، وحط الفلوس فـ إيدها، وبصّ لها بنبرة كلها دفى:
اعتبريني زي والدك وبلاش تكسفي إيدي.
وبعدين طلع ورقة صغيرة من جيبه، كتب فيها رقم تليفونه، ومدّهالها:
لو احتاجتي أي حاجة، فـ أي وقت، كلميني ما تتردديش.

عينيها لمعت، صوتها طلع واطي ومليان امتنان:
ربنا يخليك يا عم حافظ، مش هنسالك الجميل ده طول عمري.

طبطب ع كتفها، ولفّ ومشي من غير ما يستنى منها رد، سابها واقفة فـ المحطة، قلبها موجوع، والذكريات بتهاجمها من كل ناحية، وعيونها مليانة دموع شكر لراجل غريب كان أحنّ عليها من ناس عاشرتهم عمرها كله.
ركبت تقى القطر المتجه لطنطا.
عدّت ساعتين ووصلت.
دخلت الشقة، قفلت الباب وراها، ومن غير تفكير رمت نفسها ع أقرب كرسي قابلها وانهارت.

____________________

فـ بيت منصور الراوي

بعد خروج تقى من البيت

حسبي الله ونعم الوكيل فيكم.

قالتها حنان بعد ما خرجت تقى من البيت وهي واقفة مكانها فـ الصالة، وعينيها رايحة جاية بين باب الشقة وصورة منصور وتقى اللى متعلقة جنبه، كأن رجليها اتثبتت فـ الأرض ما بتتحركش ودموعها نازلة ع وشها زى الشلالات، مش بس من العياط ع اخوها، لكن من القهر كمان ع بنته، فجأة، حولت نظرها ناحية أخواتها وحريمهم، بقت تبص لكل واحد فيهم بعين مليانة وجع وخيبة وانـfـجرت فيهم زي البركان صوتها عِلي وهي بتزعق، قلبت البيت ع دماغ الكل، إيدها كانت بتتحرك بعصبية وهى بتشاور عليهم وبنبرة صوت مشروخ :
انتوا اييييييه مافيش فـ قلوبكم رحمة؟! خلاااااااص هتموتوا ع الدنيا؟! مش قادرين تصبروا ع اليتيمة للصبح؟! تطردوها فـ نص الليل وفـ الجو الوحش ده!! منكم لله، منكم لله.

قرب منها محمود بغيظ وعينه بتطلع شرار وبنبرة مليانة غضب:
بقولك ايييه يا حناااااااان، وفري كلامك ده لنفسك ياختي ومالكيش دعوة.

لسه حنان هترد ع محمود، دخل عبد الرحمن ابن أخوها وشريف ابنها وهما بينهجوا من كتر الجري، هدومهم مبلولة من شدة المطر، وبنطلوناتهم من تحت مليانة طين، بصّت لهم حنان بلهفة، ونبرة صوتها فيها رعشة خوف:
لاقيتوها؟!

وقف عبد الرحمن بيحاول ياخد نفسه بصعوبة ونبرة صوته مكسورة: لأ يا عمتي، ما لاقينهاش.

شريف بص لـ حنان بوجع ودموعه نازلة ونبرة صوته متقطعة:
قلبنا الحى كله وروحنا محطة القطر ومحطة الاوتوبيس دورنا فيهم مش موجودة، كأن الأرض انشقت وبلعتها.

قعدت حنان ع الكنبة وسندت كوعها ع رجلها وغطت وشها بكفوفها وبنبرة كلها وجع وحزن ودموعها مش بتقف:
يا ترى رُحتي فين يا تقى؟ يا ترى جرى لك ايه يا بنتي؟

فوزية بهدوء غريب بصت لـ حنان بعوجة بُقها:
هتكون راحت فين يعني؟ تلاقيها راحت تبات عند حد من الجيران لحد الصبح ولا شافت لها شوفة. وبصت لـ عبد الرحمن بحنية:
روح يا حبيبى غير هدومك بدل ما تبرد يا ضنايا.

عبدالرحمن بص لـ امه باستغراب وعلامات الذهول ع ملامحه وبنبرة متسألة:
هو انتي ازاى كدا يا ماما؟!

فوزية برفعة حاجب واستغراب: ازاى ايه يا ولا؟!

عبدالرحمن قال لها وهو بيشاور بإيده:
ازااااى وقفتي تتفرجي ع بابا وعمي وهما بيطردوا تقى من بيتها فـ الوقت والجو ده من غير ما تمنعيهم وما خوفتيش عليها؟! وفـ نفس الوقت خايفة عليا من شوية مطر؟

زيدان انـfـجر فيه بعصبية وبنبرة كلها غضب:
تمنع مين يا ابن الكلب؟ انت عايز أمك تقف قصادي وتعارضني؟

عبد الرحمن بص لـ ابوه ورد وهو ماسك نفسه بصعوبة، نبرته حزينة لكن ثابتة:
ايوة يا بابا، كان لازم تعارضك وتقف قصادك، عشان تنقذك من عذاب ربنا قبل ما تنقذ تقى من الشارع اللى رميتوها فيه.

محمود بص لـ عبدالرحمن بغضب وقرب منه مسكه من قميصه وبنبرة مليانة غضب:
وانت بقى يا ابن زيدان اللى هتعرفنا عذاب ربنا وتخاف علينا منه؟

عبدالرحمن رد بحدة:
ايوة يا عمي، انا، وهقولها لكم تاني، اللى عملتوه ده ذنب كبير أوى عند ربنا، اتقوا الله، ده احنا لسة واقفين فـ شقة عمي منصور اللى راح فـ يوم وليلة هو وأمي جليلة ولسة جتتهم ما بردتش فـ تربتهم، وطردتوا بنته من بيتها فـ عز الليل وعز البرد من غير ما تخافوا عليها، وكل ده ليييييه؟ هاااا؟ ليييييييه؟

حنان رفعت راسها لـ ابن اخوها وبصت له بحزن:
ما تتعبش نفسك يا ابني بالكلام معاهم، ابوك وعمك خلاص الفلوس جننتهم ومش شايفين غيرها حتى لو ع حساب اليتيمة اللى طردوها وما صبروش لما تفوق شوية من حزنها ع ابوها وامها، ولولا خوفهم من كلام الناس كانوا طردوها من قبل ما يدفنوهم.

زينب بصت لـ حنان بغيظ:
وانتي سكتّي ليه يا ست حنان؟ لما انتي خايفة عليها اوى كدا وقاعدة تتنأوري ع اخواتك وتبكتي فيهم، ما منعتيهاش ليه يا حنيّنة وخدتيها شقتك؟

حنان قامت وقفت وقربت من زينب بغضب وبنبرة مليانة غيظ:
هو انتي فاكراني ما حاولتش امنعها؟! لا يا ست زينب، زي ما حاولت مع جوزك وسلفك عشان امنعهم من عملتهم المهببة دي، حاولت معاها لحد ما بوست ع رجليها عشان تفضل قاعدة فـ بيتها او حتى تيجي معايا شقتي لكن عزة نفسها وكرامتها خلوها تمشي بعد ما البهوات.
وهي بتشاور ع محمود وزيدان:
طردوها من بيت ابوها وما صبروش حتى النهار يطلع.
ورجعت بصت لها تاني:
وقبل ما تتكلمي ابقى اسألى سلفتك مدام ما كنتيش موجودة.

قرب سليم من حنان بملامح جامدة وبنبرة حادة:
بقولك ايه يا عمتي؟ اللى عمله ابويا وعمي ده الصح، هى يعنى كانت هتفهم فـ تجارة الخشب ولا الموبيليا؟ لو كانوا سابوها كانت ضيعت كل حاجة ومش بعيد كانت تضرب عقود بيع وشرا وتبيع لنفسها كل حاجة وتطلعنا من المولد بلا حمص، ما هى محامية وسهل انها تعمل كدا.

عبدالرحمن مسك سليم من هدومه بغضب وكان هيضربه:
انت شكلك اتجننت ع الأخر، اللى بتتكلم عنها دي تبقى بنت عمك وخطيبتك وشغالة معاك فـ نفس المكتب يا متر، يعنى المفروض تكون أكتر واحد فاهمها كويس وعارف انها مستحيل تعمل كدا.

سليم بغيظ:
عشان عارفها كويس بقولك انها تعملها يا سي عبده، عشان كدا فسخت خطوبتي منها ووافقت بابا وعمي فـ اللى عملوه.

حنان هزت راسها بيأس وبصت لـ شريف:
تعالى يا ابني طلعني شقتي، الشقة دي خلاص تحرم عليا عتبتها بعد ما راحوا الطيبين منها.
وبصت لـ اخواتها وحريمهم وهى بتكمل كلامها:
ويحرم عليا اى قرش من فلوس خالك زى ما اتحرّم ع بنته، خدوا كل حاجة ياكش تشبعوا، بس يارب ما ترجعوش تندموا.
سابتهم وخرجت من شقة منصور وهى بتتسند ع ابنها، قلبها واجعها ع البيت اللى اتهد فـ لحظة بموت أخوها الكبير ومراته وطرد بنته بسبب طمع أخواتها الاتنين فـ ورثه وتجارته.

عبدالرحمن نده عليها بحزن وهو باصص لـ كل اللى واقفين باحتقار: استني يا عمتي خديني معاكي، الجو هنا بقى يخنق.

خرج هو كمان بسرعة ورا حنان وسابهم، اما زيدان وفوزية فضلوا قاعدين مع محمود وزينب وسليم وباقى ولادهم فـ الشقة بيتفقوا هيقسموا فلوس ومحلات اخوهم ازاى ع نفسهم، ولا كأنهم عملوا حاجة ولا شغل بالهم اليتيمة اللى طردوها فـ الشارع.

____________________

فـ طنطا_ بيت تقى
شقة أم عمر

بعد مرور أسبوعين، قرر كريم يروح لـ عمر صاحبه وجاره، يسلم عليه بعد ما رجع من السفر بعد غياب 4سنين فـ الغربة، وقف قدام باب الشقة، عدل هدومه وخبط كذا خبطة خفيفة، ثواني، واتفتح الباب وظهر عمر قدامه، ملامحه منورة وابتسامة واسعة ع وشه، فتح دراعاته بسرعة وبنبرة كلها فرحة:
كيمو، شِق العمر، وحشتني ياض.

كريم ما استناش، ودخل فـ حضن عمر، حضن طويل فيه شوق السنين اللي فاتت، وضربه بخفة ع ضهره وهو بيضحك:
حمدلله ع السلامة يا عمور، ايه يا ابني الغيبة دي كلها؟ ما وحشتكش البلد؟ ولا بلاد الفرنجة عجبتك وناويت تستقر هناك ع طول؟

بِعد عمر عن كريم وهو بيقف ع جنب الباب وبيشاور له يدخل:
لا يا عم كريم، حد الله بيني وبين الفرنجة وبلادهم، ادخل بس، أما أنت واحشني بشكل.

دخل كريم وقعد ع كنبة الصالة براحة صاحب بيت، وبص لـ عمر وهو رافع حاجبه وبنبرة مكر:
يا راجل؟! ده انا قولت هترجع وفـ إيدك حتة نرويجي ولا برازيلي من بلاد الخواجات اللى كنت فيها دي يا عمور.

ضحك عمر وهو بيقعد قدامه ويميل بجسمه لقدام:
لا يا اخويا البلدي لا يُعلى عليه، تتجوز الواحدة هنا وتسيبها بالسنة والاتنين ترجع تلاقيها صاينة اسمك وبيتك ومكبرة لك مالك، اما الخوجاية؟ دي تخلي عينك فـ وسط راسك، لا تعرف تشوف شغلك ولا تعرف تنام وتطمن، من كتر الحرية وفرط الحركة اللى عندها.

كريم هز راسه وهو بيبتسم:
عندك حق يا عمر، انا مش عارف اللى بيجروا ورا الاجنبيات دول دماغهم فين.

عمر شبك إيديه فـ بعض واتكلم بنبرة هادية:
يا كيمو يا حبيبي، منهم اللي بيدور ع الشكل والبرستيچ، ومنهم اللي بيدور ع إقامة وجنسية، شغل مصالح يعني.

اتنهد كريم وطوح إيده فـ الهوا وكأنه بيقفل ع الموضوع:
سيبك من كل ده.. المهم، قول لي ناوي تقعد اجازة قد ايه؟

عمر ابتسم ابتسامة هادية، وهو بيبص له وبنبرة مليانة ثبات:
ع طول يا باشا، مش راجع تاني.

كريم اتعدل فـ قعدته فجأة، وبص له بعدم تصديق:
مش معقول؟! عمر الفرماوي هو اللي بيقول الكلام ده؟

عمر ضحك بخفة وهو بيرجع بضهره للكنبة:
وما اقولهوش ليه يا اخويااا.

كريم مال ناحيته، صوته بقى أهدى وفيه جدية:
اصلها غريبة، ده انت كنت هتتجنن عشان تسافر، أبوك وأمك ريقهم نشف معاك، حتى جدك حاول كتير يخليك تغير رأيك وما تسافرش، ايه اللى حصل؟

عمر خد نفس طويل وخرجه بهدوء، وبص فـ الأرض ثواني قبل ما يرد، ورفع راسه بتنهيدة:
تعبت من الغربة يا كريم.. السنين اللي فاتت كانت صعبة وتقيلة، وبيني وبينك.. قررت أرجع وافتح مكتب محاسبة هنا، احسن من برة ميت مرة.

ابتسم كريم براحة، وضربه بخفة على رجله:
عين العقل والله يا عمر، كدا احسن.

رجعت الضحكة بينهم تاني، وابتدوا يهزروا زي زمان، كأن السنين اللي فاتوا ما كانوش، وفجأة وهما قاعدين بيضحكوا ويهزروا سوا سمعوا...

أنا مش قادرة اصدق لسة
ان انت سايبني.
واني خلاص مش ممكن
أشوفك وتكلمني.
طب مين بعدك يدي
حنانك ويطمني.
مين هيطبطب، مين
هشكيله وهرمي عليه.
راح السند اللي مقويني
وبتحامى فيه.
مكسور ضهري وإحساس
عمري ما حسيت بيه.

سكت كريم فجأة، وكأن حاجة شدّته من جواه، ملامحه اتغيرت، وعينيه راحت ناحية باب الشقة وهو بيحاول يركز، صوت غُنا واصله، بس كان صوت مكسور مليان وجع، خارج من قلب مد*بوح، قلبه اتشد ناحية الصوت من غير ما يحس،
بص لـ عمر باندهاش، وبنبرة مليانة تساؤل:
ولا يا عمر، مين اللى بتغني بوجع اوى كدا؟ انتوا عندكم ضيوف؟

عمر هو كمان كان مركز مع الصوت، ملامحه اتحولت من استغراب لدهشة واضحة، مال براسه ناحية الصوت وكأنه بيحاول يحدد جاي منين، وبعدين بص لـ كريم بذهول:
لا ما عندناش حد، بس بجد يخربيت حلاوة صوتها، خصوصا بحة الوجع دي، واضح انها موجوعة أوي وباين عليها بتعيط.

كريم قاعد مكانه، ساكت تمامًا، عينيه ثابتة فـ الفراغ، كأنه بيستقبل الصوت بكل حواسه، شعور غريب حصله، إحساس عمره ما حسه قبل كدا، مش مجرد إعجاب بصوت.. ده كأنه لمس حاجة فـ قلبه هو نفسه ما كانش عارف إنها موجودة، اتكلم أخيرًا بنبرة صوت هادية وهو سارح فـ الصوت اللى بيغني:
صوتها دافي اوي.
وبلع ريقه قبل ما يكمل:
يخطفك من روحك رغم الحزن اللي باين فيه.
وسكت لحظة، وبعدين كمل كلامه بيسأل:
يا ترى صاحبة الصوت ده شكلها ايه يا عمر؟

ابتسم عمر بخفة، وهو لسه مركز مع الغُنا:
مش عارف بجد يا كيمو.. بس الأكيد ان واحدة بالصوت الجميل ده، لازم تبقى ملكة جمال.

كريم لف ناحيته بسرعة، وكان لسه هيرد عليه، لكن فجأة، قطع كلامه صوتها، والنغمة المرة دي كانت أوضح، وأكتر وجع.

________________________

فـ شقة تقى

قاعدة فـ المطبخ ع الكرسي وحاطة قدامها طبق فيه عجين وبتقطع منه تعمل قُرص وهى بتغني ودموعها نازلة مغرقة وشها:
انا مشبعتش منك لسه ناقصني أمان
آه لو ينفع ترجع اشوفك حبة كمان
انت سامعني؟
رد عليا انا قلبي وجعني.
الايام من بعدك صعبة.
ربنا بقى على تعبي يعيّني.

خلصت تقطيع العجين وبدأت تسوي اللى اختمر منه وهى ما زالت بتغني بوجع وقدام عينيها صورة ابوها وامها اللى ماتوا فى يوم واحد ورا بعض.

_________________________

فـ شقة عمر.

كريم قاعد مكانه، بس مش شايف ولا سامع غير الصوت اللى بيغني،
النغمة كانت طالعة مكسورة، موجوعة، وكأن كل كلمة خارجة من قلب مفطور من الوجع، حس إن الصوت دخل جوة روحه من غير استئذان.. شدّه، لخبطه، وخلاه تايه.
قلبه بقى يدق بسرعة، وسؤال واحد بس بيدور فـ دماغه:
مين دي؟ وليه بتبكي بالشكل ده؟

اما عمر، ريحة القرص اللى بتخبزها تقى، عبت الصالة بسرعة وجننته، رفع راسه وهو بيشم فـ الهوا، وبنبرة دهشة ممزوجة بشهية:
الله! إيه الريحة الحلوة دي؟
وبعدين فجأة افتكر الصوت، فنادى بصوت عالي شوية ع أمه:
ماما، يا ام عمر تعالي بسرعة قوليلي، إيه الريحة الحلوة دي؟

خرجت أمه من المطبخ وماسكة صينية عليها شاى وكيك، أول ما قربت منهم، بان إن عينيها محمرة، ودموعها نازلة زى السيل ع خدها.

عمر بص لها باستغراب:
إيه يا ماما، مالك يا حبيبتي؟ بتبكي ليه؟ ومين اللي بتغني بوجع أوي كدا؟

بصت له بحزن، وصوتها كان مكسور:
دي تقى يا حبيبي.. تلاقيها بتخبز.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
من يوم ما رجعت يا ضنايا وهى ع الحال ده.

عمر قرب بسرعة، خد الصينية من إيدها وحطها ع الترابيزة، وقعد قدامها وبنبرة مندهشة:
تقى مين يا أمي؟

كريم مال لقدّام شوية، وعينه ما سابتش أم عمر لحظة، وفيها لهفة واضحة، مستني يعرف هى مين تقى وحكايتها ايه.

اتنهدت أم عمر تنهيدة طويلة وهى بتقعد ع الكرسي قدامهم:
دي بنت عمك منصور صاحب البيت يا ابني.. ابوها وامها ماتوا فـ يوم واحد.
وبنبرة حزن مالية صوتها:
ومن يوم موتهم يا عيني، وهى هنا ع الحال ده.

كريم رجع بضهره لـ ورا، وبنبرة ذهول وهو بيهز راسه:
لا حول ولا قوة إلا بالله.. ماتوا فـ حادثة ولا ايه يا خالتي؟!

أم عمر هزت راسها بالنفي، ومسحت دمعة نزلت ع خدها بطرف طرحتها، وصوتها خرج واطي ومكسور:
لا يا حبيبي.. الست جليلة الله يرحمها، كان عندها المرض الوحش فـ الكبد.
سكتت لحظة تاخد نفسها وبعدين كملت:
ولما ماتت.. جوزها ما استحملش خبر موتها، مات بعدها ع طول، واتدفنوا الاتنين سوا فـ نفس الوقت.

عمر اتعدل فـ قعدته فجأة، وعينيه وسعت بدهشة:
معقول؟! في حب كدا؟!
وميّل راسه شوية ع جنب، وهو بيهرش دقنه بتفكير:
دول أكيد بقى كانوا عايشين قصة حب من زمان.. عشان يوصل بيهم الحال انهم يموتوا فـ وقت واحد.

ام عمر اتنهدت بحزن وبصت قدامها بشرود:
اللى اعرفه يا ابني انهم متجوزين جواز صالونات.
سكتت لحظة وابتسامة حزينة عدت ع وشها:
عاشوا سنين من غير خلفة، وبعد كدا ربنا رزقهم بتقى، وكانوا طايرين بيها لسابع سما.
مدت إيدها تمسك كوباية الشاى وهى بتكمل كلامها:
أم تقى كانت دايما تحكيلي عن جوزها، قد ايه حنين عليها وصابر معاها، وما كانش بيسمح لحد من أهله يجرحها بكلمة، لحد ما جاتلهم البنت اللي كانوا بيتمنوها من ربنا وكانوا شايلينها جوة عينيهم.

عمر ضيق عينيه شوية وبص لـ امه بحاجب مرفوع وفـ صوته نبرة شك خفيفة:
بس اصحاب البيت طول عمرهم فـ القاهرة يا ست الكل.. وكل فين وفين لما بييجوا.
ومال بجسمه ناحيتها شوية:
عرفتي كل المعلومات دي امتى بقى؟

أمه بصت له وسابت الكوباية من إيدها ع الترابيزة، وحطت كفوفها الاتنين ع رجليها وهي بتضغط عليهم وبنبرة كلها غيظ:
لما كانوا بييجوا كل كام شهر ياخدوا الايجار، كنت بقعد مع الست جليلة وكانت دايما تحكي معايا وتوصيني ع بنتها.

كريم كان قاعد تايه فـ صوت تقى اللي لسه بيرن فـ ودانه، وإحساس غريب مسيطر عليه ومش قادر يفسّره، رفع عينه ببطء لأم عمر بنظرة كلها فضول:
كانت بتوصيكي ع بنتها ليه يا امي؟

ام عمر بصت له بنظرة مليانة وجع، وشردت لحظة قبل ما تتكلم وبعدين صوتها طلع حزين:
والله يا كريم يا ابني وقتها ما كنتش فاهمة ليه.
سكتت ثواني بلعت ريقها وكملت بتنهيدة حزن:
ومافهمتش غير لما البنية المسكينة دي جت عشان تعيش هنا، بعد ما بقت لوحدها فـ الدنيا.

عمر رفع رجليه فـ حركة سريعة فوق الكنبة يربعهم، وهو مندهش:
تعيش هنا؟!
وبنبرة كلها ذهول وعدم تصديق:
وتسيب القاهرة؟! معقول ده؟.

كريم حس بفرحةٍ غريبة جواه من غير ما يفهم سببها، إحساس جميل، دافي ومربك فـ نفس الوقت، بس حاول يلم نفسه بسرعة ودارى إحساسه، ولفّ لـ عمر بهدوء:
عادي مافيهاش حاجة، أكيد عندها اسبابها يا عمر.

عمر هز راسه باعتراض ونبرة استنكار:
ولو، مهما كان السبب.. معقول يعني تسيب القاهرة اللى اتولدت وكبرت فيها وتيجي تعيش فـ طنطا؟!.

أم عمر شبكت صوابعها فـ بعض، وبصت قدامها لحظة قبل ما تاخد نفس وتخرجه بهدوء:
والله يا ولاد، أنا لحد دلوقتي ما اعرفش السبب.
عدلت قعدتها ع الكرسي، ومالت ناحيتهم شوية، وعينيها بتلف بينهم وهي بتكمل:
بس الغريب إن الحاج منصور، الله يرحمه، قبل ما يموت بيومين كان هنا.. ودي أول مرة ييجي لوحده.
هزّت راسها ببطء، وكأنها لسه مستغربة الموقف:
كلمني قبل ما يوصل، وقالي أجهز له فلوس الإيجار اللي كنت لميتها من السكان، وكمان أشوف له حد ينضف الشقة.
سكتت لحظة، وكأنها شافت اللى حصل مرة تانية قدام عينيها:
وأول ما وصل..

"فلاش باك"

وصل منصور طنطا، وأول ما دخل البيت وقف قدام باب أم عمر وخبط كذا خبطة خفيفة،
أم عمر فتحت بسرعة، فابتسم وهو بيسلم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وسّعت أم عمر الباب وهي بترد بابتسامة ترحيب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حمدالله ع السلامة يا حاج، اتفضل.

هز منصور راسه وهو واقف برة الشقة:
شكراً يا ام عمر، الله يباركلك.. أبو عمر والولاد عاملين إيه؟

ردت أم عمر وهي بتتحرك لجوه خطوة، تجيب ظرف من ع الجزّامة اللى جنب الباب:
بخير يا حاج طول ما انت بخير.
رجعت ومدت إيدها بالظرف لـ منصور وبنبرة صوت هادية:
اتفضل يا اخويا، إيجار البيت بتاع الشهور اللي فاتت أهو.

مد منصور إيده ياخد الفلوس، وبص لها وهو بيسأل:
لاقيتي حد ينضف الشقة يا أم عمر؟

هزت راسها بسرعة وهي بتطمنه:
آه يا حاج، ما تشيلش هم، هطلع أنا وأم عاطف ووفاء نعملهالك، ساعة زمن بس وتكون خلصت.
وقفت لحظة، وبصت له بتردد شوية وبعدين سألته:
بس ما تأخذنيش فـ السؤال يعني.. هى الست جليلة مش معاك ليه المرة دي؟ أصلها أول مرة تيجي لوحدك.

سكت منصور ثانية، وبعدين أخد نفس تقيل، ونبرة صوته فيها وجع الدنيا:
جليلة تعبانة شوية يا ام عمر.

حطّت إيدها ع صدرها بشهقة:
سلامتها ألف سلامة، مالها كفا الله الشر؟

اتنهد منصور تنهيدة تقيلة، وصوته مليان وجع:
أدعيلها يا أم عمر، ربنا يتولاها برحمته.

بصت له أم عمر بعيون مليانة حزن، وهي بتدعي:
ربنا يشفيها ويعافيها ويطمنك عليها.
خلصت الدعاء، وبعدين سألته:
وتقّى عاملة إيه يا حاج؟
ابتسم منصور ابتسامة باهتة، ورد بصوت هادي:
تُقى كويسة الحمد لله.. هتيجي إن شاء الله يوم الجمعة.
طلع مفتاح شقته من جيبه وناوله لها:
اتفضلي المفتاح.. وأنا هنزل أجيب شوية طلبات، وارجع كمان ساعتين كدا، تكون الشقة اتنضفت.

مدت ام عمر إيدها أخدت منه المفتاح وهى بتهز راسها بالموافقة:
بأمر الله يا حاج، ع ما ترجع بالسلامة تكون خلصت.

"عودة للوقت الحالي"

ام عمر وهى بتقوم تشيل الصينية اللى عليها كوبايات الشاى الفاضية ورايحة ناحية المطبخ بتكمل:
ونزل الحاج منصور راح السوق وطلعت انا وخالتكم ام عاطف وبنتها نضفنا الشقة.
رجعت بعد دقيقتين قعدت مكانها وحرّكت رجليها تحت الكرسي وهي وبتحكي:
الراجل فضل طول اليوم طالع نازل يجيب فـ طلبات.. خزين المطبخ كله من زيت لسكر لرز لكافة شيء.. ملا التلاجة والفريزر، وجاب شنط هدوم كتير لبنته، هدوم خروج وبيت وكل حاجة جابها، أخر اليوم وهو ماشي اداني فلوس وطلب مني اشتري 3 ك لحمة يوم الجمعة، كيلو لوحده واتنين لوحدهم وقال اطبخي الاتنين كيلو اتغدوا بيهم واقروا لنا الفاتحة انا وجليلة.. والكيلو اطبخيه الجمعة بالليل واعملي جنبه صينية بشاميل وشوربة سادة وخليهم عندك لما توصل تقى طلعيهولها، بس خلي بالك يا ام عمر بنتى بتحب اللحمة مشوية، فانتي تسلقيها بس ما تستويش اوى وبعد كدا حطيها فـ صينية وتحتها شرايح بصل وجزر ولمون وفلفل اخضر وحطي معاهم حتتين فحم مو*لعين وعليهم معلقة سمنة سخنة وغطيها وحطيها فـ الفرن تكمل سواها لحد ما تشرب من الخضار واللمون وريحة الفحم وتنشف خالص.
وبصت لـ عمر وكريم وعيونها مليانة دموع وهى بتحكي:
الراجل كان قلبه حاسس انه هيموت هو ومراته فـ يوم واحد جه ملا الشقة لبنته من خيرات ربنا ووصاني عليها ومشي.

عمر وسعت عينه من الدهشة، وحرك راسه كأنه مش مصدق اللي سامعه:
سبحان الله.. الميت فعلا بيحس ان أجله قرب، لكن ما بيقولش.

كريم قلبه بيدق بسرعة، جواه فضول مجننه.. عايز يعرف كل حاجة عن تقى، خرج صوته باستفسار:
وبنته جت امتى يا خالتي ع كدا؟

ام عمر هزت راسها بحزن:
معرفش يا ابني.. بس فعلا اليوم اللى قال عليه هو اليوم اللى ماتوا فيه.. اما تقى يا كبدي، انا شوفتها تاني يوم.

كريم أندهش واستغرب كلامها:
ازاى بقى يا ست الكل؟!

عمر ضحك بخفة وهو بيبص لـ كريم:
استنى بس يا كيمو.
رجع لفّ وشه ناحية أمه:
انتي طبختي اللحمة زى ما قالك يا ماما؟

ام عمر ابتسمت ابتسامة حزينة:
اه، طبختها وعملت كل اللى طلبه.. ابوك يومها استغرب وحاول معايا عشان اشيلها نيّة فـ الفريزر، وانا صممت اعملها وقلبي متوغوش، ويوم السبت بعد الضهر حاجة قالتلي قومي يابت اطلعي شوفي الشقة، ولما طلعت.

"فلاش باك"

أم عمر طلعت تشوف شقة الحاج منصور ولقت الباب مفتوح، دخلت بسرعة وشافت تقى قاعدة ع الكرسي اللي جنب الباب، إيدها ع وشها منهارة، قربت منها بخوف وهمست:
اسم الله عليكي يا بنتي.. مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟ ولابسة أسود كدا ليه يا ضنايا؟

رفعت تقى راسها، بصت لـ أم عمر ودموعها نازلة مغرقة وشها وبانهيار:
بابا وماما ماتوا امبارح.. ماتوا وسابوني لوحدي.. معرفش ليه ما خدونيش معاهم.. سابوني لييييه!

أم عمر حطت إيديها ع ضهرها خدتها فـ حضنها، وقلبها بيتوجع عليها:
يا قلبي يا بنتي.. ربنا يصبر قلبك يا ضنايا.

"عودة للوقت الحالي"

كريم كان قاعد بيسمع أم عمر ومن جواه هيتجنن، عايز يعرف تقى دي شكلها ايه بأى طريقة، ومستغرب نفسه اوى وتفكيره فيها بالشكل ده، وبعد حوالي ساعة او أكتر الباب خبط وأم عمر قامت تفتح.

فـ نفس الوقت، تقى خلصت تسوية القرص وجهزتهم فـ أكياس، وكل كيس فيه أكتر من نوع فاكهة، نزلت خبطت ع شقة أم عمر، استنت شوية لحد ما الباب اتفتح، وشافت جارتها قدامها، ابتسمت لها بحزن، وبنبرة صوت مكسور:
مساء الخير يا طنط.. إزي حضرتك، عاملة إيه؟

أم عمر بابتسامة صافية:
الحمدلله يا بنتي، بخير.. تعالي يا حبيبتي أدخلي.

تقى مدت إيديها بطبق كبير مليان أكياس القرص والفاكهة، ودموعها مالية عيونها:
لا، شكرا لحضرتك.. اتفضلي.

أم عمر بصت لها باستغراب، وبصت للطبق اللي معاها، وسألت:
إيه ده يا تقى يا بنتي؟

تقى حطت الطبق فـ إيد أم عمر وهى بتاخد نفسها بصعوبة من كتر دموعها وصوتها مخنوق:
دي رحمة ع روح بابا وماما.. خدي شنطة منهم، والباقي خلي حد يوزعه فـ الشارع، عشان أنا ما أعرفش حد هنا.

فـ نفس اللحظة كريم وقف وكان هيمشي يرجع بيته، فجأة، اتسمر مكانه لما شاف تقى، عينه ما نزلتش من عليها طول ما هى واقفة مع أم عمر.

عمر لما شافها، اتكلم بعفوية من غير ما يحس بنفسه ومن غير تفكير:
أووبااااا.. ده انتي طلعتي أجمل من الصورة اللي رسمتها فـ خيالي.

تقى سمعت كلامه، اتحرجت وطلعت تجري ع السلم من غير ولا كلمة.

أم عمر لفّت وشها بعصبية لـ ابنها بعد ما طلعت تقى:
انت البعيد ايييييه؟ ما بتحسش؟

عمر باستغراب:
الله في إيه بس يا حاجّة؟

كريم بص له بضيق، ونبرة فيها غيظ وغيرة مش فاهم سببها:
في انك عاكست البنت وأحرجتها بكلامك اللى قولته ده.

عمر هز راسه وهو بيضحك:
البت بصراحة طلعت صاروخ يا كيمو.. لو ماكنتش مرتبط، كنت خطـ*ـفتها وهربت! بس للأسف بقى استعجلت وخطبت.

أم عمر بصت له بنرفزة:
استعجلت وخطبت؟! اتوكس.. هو انت هتلاقي زي وفاء بأدبها وأخلاقها فين؟

عمر ضحك وقرب منها بسرعة، باس راسها وإيدها وهو بيطبطب عليها بنبرة دافية:
يا حبيبتي أنا بهزر.. وبعدين وفاء دي ضى القلب، اتربّت ع إيدي.. وعمري ما شوفت ولا هشوف غيرها في الدنيا.

ملامح أم عمر هديت، وطبطبت ع خده بحب، وبابتسامة صافية:
ربنا يسعدكم يا حبيبي ويكمل لكم ع خير يا نور عيني.

كريم كان واقف بيتابعهم بابتسامة هادية، وبعدين قرب من عمر وخبطه ع كتفه بخفة:
طب سلام يا عمور، أسيبكم أنا بقى.. وأرجع بيتنا، زمان أمي طلعت منادي يدور عليا.

عمر مسك إيده وضغط عليها بود:
ماشي يا كيمو، ابقى كررها ياض.

كريم هز راسه وابتسم:
ان شاء الله يا باشا، يلا سلاموز.

خرج من الشقة وبص لحظة ناحية السلم اللى طالع، من غير ما يحس وكأن عينه بتدور ع حد.. وبعدين لف ونزل بهدوء، وصوتها الحزين وبحة وجعها، لسة بيرن فـ ودنه.. مش راضي يسيبه.

برد الرحيل بقلمي✍️_________لبنى دراز

نععععععم ياااااااااختي؟! معناه إيه الكلام ده؟!
ولما حصل من كام يووووم ما بلغتنييييش لييييييه؟!
بتتصرفي من نفسك ليييييه؟
يعني أقـtـلك دلوقتي ولا أعمل فيكي إيييييه؟
إنتي إيييه يا شيخة؟ منك لله!

يتبـــــــع



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات