📁 آخر الروايات

رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الثاني 2 بقلم لبني دراز

رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الثاني 2 بقلم لبني دراز


قد نظن أن الرحيل نهاية،
لكن الحقيقة..
أن بعض الحكايات تبدأ بعد الرحيل.
حين يُسدل الستار عن كل ما نعرفه،
ويُترك خلفه بابٌ موارب،
تخرج منه الأسئلة..
واحدًا تلو الأخر، دون إجابة.

تقى والمجهول بقلمي✍️_______لبنى دراز

فـ طنطا_ بيت غريب الفرماوي

بيت كبير مكون من 3 أدوار، شكله من برة بسيط، يتميز بطابع ريفي، حواليه سور عالي مبني من الطوب، له بوابة حديد واسعة بتفتح ع حوش كبير فيه شجر كتير وزرع وورد بلدي، شبابيكه واسعة وبلكوناته كبيرة، أما من جوة البيت مفتوح ع بعضه زى نظام الفيلا، اول دور عبارة صالة كبيرة سقفها عالي اوى فـ وسطها سلم عريض بيوصل للدورين اللى فوق، وفيها أوضة الحاج غريب ومراته الحاجّة سميرة، واوضة السفرة والمندرة اللى بتتجمع فيها العيلة كلها طول الوقت، وتحت السلم فيه المطبخ والحمام، أما الأدوار اللى فوق، كل دور منهم عبارة شقة مفتوحة بـ أربع أوض وحمامين من غير مطبخ، ساكن كل دور منهم ابراهيم وشكرية ولاد الحاج غريب، اللى مبيطلعوش فيهم غير ع النوم بس، بأمر من أبوهم.

فـ أوضة حمزة

واقف فـ نص الأوضة بيلف حوالين نفسه بعصبية، وإيده بتقلب فـ كل حاجة قدامه، الأوضة متبهدلة تمامًا، درج الكومود مفتوح، وأدراج التسريحة مسحوبة للآخر، وضلف الدولاب والمكتب مفتوحة، وكل اللي جواهم مرمي ع الأرض، كان بيدور ع حاجته وهو متوتر وبيكلم نفسه وبيشتم:
منكم لله ياللى فـ بالي، ربنا يخلصني منكم بقااااااا، ياربي بلوتين واتحدفوا علياااا، اخلص منهم ازااااى؟.
وقف فجأة، وراح ناحية باب الأوضة بخطوات سريعة، فتحه بعنف وزعق:
زمردااااااااااااا، انتي يا زفتة يا زمردة.

زمردة طلعت السلم جري ع صوته، ورجليها بتخبط فـ بعض من الخوف، وقفت ع باب الأوضة لحظة لما شافت شكلها المقلوب، وبعدين دخلت وهي متوترة، وصوتها مهزوز: ننننعم يا حمزة.

حمزة كان واقف مكانه، بيحاول يسيطر ع أعصابه، بص لها بحدة، ورفع إيده يشاور ع درج الكومود:
الشنطة اللي كانت فـ الدرج ده.. راحت فين؟

زمردة لفت بعينيها فـ الأوضة وشافت الفوضى، وبلعت ريقها قبل ما ترجع تبص له بقلق:
شنطة ايه يا حمزة؟

حمزة اتحرك خطوة ناحيتها، وصوته عِلي أكتر:
الشنطة الصغيرة اللي جبتها من يومين.. اللى نبهت عليكي انتي واختك ما تقربوش منها! راااااحت فييييين؟

زمردة رفعت إيديها بسرعة كأنها بتدافع عن نفسها، وهي بترد بتوتر: والله يا حمزة ما شوفتها.. ولا اعرف فيها ايه أصلا، وبعدين انت عارف، لما بتنبهني ع حاجة بسمع كلامك ومابقربش منها.

حمزة وقف مكانه، وحط إيد فـ وسطه، ورفع التانية رجع بيها شعره لورا وهو بينفخ، وصدره طالع نازل من شدة عصبيته، هز راسه بضيق ومن بين أسنانه:
يبقى هى ما فيش غيرها البلوة التانية.. ماشي يا كادي الكلب.
لف بسرعة وخرج من الأوضة بخطوات تقيلة ومندفعة، رايح ناحية أوضة كادي وهو مو*لع من الغضب.

________________________

فـ أوضة كادي

كادي كانت قاعدة ع سريرها ومتمددة براحتها، المخدة ورا ضهرها ورجليها بتتهز في الهوا بدلع وهي مركزة نص تركيز مع الفيلم اللي شغال قدامها، والصوت عالي شوية، حاطة الإيربودز فـ ودن واحدة، وماسكة الموبايل فـ إيديها وبتكلم صاحبتها، وابتسامة شقية مالية وشها:
بس بقى يا ستى، اول ما لمحت الشنطة فـ ايده قولت اكيييد فيها مبتغاي، ولما حذرنا انا وزوزو، اتأكدت ان تخميني صح.

&: تخمينك صح ازاى؟

كادي عدلت قعدتها شوية، وبصت ع رجليها اللي لابسة فيها الشراب الجديد بإعجاب واضح، وكملت بنبرة فخر وسخرية:
يا بنتي موزة حبيبي ما بيحبش حد يقرب من حاجته وخصووووصا شراباته.. ومحسوبتك بقى ما بتصدق، اول ما بلمح فـ إيده شنطة صغننة، قرون استشعاري تقولي أكيد فيها شراب جديد، استنى بقى لما تيجيلي الفرصة ويخرج من البيت لأى سبب، اغطس انا بقى جوة أوضته وما اقبش غير بيه، ويرجع هو بقى من برة يدور وما يلاقيهوش، ومرة تلبسها زوزو، مرة بابا، مرة البت سكينة الشغالة.

&: وانتي بريئة مش كدا؟!

رفعت كادي دقنها لفوق بثقة وهزت كتافها وهي بتضحك ضحكة طويلة:
طبعا يا بنتي هو في زيي فـ برائتي وكياتي ههههههههههه.

&: نفسي اعرف بتاخدي شرابات أخوكي ليه؟

كادي مدت رجليها قدامها وبصت عليهم بحب كأنها بتتأمل كنز:
يا سوسو يا حبيبتي، موزة أخويا العثل ابو عيون زرقا ده، نزيه فـ نفسه بيحب يجيب شرابات براندات عالمية، شكلها تحفة اوي تمشي رجالي وحريمي، وبصراحة بقى.. بتزغلل فـ عيوني فبستعيرهم منه.

سوسو بضحك:
أه يا جاحدة، بقى بتستعيريهم؟! ولا بتضربي عليهم؟! هههههههههه

كادي بضحك:
والله ما بتفرق.. اسكتي يا بت ده جايب 5 شرابات المرة دي، انما ايه! تووووحفة.

سوسو:
أكيد خدتيهم زى عوايدك؟!

كادي ابتسمت ابتسامة نصر، وغمزت لنفسها فـ المراية اللي قدامها:
طبعا يا بنتي ربنا ما يقطع لي عادة، خدتهم خبيتهم وهلبّس زمردة فيهم كالعادة.

سوسو:
حرام عليكى يا مفترية، زمردة ذنبها ايه بس تلبّسيها؟

كادي بغيظ من اختها:
تستاهل، عشان بتفتن عليا كل شوية عند بابا وجدو، استني بقى لما اوصفلك جمال شراب حمـ...
وفجأة.. باب الأوضة اتفتح مرة واحدة، الصوت خضّها.
رفعت راسها بسرعة.. والابتسامة اتجمدت ع وشها أول ما شافت حمزة واقف قدامها، ملامحه ما تبشرش بخير، وعينه بتلمع بغضب واضح.
عينيها وسعت من الذهول، وسحبت رجلها بسرعة قعدت عليها، بتحاول تخبي الشراب، وبنبرة صوت مهزوزة:
ححححممزة!!

حمزة بص لها بغيظ وعينه بتطلع شر*ار، ونبرة صوته مليانة عصبية:
ايواااا، حمزة اللى هيطلع عينك، ايه اللى جاب شرابي فـ رجلك؟

كادي بلعت ريقها، وحاولت بسرعة تمثل الهدوء، ورفعت حواجبها بدهشة مصطنعة:
شرابك؟! ايه اللى هيجيب شراباتك عندي يا موزة؟!

حمزة بغيظ وهو بيقرب منها خطوة كأنه هيضربها:
بت انتي!! ما تستفزنيش احسنلك، دخلتي اوضتي وأخدتي شراباتي ليه؟

حركت عينيها بسرعة يمين وشمال، وبعدين بصت له وابتسمت ابتسامة بريئة وبنبرة شقية:
انا يا موزي؟! أخص عليك يا وحش.. ما كانش العشا يا قاسي، بقى كدا تتهمني الأتهام الفزيع ده؟ لا انا مخمصاك.

حمزة جز ع أسنانه، وكوّر قبضة إيده جامد وهو بيحاول يهدّي نفسه بالعافية عشان ما يتهورش عليها:
اللهم طولك يا روح.. فين الشرابات اللى خدتيها من أوضتي يا كادي؟

كادي ببراءة مصطنعة:
انا اش خدت حاجة يا موزة.

حمزة شاور بعصبية ناحية رجلها:
وبالنسبة للشراب اللي فـ رجلك ده ايييييه؟!

بصّت ع رجلها ببطء، بتدور ع إجابة تنقذها، سكتت ثانيتين، وبعدين رفعت عينيها له وصوتها طالع بالعافية:
ها.. ده، ده، ده، داااا...

حمزة قرب منها خطوتين، وحواجبه اتعقدت ووشه احمر من الغيظ:
ده اييييه؟ انطقي، ده ايه؟

كادي وقفت وهي بتبلع ريقها، وببراءة مصطنعة:
ده هو اللي جه فـ رجلي لوحده يا موزة.

حمزة غمض عينيه بقوة، وضغط بضوافره فـ كف إيده لدرجة إن عروقه بانت، بياخد نفس طويل يحاول يمسك أعصابه:
الصبر من عندك يارب عشان ما اقـtـلهااااش.. بلاش الشراب ده، فين باقي الزفت الشرابات؟

كادي رمشت بسرعة وبنبرة كلها توتر:
ها؟!

حمزة فتح عينيه مرة واحدة، وصوته عِلي أكتر:
ها ايه؟ فيييين باقى الشرابات يا كاااااادي؟

ابتدت ثقتها تتهز، ووشها اتغير. بصت للأرض وصوتها بقى واطي ومتقطع:
ما هو اصـ... اصـ... اصـ...

حمزة قرب منها أكتر، من بين أسنانه:
اصـ اييييييه؟

كادي غطّت وشها بإيديها بسرعة، وضحكت ضحكة متوترة وهي مكسوفة:
أصل انا لبستهم كلهم يا موزة.. وانت أخويا حبيبي بقى مش هتستخسرهم فيا.

حمزة وقف مكانه لحظة مش عارف يفكر، وبعدين بص لها بصدمة وعدم استيعاب:
لبستي 5 شرابات فـ يومين؟! ده انا لسة جايبهم اول امبارح؟! حسبي الله.
لف فجأة وخرج من الأوضة قبل ما أعصابه تفلت، ورزع الباب وراه بعصبية خلت الباب يترج، وهو نازل السلم بسرعة وصوته واصل لحد فوق:
انا مش عارف اعمل ايه ياربي فـ البلوة دي.. اخلص منها ازاااااي بس!

كادي فضلت باصة ناحية الباب شوية، قلبها بيدق من التوتر، استنت لحظات لحد ما صوت خطواته اختفى واطمنت انه نزل تحت، فـ أخدت نَفَسها وبعدين رمت نفسها ع السرير وهي بتضحك بخفة.. ولا كأن حاجة حصلت، وبصت لرجليها تاني، وابتسمت ابتسامة خبيثة خفيفة، وهمست بدلع كأنها بتكلم الشراب:
بس بصراحة.. شراب تحفة، تستاهل المغامرة يا روحي انت.
رجعت اتصلت مرة تانية بصاحبتها سوسو اللى قفلت فـ وشها المكالمة لحظة دخول حمزة، عشان تحكيلها اللى حصل.

___________________________

فـ القاهرة نفس الوقت
بيت منصور الراوي
شقة حنان الراوي

حنان قاعدة ع الكنبة فـ الصالة، مربعة إيد ع صدرها والتانية حاطاها ع خدها، وسايبة دموعها تنزل ع وشها من غير ما تحاول تمسحها، عينيها شاردة قدامها، لكن عقلها كان راجع لذكرياتها مع منصور وضحكته اللي اختفت فجأة، اتنهدت تنهيدة طويلة، وحطت إيدها ع قلبها كأن الوجع ماسكه من جوة
مش مصدقة لحد دلوقتي إن منصور وجليلة راحوا كدا فجأة، سابوا الدنيا وسابوا وراهم بنتهم لوحدها، هزت راسها بحزن، والدموع زادت وهي بتفتكر تقى اللي خرجت من البيت يومها مكسورة، ومن ساعتها ماحدش يعرف عنها حاجة،
همست لنفسها بصوت موجوع:
يا ترى انتي فين دلوقتي يا بنتي.. عايشة ازاي؟.. يارب تكوني بخير يا قلب عمتك.

بعد شوية، صوت خبط خفيف ع الباب قطع هدوء البيت، حنان مسحت دموعها بطرف طرحتها بسرعة، وقامت بخطوات تقيلة تفتح أول ما فتحت، كان عبد الرحمن ابن أخوها زيدان واقف قدامها ملامحه باين عليها التعب والحزن، دخل وراها بهدوء وقفل الباب من غير ما يتكلم، مشي خطوتين للصالة وقعد جنبها ع الكنبة، وسند كوعه ع ركبته، وهو مطاطي راسه.

حنان بصت له بعيونها الدبلانة من كتر البكا، وصوتها طالع مخنوق والكلام بيطلع بالعافية:
عرفت توصل لـ تقى يا عبد الرحمن؟

عبد الرحمن أخد نفس تقيل، وغمّض عينيه لحظة، بيحاول يبلع الوجع اللي جواه، وبعدين هز راسه بالنفي ببطء وبنبرة موجوعة:
لأ يا عمتي.. للأسف ما عرفتش أوصلها، ما بتردش ع تليفونها، ومافيش حد من أصحابها ولا حتى الموكلين بتوعها يعرفوا عنها حاجة.

كلامه نزل ع قلب حنان زي الحجر،
هزت راسها بيأس، وإيديها رجعت تتشبك فـ بعض، ودموعها نزلت أكتر وهي بتتكلم بصوت مكسور:
يعني كدا خلاص؟! تقى راحت؟.. بنت قلبي ضاعت مني خلاص؟
منهم لله أبوك وعمك.. بدل ما يحاجوا ع اليتيمة طردوها فـ الشارع من غير ما يرف لهم جفن.

عبد الرحمن سكت، وفضل مغمض عينيه، وجواه صراع بياكله.. وشريط الذكريات بيمر قدامه وعقله بيهمس جوة راسه:
سامحيني يا عمتي.. أنا عارف مكانها بس خايف أقولك، لو أبويا وعمي عرفوا هي فين، هيروحوا يطردوها من هناك كمان.

فـ اللحظة دي، باب أوضة سيد اتفتح، وخرج منها وهو بيتاوب وبيهرش فـ شعره بتكاسل، وقف لحظة يبص لهم، وبعدين اتكلم بنبرة مليانة ضيق واستهتار:
هو انتي يا ولية هتفضلي قاعدة لنا ليل نهار كدا تأوأي ع ست تقى واللي جرالها؟
وبعدين حوّل نظره لعبد الرحمن، وعينيه فيها طمع واضح:
ما تعقّل عمتك يا سي عبده؟ قولها الحي أبقى من الميت.. واللي راح راح خلاص، خليها تاخد نصيبها من ورث منصور بدل ما أبوك وعمك يلهفوه فـ كرشهم لوحدهم.

حنان رفعت راسها له فجأة، وعينيها حمرا من العياط والغضب، وقفت وقربت منه وهي بتزعق بصوت بيرتعش من القهر والوجع:
ورث إيه يا سيد اللي عايزني آخد نصيب منه؟! عايزني أورث منصور؟!
ده ولا كنوز الدنيا تعوّض ضافر واحد من أخوياااا.. انت فااااهم؟!

عبد الرحمن بص لـ سيد بحاجب مرفوع، ونبرة هادية لكنها مليانة اعتراض:
عمتي ست العاقلين يا عم سيد.. مش محتاجة حد يعقّلها، الدور والباقي ع اللي طمعه باين فـ عينيه وبص ع اللى ما يخصهوش.

وش سيد اتغير، وملامحه قلبت بغيظ واضح، قرب خطوة وبنبرة صوت حادة:
بقولك إيه يا ابن زيدان؟ بلاش تعملهم عليا.. ولا عشان ما ضمنت إن أبوك خد نصيبه من فلوس ومحلات منصور؟ مش همك عمتك.

عبد الرحمن قام وقف فجأة، بص لـ سيد بنظرة حادة، وصدره بيطلع وينزل من كتر العصبية، وبنبرة مشحونة:
أنا ماليش دعوة باللي أبويا أخده يا جوز عمتي.. وحرّمت الفلوس دي ع نفسي زي عمتي ما حرّمتها ع نفسها بالظبط، فياريت ما تحطنيش تاني فـ جملة واحدة مع أبويا واللي عمله.
الكلام خرج منه تقيل، وبعدين لف وشه ناحية حنان، ونظرته هديت شوية وبقى فيها وجع وضيق واضحين وبصوت مكسور:
أنا ماشي يا عمتي.. بس حبيت أسلم عليكي قبل ما اسافر.

حنان اتنهدت تنهيدة تقيلة، ورفعت عينيها له، دموعها باينة فيها، وصوتها طلع موجوع:
هتسافر فين يا ابني وسايبني لوحدي؟ مش كفاية شريف، من يوم اللى حصل ما بينزلش أجازات، هتبقى انت كمان؟

عبدالرحمن بص بسرعة ناحية سيد، وملامحه شدت شوية، وبعدين قرب من حنان خطوة، ونبرته فيها غيظ مكتوم:
معلش يا حبيبتي غصب عني مضطر اسافر تبع الشركة أصلنا واخدين مشروع فـ الواحات وهنغيب هناك شوية.
وقرب منها أكتر، حاوط كتفها بإيده بخفة، ومال عليها وهمس جنب ودنها عشان جوزها ما يسمعش: هسافر كام يوم، أدور ع تقى فـ أي بلد يمكن ألاقيها، بس يومين كدا اظبط أموري فـ الشغل الأول.
بعدين باسها فـ جبينها ورفع جسمه، ولف بسرعة ما استناش رد، خرج من الشقة بخطوات واسعة، وقفل الباب وراه بعصبية، كأنه بيهرب قبل ما أعصابه تخونه، لأنه كان عارف إنه لو فضل دقيقة كمان قدام سيد، ممكن يتهور ويغلط فيه.. فاختار يمشي ويسيبهم.

_____________________

فـ طنطا_ بيت غريب الفرماوي

نزل حمزة من عند كادي وهو متعصب ومتضايق، وخطواته تقيلة، وبعد ما كان ناوي يخرج يقابل أصحابه، غير رأيه ودخل المندرة شاف جده وباقي العيلة قاعدين، رمى عليهم السلام وقعد معاهم بدل ما يخرج:
السلام عليكم.

الحاج غريب لمح ملامح حمزة المتغيرة اول ما دخل، رفع حاجبه باستغراب وقال بنبرة اندهاش:
مالك يا حمزة؟ متعصب ليه يا ولدي؟

حمزة قرب منه فورًا، انحنى وباس إيده باحترام، وبعدين قعد فـ مكانه المعتاد جنب جده، وهو متضايق، وبيتنفس بعصبية:
هيكون مالي بس يا جدي! زهقت من البلوة اللي اسمها كادي، مش عارف أروح منها فين.

إبراهيم ضحك ضحكة عالية ملت المندرة، خلى اللي قاعدين كلهم انـfـجروا فـ الضحك معاه، ومن بين ضحكه:
أكيد خدت شراباتك زي عوايدها.

حمزة لف له بغيظ واضح من الضحك اللي حواليه، وبنبرة معترضة:
إنت بتضحك يا بابا؟! 5 شرابات جايبهم أول امبارح.. تاخدهم كلهم، لاااا ومش مكفيها، ده من جبروتها، القادرة لبستهم مرة واحدة، بذمتك ينفع كدا يعني؟ أخرج إزاي أنا دلوقتي؟

سميرة ضحكت وهي بتبص له بحنان:
وإنت خلاص يعني يا حمزة ما عندكش شرابات غير اللي أخدتهم أختك؟!

حمزة بص لجدته وهز راسه بيأس، بنبرة المغلوب ع أمره:
للأسف يا تيتة، مافيش، أخدتهم كلهم، مش عارف بس أعمل فيها إيه عشان تبطل تدخل أوضتي وتمد إيدها ع حاجتي.. مش سايبالي شراب واحد حتى ألبسه، ده ناقص كمان ألاقيها لابسة هدو....
قطع كلامه فجأة دخول كادي وكانت لابسة تيشيرت أبيض عليه رسومات سودة، وبتمشي بخطوات حذرة وهي بتبص لـ حمزة بقلق بسيط، لكن ابتسامتها البريئة ما فارقتش وشها.
أول ما عينه وقعت عليها، وقف مرة واحدة بعصبية، وخطوتين وكان قدامها، مسكها من ياقة التيشيرت بغيظ:
يعني أعمل فيكي إيييييه؟ أروح منك فييييين؟ حتى التيشيرتات؟! إنتي إيييه يا شيخة؟ منك لله!

كادي حاولت تفك إيده عنها وهي بتضحك وبنبرة كلها دلع:
موزة، موزة، أخويا حبيبي، اهدى كدا لا يطق لك عرق، بوشك اللي قلب طماطماية بلدي ده من كتر عصبيتك.
وبصت له من فوق لتحت وهي بتتملى من شكله وبنبرة كلها مشاكسة:
حَمار وحلاوة يا ناس، يا لهوي يا موزة! لو ما كنتش أخويا، بحلاوتك دي كنت خطـfـتك وساومت عليك هيما العسل اللي شبهك ده.

حمزة من العصبية بقى يهزها وهو بيتكلم بغيظ:
يعني أقـtـلك دلوقتي ولا أعمل فيكي إيييييه؟ قوليلي!

كادي ردت عليه ببرود ومرح كأن الموضوع كله هزار:
الله.. ما تهدى ع نفسك كدا يا جدع، وما ترجنيش أحسن أفور فـ وشك.

حمزة وقف لحظة يبص لها باستغراب من ردها، وبعدين فجأة زقها ناحيه الكنبة، فوقعت ع زمردة اللي كانت لسه داخلة المندرة، والاتنين وقعوا جنب بعض وسط ضحك العيلة.

حمزة رفع إيده بيأس:
لااااا.. أنا مااااشي قبل ما أرتكب جنـ*ـاية!
ولف عشان يخرج بسرعة من المندرة.

صفاء بصت لكادي بغيظ، وندهت عليه وهو خارج من باب المندرة التاني المفتوح ع حوش البيت:
تعالى بس يا حبيبي.. رايح فين كدا بالترينج والشبشب؟

حمزة رد عليها وهو ماشي من غير ما يبص وراه:
رايح لـ عمر قبل ما يجرالي حاجة من عمايل بنتك!

وفعلًا خرج من المندرة، وعدّى الحوش بسرعة وساب البيت كله، راح لـ صاحبه عمر عشان يهرب شوية من جنان أخته.

_________________________

فـ القاهرة_ مكتب سليم

سليم قاعد فـ مكتبه، مركز فـ شغله وعينيه رايحة جاية بين الملفات اللي قدامه، ماسك القلم بيحركه بين صوابعه، وكل شوية يقلب ورقة أو يكتب ملاحظة سريعة، فجأة سمع خبطة خفيفة ع الباب وقبل ما يرد، الباب اتفتح بهدوء، دخلت رانيا السكرتيرة وهي شايلة شوية ملفات فـ إيديها، ووشها مكفهر، أول ما سليم لمح ملامحها المتضايقة، وقف القلم فـ إيده، وقفل الملف اللي كان بيشتغل فيه ببطء، رجع بضهره لورا سنده ع الكرسي، بص لها برفعة حاجب وبنبرة سخرية خفيفة:
مالك؟ قالبة سحنتك ليه يا وش الخير؟

رانيا قربت من المكتب بخطوات مترددة، وحطت الملفات قدامه وهي بتتنهد، وصوتها طالع بعصبية مكتومة:
علام بيه السويدي.

سليم مال بجسمه لقدام رفع دراعه، حط كوعه ع المكتب وضم إبهامه مع الخنصر والبنصر، وسند السبابة والوسطى ع خده وبيضيق عينيه وهو باصص لها، بيحاول يفهم الموضوع، وبنبرة استفسار ممزوجة بضيق:
امممم، ماله يا آخرة صبري؟

رانيا عدلت وقفتها وبلعت ريقها واتكلمت بصوت واطي مليان غيظ:
اتصل وسأل ع أستاذة تقى.. ولما قولتله إنها سابت المكتب، قال إنه هيبعت مدير مكتبه عشان يسحب القضايا بتاعته من عندنا ويلغي التوكيل.

سليم عدل قعدته، وهز كتفه بلا مبالاة، ورجع يبص فـ الملف اللى شغال فيه وهو بيمسك القلم ويلفه بين صوابعه وببرود:
عادي.. فـ داهية، المكتب مش واقف عليه.. بناقص منه خالص.

رانيا عضّت ع شفايفها بتردد، وبصوت مهزوز:
ما هو أصل.....

سليم رفع عينه ليها بسرعة وصوته طلع بنفاذ صبر:
أصل إيه تاني يا رانيا؟ اخلصي وادلقي اللي عندك مرة واحدة.

رانيا أخدت نفس قوي وخرجته بسرعة عشان تتشجع واتكلمت بقلق:
أصل.. مش هو بس اللي عمل كدا يا فندم.. ده كمان شريف عمران، وهشام عوني، ومدكور الحسيني.. وفي 4 غيرهم عملوا نفس الحكاية من كام يوم.

فـ اللحظة دي ملامح سليم اتغيرت فجأة، الهدوء واللا مبالاة اللي كانوا ع وشه اختفوا، قام واقف مرة واحدة لدرجة إن الكرسي اتحرك وراه، وخبط بإيديه الاتنين ع المكتب بعصبية خلت الصوت يتردد فـ المكان كله، وبصوت عالي مليان صدمة وغضب:
نععععععم ياااااااااختي؟! معناه إيه الكلام ده؟!

رانيا اتوترت من رد فعله، لكنها كملت بسرعة:
يا فندم.. أغلب الموكلين ورجال الأعمال، أول ما عرفوا إن أستاذة تقى سابت المكتب بقوا بيلغوا توكيلاتهم ويسحبوا ملفاتهم من هنا.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل بنبرة قلق:
وبيقولوا.. هيدوروا ع مكتبها ويروحوا يعملوا لها توكيلات باسمها.

سليم انـfـجر فجأة، والغضب سيطر ع ملامحه، عينيه وسعت ووشه احمر، ولف حوالين المكتب بخطوات عصبية قبل ما يضرب بإيده ع سطحه تاني، وبعدين زعق بصوت عالي رجّ المكان:
ولما الكلااااام ده حصل من كام يووووم، ما بلغتنييييش لييييييه؟!

رانيا رجعت خطوة لورا من صوته، لكن سليم لسه مكمل، وصوته بيعلى أكتر مع كل كلمة:
بتتصرفي من نفسك ليييييه؟وتقولي إنها سااااااابت المكتب؟!
وبص لها بحدة وهو بيشاور بإيده بعصبية:
إنتي عارفة بغباءك ده خسّرتيني قد إيييييه؟!
قرب من المكتب وخبط عليه بكفه مرة تانية بعنف، ومن بين أسنانه:
إنتي عااااارفة يعني إيه الناس دي تسحب قضاياها وشغلها وتلغي توكيلاتها من عندناااا يا غبيييية؟!
معناه إن سليم محمود الراوي خلااااص.. انتهى!
وبحركة عصبية شاور ناحية الباب وهو بيزعق:
غووووري من وشي! صلّحي اللي هببتييييه! اتصلي بيهم حالًا.. قوليلهم إن تقى فـ أجاااازة طويلة شوية عشان حزينة ع موت أبوها وامها.. وإنك كنتي فااااهمة غلط!
اتفضلييييي!

رانيا ما استنتش لحظة، لمّت نفسها بسرعة وخرجت تجري من المكتب، إيديها بترتعش من الخوف، وهي بتهز راسها وبتقول بصوت مهزوز:
حاضر، حاضر يا فندم.

بعد خروجها من المكتب جرى، سليم فضل واقف لحظة مكانه، بياخد نفسه بصعوبة، وصدره بيطلع وينزل من شدة العصبية، مسح وشه بإيده بعنف، وبعدين قعد ع الكرسي وهو بيجز ع أسنانه، وعينيه بقت حمرا شبه كاسات الدم، مليانة غضب وهو بيهمس لنفسه بوعيد:
مااااااشي يا تقى.. هي حصّلت؟!
عايزة تاخدي مني أكبر عملاء وموكلين المكتب؟!
ضغط بكفه ع إيد الكرسي بقوة، وبنبرة مليانة تهديد:
مااااشي.. يا أنا يا إنتي يا بنت منصوووورررر.. وقابلي بقى.

________________________

فـ طنطا_ بيت كريم

رجع كريم من عيادته متأخر شوية،
دخل البيت بهدوء ع غير عادته، لا نده ع حد ولا وقف يرخم ع أخواته زي كل يوم، عدّى من الصالة ع طول ودخل أوضته، قفل الباب وراه، ورمى نفسه ع السرير بتعب، سند ضهره لورا، ورفع دراعه حطه تحت راسه، وساب رجله ع الأرض وهو باصص للسقف بشرود، تفكيره كله فـ تقى، صوتها الحزين اللي سمعه وهو عند عمر، لسة بيرن فـ ودنه، ونبرة الانكسار اللي كانت فيه مش راضية تسيبه، وشها.. ملامحها الدبلانة وعينيها اللي كان باين فيهم وجع كبير، ثواني بس شافها فيهم.. لكن صورتها علقت فـ دماغه، غمض عينه واتنهد، رغم إن بيته قصاد بيتها، والبلكونتين فـ وش بعض.. ومع كدا ما شافهاش ولا مرة واقفة فـ البلكونة، يومين عدّوا من يومها.. حاول أكتر من مرة يطلع يقف يمكن يلمحها صدفة، لكن هى مش بتطلع تقف فـ البلكونة، الإحساس ده هيجننه، عايز يشوفها تاني بأى طريقة.. يعرف عنها أي حاجة، حتى لو مجرد صدفة، اتنهد مرة تانية وهو مغمض عينه، وهو بيتمنى بس لمحة منها.

فجأة.. باب الأوضة اتفتح مرة واحدة، ودخلت كارما بدوشتها المعتادة وصوتها العالي اللي مالي البيت كله:
كييييييمووو! مز قلبي يا ناااااس وصل.. وصل.. وصل.

كريم اتخض من الصوت، وفاق من شروده بسرعة، اتعدل فـ قعدته وبص لها برفعة حاجب وبغيظ مصطنع:
إنتي يا بت إنتي! مش هتبطلِي دخلة المخبرين دي؟ هتقطعي خلفي يخربيت شيطانك.

كارما ضحكت وقربت منه، رمت نفسها جنبه ع السرير وهي بتخبط بإيدها ع صدرها بدلع:
يا لهوي يا مستهوي! أقطع خلفك وما أبقاش عمتو الحرباية؟!
وبصت له بتمثيل:
اهو ده اللي مش ممكن أبتًا أبتًا.

كريم هز راسه بيأس منها، وبصوت دافي فيه شوية شجن:
عايزة إيه يا كرملة؟ أنا مش فايق لك دلوقتي.

كارما ضيقت عينيها بمشاكسة:
مش فايق لي ليه يا مز إنت يا عسل؟
سكتت لحظة، وبعدين عملت نفسها غيرانة واتكلمت بغيظ مصطنع:
اوعى تكون قابلت واحدة كدا ولا كدا تخـtـفك مني؟! قِر واعترف قبل ما أرمي نفسي من فوق الحصيرة!

كريم سرح لحظة، وصورة تقى عدّت فـ دماغه بسرعة، رجع بص لـ كارما بضحكة خفيفة:
هو احنا عندنا حصيرة يا هبلة؟ امشي يا بت اطلعي برة، يلا شوفي إنتي رايحة فين.

كارما ما اتحركتش من مكانها، ومسكت ياقة البيجامة بإيديها الاتنين بفخر:
أنا جاية بأوامر عُليا من الحكومة يا دكترة.. عشان جعانييييين وعايزين نتعشى يا باشا ومستنيينك.

كريم رد وهو بيرجع يسند ضهره:
اتعشوا إنتوا بالف هنا.. أنا مش جعان.

فـ نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح تاني ودخل كارم توأم كارما، وكان سامع آخر جملة قالها كريم،
وقف قدامه وبص له بنظرة حزن مصطنعة وغنى بنبرة درامية:
طب والعيش اللي أنا جيبته؟
طب والكاشيير اللي حاسبته؟
طب والباقي اللي أنا سيبته؟
طب والطابور اللي وقفته؟
جبت زتون بخمسة جنيه ما اتهنيتش.. وأديني سيبته!

كريم مد إيده ورا ضهره، خـtـف المخدة فجأة وحدفها فـ وش كارم وهو بيضحك بغيظ:
امشي يا كلب، خد الجزمة دي واطلع برة.

كارم وكارما ضحكوا وطلعوا جري من الأوضة وقفلوا الباب وراهم،
ثانية واحدة بس، الباب اتفتح تاني، ودخّلت كارما راسها من الفتحة وحدفت بوسة فـ الهوا:
الأخ الحونين رزق يا إخوانا والله.

كريم قام من مكانه فجأة كأنه هيجري وراها:
امشي يا جزمة.

قفلت الباب بسرعة وبعدين فتحته تاني ع طول، وهي بتضحك:
والنبي عسل، عثثثل يا كيمو، يا خراشي لو ما كنتش أخويا الكبير.

كريم وقف حاطط إيده فـ وسطه وبص لها بحاجب مرفوع:
كنتي عملتي إيه يعني؟

كارما ردت فورًا وهي بتضحك:
ع سنة الله ورسوله يا راجل ع طول، إحنا لسة هنستنى.

فـ اللحظة دي سمعوا صوت كارم من الصالة بينادي عليها:
يا كارمااا! الأكل هيبرد، وانا جعااااااان.

كريم بص لها وهو بيضحك:
طب روحي الحقي، قبل ما كارم يخلص ع الأكل وييجي يحلي بيكي.

خرجت كارما أخيرًا من الأوضة وهي بتضحك، وقفلت الباب وراها،
سكت المكان فجأة بعد دوشتها، ورجع الهدوء يملى الأوضة من تاني.
كريم وقف لحظة مكانه، وبعدين رجع قعد ع السرير مرة تانية وسند ضهره لورا، رفع إيده ومررها فـ شعره بتعب، وعينيه سرحت قدامه،
رغم الهزار اللي حصل مع إخواته، إلا إن تفكيره رجع تاني لـ تقى.
صوتها الحزين رجع يرن فـ ودنه، وملامحها المكسورة اللي شافها ما بتفارقش خياله، اتنهد بهدوء وهو بيبص ع شباك اوضته اللى ناحية بيتها، وبهمس لنفسه:
يا ترى انتي مين وحكايتك ايه؟ ومش عايزة تخرجي من دماغي ليه بس؟

__________________________

بيت تقى

بعد يومين كمان، خرجت تقى من شقتها بهدوء بين العصر والمغرب، وطلعت السلم واحدة واحدة لحد ما وصلت لسطوح البيت، اللي كان معمول رووف ع مزاجها، وقفت أول ما وصلت، وبصّت حواليها بنظرة طويلة مليانة دموع، كل حاجة فيه كانت بتفكّرها بـ أبوها، افتكرت يوم ما كان واقف معاها بيجهزهولها، يسألها ع كل تفصيلة وهي ترد عليه بحماس طفولي، وهو ينفّذ من غير ما يقول لأ، في ركن مبني أوضة صغيرة، جنبها حمام ومطبخ بسيط.
وفي الناحية التانية، برجولة خشب، متغطية بقماش خفيف بيتهز مع الهوا، وتحتها مرجيحة عش العصفور، اللي كانت بتعشقها.
وباقي السطوح مفتوح واسع، والهوا فيه داخل طالع بحرية.
قربت تقى خطوة جوة، ولفت بعينيها فـ المكان، وقلبها بيتعصر من الوجع مع كل تفصيلة، وكأن كل ركن بينادي باسم منصور، مشيت لحد ما قربت لـ السور وقفت تبص ع الشارع من فوق ورجعت بذكرياتها لليوم اللي شافت فيه البيت اول مرة.

"فلاش باك"

بعد ما نجحت تقى فـ الثانوية العامة، منصور أخدها هي وجليلة وسافروا بيها طنطا عشان يفاجئها بهدية نجاحها، وهم فـ العربية، تقى قاعدة ورا أمها، وكل شوية تميل بجسمها لقدام، وابتسامتها مليانة شقاوة، بصت لـ أبوها وبنبرة كلها دلع واستفسار:
ممكن أفهم يا سي بابا حضرتك واخدنا أنا وجلجلة ورايح بينا فين؟

منصور ضحك وهو سايق، وبص لها من مراية العربية بحنية:
هو أنا مش قولتلك يا توتا هاخدك أفسحك وأجيبلك هدية نجاحك؟!

تقى عقدت حواجبها بتمثيل:
حصل يا والدي، بس سيادتك يا باشا قولت هنروح الغردقة!
ومدت إيدها ناحية الشباك وهي بتشاور ع الطريق:
وده مش طريق الغردقة يا حجيجة!

جليلة لفت لها بسرعة وبصت لها برفعة حاجب:
وإنتي يعني عارفة طريق الغردقة يا أخرة صبري؟

تقى ضحكت، وقربت منها وباست خدها وهي حضناها بدراعها:
يا جلجولة يا حبيبتي.. انتي ناسية إننا روحنا صيفنا هناك السنة اللي فاتت؟

جليلة ضيقت عينيها وبنبرة غيظ:
يعني إنتي لسه فاكرة الطريق يا بت إنتي؟!

تقى رفعت دقنها بفخر:
طشبعا! هو إنتي ما تعرفيش قدرات بنتشك ولا إيه يا ماي مازر؟

جليلة زقتها بخفة:
اوعي يا بت كدا.. ارجعي مكانك، خلى أبوكي يشوف الطريق كويس.
وبهمس خافت وهي بتداري ضحكتها:
والنبي طول ما هو مدلعك كدا ما إنتي فالحة.

منصور سمعها وضحك، وقال وهو مركز فـ السواقة:
وماله يا ست جليلة.. هو أنا عندي غيرها يعني؟ لو ما اتدلعتش دلوقتي وأنا عايش.. هتتدلع إمتى؟

تقى قربت منه وباست خده بسرعة وهي بتضحك:
حبيبي يا منص يا عسل إنت، ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا.

جليلة ضحكت وهي بتبص لهم:
طب ياختي.. ربنا يهني سعيد بسعيدة.

تقى بصتلها بمشاكسة:
غيرانة إنتي يا جلجلة؟ إكمني جيت خدت الراجل منك؟!
وبصت لـ منصور وهى بتضحك:
ياباااااى ع غيرة ضرتي دي ياباااى.

جليلة رفعت إيدها كأنها هتضربها:
أنا أغير منك إنتي يا بنت امبارح؟ ده أنا يا بت لسه مقلعاكي البامبرز من يومين! قال أغير منك قال.

تقى حطت إيدها ع وشها بتمثيل:
طب ليه الفضايح دي يا مامي واحنا ع طريق سفر كدا؟!
وبصت من الشباك وهى بتشاور وبنبرة كلها حزن مصطنع مبالغ فيه:
يرضيكي كدا تضحّكي عليا رمل الصحرا، وعماويد الكهربة اللى واقفة مقهورة وطلعان عينين سلكها، من الشمس والقمر والنجوم، وماحدش حاسس بيها يا عيني، وقال يريحها شوية ويقولها خلى عنك وروحي اقعدي حبة.

جليلة ضحكت وهى بتتكلم:
ايه الدراما دي كلها، يا بنت المجنونة؟

تقى عملت نفسها بتعيط وبصت لـ أبوها:
طب يرضيك إنت كدا يا دادي؟ مراتك الغيرانة عليك تشي، تضحّك عليا يفطات الاعلانات تي، والراجل الكبارة هو المزة اللى معاه اللى مبحلقين من قلب صورة الاعلان ته؟!

منصور بضحك:
لا ما يرضينيش خالص يا نونتي.

تقى رفعت راسها بغيظ مصطنع:
شوف بقى الراجل؟! اقوله ايه، يقولي ايه؟ يا عم الحاج، أنا كبيرة كبييييرة.. عندي 17 سنة وهدخل كلية حموووم، قصدي حقوووق، هههههههه.

منصور كمل طريقه وهو بيشاكس مع تقى وجليلة، لحد ما دخلوا طنطا، وفـ منطقة هادية، فيها كام بيت قريبين من بعض وحواليهم أراضي زراعية كتير، ركن منصور العربية تحت بيت كبير، وبص لـ تقى بابتسامة صافية:
طب يلا يا غلباوية.. وصلنا، انزلي بقى وملّي عينك بهديتك.

تقى نزلت من العربية، أول ما رفعت عينيها قدامها.. اتجمدت مكانها، شافت بيت كبير، خمس أدوار، شكله مميز، زي ما يكون مبني مخصوص عشانها، وفيه المواصفات اللى كانت بتتمناها، لفت وشها بسرعة ناحيتهم، وعينيها مليانة انبهار:
واااو! إيه البيت الجميل ده؟!

منصور ابتسم:
يعني عجبك البيت يا توتا؟

تقى قربت خطوة وهي لسه مش مصدقة:
ده تحفة يا بابا.. ده زي اللي كنت برسمه فـ خيالي بالظبط!
وبصت له باستغراب:
بس ما قولتليش بيت مين ده؟ وليه جينا هنا؟

جليلة ابتسمت بحنية وبنبرة صوت دافية:
ده بيتك يا حبيبتي.. هدية نجاحك يا توتا.

تقى شهقت بخضة فرحة، وقربت منهم بسرعة حضنتهم الاتنين مرة واحدة، ودموعها نزلت من غير ما تحس:
ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم أبدًا.

منصور مسك وشها بين كفوفه، وباس جبينها بحب:
ولا يحرمنا منك يا نور قلبي، وضى عيني.. تعالى بقى نشوف البيت من جوة.
وقف لحظة وبص لها بجدية خفيفة:
بس.. مش عايز مخلوق يعرف عن البيت ده حاجة، لا أعمامك ولا أخوالك ولا حتى أصحابك. فاهمة يا تقى؟

تقى بصت له باستغراب:
ليه يا بابا؟

جليلة مسكت إيدها وسحبتها لـ جوة:
سيبيها لوقتها يا حبيبتي.. وهتفهمي كل حاجة بعدين، يلا بس دلوقتي ندخل نتفرج ع البيت.

دخلت تقى البيت، وكل خطوة بتخطيها جوة البيت، بتخليها تنبهر أكتر، الدور الأول كان مفتوح كله ع بعض.. شقة كبيرة جدًا متأسسة مكتب محاماة كامل، متشطب ومفروش، حتى اليافطة اللي عليها اسمها جاهزة ع التركيب، لفت حوالين نفسها بفرحة وهي مش مصدقة اللى عينيها بتشوفه، باقي الأدوار.. التاني والتالت، 3 شقق فـ الدور وفيهم سكان، والرابع شقتين واسعين ومفروشين هما والمكتب بالموبيليا اللى معمولة بإيد منصور.
أما الدور الخامس، فـ ده السطوح.. اللى سابه لتقى تقسمه زى ما هى عايزة، يبقى مساحتها وحلمها..
تعمل فيه كل اللي نفسها فيه.

"عودة للوقت الحالي"

فاقت تقى من شرودها ع رنة تليفونها اللي قطعت هدوء السطوح، بصّت للشاشة لقت رقم غريب، زادت دقات قلبها فجأة، واترددت لحظة قبل ما ترد، وبعدين ضغطت ع مفتاح المكالمة، وأول ما وصلها الصوت.. جسمها كله اتخشب مكانه، ده آخر صوت كانت ممكن تتوقع انها تسمعه، سحبت نفس قوي، وخرجته بسرعة، بتحاول تمسك أعصابها، وملامحها اتحولت لـ قسوة باردة وهي بترد بنبرة حادة:
خير؟ في حاجة تاني لسة ما قولتهاش؟

ع الناحية التانية، سليم كان مو*لّع، ونَفَسه مسموع من كتر العصبية:
عايزة مني اييييه يا تقى؟ بتحاربيني فـ شغلي وتسرقي عملائي وموكليني لييييييه؟ قد كدا الحقد والغل ماليكي؟! ولا عايزة تنتقمي من اللى عملوه فيكي أبويا وعمي؟ عااااايزة ايييييه بالظبط؟

تقى لفّت وشها بعيد عن السور، وضغطت ع الموبايل بإيدها لحد ما صوابعها ابيضت، وبصّت قدامها بنظرة حادة ومن بين أسنانها:
عندك؟! انت مين أصلا عشان اسرق منك حد؟ فوق لنفسك يا سليم مش انا اللى يتقالي الكلام ده.

سليم كان بيلف فـ مكتبه زي الأسد المحبوس، كفه بيخبط فـ أي حاجة قدامه، وصوته بيعلى أكتر مع كل كلمة:
لاااا، انتي يا تقى! انا عارف ومتأكد انك ورا كل الناس دى.. وانتي اللى بتسحبيهم لمكتبك عشان تردي ع اللى عملناه فيكي، وانا مش هسكت.. وهندمك ع كل عميل خدتيه من عندي.

تقى غمضت عينيها لحظة، بتحبس انـfـجارها جواها.. وبعدين فتحتهم، ونبرة صوتها خرجت بتحدي:
هتعمل ايه يعني يا سليييم؟

سليم رد بحدة، وملامحه متشنجة وبنبرة وعيد:
انتي ونصيبك بقى يا بنت الـ...... يا بنت منصوووور.

الجملة ضربتها فـ مقـtـل، رقبتها شدت، وعينيها لمعت بجرح قديم اتفتح مرة واحدة، رفعت دقنها لـ فوق، بتقاوم دمعة شاردة وابتسمت ابتسامة مليانة قهر:
تصدق؟! انا ما كنتش ناوية اقرب منك تاني أبدا، رغم ان فعلا عملاء كتير منهم بعتولي ع الواتس عشان امسك شغلهم.. لكن انا رفضت.
خدت نفس تقيل، وصوتها بدأ يرتعش من الغضب وهي بتعدّي ع جروحها واحدة واحدة وكملت ببطء:
بس عشان قلة أدبك دي.. وحق كل دمعة قهر نزلت من عيني، وحق كل دقة وجع ضربت قلبي، وحق الدبلة اللى رميتها فـ وشي، وحق طردي فـ نص الليل وعز البرد من بيت أبويا من غير ما اخد عزاه هو وامي يا سليم.
اتحركت خطوتين من مكانها وهى بتكمل، كأنها شايفاه واقف قدامها، وصوتها بقى مليان تهديد صريح:
لادفعك تمن كل ده انت وابوك وعمك.

سليم وقف فجأة، وضغط ع التليفون بعصبية، ورد من بين أسنانه:
ماتنسيش نفسك يا تقى وشوفى انتي بتكلمي مييييين.

تقى ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع، وبعدين صوتها عِلي فجأة، ونبرتها خرجت قاطعة وهى بتشاور ع نفسها:
ما تنساش انت نفسك سليم بيه، انا اللى عملت لك اسم، اناااا، مش حد تااااااني!
بدأت تتمشى فـ السطوح بعصبية، وإيديها بتتحرك مع كل كلمة:
مذكرات تقى، هى اللى عملتك، مرافعات تقى، هى اللى كبّرتك، غبااااااء تقققققى فـ نسب كل نجاح بتحققه لـ اسمك هو اللى خلاك تتنقل من مكتب صغير معففففن فـ حارة معفففنة، ومافيش زبون واااااحد بيعبرك.
وقفت فجأة، وبصّت قدامها وصوتها بقى اقسى:
لـ مكتب كبيييير فـ وسط البلد، وعملائك من أكبر رجال الأعمال والسياسيين، مجهوووودي اناااااا هو اللى خلاك سليم الراااااوي المحامي المشهووور يا متر.

سليم انـfـجر بعد ما فقد أعصابه تماما، وصوته طلع أقرب للصراخ:
لااااا، انتي باين عليكي اتجنتي يا بت انتى، عملتي مين يا مامااااا، انا ماحدش عمل لي اسم غير تعبي ومجهودي، انا اللي شقيييت لحد ما بنيت اسمممممي، فاهمة ولا لأ؟

تقى هزت راسها ببطء بعدم تصديق، وعينيها دمعت، بس صوتها كان حاد زي السـkـينة:
اسمك اللى بنيته ع كتافى مش كداااا؟
رفعت إيدها تمسح دموعها وبعدين كملت بنفس الإصرار:
طب وحياااااات كل مذكرة وملف سهرت عليييهم بالليالي قبل ما يتكتب عليهم اسمك، وحياااااات كل مرافعة اترفعت فيها ونسبت نجاحها ومكسبها ليييك.
سكتت لحظة، وصدرها بيطلع وينزل بسرعة، وبعدين كملت بصوت موجوع مكسور وغاضب فـ نفس الوقت:
وحيات قلبي اللى كسرته بعد حب السنيين دي كلها.
رفعت عينيها بقوة، وصوتها اتملى قسوة مرعبة:
لارجعك تاااااااني مكتبك المعفن اللى فـ الحارة وارجعك تاااااااني تقف تشحت القضايا من ع باب المحاااااكم، وعد مني يا سليم والوعد دين.
كملت كلامها وهى بتضغط ع كل كلمة، وصوتها بقى أهدى بس مليان تهديد:
هخليك توطي انت وابوك وامك وعمك تبوسوا الجزمة اللى رميتوها من البلكونة.
سكتت لحظة، ورجعت كملت بسرعة بنبرة صوت باردة جدا:
وانت عااااارف كويس اوي، اني بنفذ وعدي حتى لو ع رقبتي.

قالت تقى جملتها الأخيرة، وضغطت ع إنهاء المكالمة بعنف، كأنها بتكسر آخر جسر كان رابطها بالماضي، وفجأة انـfـجر صوتها بصرخة طالعة من قلب موجوع ومكسور، صرخة رجّت المكان بتطلع فيها كل القهر والوجع اللى ماليها مرة واحدة، وفـ لحظة.. إيدها ارتخت وسابت التليفون فوقع من بين صوابعها، جسمها كله ارتعش، ونَفَسها اتلخبط، وعينيها زاغت.. ثواني، وكانت بتقع ع الأرض، فقدت الوعي تمامًا، وكأن كل اللي كان ساندها انهار مرة واحدة.

برد الرحيل بقلمي✍️_______لبنى دراز

&: لااااااااااااا، تقاااااااااااااا

لااااااا، ابعده عني عشان خاطري، ابوس ايدك خليه يبعد عني.

يتبـــــــــع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات