رواية وتيد ضي كامله وحصريه بقلم ياسمين الهجرسي
سبحان الله وبحمده 
سبحان الله العظيم.
*****
"شفرة الخوف.. وجبروت النخوة"
*****
"اللهمَّ اجْعَلْ في قلبي نورا ، وفي لساني نورا، واجْعَل في سمعي نورا، وَاجْعَل في بصري نورا ، وَاجْعَل مِنْ خَلفي نورا ، وَمِنْ أمامي نورا ، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقي نورا ، وَمِن تَحْتي نورا اللهم أعطني نورا"
*****
هناك أصابع تُطوى لتصنع قبضة، وأصابع تُطوى لتخنق سراً، لكن أصابعها الأربعة كانت تُطوى لتكتب في الفراغ الساكن صرخة استغاثة لم يسمعها الكون.. وسماها هو!
في زحام الوجوه الزائفة والقلوب المتكبرة التي لا تلتفت إلا لمراياها، انشقت الأرض عن عينين صقريتين تقرآن لغة الصمت.
لم تكن مجرد شفرة عابرة، بل كانت نداء القَدَر الذي يوقظ في صدر الرجل دماء النخوة الحارة، لتولد بين ركام الغرور والهروب حكاية عاصفة، أول فصولها جمر وأخرها مجهول!"
******
كان الصخب في بهو المجمع التجاري يرتفع ويهبط كأمواج بحرٍ مضطرب، الأضواء البراقة المنعكسة على الأرضيات الرخامية المصقولة تمنح المكان فخامة باردة، فخامة لا تدفئ القلوب الجافة.
وسط هذا الزحام، كان يتفرد بحضوره؛ كريم شابٌّ صاغته الأقدار ليكون درعاً قبل أن يكون رجلاً.
جسده بنيانٌ مرصوص، طولٌ فارع وبسطة في الجسم تفرض الهيبة دون افتعال، منكباه العريضان يحملان ثقل مسؤولية لا يراها العابرون، عيناه صقريتان، حادتان، تلتقطان تفاصيل التفاصيل في ثوانٍ معدودة، ذكاءٌ ذهني متوقد يترجم الإيماءات، وجرأةٌ تسري في عروقه مسرى الدم.
ورغم أن جسده يشي برياضيٍّ محترف أو مقاتلٍ متمرس، إلا أن ثيابه المدنية البسيطة وعفوية حركته جعلته يبدو
كأي عابرٍ وسيم، يمتلك من اللياقة والشهامة ما يجعله منقذاً بالفطرة، دون حاجة لعلامة شرطية فوق كتفه.
وعلى نقيضه تماماً،
كانت تسير بجانبه
"مي" فتاةٌ وهبها الله
وجهاً كوجوه الغزلان، عيناها واسعتان ومكحلتان بسحرٍ طبيعي، قوامها متوسط الطول، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل حول كتفيها يتموج مع كل خطوة كشلال ليل.
كانت على قدرٍ شاهق من الجمال البصري، لكن هذا الجمال كان مغلفاً بطبقة
سميكة من الكبرياء الزائف.
ملامحها الدقيقة، من أنفها المستدق الشامخ بغير حق إلى شفتيها المزمومتين دائماً باعتراض، كانت تنطق بالغرور.
تفكيرها متمحور حول ذاتها، صوتها العالي المدجج بالنبرة الآمرة كان يمزق هدوء المكان، عصبية لا مبرر لها، تظن أن الكون بأكمله يدور في فلكها، وأنها الوحيدة المصيبة والجميع خطأ.
كانت المعركة الصامتة بينهما قد بلغت ذروتها منذ دقائق داخل أحد المتاجر الفاخرة؛ حين أصرت "مي" على شراء فستانٍ عارٍ، فستانٍ يخدش الحياء ولا يليق بوقار العلاقة التي تجمعها برجلٍ مثله.
وحين رفض "كريم" بهدوء وحسم، انقلبت الدنيا ولم تقعد
كان كريم يمسك هاتفه، يتحدث بنبرة منخفضة وجادة مع أحد زملائه، محاولاً التوفيق بين عمله وبين ثوران خطيبته التي كانت تمشي بجواره تلفح الأرض بخطواتها الغاضبة، وتدمدم بكلمات حادة.
تعمدت "مي" أن تبتعد عنه خطوة، ثم التفتت إليه بحدة لتخبط كتفها بكتفه عمداً وهي تزفر بضيق، محاولةً إجباره على إنهاء المكالمة.
في تلك اللحظة بالذات انشقت الأرض عن مشهدٍ آخر تماماً.
عبرت من أمامهما فتاة، كانت تبدو كشجرةٍ ذابلة في خريفٍ مفاجئ.
تسير بخطواتٍ متهالكة، يمسك بساعدها رجلٌ متصابي، رجلٌ خمسيني يحاول عبثاً طمس معالم سنه بملابس شبابية لا تليق بوقاره المفقود، خصلات شعره المصبوغة بعناية، وعطره النفاذ الفج، ونظراته الزائغة المتوترة التي كانت تلتفت
يميناً ويساراً كذئبٍ يخشى الوقوع في شرك.
كان يضغط على يد الفتاة بعنفٍ خفي، يدعي أنه يسندها، لكن قبضته كانت كالقيد.
الفتاة لم تصرخ، لم تبكِ، ولم تصدر صوتاً، بل التفتت بجسدها التفاتة ضئيلة،
ورفعت كفها في مستوى صدرها متعمّدةً أن يراها كريم
فتحت كفها بالكامل.. ثم طوت إبهامها إلى الداخل.. وأطبقت أصابعها الأربعة المتبقية فوقه ببطء، ثم عادت وفردتها.. وكررت الحركة.
(إشارة الاستغاثة العالمية شفرة الأصابع الأربعة الصامتة)
تلك الحركة التي تعني شيئاً واحداً لا غير:
"أنا في خطر، أنا مخطوفة، أنقذني دون أن يشعر من معي"
هي رسالة موجهة لكل إنسان ناضج أو طفل، ليعلم أن من يفعلها يطلب نجدة فورية، إما بالتدخل المباشر أو بإبلاغ الشرطة فوراً.
انقبضت حدقتا كريم غريزة الشرطي فيه استيقظت كبرقٍ خاطف.
لم يكن بحاجة لتفكير؛ المشهد أمامه واضح كالشمس الفتاة تُساق إلى حتفها.
التفت إلى مي، وبنبرة صوتٍ تبدلت تماماً، صلبة كالفولاذ، حاسمة لا تقبل الجدال، قال لها:
"مي اطلبي أوبر فوراً وروحي على البيت متستنينيش"
برقت عينا مي بالغيظ، وارتفع صوتها المغرور مستنكراً:
"أنت بتجرأ بتطردني يا كريم؟ بتمشيني عشان تليفون؟
أنا مش هتحرك من هنا!"
لكنه لم يمنحها ثانية واحدة لجدالها السقيم، التفت عنها وجرى، تاركاً إياها تشتعل بغرورها خلفه.
اندفع كريم بخطواتٍ واسعة وسريعة، يشق الزحام بعينين لا تفارقان ظهر الرجل المتصابي والفتاة.
خرج من الباب الزجاجي الكبير للمول، ليعاجله الغيظ وضوء الشمس، التفت يميناً وشمالاً بجسده المشدود كالقوس، ليرى الفتاة تُدفع دفعاً داخل سيارة سوداء ذات نوافذ
معتمة كانت تنتظر أمام
البوابة مباشرة.
انطلقت السيارة بقوة، مخلّفةً وراءها صرير إطاراتٍ حاد.
أدرك كريم أن الجري على الأقدام لن يسعفه التفت يميناً، فلمح شاباً يقف بجانب دراجة نارية حديثة من نوع (ريس)، يرتدي خوذته ويستعد للانطلاق.
لم يتردد كريم ثانية تقدم نحو الشاب بخطواتٍ حاسمة، وأخرج بطاقته الشرطية بيده اليسرى يرفعها أمام عيني الشاب، بينما كانت يده اليمنى تشير إلى السيارة المبتعدة:
"يا فندم، أنا الظابط كريم، شغال في القسم الفلاني.. محتاج الريس بتاعك حالاً.. مأمورية خطف!"
لم ينتظر كريم رد فعل الشاب المذهول وبشهامته المعهودة وجرأته التي لا تعرف الخوف، قفز فوق مقعد الدراجة النارية، أدار المحرك الذي زأر بقوة في المكان، وانطلق كالسهم يشق الطريق، يطارد خيوط الجريمة وعيناه مثبتتان على الهدف، تاركاً خلفه صخب المول، وغرور مي ليلبي نداء أصابع أربعة طُلبت منه الحياة.
يتبع.....
سبحان الله العظيم.
*****
"شفرة الخوف.. وجبروت النخوة"
*****
"اللهمَّ اجْعَلْ في قلبي نورا ، وفي لساني نورا، واجْعَل في سمعي نورا، وَاجْعَل في بصري نورا ، وَاجْعَل مِنْ خَلفي نورا ، وَمِنْ أمامي نورا ، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقي نورا ، وَمِن تَحْتي نورا اللهم أعطني نورا"
*****
هناك أصابع تُطوى لتصنع قبضة، وأصابع تُطوى لتخنق سراً، لكن أصابعها الأربعة كانت تُطوى لتكتب في الفراغ الساكن صرخة استغاثة لم يسمعها الكون.. وسماها هو!
في زحام الوجوه الزائفة والقلوب المتكبرة التي لا تلتفت إلا لمراياها، انشقت الأرض عن عينين صقريتين تقرآن لغة الصمت.
لم تكن مجرد شفرة عابرة، بل كانت نداء القَدَر الذي يوقظ في صدر الرجل دماء النخوة الحارة، لتولد بين ركام الغرور والهروب حكاية عاصفة، أول فصولها جمر وأخرها مجهول!"
******
كان الصخب في بهو المجمع التجاري يرتفع ويهبط كأمواج بحرٍ مضطرب، الأضواء البراقة المنعكسة على الأرضيات الرخامية المصقولة تمنح المكان فخامة باردة، فخامة لا تدفئ القلوب الجافة.
وسط هذا الزحام، كان يتفرد بحضوره؛ كريم شابٌّ صاغته الأقدار ليكون درعاً قبل أن يكون رجلاً.
جسده بنيانٌ مرصوص، طولٌ فارع وبسطة في الجسم تفرض الهيبة دون افتعال، منكباه العريضان يحملان ثقل مسؤولية لا يراها العابرون، عيناه صقريتان، حادتان، تلتقطان تفاصيل التفاصيل في ثوانٍ معدودة، ذكاءٌ ذهني متوقد يترجم الإيماءات، وجرأةٌ تسري في عروقه مسرى الدم.
ورغم أن جسده يشي برياضيٍّ محترف أو مقاتلٍ متمرس، إلا أن ثيابه المدنية البسيطة وعفوية حركته جعلته يبدو
كأي عابرٍ وسيم، يمتلك من اللياقة والشهامة ما يجعله منقذاً بالفطرة، دون حاجة لعلامة شرطية فوق كتفه.
وعلى نقيضه تماماً،
كانت تسير بجانبه
"مي" فتاةٌ وهبها الله
وجهاً كوجوه الغزلان، عيناها واسعتان ومكحلتان بسحرٍ طبيعي، قوامها متوسط الطول، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل حول كتفيها يتموج مع كل خطوة كشلال ليل.
كانت على قدرٍ شاهق من الجمال البصري، لكن هذا الجمال كان مغلفاً بطبقة
سميكة من الكبرياء الزائف.
ملامحها الدقيقة، من أنفها المستدق الشامخ بغير حق إلى شفتيها المزمومتين دائماً باعتراض، كانت تنطق بالغرور.
تفكيرها متمحور حول ذاتها، صوتها العالي المدجج بالنبرة الآمرة كان يمزق هدوء المكان، عصبية لا مبرر لها، تظن أن الكون بأكمله يدور في فلكها، وأنها الوحيدة المصيبة والجميع خطأ.
كانت المعركة الصامتة بينهما قد بلغت ذروتها منذ دقائق داخل أحد المتاجر الفاخرة؛ حين أصرت "مي" على شراء فستانٍ عارٍ، فستانٍ يخدش الحياء ولا يليق بوقار العلاقة التي تجمعها برجلٍ مثله.
وحين رفض "كريم" بهدوء وحسم، انقلبت الدنيا ولم تقعد
كان كريم يمسك هاتفه، يتحدث بنبرة منخفضة وجادة مع أحد زملائه، محاولاً التوفيق بين عمله وبين ثوران خطيبته التي كانت تمشي بجواره تلفح الأرض بخطواتها الغاضبة، وتدمدم بكلمات حادة.
تعمدت "مي" أن تبتعد عنه خطوة، ثم التفتت إليه بحدة لتخبط كتفها بكتفه عمداً وهي تزفر بضيق، محاولةً إجباره على إنهاء المكالمة.
في تلك اللحظة بالذات انشقت الأرض عن مشهدٍ آخر تماماً.
عبرت من أمامهما فتاة، كانت تبدو كشجرةٍ ذابلة في خريفٍ مفاجئ.
تسير بخطواتٍ متهالكة، يمسك بساعدها رجلٌ متصابي، رجلٌ خمسيني يحاول عبثاً طمس معالم سنه بملابس شبابية لا تليق بوقاره المفقود، خصلات شعره المصبوغة بعناية، وعطره النفاذ الفج، ونظراته الزائغة المتوترة التي كانت تلتفت
يميناً ويساراً كذئبٍ يخشى الوقوع في شرك.
كان يضغط على يد الفتاة بعنفٍ خفي، يدعي أنه يسندها، لكن قبضته كانت كالقيد.
الفتاة لم تصرخ، لم تبكِ، ولم تصدر صوتاً، بل التفتت بجسدها التفاتة ضئيلة،
ورفعت كفها في مستوى صدرها متعمّدةً أن يراها كريم
فتحت كفها بالكامل.. ثم طوت إبهامها إلى الداخل.. وأطبقت أصابعها الأربعة المتبقية فوقه ببطء، ثم عادت وفردتها.. وكررت الحركة.
(إشارة الاستغاثة العالمية شفرة الأصابع الأربعة الصامتة)
تلك الحركة التي تعني شيئاً واحداً لا غير:
"أنا في خطر، أنا مخطوفة، أنقذني دون أن يشعر من معي"
هي رسالة موجهة لكل إنسان ناضج أو طفل، ليعلم أن من يفعلها يطلب نجدة فورية، إما بالتدخل المباشر أو بإبلاغ الشرطة فوراً.
انقبضت حدقتا كريم غريزة الشرطي فيه استيقظت كبرقٍ خاطف.
لم يكن بحاجة لتفكير؛ المشهد أمامه واضح كالشمس الفتاة تُساق إلى حتفها.
التفت إلى مي، وبنبرة صوتٍ تبدلت تماماً، صلبة كالفولاذ، حاسمة لا تقبل الجدال، قال لها:
"مي اطلبي أوبر فوراً وروحي على البيت متستنينيش"
برقت عينا مي بالغيظ، وارتفع صوتها المغرور مستنكراً:
"أنت بتجرأ بتطردني يا كريم؟ بتمشيني عشان تليفون؟
أنا مش هتحرك من هنا!"
لكنه لم يمنحها ثانية واحدة لجدالها السقيم، التفت عنها وجرى، تاركاً إياها تشتعل بغرورها خلفه.
اندفع كريم بخطواتٍ واسعة وسريعة، يشق الزحام بعينين لا تفارقان ظهر الرجل المتصابي والفتاة.
خرج من الباب الزجاجي الكبير للمول، ليعاجله الغيظ وضوء الشمس، التفت يميناً وشمالاً بجسده المشدود كالقوس، ليرى الفتاة تُدفع دفعاً داخل سيارة سوداء ذات نوافذ
معتمة كانت تنتظر أمام
البوابة مباشرة.
انطلقت السيارة بقوة، مخلّفةً وراءها صرير إطاراتٍ حاد.
أدرك كريم أن الجري على الأقدام لن يسعفه التفت يميناً، فلمح شاباً يقف بجانب دراجة نارية حديثة من نوع (ريس)، يرتدي خوذته ويستعد للانطلاق.
لم يتردد كريم ثانية تقدم نحو الشاب بخطواتٍ حاسمة، وأخرج بطاقته الشرطية بيده اليسرى يرفعها أمام عيني الشاب، بينما كانت يده اليمنى تشير إلى السيارة المبتعدة:
"يا فندم، أنا الظابط كريم، شغال في القسم الفلاني.. محتاج الريس بتاعك حالاً.. مأمورية خطف!"
لم ينتظر كريم رد فعل الشاب المذهول وبشهامته المعهودة وجرأته التي لا تعرف الخوف، قفز فوق مقعد الدراجة النارية، أدار المحرك الذي زأر بقوة في المكان، وانطلق كالسهم يشق الطريق، يطارد خيوط الجريمة وعيناه مثبتتان على الهدف، تاركاً خلفه صخب المول، وغرور مي ليلبي نداء أصابع أربعة طُلبت منه الحياة.
يتبع.....