رواية وتيد ضي الفصل الثاني 2 بقلم ياسمين الهجرسي
سبحان الله وبحمده
سبحان الله العظيم.
*****
" مطاردة فوق جمر الموت"
*****
حين يعوي المحرّك بين ساقيه كإعصارٍ غاضب، وتتسابق الريح لتمزيق السكون، لا يعود الطريق مجرد أسفلت ممتد بل يصبح مسرحاً لمطاردة الموت.
هو لا يطارد سيارة، بل يطارد حقاً سُلب في عتمة الجحود، ودموعاً انهمرت على وجنةٍ بريئة لم تجد ملاذاً سوى ظهر رجلٍ صِيغ من فولاذ النخوة.
بطلقة واحدة تهاوت حصون الباطل، وبضربةٍ واحدة أخرست كبرياء الدناءة.
هناك، وسط قفار الصحراء ولهيب الشمس، نُحتت الملامح الأولى لعهدٍ جديد، عهدٌ يبدأ بكلمتين زلزلتا الخوف:
'أنا كريم الهواري'، لتبدأ خلف ظهره حكاية فتاةٍ خُلقت من ضيّ لكنها عاشت في الظلام طويلًا!"
*****
زأر محرك "الريس" تحت كريم كوحشٍ كاسر أُطلق سراحه من أصفاده.
انطلق كالسهم، يشق الهواء بصدورٍ عارية إلا من الجرأة، الريح تلطم وجهه بقسوة، وشعره يتطاير مع السرعة التي بدأت تتصاعد جنونياً، لكن عينيه خلف نظراته الحادة
كانتا مثبتتين على تلك
السيارة السوداء التي كانت تلتهم الأسفلت أمامه، تتلوى بين السيارات بتهورٍ أعمى وكأن سائقها شيطانٌ يفر من لعنته.
كان الطريق العام يغص بالمارة والعائلات، قبض كريم على مقود الدراجة بقوة، مفاصل أصابعه تحولت إلى اللون الأبيض من شدة الضغط.
غريزته الأمنية وخبرته الذهنية كانت تزن الأمور بميزان من ذهب؛ الاندفاع الأعمى هنا خطيئة.
أي هفوة، أي مناورة خاطئة وسط هذا الزحام قد تودي بحياة بريء، أو ما هو أسوأ، قد تدفع الخاطفين إلى ارتكاب حماقة تنهي حياة تلك الفتاة المستغيثة داخل الصندوق الحديدي المسرع.
كان يتحكم بجنون الآلة برصانة عقله، يحافظ على مسافة أمانٍ تتيح له المراقبة دون الإضرار بالطريق، ينساب بين الخطوط بمرونة الفهد، ينتظر لحظة الانعتاق لحظة الخلاص.
وفي جحيم السيارة من الداخل، كان الوضع أكثر مأساوية.
كانت "ضيّ" ترتجف، جسدها الضئيل يرتطم بباب السيارة
مع كل انعطافة جنونية.
دموعها حفرت مجاري على وجنتيها الشاحبتين، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق تحدٍّ يرفض الانكسار.
وفوقها، كان "جلال" ذلك العجوز المتصابي، قد نزع قناع الوقار تماماً، لتظهر مخالبه القبيحة.
وجهه المحتقن بالدم وعيناه الجاحظتان كانا ينطقان بالرعب والغل.
انهال بيده على كتف ضيّ، يهزها بعنفٍ وحشي أطاح برأسها يميناً وشمالاً، وهو يصرخ بنبرة فحيحٍ مرعبة:
"أنتِ أكيد قولتيلوا حاجة! الشحط اللي جِري وراكِ ده مين؟
أنطقي تعرفيه منين؟
كلمتيه إزاي ومن ورايا ومين ده اللي يضحي بنفسه عشانك؟!"
صرخت ضيّ بوجع، تحاول حماية وجهها بيديها المرتجفتين:
"معرفوش!
والله العظيم ما اعرفه، سيبني في حالي بقى، سيبني!"
لكنه لم يستمع، بل رفع يده وضربها بقسوة على وجهها، ليرتد رأسها للخلف منتفضاً، وهو يزمجر:
"أكيد تعرفيه!
قولي منين مش هسيبك تضيعي شقا عمري، قولي منين!"
في تلك اللحظة بالذات، انفتح الطريق أمام كريم، انقشعت السيارات فجأة، ودخلت المطاردة إلى شريطٍ صحراوي فاضٍ، ممتد كالأفق بلا نهاية، والشمس تسكب لهيبها فوق الرمال والأسفلت.
لمح كريم من خلف الزجاج المعتم للسيارة حركة الضرب والاهتزاز؛ رأى يد جلال وهي تهوي على الفتاة.
في تلك اللحظة، تحول كريم من شرطي يطارد مجرماً إلى إعصارٍ من الغضب الساطع انتهى وقت الانتظار.
بيدٍ واحدة تحكم في توازن الدراجة النارية المسرعة بسرعة جنونية، وباليد الأخرى، سحب سلاحه الميري من غمده بحركة خاطفة وسلسة كأنها رقصة موت.
ثبّت عينه على الهدف، وبتركيزٍ ذهني خارق تلاشت معه كل أصوات الرياح، وجه فوهة المسدس نحو الكاوتش الخلفي للسيارة.
"دوى صوت الطلقة!"
اخترق الرصاص الإطار بدقة قناص انفجر الكاوتش بعنف، وصرخت السيارة وهي تفقد توازنها، لتنحرف يميناً ويساراً، وترسم خطوطاً سوداء مرعبة من المطاط المحترق على الأسفلت، قبل أن يتدارك السواق المقود بصعوبة
وتتوقف السيارة بشكل
عرضي وسط تصاعد
سحب الغبار والأدخنة.
قبل أن تقف السيارة تماماً، كان كريم قد كبح جماح الريس ببراعة، وهبط عنه والشرار يتطاير من عينيه.
تقدم نحو السيارة كأنه الموت القادم على قدمين، بمجرد أن فُتح باب السيارة الخلفي وحاول جلال الخروج وهو يجر ضيّ وراءه ليتخذها درعاً، كان كريم قد وصل.
اندفع كريم كالفهد، وبيدٍ قوية كقضبان الحديد، جذب ضيّ من بين يدي العجوز بحركة خاطفة، وسحبها خلف ظهره العريض، ليصبح جسده الفارع حائط صدٍّ منيع يحجب عنها الدنيا بأسرها.
أحست ضيّ لأول مرة منذ سنوات بأنفاسها تعود إليها، وبأن هذا الظهر هو أأمن مكان على وجه الأرض.
وقف كريم، جسده مشدود، وعيناه تقذفان جمراً، ووجه مسدسه مباشرة نحو جلال والسائق الذي هبط سريعاً وهو يرتجف.
نبرة صوت كريم حين خرجت، هزت أرجاء المكان الصامت، نبرة رخامية حادة تجمّد الدماء في العروق:
"أنتم عارفين إن السلاح ده مرخص، وطلقة واحدة في نص دماغكم أكون قضيت عليكم واللي مش عارفني، أنا
"كريم رأفت الهواري!"
سقطت الكلمات كالصواعق السائق تملكه الرعب، فرفع يديه في الهواء فوراً، وتراجع للخلف وجسده يتنفض، وصاح بصوتٍ باكٍ:
"يا باشا أنا عبده المأمور!
ماليش دعوة، أنا سواق وعملت اللي اتقالي عليه وما عملتش حاجة، أمانة عليك يا باشا!"
أما جلال، فرغم الرعب الذي تملكه من رؤية السلاح ومن هيبة اسم "الهواري"، إلا أن ثعلب المحاماة الخبيث بداخله حاول اللعب بالكلمات.
عدّل من هندام ثيابه المتصابية برعشة ملحوظة، وحاول إعطاء نبرته وقاراً زائفاً وهو يقول:
"يا باشا أنا ما عملتش حاجة، دي بنتي وإحنا مروحين بيتنا! إيه تهمتنا؟
أنت بتوقفنا في الطريق العام بأي حق؟"
التفت كريم قليلاً برأسه، دون أن يزيح عينه أو سلاحه عن جلال، ونظر إلى الفتاة القابعة خلف ظهره ترتعش كعصفور بلله المطر.
هبطت نبرته قليلاً لتصبح حانية، وجسورة في آنٍ واحد:
"أنتي يا آنسة تعرفي الراجل ده؟"
رفعت ضيّ عينيها الغارقتين بالدموع، ونظرت إلى كريم وكأنها تنظر إلى طوق نجاة أرسلته السماء.
وبصوتٍ مخنوق بالبكاء لكنه حاسم، قالت:
"آه أعرفه هو جوز أمي، وشغال محامي، وعايزني أتنازل له عن كل حقوقي وميراثي من أمي!
أنا كنت هربانة منه، وخرجت لكنه قابلني في المول وقفشني وأخدني غصب عني، بس أنا مش هتنازل عن ميراث أمي لو تموتني!"
برقت عينا كريم بوعيدٍ مخيف. التفت بكامل جسده نحو جلال، وتقدم خطوة جعلت العجوز يتراجع بتلقائية وهو يشعر بضآلته أمام هذا المارد.
قال كريم بنبرة تقطر سخرية وحدّة:
"كمان بتهددها عشان تاخد منها ميراثها في أمها؟
أنا والله ما شفت بجاحة ولا دناءة زيك!"
هنا، تملك الغل من جلال، وشعر أن خطته تضيع، فصرخ بوقاحة مستنداً على خلفيته القانونية:
"أنت بأي حق بتكلمني وتتدخل بيني وبين بنتها؟
أنت ظابط في مأمورية؟
معاك إذن؟
بأي حق واقف قدامي؟"
لم يحتمل كريم الكلمة التالية لمعت الشهامة والنخوة في عروقه، ومعها غضبٌ عارم من هذا العجوز الدنيء في جزء من الثانية، تحرك جسد كريم بروعة خفة حركية لا يمتلكها إلا مقاتل محترف.
أرجع يده للخلف، ثم أطلق بونية (لكمة) جبارة، استقرت بكل ثقلها وقوتها في منتصف وجه جلال.
"طااااخ!"
ارتد جسد جلال للخلف بقوة، وتطايرت الدماء من أنفه وفمه، ليسقط أرضاً على الرمال الصحراوية وهو يئن ويتأوه بوجع وذل، بينما اندفع السائق "عبده" يرتعد ويحاول مساعدة سيده دون أن يجرؤ على النظر لكريم.
وقف كريم فوقه، ينفض يده ببرود صلب، وعيناه تشتعلان، وقال بصوتٍ هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، لكنه يحمل تهديداً ينهي أي نقاش:
"بحق إني "كريم الهواري"
وشكلي هقبض عليك وأدفنك ورا الشمس لو ممشتش من خلقتي دلوقتي حالا أنت وهو!"
لم ينتظر جلال أو سائقه كلمة أخرى، زحف جلال وهو يمسك وجهه النازف وركب السيارة مسرعاً، بينما أدار عبده المحرك وتحركت السيارة بصعوبة بالغة على إطارها المنفجر، يفرون من الموت المحقق.
التفت كريم بالكامل نحو ضيّ، كانت تنظر إليه بذهول، وعيناها تجمع بين الرعب والامتنان العميق الذي لا تسعه الكلمات.
تقدم نحو دراجته النارية (الريس)، وصعد فوقها بمرونة وخفة، ثم التفت إليها وعيناه الصقريتان تمنحانها أماناً لم تشعر به طوال حياتها، وأشار إلى المقعد الخلفي خلفه قائلاً بحسمٍ شهم:
"اركبي ورايا متخافيش"
تقدمت ضيّ بخطوات مرتجفة، لتصعد خلف هذا البطل الذي شق الموت لأجل أصابعها الأربعة، لينطلقا معاً وسط الصحراء، تاركين وراءهم أول فصول حكاية عاصفة ولدت من رحم الخطر.
يتبع.....
*****
" مطاردة فوق جمر الموت"
*****
حين يعوي المحرّك بين ساقيه كإعصارٍ غاضب، وتتسابق الريح لتمزيق السكون، لا يعود الطريق مجرد أسفلت ممتد بل يصبح مسرحاً لمطاردة الموت.
هو لا يطارد سيارة، بل يطارد حقاً سُلب في عتمة الجحود، ودموعاً انهمرت على وجنةٍ بريئة لم تجد ملاذاً سوى ظهر رجلٍ صِيغ من فولاذ النخوة.
بطلقة واحدة تهاوت حصون الباطل، وبضربةٍ واحدة أخرست كبرياء الدناءة.
هناك، وسط قفار الصحراء ولهيب الشمس، نُحتت الملامح الأولى لعهدٍ جديد، عهدٌ يبدأ بكلمتين زلزلتا الخوف:
'أنا كريم الهواري'، لتبدأ خلف ظهره حكاية فتاةٍ خُلقت من ضيّ لكنها عاشت في الظلام طويلًا!"
*****
زأر محرك "الريس" تحت كريم كوحشٍ كاسر أُطلق سراحه من أصفاده.
انطلق كالسهم، يشق الهواء بصدورٍ عارية إلا من الجرأة، الريح تلطم وجهه بقسوة، وشعره يتطاير مع السرعة التي بدأت تتصاعد جنونياً، لكن عينيه خلف نظراته الحادة
كانتا مثبتتين على تلك
السيارة السوداء التي كانت تلتهم الأسفلت أمامه، تتلوى بين السيارات بتهورٍ أعمى وكأن سائقها شيطانٌ يفر من لعنته.
كان الطريق العام يغص بالمارة والعائلات، قبض كريم على مقود الدراجة بقوة، مفاصل أصابعه تحولت إلى اللون الأبيض من شدة الضغط.
غريزته الأمنية وخبرته الذهنية كانت تزن الأمور بميزان من ذهب؛ الاندفاع الأعمى هنا خطيئة.
أي هفوة، أي مناورة خاطئة وسط هذا الزحام قد تودي بحياة بريء، أو ما هو أسوأ، قد تدفع الخاطفين إلى ارتكاب حماقة تنهي حياة تلك الفتاة المستغيثة داخل الصندوق الحديدي المسرع.
كان يتحكم بجنون الآلة برصانة عقله، يحافظ على مسافة أمانٍ تتيح له المراقبة دون الإضرار بالطريق، ينساب بين الخطوط بمرونة الفهد، ينتظر لحظة الانعتاق لحظة الخلاص.
وفي جحيم السيارة من الداخل، كان الوضع أكثر مأساوية.
كانت "ضيّ" ترتجف، جسدها الضئيل يرتطم بباب السيارة
مع كل انعطافة جنونية.
دموعها حفرت مجاري على وجنتيها الشاحبتين، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق تحدٍّ يرفض الانكسار.
وفوقها، كان "جلال" ذلك العجوز المتصابي، قد نزع قناع الوقار تماماً، لتظهر مخالبه القبيحة.
وجهه المحتقن بالدم وعيناه الجاحظتان كانا ينطقان بالرعب والغل.
انهال بيده على كتف ضيّ، يهزها بعنفٍ وحشي أطاح برأسها يميناً وشمالاً، وهو يصرخ بنبرة فحيحٍ مرعبة:
"أنتِ أكيد قولتيلوا حاجة! الشحط اللي جِري وراكِ ده مين؟
أنطقي تعرفيه منين؟
كلمتيه إزاي ومن ورايا ومين ده اللي يضحي بنفسه عشانك؟!"
صرخت ضيّ بوجع، تحاول حماية وجهها بيديها المرتجفتين:
"معرفوش!
والله العظيم ما اعرفه، سيبني في حالي بقى، سيبني!"
لكنه لم يستمع، بل رفع يده وضربها بقسوة على وجهها، ليرتد رأسها للخلف منتفضاً، وهو يزمجر:
"أكيد تعرفيه!
قولي منين مش هسيبك تضيعي شقا عمري، قولي منين!"
في تلك اللحظة بالذات، انفتح الطريق أمام كريم، انقشعت السيارات فجأة، ودخلت المطاردة إلى شريطٍ صحراوي فاضٍ، ممتد كالأفق بلا نهاية، والشمس تسكب لهيبها فوق الرمال والأسفلت.
لمح كريم من خلف الزجاج المعتم للسيارة حركة الضرب والاهتزاز؛ رأى يد جلال وهي تهوي على الفتاة.
في تلك اللحظة، تحول كريم من شرطي يطارد مجرماً إلى إعصارٍ من الغضب الساطع انتهى وقت الانتظار.
بيدٍ واحدة تحكم في توازن الدراجة النارية المسرعة بسرعة جنونية، وباليد الأخرى، سحب سلاحه الميري من غمده بحركة خاطفة وسلسة كأنها رقصة موت.
ثبّت عينه على الهدف، وبتركيزٍ ذهني خارق تلاشت معه كل أصوات الرياح، وجه فوهة المسدس نحو الكاوتش الخلفي للسيارة.
"دوى صوت الطلقة!"
اخترق الرصاص الإطار بدقة قناص انفجر الكاوتش بعنف، وصرخت السيارة وهي تفقد توازنها، لتنحرف يميناً ويساراً، وترسم خطوطاً سوداء مرعبة من المطاط المحترق على الأسفلت، قبل أن يتدارك السواق المقود بصعوبة
وتتوقف السيارة بشكل
عرضي وسط تصاعد
سحب الغبار والأدخنة.
قبل أن تقف السيارة تماماً، كان كريم قد كبح جماح الريس ببراعة، وهبط عنه والشرار يتطاير من عينيه.
تقدم نحو السيارة كأنه الموت القادم على قدمين، بمجرد أن فُتح باب السيارة الخلفي وحاول جلال الخروج وهو يجر ضيّ وراءه ليتخذها درعاً، كان كريم قد وصل.
اندفع كريم كالفهد، وبيدٍ قوية كقضبان الحديد، جذب ضيّ من بين يدي العجوز بحركة خاطفة، وسحبها خلف ظهره العريض، ليصبح جسده الفارع حائط صدٍّ منيع يحجب عنها الدنيا بأسرها.
أحست ضيّ لأول مرة منذ سنوات بأنفاسها تعود إليها، وبأن هذا الظهر هو أأمن مكان على وجه الأرض.
وقف كريم، جسده مشدود، وعيناه تقذفان جمراً، ووجه مسدسه مباشرة نحو جلال والسائق الذي هبط سريعاً وهو يرتجف.
نبرة صوت كريم حين خرجت، هزت أرجاء المكان الصامت، نبرة رخامية حادة تجمّد الدماء في العروق:
"أنتم عارفين إن السلاح ده مرخص، وطلقة واحدة في نص دماغكم أكون قضيت عليكم واللي مش عارفني، أنا
"كريم رأفت الهواري!"
سقطت الكلمات كالصواعق السائق تملكه الرعب، فرفع يديه في الهواء فوراً، وتراجع للخلف وجسده يتنفض، وصاح بصوتٍ باكٍ:
"يا باشا أنا عبده المأمور!
ماليش دعوة، أنا سواق وعملت اللي اتقالي عليه وما عملتش حاجة، أمانة عليك يا باشا!"
أما جلال، فرغم الرعب الذي تملكه من رؤية السلاح ومن هيبة اسم "الهواري"، إلا أن ثعلب المحاماة الخبيث بداخله حاول اللعب بالكلمات.
عدّل من هندام ثيابه المتصابية برعشة ملحوظة، وحاول إعطاء نبرته وقاراً زائفاً وهو يقول:
"يا باشا أنا ما عملتش حاجة، دي بنتي وإحنا مروحين بيتنا! إيه تهمتنا؟
أنت بتوقفنا في الطريق العام بأي حق؟"
التفت كريم قليلاً برأسه، دون أن يزيح عينه أو سلاحه عن جلال، ونظر إلى الفتاة القابعة خلف ظهره ترتعش كعصفور بلله المطر.
هبطت نبرته قليلاً لتصبح حانية، وجسورة في آنٍ واحد:
"أنتي يا آنسة تعرفي الراجل ده؟"
رفعت ضيّ عينيها الغارقتين بالدموع، ونظرت إلى كريم وكأنها تنظر إلى طوق نجاة أرسلته السماء.
وبصوتٍ مخنوق بالبكاء لكنه حاسم، قالت:
"آه أعرفه هو جوز أمي، وشغال محامي، وعايزني أتنازل له عن كل حقوقي وميراثي من أمي!
أنا كنت هربانة منه، وخرجت لكنه قابلني في المول وقفشني وأخدني غصب عني، بس أنا مش هتنازل عن ميراث أمي لو تموتني!"
برقت عينا كريم بوعيدٍ مخيف. التفت بكامل جسده نحو جلال، وتقدم خطوة جعلت العجوز يتراجع بتلقائية وهو يشعر بضآلته أمام هذا المارد.
قال كريم بنبرة تقطر سخرية وحدّة:
"كمان بتهددها عشان تاخد منها ميراثها في أمها؟
أنا والله ما شفت بجاحة ولا دناءة زيك!"
هنا، تملك الغل من جلال، وشعر أن خطته تضيع، فصرخ بوقاحة مستنداً على خلفيته القانونية:
"أنت بأي حق بتكلمني وتتدخل بيني وبين بنتها؟
أنت ظابط في مأمورية؟
معاك إذن؟
بأي حق واقف قدامي؟"
لم يحتمل كريم الكلمة التالية لمعت الشهامة والنخوة في عروقه، ومعها غضبٌ عارم من هذا العجوز الدنيء في جزء من الثانية، تحرك جسد كريم بروعة خفة حركية لا يمتلكها إلا مقاتل محترف.
أرجع يده للخلف، ثم أطلق بونية (لكمة) جبارة، استقرت بكل ثقلها وقوتها في منتصف وجه جلال.
"طااااخ!"
ارتد جسد جلال للخلف بقوة، وتطايرت الدماء من أنفه وفمه، ليسقط أرضاً على الرمال الصحراوية وهو يئن ويتأوه بوجع وذل، بينما اندفع السائق "عبده" يرتعد ويحاول مساعدة سيده دون أن يجرؤ على النظر لكريم.
وقف كريم فوقه، ينفض يده ببرود صلب، وعيناه تشتعلان، وقال بصوتٍ هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، لكنه يحمل تهديداً ينهي أي نقاش:
"بحق إني "كريم الهواري"
وشكلي هقبض عليك وأدفنك ورا الشمس لو ممشتش من خلقتي دلوقتي حالا أنت وهو!"
لم ينتظر جلال أو سائقه كلمة أخرى، زحف جلال وهو يمسك وجهه النازف وركب السيارة مسرعاً، بينما أدار عبده المحرك وتحركت السيارة بصعوبة بالغة على إطارها المنفجر، يفرون من الموت المحقق.
التفت كريم بالكامل نحو ضيّ، كانت تنظر إليه بذهول، وعيناها تجمع بين الرعب والامتنان العميق الذي لا تسعه الكلمات.
تقدم نحو دراجته النارية (الريس)، وصعد فوقها بمرونة وخفة، ثم التفت إليها وعيناه الصقريتان تمنحانها أماناً لم تشعر به طوال حياتها، وأشار إلى المقعد الخلفي خلفه قائلاً بحسمٍ شهم:
"اركبي ورايا متخافيش"
تقدمت ضيّ بخطوات مرتجفة، لتصعد خلف هذا البطل الذي شق الموت لأجل أصابعها الأربعة، لينطلقا معاً وسط الصحراء، تاركين وراءهم أول فصول حكاية عاصفة ولدت من رحم الخطر.
يتبع.....
الثالث من هنا