رواية تمرد اسيرة القصر الفصل التاسع 9 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل التاسع:
كانت زينب تتابع التلفاز و مهاب ممدد بجوارها على الأريكة واضعا رأسه على ساقيها .. فإنتبهوا على صراخ غزل و تعالى الصيحات بالطريق ... فإنتفض مهاب واقفا و قال بحماس و فرحة :
_ أوبا ... خناقة يا تيتة .
وضعت زينب يدها على صدرها و قالت بقلق :
_ ولادى .. إستر يا رب .
ركض مهاب ناحية شرفتهم ... بينما بحثت زينب عن حجابها ... فوصلها صوت مهاب قائلا بصراخ :
_ إلحقى بابا يا تيتة .
إرتدت حجابها مسرعة و هرولت ناحية الشرفة فرأت فارس و مسعد ينهال عليه بعصاه قائلا بتشفى سافر :
_ ده أنا هكسر عضمك عضمة عضمة و همسح بدمك الحارة كلها قبل ما أرحمك و أرميك فى صفيحة الزبالة يا ******* .
فصرخت زينب قائلة بذعر :
_ يا قلب أمك يا إبنى ... إجرى يا مهاب هات الزفت التليفون أكلم جدك .
ركض الصغير مسرعا باكيا و بحث عن هاتفها المحمول حتى وجده و عاد إليها و مد يده به ناحيتها قائلا بنحيب :
_ انا هنزل أضرب الراجل الوحِش ده علشان بيضرب بابا .
طمأنته قائلة بهدوء و هى تجفف دموعه :
_ ما تخافش يا حبيبى .
و أخذت منه الهاتف و هاتفت صبرى الذى أجابها فصرخت به قائلة :
_ إلحقنى يا حاج ... الواد مسعد زانق فارس و رامى برجالته و هما لواحدهم و بيضاربوهم ... تعالى بسرعة إلحقهم .
وقف صبرى مشدوها من كلماتها و حمل مفاتيحه و أغلق خزنته قائلا بنظرات قاتمة لا تبشر بأى خير :
_ إبن ال ***** ... إقفلى إنتى يا زينب و انا هتصرف .
توالت الضربات القوية عليه و هو يتلقاها بذراعه حاميا رأسه ... و لكنه تحامل على نفسه .. و تمسك بالعصى بقوة .. وجذبها من يده و قذفها بعيدا .. و ضربه بركبته فى أسفل بطنه .. فإنحنى مسعد متألما لم يمهله فارس الوقت و عاد للكماته الغاضبة .. ثم دفعه بساقه فإصطدم بباب دكان قديم مغلق فكسره ....
لم يستطع مسعد التحرك .. فحاول جاهدا النهوض و لكن ذراع فارس عاونته و هو يجذبه من ياقه قميصه و أوقفه على قدميه قبل أن يركله بساقه مجددا فإصطدم فى الحائط بقوة فإنسابت الدماء الغزيرة من رأسه على وجهه و سقط على الأرض ..
إقترب منه فارس بنظرات قاتمة و طوق رقبته بذراعيه الصلبة و ضغط عليه بقوة لخنقه .. لم يستطيع مسعد المقاومة أكثر و إنهارت قواه مع إختفاء الأكسجين من صدره .. و زادت زرقة وجهه .
تعالى الصراخ من السيدات بالشرفات و النوافذ فلم تتمالك غزل أكثر و إنطلقت راكضة على الدرج و منه إلى الطريق شاقة طريقها بين الرجال المزدحمين حتى وقفت أمام فارس و قالت له برجاء :
- سيبه يا فارس أبوس إيدك .. هيموت وهتروح فى داهية .
حدجها فارس بغضب و قال بحدة :
- إطلعى بيتكم يالا .. إزاى تنزلى بين الرجالة .. أنتى إتجننتى .
ردت غزل بإصرار :
- لأ مش هطلع سيبه بقا .. علشان خاطرى .
إنقلبت الدفة و حضر رجال فارس من الوكالة و إنهالوا بالضرب على رجال مسعد .. فزاد صراخ الجميع من حولهم بفزع ... بينما إبتعد فارس عن مسعد .. و حمل عصاه و إنهال عليه بها قائلا بشراسة :
- والله لهخليك عبرة لكل كلب يتجرأ على أسياده .
و توالت ضرباته الموجعة و مسعد يطلب منه الرحمة ... إلتفت فارس مجددا ناحية غزل المتصنمة و تطالعه بإعجاب يشع من عينيها الفيروزية ... و قال بصوت رخيم حازم :
_ هو إنتى لسه واقفة ... إطلعى يالا لحد يأذيكى .
إبتسمت بهدوء و أومأت برأسها قائلة بتنهيدة حالمة :
_ حاضر .. مش عاوز حاجة .
رفع عينيه بملل و أجابها من بين أسنانه كاظما غضبه :
_ متشكر شايلك للتقيلة ... ممكن تسبينى بقا أكمل على الكلب ده .. يعنى لو سمحتى طبعا .
لوحت له و تركته و إنصرفت ... فعاد بعينيه مجددا لمسعد المتكوم على الأرض غارقا بدمائه و ركله بساقه فى جسده قائلا :
_ و حياة أمك لهعيشك بقية عمرك تتلفت حوالين نفسك لما تسمع إسمى بس .
لم يرحمه و هو يذيقه من العذاب ألوانا ثم ربطه هو و رجاله و رماهم على الأرصفة كالقمامة .. وهاتف الشرطة .
وقف فارس ورامى أمام مسعد وهما يرمقانه بشماته و قوة من علو .. إنحنى فارس نحوه و قبض على ذقنه بأظافره و قال مستهزءا :
- يا إبنى لو قلبك مات .. ماتجيش على إتنين إخوات .
إبتسم رامى بسخرية و قال بنبرة ماجنة :
- بتقف قدام العوو .. ده عم أى مكان يروحه يا واطى .. يا إبنى المرجلة دى وراثة .. و إنت ما عندكش أصل .
إقترب منهم صبرى و قال و هو يتطلع لمسعد بغضب :
- من النهاردة مالكومش شئ فى المنطقة .. و مش هتدخلها تانى .
إعتدل فارس بوقفته و صاح برجاله قائلا بصوت أجش و بنبرة آمرة :
- على المحل بتاعه .. مش عايز فيه حتة سليمة و جنزروه .. و بيته يبقى كوم تراب .. مفهوم .
تحرك رجال فارس بسرعة .. ونفذوا ما طلب منهم .. بعد قليل جاء فوزى مهرولا و تطلع لحالة إبنه و قال مستعطفا صبرى :
- خلاص يا حاج صبرى كفاية كده .. فكوه و أنا هاخده و همشى من هنا خالص و مش هتشوف وشى تانى .
رد صبرى بإنفعال غاضب :
- سبق و حذرتك .. وإنت ما عرفتش تلمه .. و ولادى لمهولك .. إبقى إستلمه من القسم بقا .
وقف فوزى أمامه و قال راجيا :
- بوليس لأ يا معلم صبرى .. و حياة عيالك .
رفع صبرى كفه و قال بحزم قاطع :
- مات الكلام .
ضرب فوزى رأسه بكلتا يديه و إقترب من إبنه المغمى عليه قائلا بلوم :
_ ليه كده يا إبنى .. عملت فى نفسك و فيا كده ليه .
بعد هدوء الأوضاع نسبيا وصلت الشرطة و بدأت التحقيقات مع العشرات من الشهود .. الذين أكدوا إعتداء مسعد على فارس .. و أنه كان يدافع عن نفسه .. تطلع صبرى بقلق لفارس و قال متمسكا بعكازه بقوة :
- ربنا يستر و تعدى على خير .
ربت فارس على كفه و قال مطمئنا :
- سيبها على الله ..كان نفسى أموته لولا غزل هى اللى نجدته من إيدى .
إقترب أحد ضباط الشرطة من فارس و سأله قائلا بحزم :
- إنت فارس السعيد .
رد فارس بهدوء :
- أيوة يا باشا أنا .
حدجه الشرطى بقوة و تسائل بحدة :
- إيه اللى حصل هنا بالظبط .
أجابه فارس موضحا و هو يشير ناحية مسعد و رجاله أو بالأحرى ما تبقى منهم :
- دول شوية صيع .. و الواد مسعد ده تاجر مخدرات حبوا يعملوا شويتين علينا و يسوق العوء .. و هو اللى بدأ وجر شكلى فاربيته و كومته كده لما تيجى سعادتك .
ضحك الشرطى بسخرية و رفع سبابته بوجه فارس قائلا بصوت متصلب :
- لولا شهادة الشهود كان هيبقى ليا تصرف تانى معاك .. بس مرة تانية مش هتفلت منها .. تمام .
أومأ فارس برأسه و قال بهدوء :
- إن شاء الله مافيش مشاكل تانى .
رفع الشرطى حاجبه بحنق و قال منذرا :
- هعديها المرة دى .. بس بحذرك لو إتكررت مش هيحصلك طيب .. ياريت تبقى تحصلنا على القسم علشان نقفل المحضر .
وتركه و إنصرف .. زفر صبرى براحة و قال و هو يجلس بوهن :
- الحمد لله ربنا ستر .. إطلع لأمك يا فارس طمنها عليك .
طالع فارس قبض رجال الشرطة على رجال مسعد و حملهم لمسعد و وضعه بعربة إسعاف مكبلا من يده بأحد رجال الشرطة ... و أجاب والده بشرود :
- حاضر يا حاج لما الحكومة تمشى هطلع .
إنصرفت الشرطة أخيرا .. فرفع رامى عينيه صوب شرفة ليال .. وجدها تطالعه بقلق .. إبتسم و هز رأسه مستنكرا قلقها ثم دنا من صبرى قائلا بأدب :
- بعد إذنك يا عمى هطلع لليال أطمنها عليا وأطمن عليهم .
أومأ صبرى برأسه متفهما و قال بإيجاز :
- بس ما تتأخرش بقينا نص الليل .
رد رامى مسرعا :
- حاضر يا حاج بعد إذنكم .
إستوقفه فارس قائلا بتوتر :
- إستنى أنا جاى معاك عاوز أطمن عليهم .
إبتسم رامى بمكر و أشار إليه ليتقدمه قائلا :
- وماله تعالى يالا.
لم يهتم فارس بنظراته و صعدا الإثنان لشقة رأفة .. فتحت ليال الباب بلهفة .. و تطلعت لرامى بقلق و قالت :
- إنت كويس يا رامى .
تنهد رامى مطولا و إستند بكتفه على إطار الباب قائلا بهيام :
- ﻷ طبعا مش كويس .. بعد ما سمعت إسمى منك إدمرت على الآخر .
إبتسمت بخجل .. فتنحنح فارس و قال بضيق :
- أنا واقف معاكم على فكرة .. ليال .. هو انا ممكن أدخل لستى .
أجابته ليال بشرود و هى لا ترى و لا تشعر سوى بوجود رامى و فقط قائلة :
- هى صاحية إتفضل إدخل لها .
وزع فارس أنظاره بين ليال و رامى .. و رفع عينيه بملل و تركهم و دلف لشقة الجدة .. إقترب من غرفتها فأوقفته كلمات غزل عنه حيث قالت لجدتها بشغف :
- لأ و إيه يا تيتة كان هيموته .. بس أنا ماقدرتش أمسك نفسى و نزلت السلم جرى و أنا من غير شوز .. و عديت من وسط الرجالة و قعدت أترجاه يبعد عنه .
ثم صمتت قليلا و بعدها قالت بصدق :
_ تعرفى يا تيتة كنت هموت من قلقى عليه .
فسألتها الجدة بخبث :
- قصدك مين فيهم ؟!
ردت غزل ببديهية :
- فارس طبعا .
علت شفتى الجدة إبتسامة مخفية .. لاحظتها غزل فقالت بخجل :
- وخفت كمان على رامى علشان ليال ما تزعلش .
إتسعت إبتسامة الجدة .. فقالت غزل بضحكة خجلة :
- بصراحة بقا أكتر حاجة خفت عليها هو فارس وماتسألنيش ليه علشان أنا مش عارفة .. بس كل لما بقرب منه بحس بحاجة غريبة .. و ببقا مطمنة كده ومش خايفة .
علا وجهها الجميل حزن عميق و قالت بأسى :
_ تعرفى يا تيتة أنا أكتر صديق ليا طول حياتى هو الخوف .. بس مع فارس راح ومش عوزاه يرجع .
إحتضنتها الجدة وملست على ظهرها وقالت :
- ربنا يحميه لشبابه .. العوو جدع طول عمره .
إستنكرت غزل كلماتها و قالت بضيق :
- إسمه فارس يا تيتة مش العوو .. فارس وبس .
إتسعت إبتسامة فارس و عاد للخلف بعض الخطوات و تنحنح قائلا للفت إنتباههم لقدومه :
- إحم إحم .. ستى ... إنتى صاحية .
جلست غزل مسرعة وقالت بلهفة :
- ده فارس .
إبتسمت الجدة على حالتها و صاحت قائلة :
- تعالى يا فارس يا إبنى أنا صاحية إتفضل .
دخل الغرفة وهو مطأطأ رأسه ثم رفع عينيه ناحية رأفة و قال بإبتسامة هادئة :
- كنت جاى أطمن على ليال و غزل .
أجابته الجدة و هى تطالعه بنظرة لوم :
- إنت مش محتاج سبب علشان تجينى أنا ستك يا فارس .
أومأ برأسه و قال بإبتسامة متسعة :
- تسلميلى يا ست الكل .
ثم تطلع لغزل وقال بقلق :
- إنتى كويسة يا غزل .
إقتربت منه بعدما لاحظت الجروح و الكدمات بوجهه فقالت مسرعة :
- إستنانى ثوانى وهرجع .
تطلع إليها فارس بتعجب .. فقالت له الجدة بإمتنان :
- تسلم عافيتك يا فارس البأف اللى إسمه مسعد ده كان لازم يتربى ده ما سابش بنت ولا ست فى الحتة إلا وإترازل عليها .
تنهد فارس مطولا وقال بغضب :
- لولا غزل ياستى كنت قتلته .. لسه ما إتخلقش اللى يفكر يمسها و لو بكلمة و أنا عايش .
وصلت كلماته الصادقة لقلب غزل لا لأذنيها .. فإبتسمت براحة ودلفت للغرفة وهى تحمل حقيبة الإسعافات الأولية .. أجلسته بالقوة على الأريكة و هو يطالعها بتعجب من فعلتها ..
فتحت الحقيبة و أخرجت منها المطهر و القطن و إقتربت منه بعفوية .. و بدأت فى تطهير جروح وجهه و رقبته .. كانت أنفاسها تلفح وجهه بنعومة .. إبتلع ريقه بصعوبة .. بعدما زادت دقات قلبه من قربها و لمساتها الحانية .....
إستنشق عطرها بقوة و ملأ به رئتيه .. متطلعا داخل عينيها الفيروزية الساحرة .. غائصا بأمواجهم العاتية و التى تحمله لعليين و تهبط به لأعماقها الغامضة و المغلقة كصندوق عتيق منذ مئات السنين ....
لاحظ إضطراب أنفاسه فخشى أن تشعر بتخبط مشاعره و نظراته المتفحصة نحوها .. فوقف مبتعدا عنها و قال بصرامة :
- شكرا يا دكتور .. بعد إذنكم تصبحوا على خير .
و خرج مسرعا بأقصى سرعته هربا من مغناطيس عينيها و الذى يجذب ذرات جسده الضعيف أمامها إليها .. جذب رامى من ذراعه و سحبه ورائه قائلا :
_ يالا ... كفاية كده .
تطلع رامى لليال و قال بضيق :
- خلى بالك من نفسك يا عسلية أشوفك بكرة .
ضحكت ليال على هيأته وفارس يسحبه من يده كالطفل الصغير .. و أغلقت الباب و هى شاردة فى كلمات رامى التى تشعرها بأنوثتها و بأهميتها بحياته .. بحياته و فقط .... فمن دونه لا تصلح حياتها لن تستطع الإندماج بمحيطها و الأبسط منه جامعتها .. قد يراه الجميع أنانى و يراها سلبية و لكن أيا كانت نظرت الجميع إليهم فهو .. حبيبها و فقط ....
ظلت غزل على حالتها من التعجب واقفة مشدوهة تتطلع بأثره .... أخذت تروس عقلها فى اللف و الدوران متسائلة لم تركها و وقف مسرعا بهذه الطريقة .. و كأنه لدغته حية ... لاحظت الجدة شرودها فسألتها بمكر :
- مالك يا غزل .. سرحانة فى إيه .
لملمت غزل أشيائها و قالت بغضب :
- مافيش يا تيتة .. أنا هروح أنام علشان شغلى الصبح و الوقت إتأخر .. تصبحى على خير .
و خرجت من غرفة جدتها و دلفت لغرفتها و هى تنفث نارا من أنفها .. ظلت تتحرك فى غرفتها ذهابا و إيابا بضيق ثم توقفت و قد لمعت عيناها و قالت بتوعد :
- ماشى يا فارس ... I didn't do any thing yet .
ظل محدقا بسقف غرفته هائما بعينيها التى تبتسم إليه بإشراق مهلك إستنفذ كل طاقته ... عفويتها و إنطلاقتها و ذكائها المبهر و جمالها الآخذ سلبوه قدرته على النوم لتلك الساعة المتأخرة ... ينتظر و بشوق بزوغ شمس الصباح ليتسنى إليه رؤيتها من جديد و تمضية أكبر وقت ممكن بجوارها ....
تنهد مطولا و هو يعقد ذراعيه أسفل رأسه مبتسما هائما بعينيها الفيروزية و شفتيها الوردية و التى أمرت عينيه بالتوقف عندهما سابحا بجمالهما و رقتهما ... ساعات .. مجرد ساعات جمعتهما و أصبحت حالته يرسى لها ... فماذا لو بقيت أمامه لأيام ... من المؤكد أنها ستأسره و تجعله مجنون جديدا بعالم العشق و الهوى ... مجنون غزل .
ضحك أحمد بخفوت على حالته و إضجع على جانبه الأيمن واضعا كفه الأيمن تحت وجنته و أغمض عينيه مستغفرا عله يتخلص من تلك العينين التى تطالعه بسقيفة غرفته ....
تطلع رامى بساعة معصمه و قال بإرهاق و هو يطالع أشعة الشمس التى أشرقت للتو :
_ الواحد مش حاسس بجسمه .. والظابط كان بيسألنا تقولش تجار مخدرات و لا حرامية .
نفث فارس دخان سيجارته و قال بهدوء :
_ ده شغله .. عادى يعنى .
طالع رامى جروحه و قال بقلق :
_ إنت محتاج تروح المستشفى يا إبنى .. ده غير دراعك اللى ال **** ده فشفشه بالعصايا .
حرك فارس ذراعه بألم و قال بإيماءة مؤكده :
_ عندك حق ... و أهه بالمرة نطمن على بونجا و نروح ننام كام ساعة علشان ترتيبات كتب كتابك يا عريس .
إبتسم رامى بسعادة و قال و هو يصعد سيارته :
_ حلوة يا عريس دى ... طعمها كده حلو ... هون يا رب .
صعد فارس السيارة قائلا بألم :
_ ربنا يهنيك يا صاحبى .. ليال بنت حلال و بتحبك .
أدار رامى السيارة و غمز إليه قائلا :
_ طب نفسك ما إتفتحتش للجواز تانى .
إستند فارس برأسه على مقعد السيارة و ضم ذراعه المجروح بألم و أغمض عينيه قائلا بحدة :
_ شيلنى من دماغك يا رامى مش فايقلك .
تطلع رامى لشاشة هاتفه الصامت و المنير لينبهه بقدوم إتصال .. فإتسعت عينيه قائلا بتلقائية :
_ أمك .
فتح فارس عينيه مسرعا و قبض على ياقة قميصه و عينيه تشع غضبا و هو يهدر بعصبية :
_ بتشتم مين ياض .
رفع رامى الهاتف أمام عينيه و قال مسرعا :
_ أمك بتتصل يا عم إنت ... إبعد إيدك هتخنقنى .
إبتعد عنه قائلا بضيق :
_ إبقى حدد كلامك بعد كده أحسنلك .
مرر رامى أنامله على رقبته متألما و أجاب زينب قائلا بعبوس :
_ السلامو عليكو يا حاجة ....... لأ خلصنا و هنروح المستشفى .
وخزه فارس فى ذراعه على تلقائيته و التى ترجمت فى صراخ زينب بالهاتف فأبعده رامى عن أذنه حتى إنتهت و أجابها قائلا بحدة :
_ إحنا كويسين و زى الفل الحمد لله ... بس هنطمن على بونجا و نيجى على البيت على طول .... لا ما تقلقيش مش هنتأخر ... حاضر .... سلام يا ست الكل .
أغلق الهاتف و أعاده بجيبه و قال بضيق :
_ أمك ... خرمت طبلة ودنى ... أتجوز إزاى دلوقتى .
ضحك فارس و هو يتألم من جروحه على حالة ذلك الجالس بجواره و يعتقد أن الزواج نهاية عشقه السرمدى ... و لا يدرى أنها بداية عشق من نوع آخر سيجمعهما و هو عشق المودة و الرحمة ......
لم يكن رامى بمفرده من ينتظر بلهفة نهاية لإرهاقهما يوميا و هما يشتاقان فى كل ثانية يبعداها عن بعضهما ....
وقفت ليال بنافذتها منتظرة عودته بقلق ... و كلما فتحت كتابا لمذاكرة دروسها ترى وجهه امامها .. فتغلقه مجددا و تعود للوقوف بالنافذة ...
فى الصباح لمحت سيارته فإبتسمت براحة و هى تراه يترجل منها و معه فارس ... و كأنه شعر بها فرفع رأسه ناحيتها و إبتسم إليها بخفوت لطمأنتها ...
وقفت منتظرة بفارغ الصبر حتى فتح نافذته و وقف قبالتها و رفع هاتفه على أذنه و إنتظر حتى أجابته قائلة بقلق :
_ إتأخرت كده ليه ..... أنا كنت هتجنن عليك .
لم يحيد بعينيه عن عينيها و أجابها بلهفة :
_ ده أنا اللى هتجنن خلاص ... يا بت إنتى بتحلوى كده إزاى .
إبتسمت بخجل و سألته بضيق :
_ إنت فايق و رايق على فكرة ... قولى بقا عملتوا إيه فى القسم .
هز كتفيه بهدوء و قال و هو يحك مؤخرة رأسه بإرهاق :
_ عادى إستجوبونا و خرجنا و باعدين روحنا لبونجا المستشفى إطمنا عليه و رجعنا .
_ و هو كويس .
إستند بمرفقه على إطار نافذته و أجابها برقة لا تلائم رجولته الطاغية على الإطلاق :
_ كويس قوى ... كويس بهبل ... و النبى عسل .
هزت ليال رأسها بإستنكار و قالت بحدة لا تليق بأنوثتها الطاغية على الإطلاق :
_ روح نام يا رامى ورانا النهاردة بلاوى لسه .. و انا كمان هحضر الفطار لغزل و هنام فورا .
سبل عينيه و قال بهيام :
_ يا بختها .. تصدقى إنى بقيت أغير من غزل كمان .. نفسى أحبسك فى مصباح زى بتاع علاء الدين و محدش يشوفك فى الدنيا غيرى .
تنحنحت بخجل و قالت بتلعثم :
_ طب ... ااا إتفضل إقفل بقا .
أرسل إليها قبلة بالهواء و قال هامسا :
_ بحبك يا أجمل برطمان عسل فى الدنيا .
ضحكت ضحكة عالية و لوحت له بيدها قائلة :
_ سلام يا حبيبى .
أغلقت الهاتف و توجهت ناحية النافذة و تطلعت إليه قليلا قبل أن تغلقها و تستند عليها بظهرها قائلة بهيام :
_ و أنا كمان بحبك يا رامى ... بحبك قوى .
إستيقظت غزل على رنين منبه هاتفها متثاقلة لكونها لم تأخذ قسطا كافيا من النوم ... جلست على فراشها شارردة متذكرة ذلك الغازى لعقلها و الذى يثير حنقها و غضبها من تصرفاته المتناقضة ....
خرجت من غرفتها فلم تعثر على ليال التى تستقبلها بإبتسامتها العذبة كل يوم .... فطرقت باب غرفتها و دلفت ... رفعت ليال عينيها الحمراويتين عن كتابها و قالت برقة :
_ إنتى صحيتى يا غزل ... ثوانى و هحضرلك الفطار يا قلبى .
إقتربت غزل منها و أغلقت الكتاب بغضب و قالت لها بعصبية :
_ إنتى لسه ما نمتيش يا لولو ... يا بنتى كتب كتابك بكرة و وشك مجهد جدا .
طأطأت ليال أناملها و قالت بإرهاق :
_ كنت بذاكر شوية لغاية ما تصحى و أحضرلك الفطار و أناااااام .
جذبتها غزل من يدها و أوقفتها و سارت بها نحو فراشها و مددتها بالقوة قائلة :
_ و انا مش هعرف أفطر يعنى ... نامى إنتى و إرتاحى و تيتة كمان نايمة و شكلها مش هتصحى دلوقتى .
تثائبت ليال بكسل و أغلقت عينيها قائلة بصوت ناعس :
_ تصبحى على خير يا زولا .
إبتسمت غزل عليها و مالت نحوها و قبلتها بجبهتها و أغلقت الإضائة و تركتها و خرجت ......
ذهبت غزل لعملها براحة بعدما إختفى سبب إزعاجها و باتت تتحرك بالحارة بأريحية .. دلفت للمشفى و إتجهت لغرفتها مباشرة .. رحبت بها سالى قائلة بمداعبة :
- يا مرحبا يا مرحبا نورك يا غزل غطى على الكهربا .
ضحكت غزل و جلست على مكتبها قائلة بسخرية :
- رغم إنها قديمة بس منك زى العسل .. وحشتينى يا سولا .
أجابتها سالى و هى ترتدى مأزرها الخاص بها :
- مشيتى إمبارح قبل ما أقابلك تانى ليه .
ردت غزل معتذرة و هى تفتح حقيبتها و تخرج منها أدواتها :
- آسفة والله بس بكرة كتب كتاب بنت خالتى و إحنا مالناش إلا بعض .. فمشيت بسرعة علشان كنا هنخرج .
إتسعت عينى سالى بفرحة و قالت برجاء :
- الله ... يا بختك ياغزل .. ممكن أبقى أجى النهاردة معاكى نهيص للعروسة و كده .
وقفت غزل و إرتدت مأزرها الأبيض و قالت مؤكدة بإبتسامة شغوفة :
- sure .. ممكن تيجى معايا طبعا .. تعرفى إنتى أول صديقة ليا فى مصر .
إستندت سالى بيديها على مكتب غزل و قالت بهدوء :
- خلاص هستأذن ماما .. و لما هخلص شغل هجيلك هنا و نمشى مع بعض .. تمام .
أومأت غزل برأسها و قالت :
_done .
إتجهت سالى لباب الغرفة فتحته مغادرة لعملها فتفاجأت بأحمد على الباب .. و يقف أمامها بهيئته الجذابة و عطره العصرى المثير .. ففغرت فمها ببلاهة و قالت بهيام :
- هاااه .... دكتور أحمد .. منور الدنيا و الله .
إنتبه أحمد لنظراتها الهيمانة به فقال بإبتسامة يأسة :
- شكرا يا دكتور .. هى غزل موجودة .
أومأت سالى رأسها ببطء و قالت بتنهيدة :
- أيوة جوة .. بنت المحظوظة .
أشارت له بيدها ليدخل قائلة برقة :
_ إتفضل يا دكتور .. بعد إذنك.
و تركته و إنصرفت و هى هائمة .. لاحظ حالتها و نظراتها الملتاعة إليه فزادت إبتسامته الساخرة .. دلف الغرفة لغزل و قال و هو يحدجها بشوق مستمتعا بإبداع ربه بتلك المخلوقة الساحرة :
- صباح الخير يا غزل .
أجابته بعملية و هى تحمل أدواتها :
- صباح النور .. أنا جاهزة يا دكتور .
تطلع لحماسها فقال بإبتسامة هادئة :
_ شكلك مستعجلة على الشقىَ .
هزت رأسها بحدة و قالت بقوة :
_ لما حضرتك المشرف عليا تقول على شغلنا شقى أنا بقا أقول إيه ؟!
ضحك ضحكة عالية ظهرت معها أسنانه المتراصة بدقة و الزاهية البياض ... فأردفت غزل قائلة بثقة :
_ عموما يا دكتور أنا أسعد لحظات حياتى و أنا بشتغل .
كانت نظرات الإعجاب تنطلق من عينيه نحوها و هى تستقبلها ببعض من البلاهة و اللامبالاة .. أشار إليها بيده لتتقدمه و هو فى قمة سعادته .. تقدمته بثقة فعض على شفته و هو يتأمل إيبائها و ترفعها و ثقتها بنفسها و سار خلفها منوما مغناطيسيا ....
بدأ مرورهم اليومى على المرضى الذين كان بعضهم فى إنتظار غزل .. و منهم من أهداها وردا ... و منهم من أمطرها بكلمات المداعبة و الغزل .... و منهم من طالعتها بغيرة و قلق على ذويهن ... و أحمد يشتعل من غضبه و غيرته .... و لا يجد تفسيرا لحالة الضيق التى تمتلكه كلما و قعت عليها عينى أحدهم سوى أنها .. غيرة ...
و رغم ذلك تأكد أحمد من خبرتها و جاهزيتها للعمليات الجراحية ذلك الإختبار الصعب .. و ما أسعده أكثر أنها لم تتأثر بما قيل لها و تعاملت مع الجميع بعملية .... إنتهى هذا الروتين اليومى .. فدونت غزل بمفكرتها معلومات عن آخر مريض كانت عنده ... فسألها أحمد بفضول :
_ هو إنتى ليه بتكتبى دايما عن كل مريض دخلنا ليه رغم إن المستشفى عاملة فايل كامل لكل حالة .
إبتسمت بهدوء و أنهت ما تدونه و أغلقت مفكرتها و وضعتها فى جيب مأزرها و أجابته ببديهية :
_ بس تقرير المستشفى مش مركز على حالة المريض النفسية ... و دى صدقنى بتفرق جدا فى نجاح اى عملية أو إكتمال شفاء المريض ... و لما الطبيب المعالج ياخد باله إن معدل الطاقة الإيجاية للمريض بيقل لازم يتدخل بنفسه أو يكلف طبيب نفسى مختص بمتابعة الحالة .
إرتفع حاجبى أحمد و هو يفكر بوجهة نظرها المقنعة ... بينما أردفت هى لتوضيح فكرتها أكتر :
_ يعنى الحالة الأخيرة دى للمدام اللى داخلة تعمل عملية الزايدة ... أسألتها دايما كانت هركب قسطرة و لا لأ ... هركب درنقة و لا لأ ... العملية هتسيب آثر فى جسمى و هتشوه و لا لأ ... فأنا بقيت أطمنها إنه جسمها هيفضل زى ما هو و إنى هستعين بطبيب تجميل معايا .. و إنه ممكن أخلصها من بعض دهون بطنها و إنها هتخرج من العملية أحلى ... فانسيت قلقها و خوفها و بقت تفكر فى شكلها هيبقى إزاى .. فهمت بقا قصدى .
عقد ذراعيه أمام صدره و قال بتعجب :
_ منكم نستفيد يا دكتور ... إنتى نبهتينى لنقطة مهمة جدا و هشتغل عليها فى نفسى الأيام اللى جاية .
إبتسمت بهدوء و قالت بعملية :
_ أنا معايا نسخة pdf من الماجستير بتاعى و هو فى الموضوع ده ... لو حابب ممكن أبعتلك نسخة إقرأها و ناقشنى فيها .
هز رأسه بالإيجاب و قال متحمسا :
_ طبعا إبعتيهالى على الميل وانا هقولك رأيى فيها بصراحة .
اجابته بثقة :
_ هستنى رأيك ... بعد إذنك .
_ إتفضلى .
عادت لغرفتها مرهقة و خلعت مأزرها .. و جلست على الأريكة و أسندت رأسها بتعب على ذراع الأريكة و أغمضت عيناها .. و سحبتها دوامة إرهاقها و لم تشعر بنفسها فنامت على الفور ..
توالت الحالات على المشفى .. فوقف أحمد و توجه لغرفتها .. طرق الباب فلم ترد عليه .. ففتح الباب و دلف باحثا عنها ليتفاجأ بها نائمة .. تطلع إليها مطولا .. و إقترب منها و هو يتأمل ذلك الملاك النائم و قلبه ينتفض بداخل قفصه الصدرى كأرنب مذعور ... حملته قدميه مقتربا منها أكثر و مسحورا من برائتها و هدوئها .... ولم يشعر بيده و هى تمتد نحو وجهها لملامسته .. إستيقظت غزل فوقعت عيناها على أحمد فإنتفضت جالسة و هى تشعر بذعر و قالت بتلعثم :
- أنااا ... أنا آسفة جدا يا دكتور .. مش هتتكرر تانى .
رفع يديه فى الهواء أمام وجهها و قال مهدئا :
- إهدى .. أنا آسف بس خبطت و إنتى ماردتيش عليا فدخلت .
وقفت مسرعة و عدلت من ملابسها و قالت بجدية :
- طب بس دقيقتين و هاجى لحضرتك المكتب .
أومأ برأسه و قال بهدوء :
- تمام هستناكى .
و تركها و خرج .. أغلق ورائه الباب و إستند على الحائط و تنفس بصعوبة واضعا كفه على قلبه .. لاعنا نفسه و هو يتذكر كيف ضعف بهذه الدرجة البائسة .. لقد كانت على وشك رؤية يده الممدودة ناحيتها .. بما كان سيفسر موقفه وقتها .... تمالك نفسه و عاد لغرفته مسرعا .
غسلت وجهها و طالعت نفسها بمرآة المرحاض ثم جففت وجهها بمحارم ورقية و أعادت تظبيط مكياجها و حجابها و خرجت .. توجهت لغرفة أحمد الذى إرتبك فور رؤيتها و قال مسرعا :
- يالا بينا عندنا شغل كتير .
اومأت برأسها و قالت بهدوء :
- حاضر أنا تحت أمرك .
كان قلمه يدور و يدور على الأوراق بشرود و تخبط .. تحمله مشاعره لعينيها و يعود به عقله لأنه يبالغ بما يشعر به تجاهها ... إنه مجرد حنين لماضى ذهب مع الريح منذ أمد .... ليطرق قلبه معلنا عن وجوده و إنذاره أنه لم تمسه ريح من الأساس و أنها ظلت حبيسة قلبه تلك السنوات العشرون و الآن بعدما تجسدت أمامه و غادرت من داخله طفلة و عادت أميرة متوجة على عرش قلبه الذى لم يمسه ريح إمرأة غيرها حتى ... زوجته الراحلة .... فعن أى مبالغة يتحدث ... من المؤكد أنها لها مكانة خاصة بها و فقط داخله ... مكانة و فقط .....
دلف رامى على مكتب فارس بالوكالة و تأمل شروده و لوحته الفنية الذى يرسمها على تلك الورقة المسكينة و التى ذابت تحت قلمه فقال له بضيق :
_ اللى واخد عقلك .
إنتبه إليه فارس ورفع عينيه قائلا بحدة :
_ الناس الطبيعية اللى إنت مش منهم خالص بيقولوا السلام عليكم أول .
رسم رامى خطا مملا على شفتيه مسمى إبتسامة باهتة و أجابه قائلا بحدة :
_ السلام عليكم ... كده بقيت طبيعى .
ألقى فارس بقلمه على مكتبه و قال بضيق :
_ إصطبحنا و إصطبح المُلك لله ... عاوز إيه بقا ؟!
جلس على طرف مكتبه و قال بنبرة آمرة :
- كلم الناس بتاعت النور يا عوو .. إتأخروا عاوزهم يركبوا الكهارب فى الحارة قبل بالليل .
أومأ فارس برأسه و قال و هو شارد بمطالعة الأوراق أمامه :
- ماشى آهندزة .
لملم رامى الأوراق من أمام فارس و قال بعبوس :
- ما تركز مع أمى .. وده وقت شغل ده و باعدين إنت نمت إمتى وصحيت إمتى .
أجابه ببرود :
_ مالكش فيه ... عاوز حاجة تانية .
زفر رامى بضيق و قال برجاء :
_ آه عاوز ... ركز معايا قولنا هتجوز بكرة يا صاحبى .
ضحك فارس على حالته و قال مازحا :
- هتفتح عكا يا خى .. ما عادى يعنى لا إنت أول و لا آخر المتأهلين .
عبس رامى بضيق ورد عليه مستنكرا ما قاله :
- إصحى كده يا صاحبى وصاحينا .. ده أنا بقالى تسع سنين خاطب .. يعنى تقولى كفارة يا معلم .
زادت ضحكات فارس و وقف و إستدار حول مكتبه و إحتضنه قائلا بحنو :
- مبروك يا حبيبى عقبال الليلة الكبيرة .. و الله لهيتعملك الحلو كله .
إحتضنه رامى بقوة و قال بهدوء :
- حبيبى يا أبو الصحاب ربنا يخليك ليا .
إبتعد عنه فجأة متذكرا شيئا ما قائلا و هو يعد على أنامله :
_ آه إفتكرت كلم بتوع الجاتو ... و الحلويات .. و الشوكولاتة .. و الساقع .. و إحجز الحلاق ... و أكد على الواد سعيد يجيبلى بدلتى .
إبتعد عنه فارس و قال بنبرة محتدة :
- هو أنا هعمل كل حاجة .. وسيادتك هتعمل إيه بقا .
صرخ به رامى و قال موضحا بنفاذ صبر :
- هتجوز .. والله هتجووووووز .
كتم فارس فمه بيده و قال بقوة و هو منهار من الضحك :
- إخرس ياض هتفرج علينا الناس يا أهبل .
أزاح يده عن فمه و قال موافقا :
- تمام ... بس فوق معايا كده ورانا كوارث لسه .
هز فارس رأسه و قال مؤكدا :
_ حاضر ... هخلصلك كل حاجة .. ما هى كده ناس تتجوز و ناس تتدبس .
عاد لمكتبه مجددا و فرد الأوراق أمامه ... فجمعها رامى بحنق و حملها و خرج يتمتم بغضب ... ضرب فارس كفيه ببعضهما بتعجب ... و عاد لوجومه متذكرا ليلة عقد قرانه و بروده وقتها كأنها كانت لشخص آخر غيره .. و زواجه من أخت له و كان عليه أن يعاملها كزوجة ... تنهد بأسى متذكرا مأساته مع إبنة خالته و زوجته و قال بخفوت :
_ الله يرحمك يا هديل ... سامحينى .
إنتهت غزل من عملها .. و عادت لغرفتها و لملمت أشيائها و إنتظرت سالى حتى جائت بشغبها التى دلفت به للغرفة و هى تخلع معطفها و تقول بتأفف :
- أوف بقا رجليا ورمت .. الضغط النهاردة كان صعب .. بقولك إيه عندكم غدا ولا هنتسوح .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت ساخرة :
- don't worry يا طقة هانم دى العروسة بنفسها اللى طبخالك .
أومأت سالى برأسها و قالت و هى تحمل حقيبة يدها :
- طب يالا بينا يا قطة .. عاوزة أروح بدرى .. صحيح يا غزل إنتى ساكنة فين .
ضحكت غزل بمكر و قالت بإبتسامة متسعة :
- لأ دى مفاجأة .
عقدت سالى حاجبيها و تسائلت بفضول :
_ مفاجاة إيه ؟!! هتكونى ساكنة فى كومباوند مثلا .
حكت غزل أسفل أنفها و قالت لها بغموض :
_ لا كومباوند إيه.... حاجة أنقح .
و أشارت لها بيدها قائلة :
_ إتفضلى قدامى .
طالعتها سالى بشك و هزت كتفيها بتسليم و سارت أمامها .
وضعت ليال المنشفة من يدها و قالت بهدوء :
_ لا و الله يا مينو مش هعمل حاجة ... بكرة بقا نبقى نفرح مع بعض .
فسألتها ميناس بتعجب عبر سماعة الهاتف الخارجية :
_ هو صوتك بيبعد و يرجع يقرب ليه يا بنتى .
تذوقت ليال الحساء و أجابتها ببديهية :
_ لأنى بكلمك و أنا بطبخ فافتحة الإسبيكر .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و قالت لائمة :
_ يبقى كتب كتابك بكرة و واقفة تطبخى ... مش كفاية مش هنهيص ليكى .
إستندت ليال بظهرها على رخامة المطبخ و عقدت ذراعيها أمام صدرها و قالت بقلق :
_ أحسن أنا أصلا مش بحب الزحمة و الإختلاط .. و بكرة هيبقى يوم تقيل عليا .
تنهدت ميناس بضيق و قالت لها بحدة :
_ إنتى لازم تروحى لدكتور نفسى يا ليال ...حبستك فى البيت دى عملتلك رَهاب و بقيتى تخافى تكلمى حد غريب و ده خطر .
إعتدلت ليال فى وقفتها و قالت لتغير الحوار :
_ كان نفسى تكونى معايا النهاردة يا مينو ... بس مش مشكلة هشوفك بكرة .
أجابتها ميناس بنبرة حزينة :
_ و أنا كمان يا حبيبتى كان نفسى أبقى جنبك و أقعد أرقص للصبح .
إبتسمت ليال و قالت بمشاغبة :
_ عرفاكى ما بتصدقى تسمعى أغنية و تنطلقى .
إختفى صوت ميناس قليلا و كأنها تحدث شخصا ما و عادت إليها قائلة :
_ ليال هقفل دلوقتى علشان حمزة عاوزنى ... هكلمك تانى إن شاء الله .
حملت ليال هاتفها و قالت بهدوء :
_ تمام يا عمرى .. سلام .
و أغلقت الهاتف و عاودت إتمام وجبتهم بسعادة و إبتسامتها العذبة تزين ثغرها الرقيق مثلها .....
فى السيارة تطلعت سالى للطريق بتعجب و سألت غزل قائلة :
_ إحنا رايحين فين يا بنتى .
إبتسمت غزل بخفوت و قالت بمكر :
_ دى مفاجأة .. إصبرى شوية .
و عادت بعينيها للطريق و فجأة لمعت عينيها و عقلها بفكرة ستسعد ليال جدا.. ففتحت حقيبتها و أخرجت هاتفها و هاتفت فارس .. الذى نظر لشاشة هاتفه متعجبا من هذا الرقم الغريب ثم رد قائلا بحدة :
- ألو .
إضطربت دقات قلبها .. وإبتلعت ريقها قائلة بتوتر :
- إزيك يا فارس .
إبتسمت شفتيه فور ترجمة عقلة لذبذبات صوتها المتوتر .. ثم قال مسرعا ببرود :
- إزيك إنتى يا غزل .
قطبت حاجبيها بتعجب و سألته بفضول :
- عرفت منين إنه أنا غزل .
رد بإقتضاب أصبح يغضبها :
- مش مهم .
رفعت حاجبها بضيق .. ثم قالت فاقدة صبرها :
- عموما .... كنت عايزة منك favor.
رد بجدية هادئة :
- تؤمرينى طبعا .
أغمضت عينيها و هى تستمتع بلين صوته و لو لثوانى ثم قالت برقة تلائمها :
- كنت محتاجة ميناس معانا .. و لو روحت أنا لجوزها همسك فيه فاياريت تقوله إنت يخليها تيجى تبات معانا و بكرة بعد كتب الكتاب ترجعله .
تنهد بألم و هو يتذكر أخوه و الذى تحول لوحش بعد الحادثة و خصوصا مع زوجته .. لاحظت صمته المقلق و إنتظرت رده .. فخرج من صمته قائلا بنبرة حزينة :
- حاضر ساعة بالكتير و تبقى قدامكم .
إتسعت مقلتى غزل من الفرحة و قالت شاكرة .
- Thanks so much .
رد عليها و هو يتخيل فرحتها الطفولية و لمعان محيطى عينيها الغامضتين :
- إنتى بس تؤمرى و أنا عليا التنفيذ .. يالا سلام .
تنهدت مطولا و قالت بهيام :
- سلام .
وأغلقت الهاتف بإبتسامة عذبة .. تطلعت عليها سالى ببلاهة و زمت شفتيها بخبث و قالت متسائلة بفضول :
- مالك يا حاجة .. ومين فارس ده .
إنتبهت غزل لسالى فقالت بإحراج :
- هاه .. ده أخو عريس بنت خالتى .. سيبك ده موضوع عائلى .
وصلوا أخيرا للحارة .. و ترجلوا من السيارة .. وقفت سالى تتطلع للقصر بدهشة و قالت بإعجاب :
- واو .. إيه القصر ده .
أجابتها غزل و هى تتأمله بمشاعر مضطربة :
- ده القصر اللى هتسكن فيه العروسة ... و أختها كمان متجوزة فيه .
غمزت لها سالى بعينها و قالت بتلقائية :
- عقبالك .. وأهه كده فرقتكم تبقى إكتملت فى القصر .
ضحكت غزل عليها و قالت و هى تزفر بضيق مصطنع :
- قدامى يا لمضة .
دلفا للحارة .. تطلعت سالى حولها و قالت بتعجب :
- لأ فجأة أصلى .. إنتى ساكنة فى الحارة دى ... بجد .
أومأت غزل برأسها و قالت بفخر :
- أيوة ساكنة مع تيتة هنا فى الحارة دى .
أومأت سالى بتفهم .. فعادت تكمل حديثها بإبتسامة :
- عقبالك ياغزل .. وعقبالى يا رب براجل زى القمر كده زى الدكتور أحمد .
ضحكت غزل عليها .. ثم إتسعت عيناها بذعر و هى ترى العمال يحاوطون منزلها بأسلاك كهربائية .. فتجهم وجهها و قالت بفزع :
- إيه ده البيت هيقع و لا إيه .
ضحكت سالى بصوت عالى غير مبالية بوجودها فى الشارع و قالت ساخرة:
- دول بيعلقوا نور عالبيت يا هبلة .. مش فيه فرح .
إستدركت غزل مقصدها و قالت براحة :
- يعنى دول بيعلقوا نور .. و الله خفت .. تعالى يالا .
وقف رامى يتابع تركيب الإنارة بنفسه .. حتى إنتبه لغزل فقال بإبتسامة ودودة :
- إزيك يا غزل .. إتأخرتى ليه .. ليال لوحدها .
ردت غزل و هى تتابع بعينيها تعليق الإنارة بشغف :
- ما تقلقش يا عريس .. أحب أبشرك إننا هنهد الحارة دلوقتى من الفرحة .
غمز لها بعينه و قال محمسا :
- أيوة كده .. عاوز ليال تفرح ولو ناقصكم أى حاجة قوليلى فورا تمام.
لاحظ سالى فمد يده إليها لمصافحتها قائلا :
- أهلا وسهلا .
مدت سالى يدها و قالت :
- أهلا بيك .. و ألف مبروك .
أجابها بلباقة :
- الله يبارك فيكى يا فندم .
عرفتهم غزل قائلة :
- دى يا رامى سالى دكتورة زميلتى من المستشفى اللى بشتغل فيها .
رد رامى مسرعا :
- منورة الدنيا يا دكترة .
أجابته سالى بإبتسامة متسعة :
- ده نورك يا عريس .
إستأذنت منه غزل و صعدت الدرج .. أوقفتها سالى أمام باب الشقة و قالت بتبرم :
- إستنى هنا ... إحنا هندخل على العروسة كده من غير شبورة .
زمت غزل شفتيها بعدم فهم و قالت مستفسرة :
- شبورة إيه ؟!
هزت سالى رأسها بيأس و قالت موضحة :
- يعنى نغنى للعروسة و كده و تزغرطى معايا و نلم عليكوا الحارة .
فكرت غزل قليلا و قد إقتنعت بكلمات سالى فقالت بعيون لامعة :
- أنا ما أعرفش أعمل اللى إنتى قولتى عليه ده .. بس أعرف اللى تعمله
كانت زينب تتابع التلفاز و مهاب ممدد بجوارها على الأريكة واضعا رأسه على ساقيها .. فإنتبهوا على صراخ غزل و تعالى الصيحات بالطريق ... فإنتفض مهاب واقفا و قال بحماس و فرحة :
_ أوبا ... خناقة يا تيتة .
وضعت زينب يدها على صدرها و قالت بقلق :
_ ولادى .. إستر يا رب .
ركض مهاب ناحية شرفتهم ... بينما بحثت زينب عن حجابها ... فوصلها صوت مهاب قائلا بصراخ :
_ إلحقى بابا يا تيتة .
إرتدت حجابها مسرعة و هرولت ناحية الشرفة فرأت فارس و مسعد ينهال عليه بعصاه قائلا بتشفى سافر :
_ ده أنا هكسر عضمك عضمة عضمة و همسح بدمك الحارة كلها قبل ما أرحمك و أرميك فى صفيحة الزبالة يا ******* .
فصرخت زينب قائلة بذعر :
_ يا قلب أمك يا إبنى ... إجرى يا مهاب هات الزفت التليفون أكلم جدك .
ركض الصغير مسرعا باكيا و بحث عن هاتفها المحمول حتى وجده و عاد إليها و مد يده به ناحيتها قائلا بنحيب :
_ انا هنزل أضرب الراجل الوحِش ده علشان بيضرب بابا .
طمأنته قائلة بهدوء و هى تجفف دموعه :
_ ما تخافش يا حبيبى .
و أخذت منه الهاتف و هاتفت صبرى الذى أجابها فصرخت به قائلة :
_ إلحقنى يا حاج ... الواد مسعد زانق فارس و رامى برجالته و هما لواحدهم و بيضاربوهم ... تعالى بسرعة إلحقهم .
وقف صبرى مشدوها من كلماتها و حمل مفاتيحه و أغلق خزنته قائلا بنظرات قاتمة لا تبشر بأى خير :
_ إبن ال ***** ... إقفلى إنتى يا زينب و انا هتصرف .
توالت الضربات القوية عليه و هو يتلقاها بذراعه حاميا رأسه ... و لكنه تحامل على نفسه .. و تمسك بالعصى بقوة .. وجذبها من يده و قذفها بعيدا .. و ضربه بركبته فى أسفل بطنه .. فإنحنى مسعد متألما لم يمهله فارس الوقت و عاد للكماته الغاضبة .. ثم دفعه بساقه فإصطدم بباب دكان قديم مغلق فكسره ....
لم يستطع مسعد التحرك .. فحاول جاهدا النهوض و لكن ذراع فارس عاونته و هو يجذبه من ياقه قميصه و أوقفه على قدميه قبل أن يركله بساقه مجددا فإصطدم فى الحائط بقوة فإنسابت الدماء الغزيرة من رأسه على وجهه و سقط على الأرض ..
إقترب منه فارس بنظرات قاتمة و طوق رقبته بذراعيه الصلبة و ضغط عليه بقوة لخنقه .. لم يستطيع مسعد المقاومة أكثر و إنهارت قواه مع إختفاء الأكسجين من صدره .. و زادت زرقة وجهه .
تعالى الصراخ من السيدات بالشرفات و النوافذ فلم تتمالك غزل أكثر و إنطلقت راكضة على الدرج و منه إلى الطريق شاقة طريقها بين الرجال المزدحمين حتى وقفت أمام فارس و قالت له برجاء :
- سيبه يا فارس أبوس إيدك .. هيموت وهتروح فى داهية .
حدجها فارس بغضب و قال بحدة :
- إطلعى بيتكم يالا .. إزاى تنزلى بين الرجالة .. أنتى إتجننتى .
ردت غزل بإصرار :
- لأ مش هطلع سيبه بقا .. علشان خاطرى .
إنقلبت الدفة و حضر رجال فارس من الوكالة و إنهالوا بالضرب على رجال مسعد .. فزاد صراخ الجميع من حولهم بفزع ... بينما إبتعد فارس عن مسعد .. و حمل عصاه و إنهال عليه بها قائلا بشراسة :
- والله لهخليك عبرة لكل كلب يتجرأ على أسياده .
و توالت ضرباته الموجعة و مسعد يطلب منه الرحمة ... إلتفت فارس مجددا ناحية غزل المتصنمة و تطالعه بإعجاب يشع من عينيها الفيروزية ... و قال بصوت رخيم حازم :
_ هو إنتى لسه واقفة ... إطلعى يالا لحد يأذيكى .
إبتسمت بهدوء و أومأت برأسها قائلة بتنهيدة حالمة :
_ حاضر .. مش عاوز حاجة .
رفع عينيه بملل و أجابها من بين أسنانه كاظما غضبه :
_ متشكر شايلك للتقيلة ... ممكن تسبينى بقا أكمل على الكلب ده .. يعنى لو سمحتى طبعا .
لوحت له و تركته و إنصرفت ... فعاد بعينيه مجددا لمسعد المتكوم على الأرض غارقا بدمائه و ركله بساقه فى جسده قائلا :
_ و حياة أمك لهعيشك بقية عمرك تتلفت حوالين نفسك لما تسمع إسمى بس .
لم يرحمه و هو يذيقه من العذاب ألوانا ثم ربطه هو و رجاله و رماهم على الأرصفة كالقمامة .. وهاتف الشرطة .
وقف فارس ورامى أمام مسعد وهما يرمقانه بشماته و قوة من علو .. إنحنى فارس نحوه و قبض على ذقنه بأظافره و قال مستهزءا :
- يا إبنى لو قلبك مات .. ماتجيش على إتنين إخوات .
إبتسم رامى بسخرية و قال بنبرة ماجنة :
- بتقف قدام العوو .. ده عم أى مكان يروحه يا واطى .. يا إبنى المرجلة دى وراثة .. و إنت ما عندكش أصل .
إقترب منهم صبرى و قال و هو يتطلع لمسعد بغضب :
- من النهاردة مالكومش شئ فى المنطقة .. و مش هتدخلها تانى .
إعتدل فارس بوقفته و صاح برجاله قائلا بصوت أجش و بنبرة آمرة :
- على المحل بتاعه .. مش عايز فيه حتة سليمة و جنزروه .. و بيته يبقى كوم تراب .. مفهوم .
تحرك رجال فارس بسرعة .. ونفذوا ما طلب منهم .. بعد قليل جاء فوزى مهرولا و تطلع لحالة إبنه و قال مستعطفا صبرى :
- خلاص يا حاج صبرى كفاية كده .. فكوه و أنا هاخده و همشى من هنا خالص و مش هتشوف وشى تانى .
رد صبرى بإنفعال غاضب :
- سبق و حذرتك .. وإنت ما عرفتش تلمه .. و ولادى لمهولك .. إبقى إستلمه من القسم بقا .
وقف فوزى أمامه و قال راجيا :
- بوليس لأ يا معلم صبرى .. و حياة عيالك .
رفع صبرى كفه و قال بحزم قاطع :
- مات الكلام .
ضرب فوزى رأسه بكلتا يديه و إقترب من إبنه المغمى عليه قائلا بلوم :
_ ليه كده يا إبنى .. عملت فى نفسك و فيا كده ليه .
بعد هدوء الأوضاع نسبيا وصلت الشرطة و بدأت التحقيقات مع العشرات من الشهود .. الذين أكدوا إعتداء مسعد على فارس .. و أنه كان يدافع عن نفسه .. تطلع صبرى بقلق لفارس و قال متمسكا بعكازه بقوة :
- ربنا يستر و تعدى على خير .
ربت فارس على كفه و قال مطمئنا :
- سيبها على الله ..كان نفسى أموته لولا غزل هى اللى نجدته من إيدى .
إقترب أحد ضباط الشرطة من فارس و سأله قائلا بحزم :
- إنت فارس السعيد .
رد فارس بهدوء :
- أيوة يا باشا أنا .
حدجه الشرطى بقوة و تسائل بحدة :
- إيه اللى حصل هنا بالظبط .
أجابه فارس موضحا و هو يشير ناحية مسعد و رجاله أو بالأحرى ما تبقى منهم :
- دول شوية صيع .. و الواد مسعد ده تاجر مخدرات حبوا يعملوا شويتين علينا و يسوق العوء .. و هو اللى بدأ وجر شكلى فاربيته و كومته كده لما تيجى سعادتك .
ضحك الشرطى بسخرية و رفع سبابته بوجه فارس قائلا بصوت متصلب :
- لولا شهادة الشهود كان هيبقى ليا تصرف تانى معاك .. بس مرة تانية مش هتفلت منها .. تمام .
أومأ فارس برأسه و قال بهدوء :
- إن شاء الله مافيش مشاكل تانى .
رفع الشرطى حاجبه بحنق و قال منذرا :
- هعديها المرة دى .. بس بحذرك لو إتكررت مش هيحصلك طيب .. ياريت تبقى تحصلنا على القسم علشان نقفل المحضر .
وتركه و إنصرف .. زفر صبرى براحة و قال و هو يجلس بوهن :
- الحمد لله ربنا ستر .. إطلع لأمك يا فارس طمنها عليك .
طالع فارس قبض رجال الشرطة على رجال مسعد و حملهم لمسعد و وضعه بعربة إسعاف مكبلا من يده بأحد رجال الشرطة ... و أجاب والده بشرود :
- حاضر يا حاج لما الحكومة تمشى هطلع .
إنصرفت الشرطة أخيرا .. فرفع رامى عينيه صوب شرفة ليال .. وجدها تطالعه بقلق .. إبتسم و هز رأسه مستنكرا قلقها ثم دنا من صبرى قائلا بأدب :
- بعد إذنك يا عمى هطلع لليال أطمنها عليا وأطمن عليهم .
أومأ صبرى برأسه متفهما و قال بإيجاز :
- بس ما تتأخرش بقينا نص الليل .
رد رامى مسرعا :
- حاضر يا حاج بعد إذنكم .
إستوقفه فارس قائلا بتوتر :
- إستنى أنا جاى معاك عاوز أطمن عليهم .
إبتسم رامى بمكر و أشار إليه ليتقدمه قائلا :
- وماله تعالى يالا.
لم يهتم فارس بنظراته و صعدا الإثنان لشقة رأفة .. فتحت ليال الباب بلهفة .. و تطلعت لرامى بقلق و قالت :
- إنت كويس يا رامى .
تنهد رامى مطولا و إستند بكتفه على إطار الباب قائلا بهيام :
- ﻷ طبعا مش كويس .. بعد ما سمعت إسمى منك إدمرت على الآخر .
إبتسمت بخجل .. فتنحنح فارس و قال بضيق :
- أنا واقف معاكم على فكرة .. ليال .. هو انا ممكن أدخل لستى .
أجابته ليال بشرود و هى لا ترى و لا تشعر سوى بوجود رامى و فقط قائلة :
- هى صاحية إتفضل إدخل لها .
وزع فارس أنظاره بين ليال و رامى .. و رفع عينيه بملل و تركهم و دلف لشقة الجدة .. إقترب من غرفتها فأوقفته كلمات غزل عنه حيث قالت لجدتها بشغف :
- لأ و إيه يا تيتة كان هيموته .. بس أنا ماقدرتش أمسك نفسى و نزلت السلم جرى و أنا من غير شوز .. و عديت من وسط الرجالة و قعدت أترجاه يبعد عنه .
ثم صمتت قليلا و بعدها قالت بصدق :
_ تعرفى يا تيتة كنت هموت من قلقى عليه .
فسألتها الجدة بخبث :
- قصدك مين فيهم ؟!
ردت غزل ببديهية :
- فارس طبعا .
علت شفتى الجدة إبتسامة مخفية .. لاحظتها غزل فقالت بخجل :
- وخفت كمان على رامى علشان ليال ما تزعلش .
إتسعت إبتسامة الجدة .. فقالت غزل بضحكة خجلة :
- بصراحة بقا أكتر حاجة خفت عليها هو فارس وماتسألنيش ليه علشان أنا مش عارفة .. بس كل لما بقرب منه بحس بحاجة غريبة .. و ببقا مطمنة كده ومش خايفة .
علا وجهها الجميل حزن عميق و قالت بأسى :
_ تعرفى يا تيتة أنا أكتر صديق ليا طول حياتى هو الخوف .. بس مع فارس راح ومش عوزاه يرجع .
إحتضنتها الجدة وملست على ظهرها وقالت :
- ربنا يحميه لشبابه .. العوو جدع طول عمره .
إستنكرت غزل كلماتها و قالت بضيق :
- إسمه فارس يا تيتة مش العوو .. فارس وبس .
إتسعت إبتسامة فارس و عاد للخلف بعض الخطوات و تنحنح قائلا للفت إنتباههم لقدومه :
- إحم إحم .. ستى ... إنتى صاحية .
جلست غزل مسرعة وقالت بلهفة :
- ده فارس .
إبتسمت الجدة على حالتها و صاحت قائلة :
- تعالى يا فارس يا إبنى أنا صاحية إتفضل .
دخل الغرفة وهو مطأطأ رأسه ثم رفع عينيه ناحية رأفة و قال بإبتسامة هادئة :
- كنت جاى أطمن على ليال و غزل .
أجابته الجدة و هى تطالعه بنظرة لوم :
- إنت مش محتاج سبب علشان تجينى أنا ستك يا فارس .
أومأ برأسه و قال بإبتسامة متسعة :
- تسلميلى يا ست الكل .
ثم تطلع لغزل وقال بقلق :
- إنتى كويسة يا غزل .
إقتربت منه بعدما لاحظت الجروح و الكدمات بوجهه فقالت مسرعة :
- إستنانى ثوانى وهرجع .
تطلع إليها فارس بتعجب .. فقالت له الجدة بإمتنان :
- تسلم عافيتك يا فارس البأف اللى إسمه مسعد ده كان لازم يتربى ده ما سابش بنت ولا ست فى الحتة إلا وإترازل عليها .
تنهد فارس مطولا وقال بغضب :
- لولا غزل ياستى كنت قتلته .. لسه ما إتخلقش اللى يفكر يمسها و لو بكلمة و أنا عايش .
وصلت كلماته الصادقة لقلب غزل لا لأذنيها .. فإبتسمت براحة ودلفت للغرفة وهى تحمل حقيبة الإسعافات الأولية .. أجلسته بالقوة على الأريكة و هو يطالعها بتعجب من فعلتها ..
فتحت الحقيبة و أخرجت منها المطهر و القطن و إقتربت منه بعفوية .. و بدأت فى تطهير جروح وجهه و رقبته .. كانت أنفاسها تلفح وجهه بنعومة .. إبتلع ريقه بصعوبة .. بعدما زادت دقات قلبه من قربها و لمساتها الحانية .....
إستنشق عطرها بقوة و ملأ به رئتيه .. متطلعا داخل عينيها الفيروزية الساحرة .. غائصا بأمواجهم العاتية و التى تحمله لعليين و تهبط به لأعماقها الغامضة و المغلقة كصندوق عتيق منذ مئات السنين ....
لاحظ إضطراب أنفاسه فخشى أن تشعر بتخبط مشاعره و نظراته المتفحصة نحوها .. فوقف مبتعدا عنها و قال بصرامة :
- شكرا يا دكتور .. بعد إذنكم تصبحوا على خير .
و خرج مسرعا بأقصى سرعته هربا من مغناطيس عينيها و الذى يجذب ذرات جسده الضعيف أمامها إليها .. جذب رامى من ذراعه و سحبه ورائه قائلا :
_ يالا ... كفاية كده .
تطلع رامى لليال و قال بضيق :
- خلى بالك من نفسك يا عسلية أشوفك بكرة .
ضحكت ليال على هيأته وفارس يسحبه من يده كالطفل الصغير .. و أغلقت الباب و هى شاردة فى كلمات رامى التى تشعرها بأنوثتها و بأهميتها بحياته .. بحياته و فقط .... فمن دونه لا تصلح حياتها لن تستطع الإندماج بمحيطها و الأبسط منه جامعتها .. قد يراه الجميع أنانى و يراها سلبية و لكن أيا كانت نظرت الجميع إليهم فهو .. حبيبها و فقط ....
ظلت غزل على حالتها من التعجب واقفة مشدوهة تتطلع بأثره .... أخذت تروس عقلها فى اللف و الدوران متسائلة لم تركها و وقف مسرعا بهذه الطريقة .. و كأنه لدغته حية ... لاحظت الجدة شرودها فسألتها بمكر :
- مالك يا غزل .. سرحانة فى إيه .
لملمت غزل أشيائها و قالت بغضب :
- مافيش يا تيتة .. أنا هروح أنام علشان شغلى الصبح و الوقت إتأخر .. تصبحى على خير .
و خرجت من غرفة جدتها و دلفت لغرفتها و هى تنفث نارا من أنفها .. ظلت تتحرك فى غرفتها ذهابا و إيابا بضيق ثم توقفت و قد لمعت عيناها و قالت بتوعد :
- ماشى يا فارس ... I didn't do any thing yet .
ظل محدقا بسقف غرفته هائما بعينيها التى تبتسم إليه بإشراق مهلك إستنفذ كل طاقته ... عفويتها و إنطلاقتها و ذكائها المبهر و جمالها الآخذ سلبوه قدرته على النوم لتلك الساعة المتأخرة ... ينتظر و بشوق بزوغ شمس الصباح ليتسنى إليه رؤيتها من جديد و تمضية أكبر وقت ممكن بجوارها ....
تنهد مطولا و هو يعقد ذراعيه أسفل رأسه مبتسما هائما بعينيها الفيروزية و شفتيها الوردية و التى أمرت عينيه بالتوقف عندهما سابحا بجمالهما و رقتهما ... ساعات .. مجرد ساعات جمعتهما و أصبحت حالته يرسى لها ... فماذا لو بقيت أمامه لأيام ... من المؤكد أنها ستأسره و تجعله مجنون جديدا بعالم العشق و الهوى ... مجنون غزل .
ضحك أحمد بخفوت على حالته و إضجع على جانبه الأيمن واضعا كفه الأيمن تحت وجنته و أغمض عينيه مستغفرا عله يتخلص من تلك العينين التى تطالعه بسقيفة غرفته ....
تطلع رامى بساعة معصمه و قال بإرهاق و هو يطالع أشعة الشمس التى أشرقت للتو :
_ الواحد مش حاسس بجسمه .. والظابط كان بيسألنا تقولش تجار مخدرات و لا حرامية .
نفث فارس دخان سيجارته و قال بهدوء :
_ ده شغله .. عادى يعنى .
طالع رامى جروحه و قال بقلق :
_ إنت محتاج تروح المستشفى يا إبنى .. ده غير دراعك اللى ال **** ده فشفشه بالعصايا .
حرك فارس ذراعه بألم و قال بإيماءة مؤكده :
_ عندك حق ... و أهه بالمرة نطمن على بونجا و نروح ننام كام ساعة علشان ترتيبات كتب كتابك يا عريس .
إبتسم رامى بسعادة و قال و هو يصعد سيارته :
_ حلوة يا عريس دى ... طعمها كده حلو ... هون يا رب .
صعد فارس السيارة قائلا بألم :
_ ربنا يهنيك يا صاحبى .. ليال بنت حلال و بتحبك .
أدار رامى السيارة و غمز إليه قائلا :
_ طب نفسك ما إتفتحتش للجواز تانى .
إستند فارس برأسه على مقعد السيارة و ضم ذراعه المجروح بألم و أغمض عينيه قائلا بحدة :
_ شيلنى من دماغك يا رامى مش فايقلك .
تطلع رامى لشاشة هاتفه الصامت و المنير لينبهه بقدوم إتصال .. فإتسعت عينيه قائلا بتلقائية :
_ أمك .
فتح فارس عينيه مسرعا و قبض على ياقة قميصه و عينيه تشع غضبا و هو يهدر بعصبية :
_ بتشتم مين ياض .
رفع رامى الهاتف أمام عينيه و قال مسرعا :
_ أمك بتتصل يا عم إنت ... إبعد إيدك هتخنقنى .
إبتعد عنه قائلا بضيق :
_ إبقى حدد كلامك بعد كده أحسنلك .
مرر رامى أنامله على رقبته متألما و أجاب زينب قائلا بعبوس :
_ السلامو عليكو يا حاجة ....... لأ خلصنا و هنروح المستشفى .
وخزه فارس فى ذراعه على تلقائيته و التى ترجمت فى صراخ زينب بالهاتف فأبعده رامى عن أذنه حتى إنتهت و أجابها قائلا بحدة :
_ إحنا كويسين و زى الفل الحمد لله ... بس هنطمن على بونجا و نيجى على البيت على طول .... لا ما تقلقيش مش هنتأخر ... حاضر .... سلام يا ست الكل .
أغلق الهاتف و أعاده بجيبه و قال بضيق :
_ أمك ... خرمت طبلة ودنى ... أتجوز إزاى دلوقتى .
ضحك فارس و هو يتألم من جروحه على حالة ذلك الجالس بجواره و يعتقد أن الزواج نهاية عشقه السرمدى ... و لا يدرى أنها بداية عشق من نوع آخر سيجمعهما و هو عشق المودة و الرحمة ......
لم يكن رامى بمفرده من ينتظر بلهفة نهاية لإرهاقهما يوميا و هما يشتاقان فى كل ثانية يبعداها عن بعضهما ....
وقفت ليال بنافذتها منتظرة عودته بقلق ... و كلما فتحت كتابا لمذاكرة دروسها ترى وجهه امامها .. فتغلقه مجددا و تعود للوقوف بالنافذة ...
فى الصباح لمحت سيارته فإبتسمت براحة و هى تراه يترجل منها و معه فارس ... و كأنه شعر بها فرفع رأسه ناحيتها و إبتسم إليها بخفوت لطمأنتها ...
وقفت منتظرة بفارغ الصبر حتى فتح نافذته و وقف قبالتها و رفع هاتفه على أذنه و إنتظر حتى أجابته قائلة بقلق :
_ إتأخرت كده ليه ..... أنا كنت هتجنن عليك .
لم يحيد بعينيه عن عينيها و أجابها بلهفة :
_ ده أنا اللى هتجنن خلاص ... يا بت إنتى بتحلوى كده إزاى .
إبتسمت بخجل و سألته بضيق :
_ إنت فايق و رايق على فكرة ... قولى بقا عملتوا إيه فى القسم .
هز كتفيه بهدوء و قال و هو يحك مؤخرة رأسه بإرهاق :
_ عادى إستجوبونا و خرجنا و باعدين روحنا لبونجا المستشفى إطمنا عليه و رجعنا .
_ و هو كويس .
إستند بمرفقه على إطار نافذته و أجابها برقة لا تلائم رجولته الطاغية على الإطلاق :
_ كويس قوى ... كويس بهبل ... و النبى عسل .
هزت ليال رأسها بإستنكار و قالت بحدة لا تليق بأنوثتها الطاغية على الإطلاق :
_ روح نام يا رامى ورانا النهاردة بلاوى لسه .. و انا كمان هحضر الفطار لغزل و هنام فورا .
سبل عينيه و قال بهيام :
_ يا بختها .. تصدقى إنى بقيت أغير من غزل كمان .. نفسى أحبسك فى مصباح زى بتاع علاء الدين و محدش يشوفك فى الدنيا غيرى .
تنحنحت بخجل و قالت بتلعثم :
_ طب ... ااا إتفضل إقفل بقا .
أرسل إليها قبلة بالهواء و قال هامسا :
_ بحبك يا أجمل برطمان عسل فى الدنيا .
ضحكت ضحكة عالية و لوحت له بيدها قائلة :
_ سلام يا حبيبى .
أغلقت الهاتف و توجهت ناحية النافذة و تطلعت إليه قليلا قبل أن تغلقها و تستند عليها بظهرها قائلة بهيام :
_ و أنا كمان بحبك يا رامى ... بحبك قوى .
إستيقظت غزل على رنين منبه هاتفها متثاقلة لكونها لم تأخذ قسطا كافيا من النوم ... جلست على فراشها شارردة متذكرة ذلك الغازى لعقلها و الذى يثير حنقها و غضبها من تصرفاته المتناقضة ....
خرجت من غرفتها فلم تعثر على ليال التى تستقبلها بإبتسامتها العذبة كل يوم .... فطرقت باب غرفتها و دلفت ... رفعت ليال عينيها الحمراويتين عن كتابها و قالت برقة :
_ إنتى صحيتى يا غزل ... ثوانى و هحضرلك الفطار يا قلبى .
إقتربت غزل منها و أغلقت الكتاب بغضب و قالت لها بعصبية :
_ إنتى لسه ما نمتيش يا لولو ... يا بنتى كتب كتابك بكرة و وشك مجهد جدا .
طأطأت ليال أناملها و قالت بإرهاق :
_ كنت بذاكر شوية لغاية ما تصحى و أحضرلك الفطار و أناااااام .
جذبتها غزل من يدها و أوقفتها و سارت بها نحو فراشها و مددتها بالقوة قائلة :
_ و انا مش هعرف أفطر يعنى ... نامى إنتى و إرتاحى و تيتة كمان نايمة و شكلها مش هتصحى دلوقتى .
تثائبت ليال بكسل و أغلقت عينيها قائلة بصوت ناعس :
_ تصبحى على خير يا زولا .
إبتسمت غزل عليها و مالت نحوها و قبلتها بجبهتها و أغلقت الإضائة و تركتها و خرجت ......
ذهبت غزل لعملها براحة بعدما إختفى سبب إزعاجها و باتت تتحرك بالحارة بأريحية .. دلفت للمشفى و إتجهت لغرفتها مباشرة .. رحبت بها سالى قائلة بمداعبة :
- يا مرحبا يا مرحبا نورك يا غزل غطى على الكهربا .
ضحكت غزل و جلست على مكتبها قائلة بسخرية :
- رغم إنها قديمة بس منك زى العسل .. وحشتينى يا سولا .
أجابتها سالى و هى ترتدى مأزرها الخاص بها :
- مشيتى إمبارح قبل ما أقابلك تانى ليه .
ردت غزل معتذرة و هى تفتح حقيبتها و تخرج منها أدواتها :
- آسفة والله بس بكرة كتب كتاب بنت خالتى و إحنا مالناش إلا بعض .. فمشيت بسرعة علشان كنا هنخرج .
إتسعت عينى سالى بفرحة و قالت برجاء :
- الله ... يا بختك ياغزل .. ممكن أبقى أجى النهاردة معاكى نهيص للعروسة و كده .
وقفت غزل و إرتدت مأزرها الأبيض و قالت مؤكدة بإبتسامة شغوفة :
- sure .. ممكن تيجى معايا طبعا .. تعرفى إنتى أول صديقة ليا فى مصر .
إستندت سالى بيديها على مكتب غزل و قالت بهدوء :
- خلاص هستأذن ماما .. و لما هخلص شغل هجيلك هنا و نمشى مع بعض .. تمام .
أومأت غزل برأسها و قالت :
_done .
إتجهت سالى لباب الغرفة فتحته مغادرة لعملها فتفاجأت بأحمد على الباب .. و يقف أمامها بهيئته الجذابة و عطره العصرى المثير .. ففغرت فمها ببلاهة و قالت بهيام :
- هاااه .... دكتور أحمد .. منور الدنيا و الله .
إنتبه أحمد لنظراتها الهيمانة به فقال بإبتسامة يأسة :
- شكرا يا دكتور .. هى غزل موجودة .
أومأت سالى رأسها ببطء و قالت بتنهيدة :
- أيوة جوة .. بنت المحظوظة .
أشارت له بيدها ليدخل قائلة برقة :
_ إتفضل يا دكتور .. بعد إذنك.
و تركته و إنصرفت و هى هائمة .. لاحظ حالتها و نظراتها الملتاعة إليه فزادت إبتسامته الساخرة .. دلف الغرفة لغزل و قال و هو يحدجها بشوق مستمتعا بإبداع ربه بتلك المخلوقة الساحرة :
- صباح الخير يا غزل .
أجابته بعملية و هى تحمل أدواتها :
- صباح النور .. أنا جاهزة يا دكتور .
تطلع لحماسها فقال بإبتسامة هادئة :
_ شكلك مستعجلة على الشقىَ .
هزت رأسها بحدة و قالت بقوة :
_ لما حضرتك المشرف عليا تقول على شغلنا شقى أنا بقا أقول إيه ؟!
ضحك ضحكة عالية ظهرت معها أسنانه المتراصة بدقة و الزاهية البياض ... فأردفت غزل قائلة بثقة :
_ عموما يا دكتور أنا أسعد لحظات حياتى و أنا بشتغل .
كانت نظرات الإعجاب تنطلق من عينيه نحوها و هى تستقبلها ببعض من البلاهة و اللامبالاة .. أشار إليها بيده لتتقدمه و هو فى قمة سعادته .. تقدمته بثقة فعض على شفته و هو يتأمل إيبائها و ترفعها و ثقتها بنفسها و سار خلفها منوما مغناطيسيا ....
بدأ مرورهم اليومى على المرضى الذين كان بعضهم فى إنتظار غزل .. و منهم من أهداها وردا ... و منهم من أمطرها بكلمات المداعبة و الغزل .... و منهم من طالعتها بغيرة و قلق على ذويهن ... و أحمد يشتعل من غضبه و غيرته .... و لا يجد تفسيرا لحالة الضيق التى تمتلكه كلما و قعت عليها عينى أحدهم سوى أنها .. غيرة ...
و رغم ذلك تأكد أحمد من خبرتها و جاهزيتها للعمليات الجراحية ذلك الإختبار الصعب .. و ما أسعده أكثر أنها لم تتأثر بما قيل لها و تعاملت مع الجميع بعملية .... إنتهى هذا الروتين اليومى .. فدونت غزل بمفكرتها معلومات عن آخر مريض كانت عنده ... فسألها أحمد بفضول :
_ هو إنتى ليه بتكتبى دايما عن كل مريض دخلنا ليه رغم إن المستشفى عاملة فايل كامل لكل حالة .
إبتسمت بهدوء و أنهت ما تدونه و أغلقت مفكرتها و وضعتها فى جيب مأزرها و أجابته ببديهية :
_ بس تقرير المستشفى مش مركز على حالة المريض النفسية ... و دى صدقنى بتفرق جدا فى نجاح اى عملية أو إكتمال شفاء المريض ... و لما الطبيب المعالج ياخد باله إن معدل الطاقة الإيجاية للمريض بيقل لازم يتدخل بنفسه أو يكلف طبيب نفسى مختص بمتابعة الحالة .
إرتفع حاجبى أحمد و هو يفكر بوجهة نظرها المقنعة ... بينما أردفت هى لتوضيح فكرتها أكتر :
_ يعنى الحالة الأخيرة دى للمدام اللى داخلة تعمل عملية الزايدة ... أسألتها دايما كانت هركب قسطرة و لا لأ ... هركب درنقة و لا لأ ... العملية هتسيب آثر فى جسمى و هتشوه و لا لأ ... فأنا بقيت أطمنها إنه جسمها هيفضل زى ما هو و إنى هستعين بطبيب تجميل معايا .. و إنه ممكن أخلصها من بعض دهون بطنها و إنها هتخرج من العملية أحلى ... فانسيت قلقها و خوفها و بقت تفكر فى شكلها هيبقى إزاى .. فهمت بقا قصدى .
عقد ذراعيه أمام صدره و قال بتعجب :
_ منكم نستفيد يا دكتور ... إنتى نبهتينى لنقطة مهمة جدا و هشتغل عليها فى نفسى الأيام اللى جاية .
إبتسمت بهدوء و قالت بعملية :
_ أنا معايا نسخة pdf من الماجستير بتاعى و هو فى الموضوع ده ... لو حابب ممكن أبعتلك نسخة إقرأها و ناقشنى فيها .
هز رأسه بالإيجاب و قال متحمسا :
_ طبعا إبعتيهالى على الميل وانا هقولك رأيى فيها بصراحة .
اجابته بثقة :
_ هستنى رأيك ... بعد إذنك .
_ إتفضلى .
عادت لغرفتها مرهقة و خلعت مأزرها .. و جلست على الأريكة و أسندت رأسها بتعب على ذراع الأريكة و أغمضت عيناها .. و سحبتها دوامة إرهاقها و لم تشعر بنفسها فنامت على الفور ..
توالت الحالات على المشفى .. فوقف أحمد و توجه لغرفتها .. طرق الباب فلم ترد عليه .. ففتح الباب و دلف باحثا عنها ليتفاجأ بها نائمة .. تطلع إليها مطولا .. و إقترب منها و هو يتأمل ذلك الملاك النائم و قلبه ينتفض بداخل قفصه الصدرى كأرنب مذعور ... حملته قدميه مقتربا منها أكثر و مسحورا من برائتها و هدوئها .... ولم يشعر بيده و هى تمتد نحو وجهها لملامسته .. إستيقظت غزل فوقعت عيناها على أحمد فإنتفضت جالسة و هى تشعر بذعر و قالت بتلعثم :
- أنااا ... أنا آسفة جدا يا دكتور .. مش هتتكرر تانى .
رفع يديه فى الهواء أمام وجهها و قال مهدئا :
- إهدى .. أنا آسف بس خبطت و إنتى ماردتيش عليا فدخلت .
وقفت مسرعة و عدلت من ملابسها و قالت بجدية :
- طب بس دقيقتين و هاجى لحضرتك المكتب .
أومأ برأسه و قال بهدوء :
- تمام هستناكى .
و تركها و خرج .. أغلق ورائه الباب و إستند على الحائط و تنفس بصعوبة واضعا كفه على قلبه .. لاعنا نفسه و هو يتذكر كيف ضعف بهذه الدرجة البائسة .. لقد كانت على وشك رؤية يده الممدودة ناحيتها .. بما كان سيفسر موقفه وقتها .... تمالك نفسه و عاد لغرفته مسرعا .
غسلت وجهها و طالعت نفسها بمرآة المرحاض ثم جففت وجهها بمحارم ورقية و أعادت تظبيط مكياجها و حجابها و خرجت .. توجهت لغرفة أحمد الذى إرتبك فور رؤيتها و قال مسرعا :
- يالا بينا عندنا شغل كتير .
اومأت برأسها و قالت بهدوء :
- حاضر أنا تحت أمرك .
كان قلمه يدور و يدور على الأوراق بشرود و تخبط .. تحمله مشاعره لعينيها و يعود به عقله لأنه يبالغ بما يشعر به تجاهها ... إنه مجرد حنين لماضى ذهب مع الريح منذ أمد .... ليطرق قلبه معلنا عن وجوده و إنذاره أنه لم تمسه ريح من الأساس و أنها ظلت حبيسة قلبه تلك السنوات العشرون و الآن بعدما تجسدت أمامه و غادرت من داخله طفلة و عادت أميرة متوجة على عرش قلبه الذى لم يمسه ريح إمرأة غيرها حتى ... زوجته الراحلة .... فعن أى مبالغة يتحدث ... من المؤكد أنها لها مكانة خاصة بها و فقط داخله ... مكانة و فقط .....
دلف رامى على مكتب فارس بالوكالة و تأمل شروده و لوحته الفنية الذى يرسمها على تلك الورقة المسكينة و التى ذابت تحت قلمه فقال له بضيق :
_ اللى واخد عقلك .
إنتبه إليه فارس ورفع عينيه قائلا بحدة :
_ الناس الطبيعية اللى إنت مش منهم خالص بيقولوا السلام عليكم أول .
رسم رامى خطا مملا على شفتيه مسمى إبتسامة باهتة و أجابه قائلا بحدة :
_ السلام عليكم ... كده بقيت طبيعى .
ألقى فارس بقلمه على مكتبه و قال بضيق :
_ إصطبحنا و إصطبح المُلك لله ... عاوز إيه بقا ؟!
جلس على طرف مكتبه و قال بنبرة آمرة :
- كلم الناس بتاعت النور يا عوو .. إتأخروا عاوزهم يركبوا الكهارب فى الحارة قبل بالليل .
أومأ فارس برأسه و قال و هو شارد بمطالعة الأوراق أمامه :
- ماشى آهندزة .
لملم رامى الأوراق من أمام فارس و قال بعبوس :
- ما تركز مع أمى .. وده وقت شغل ده و باعدين إنت نمت إمتى وصحيت إمتى .
أجابه ببرود :
_ مالكش فيه ... عاوز حاجة تانية .
زفر رامى بضيق و قال برجاء :
_ آه عاوز ... ركز معايا قولنا هتجوز بكرة يا صاحبى .
ضحك فارس على حالته و قال مازحا :
- هتفتح عكا يا خى .. ما عادى يعنى لا إنت أول و لا آخر المتأهلين .
عبس رامى بضيق ورد عليه مستنكرا ما قاله :
- إصحى كده يا صاحبى وصاحينا .. ده أنا بقالى تسع سنين خاطب .. يعنى تقولى كفارة يا معلم .
زادت ضحكات فارس و وقف و إستدار حول مكتبه و إحتضنه قائلا بحنو :
- مبروك يا حبيبى عقبال الليلة الكبيرة .. و الله لهيتعملك الحلو كله .
إحتضنه رامى بقوة و قال بهدوء :
- حبيبى يا أبو الصحاب ربنا يخليك ليا .
إبتعد عنه فجأة متذكرا شيئا ما قائلا و هو يعد على أنامله :
_ آه إفتكرت كلم بتوع الجاتو ... و الحلويات .. و الشوكولاتة .. و الساقع .. و إحجز الحلاق ... و أكد على الواد سعيد يجيبلى بدلتى .
إبتعد عنه فارس و قال بنبرة محتدة :
- هو أنا هعمل كل حاجة .. وسيادتك هتعمل إيه بقا .
صرخ به رامى و قال موضحا بنفاذ صبر :
- هتجوز .. والله هتجووووووز .
كتم فارس فمه بيده و قال بقوة و هو منهار من الضحك :
- إخرس ياض هتفرج علينا الناس يا أهبل .
أزاح يده عن فمه و قال موافقا :
- تمام ... بس فوق معايا كده ورانا كوارث لسه .
هز فارس رأسه و قال مؤكدا :
_ حاضر ... هخلصلك كل حاجة .. ما هى كده ناس تتجوز و ناس تتدبس .
عاد لمكتبه مجددا و فرد الأوراق أمامه ... فجمعها رامى بحنق و حملها و خرج يتمتم بغضب ... ضرب فارس كفيه ببعضهما بتعجب ... و عاد لوجومه متذكرا ليلة عقد قرانه و بروده وقتها كأنها كانت لشخص آخر غيره .. و زواجه من أخت له و كان عليه أن يعاملها كزوجة ... تنهد بأسى متذكرا مأساته مع إبنة خالته و زوجته و قال بخفوت :
_ الله يرحمك يا هديل ... سامحينى .
إنتهت غزل من عملها .. و عادت لغرفتها و لملمت أشيائها و إنتظرت سالى حتى جائت بشغبها التى دلفت به للغرفة و هى تخلع معطفها و تقول بتأفف :
- أوف بقا رجليا ورمت .. الضغط النهاردة كان صعب .. بقولك إيه عندكم غدا ولا هنتسوح .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت ساخرة :
- don't worry يا طقة هانم دى العروسة بنفسها اللى طبخالك .
أومأت سالى برأسها و قالت و هى تحمل حقيبة يدها :
- طب يالا بينا يا قطة .. عاوزة أروح بدرى .. صحيح يا غزل إنتى ساكنة فين .
ضحكت غزل بمكر و قالت بإبتسامة متسعة :
- لأ دى مفاجأة .
عقدت سالى حاجبيها و تسائلت بفضول :
_ مفاجاة إيه ؟!! هتكونى ساكنة فى كومباوند مثلا .
حكت غزل أسفل أنفها و قالت لها بغموض :
_ لا كومباوند إيه.... حاجة أنقح .
و أشارت لها بيدها قائلة :
_ إتفضلى قدامى .
طالعتها سالى بشك و هزت كتفيها بتسليم و سارت أمامها .
وضعت ليال المنشفة من يدها و قالت بهدوء :
_ لا و الله يا مينو مش هعمل حاجة ... بكرة بقا نبقى نفرح مع بعض .
فسألتها ميناس بتعجب عبر سماعة الهاتف الخارجية :
_ هو صوتك بيبعد و يرجع يقرب ليه يا بنتى .
تذوقت ليال الحساء و أجابتها ببديهية :
_ لأنى بكلمك و أنا بطبخ فافتحة الإسبيكر .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و قالت لائمة :
_ يبقى كتب كتابك بكرة و واقفة تطبخى ... مش كفاية مش هنهيص ليكى .
إستندت ليال بظهرها على رخامة المطبخ و عقدت ذراعيها أمام صدرها و قالت بقلق :
_ أحسن أنا أصلا مش بحب الزحمة و الإختلاط .. و بكرة هيبقى يوم تقيل عليا .
تنهدت ميناس بضيق و قالت لها بحدة :
_ إنتى لازم تروحى لدكتور نفسى يا ليال ...حبستك فى البيت دى عملتلك رَهاب و بقيتى تخافى تكلمى حد غريب و ده خطر .
إعتدلت ليال فى وقفتها و قالت لتغير الحوار :
_ كان نفسى تكونى معايا النهاردة يا مينو ... بس مش مشكلة هشوفك بكرة .
أجابتها ميناس بنبرة حزينة :
_ و أنا كمان يا حبيبتى كان نفسى أبقى جنبك و أقعد أرقص للصبح .
إبتسمت ليال و قالت بمشاغبة :
_ عرفاكى ما بتصدقى تسمعى أغنية و تنطلقى .
إختفى صوت ميناس قليلا و كأنها تحدث شخصا ما و عادت إليها قائلة :
_ ليال هقفل دلوقتى علشان حمزة عاوزنى ... هكلمك تانى إن شاء الله .
حملت ليال هاتفها و قالت بهدوء :
_ تمام يا عمرى .. سلام .
و أغلقت الهاتف و عاودت إتمام وجبتهم بسعادة و إبتسامتها العذبة تزين ثغرها الرقيق مثلها .....
فى السيارة تطلعت سالى للطريق بتعجب و سألت غزل قائلة :
_ إحنا رايحين فين يا بنتى .
إبتسمت غزل بخفوت و قالت بمكر :
_ دى مفاجأة .. إصبرى شوية .
و عادت بعينيها للطريق و فجأة لمعت عينيها و عقلها بفكرة ستسعد ليال جدا.. ففتحت حقيبتها و أخرجت هاتفها و هاتفت فارس .. الذى نظر لشاشة هاتفه متعجبا من هذا الرقم الغريب ثم رد قائلا بحدة :
- ألو .
إضطربت دقات قلبها .. وإبتلعت ريقها قائلة بتوتر :
- إزيك يا فارس .
إبتسمت شفتيه فور ترجمة عقلة لذبذبات صوتها المتوتر .. ثم قال مسرعا ببرود :
- إزيك إنتى يا غزل .
قطبت حاجبيها بتعجب و سألته بفضول :
- عرفت منين إنه أنا غزل .
رد بإقتضاب أصبح يغضبها :
- مش مهم .
رفعت حاجبها بضيق .. ثم قالت فاقدة صبرها :
- عموما .... كنت عايزة منك favor.
رد بجدية هادئة :
- تؤمرينى طبعا .
أغمضت عينيها و هى تستمتع بلين صوته و لو لثوانى ثم قالت برقة تلائمها :
- كنت محتاجة ميناس معانا .. و لو روحت أنا لجوزها همسك فيه فاياريت تقوله إنت يخليها تيجى تبات معانا و بكرة بعد كتب الكتاب ترجعله .
تنهد بألم و هو يتذكر أخوه و الذى تحول لوحش بعد الحادثة و خصوصا مع زوجته .. لاحظت صمته المقلق و إنتظرت رده .. فخرج من صمته قائلا بنبرة حزينة :
- حاضر ساعة بالكتير و تبقى قدامكم .
إتسعت مقلتى غزل من الفرحة و قالت شاكرة .
- Thanks so much .
رد عليها و هو يتخيل فرحتها الطفولية و لمعان محيطى عينيها الغامضتين :
- إنتى بس تؤمرى و أنا عليا التنفيذ .. يالا سلام .
تنهدت مطولا و قالت بهيام :
- سلام .
وأغلقت الهاتف بإبتسامة عذبة .. تطلعت عليها سالى ببلاهة و زمت شفتيها بخبث و قالت متسائلة بفضول :
- مالك يا حاجة .. ومين فارس ده .
إنتبهت غزل لسالى فقالت بإحراج :
- هاه .. ده أخو عريس بنت خالتى .. سيبك ده موضوع عائلى .
وصلوا أخيرا للحارة .. و ترجلوا من السيارة .. وقفت سالى تتطلع للقصر بدهشة و قالت بإعجاب :
- واو .. إيه القصر ده .
أجابتها غزل و هى تتأمله بمشاعر مضطربة :
- ده القصر اللى هتسكن فيه العروسة ... و أختها كمان متجوزة فيه .
غمزت لها سالى بعينها و قالت بتلقائية :
- عقبالك .. وأهه كده فرقتكم تبقى إكتملت فى القصر .
ضحكت غزل عليها و قالت و هى تزفر بضيق مصطنع :
- قدامى يا لمضة .
دلفا للحارة .. تطلعت سالى حولها و قالت بتعجب :
- لأ فجأة أصلى .. إنتى ساكنة فى الحارة دى ... بجد .
أومأت غزل برأسها و قالت بفخر :
- أيوة ساكنة مع تيتة هنا فى الحارة دى .
أومأت سالى بتفهم .. فعادت تكمل حديثها بإبتسامة :
- عقبالك ياغزل .. وعقبالى يا رب براجل زى القمر كده زى الدكتور أحمد .
ضحكت غزل عليها .. ثم إتسعت عيناها بذعر و هى ترى العمال يحاوطون منزلها بأسلاك كهربائية .. فتجهم وجهها و قالت بفزع :
- إيه ده البيت هيقع و لا إيه .
ضحكت سالى بصوت عالى غير مبالية بوجودها فى الشارع و قالت ساخرة:
- دول بيعلقوا نور عالبيت يا هبلة .. مش فيه فرح .
إستدركت غزل مقصدها و قالت براحة :
- يعنى دول بيعلقوا نور .. و الله خفت .. تعالى يالا .
وقف رامى يتابع تركيب الإنارة بنفسه .. حتى إنتبه لغزل فقال بإبتسامة ودودة :
- إزيك يا غزل .. إتأخرتى ليه .. ليال لوحدها .
ردت غزل و هى تتابع بعينيها تعليق الإنارة بشغف :
- ما تقلقش يا عريس .. أحب أبشرك إننا هنهد الحارة دلوقتى من الفرحة .
غمز لها بعينه و قال محمسا :
- أيوة كده .. عاوز ليال تفرح ولو ناقصكم أى حاجة قوليلى فورا تمام.
لاحظ سالى فمد يده إليها لمصافحتها قائلا :
- أهلا وسهلا .
مدت سالى يدها و قالت :
- أهلا بيك .. و ألف مبروك .
أجابها بلباقة :
- الله يبارك فيكى يا فندم .
عرفتهم غزل قائلة :
- دى يا رامى سالى دكتورة زميلتى من المستشفى اللى بشتغل فيها .
رد رامى مسرعا :
- منورة الدنيا يا دكترة .
أجابته سالى بإبتسامة متسعة :
- ده نورك يا عريس .
إستأذنت منه غزل و صعدت الدرج .. أوقفتها سالى أمام باب الشقة و قالت بتبرم :
- إستنى هنا ... إحنا هندخل على العروسة كده من غير شبورة .
زمت غزل شفتيها بعدم فهم و قالت مستفسرة :
- شبورة إيه ؟!
هزت سالى رأسها بيأس و قالت موضحة :
- يعنى نغنى للعروسة و كده و تزغرطى معايا و نلم عليكوا الحارة .
فكرت غزل قليلا و قد إقتنعت بكلمات سالى فقالت بعيون لامعة :
- أنا ما أعرفش أعمل اللى إنتى قولتى عليه ده .. بس أعرف اللى تعمله