📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل التاسع 9 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل التاسع 9 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل التاسع:

كانت زينب تتابع التلفاز و مهاب ممدد بجوارها على الأريكة واضعا رأسه على ساقيها .. فإنتبهوا على صراخ غزل و تعالى الصيحات بالطريق ... فإنتفض مهاب واقفا و قال بحماس و فرحة :
_ أوبا ... خناقة يا تيتة .
وضعت زينب يدها على صدرها و قالت بقلق :
_ ولادى .. إستر يا رب .
ركض مهاب ناحية شرفتهم ... بينما بحثت زينب عن حجابها ... فوصلها صوت مهاب قائلا بصراخ :
_ إلحقى بابا يا تيتة .
إرتدت حجابها مسرعة و هرولت ناحية الشرفة فرأت فارس و مسعد ينهال عليه بعصاه قائلا بتشفى سافر :
_ ده أنا هكسر عضمك عضمة عضمة و همسح بدمك الحارة كلها قبل ما أرحمك و أرميك فى صفيحة الزبالة يا ******* .
فصرخت زينب قائلة بذعر :
_ يا قلب أمك يا إبنى ... إجرى يا مهاب هات الزفت التليفون أكلم جدك .
ركض الصغير مسرعا باكيا و بحث عن هاتفها المحمول حتى وجده و عاد إليها و مد يده به ناحيتها قائلا بنحيب :
_ انا هنزل أضرب الراجل الوحِش ده علشان بيضرب بابا .
طمأنته قائلة بهدوء و هى تجفف دموعه :
_ ما تخافش يا حبيبى .
و أخذت منه الهاتف و هاتفت صبرى الذى أجابها فصرخت به قائلة :
_ إلحقنى يا حاج ... الواد مسعد زانق فارس و رامى برجالته و هما لواحدهم و بيضاربوهم ... تعالى بسرعة إلحقهم .

وقف صبرى مشدوها من كلماتها و حمل مفاتيحه و أغلق خزنته قائلا بنظرات قاتمة لا تبشر بأى خير :
_ إبن ال ***** ... إقفلى إنتى يا زينب و انا هتصرف .

توالت الضربات القوية عليه و هو يتلقاها بذراعه حاميا رأسه ... و لكنه تحامل على نفسه .. و تمسك بالعصى بقوة .. وجذبها من يده و قذفها بعيدا .. و ضربه بركبته فى أسفل بطنه .. فإنحنى مسعد متألما لم يمهله فارس الوقت و عاد للكماته الغاضبة .. ثم دفعه بساقه فإصطدم بباب دكان قديم مغلق فكسره ....

لم يستطع مسعد التحرك .. فحاول جاهدا النهوض و لكن ذراع فارس عاونته و هو يجذبه من ياقه قميصه و أوقفه على قدميه قبل أن يركله بساقه مجددا فإصطدم فى الحائط بقوة فإنسابت الدماء الغزيرة من رأسه على وجهه و سقط على الأرض ..
إقترب منه فارس بنظرات قاتمة و طوق رقبته بذراعيه الصلبة و ضغط عليه بقوة لخنقه .. لم يستطيع مسعد المقاومة أكثر و إنهارت قواه مع إختفاء الأكسجين من صدره .. و زادت زرقة وجهه .
تعالى الصراخ من السيدات بالشرفات و النوافذ فلم تتمالك غزل أكثر و إنطلقت راكضة على الدرج و منه إلى الطريق شاقة طريقها بين الرجال المزدحمين حتى وقفت أمام فارس و قالت له برجاء :
- سيبه يا فارس أبوس إيدك .. هيموت وهتروح فى داهية .
حدجها فارس بغضب و قال بحدة :
- إطلعى بيتكم يالا .. إزاى تنزلى بين الرجالة .. أنتى إتجننتى .
ردت غزل بإصرار :
- لأ مش هطلع سيبه بقا .. علشان خاطرى .
إنقلبت الدفة و حضر رجال فارس من الوكالة و إنهالوا بالضرب على رجال مسعد .. فزاد صراخ الجميع من حولهم بفزع ... بينما إبتعد فارس عن مسعد .. و حمل عصاه و إنهال عليه بها قائلا بشراسة :
- والله لهخليك عبرة لكل كلب يتجرأ على أسياده .
و توالت ضرباته الموجعة و مسعد يطلب منه الرحمة ... إلتفت فارس مجددا ناحية غزل المتصنمة و تطالعه بإعجاب يشع من عينيها الفيروزية ... و قال بصوت رخيم حازم :
_ هو إنتى لسه واقفة ... إطلعى يالا لحد يأذيكى .
إبتسمت بهدوء و أومأت برأسها قائلة بتنهيدة حالمة :
_ حاضر .. مش عاوز حاجة .
رفع عينيه بملل و أجابها من بين أسنانه كاظما غضبه :
_ متشكر شايلك للتقيلة ... ممكن تسبينى بقا أكمل على الكلب ده .. يعنى لو سمحتى طبعا .
لوحت له و تركته و إنصرفت ... فعاد بعينيه مجددا لمسعد المتكوم على الأرض غارقا بدمائه و ركله بساقه فى جسده قائلا :
_ و حياة أمك لهعيشك بقية عمرك تتلفت حوالين نفسك لما تسمع إسمى بس .
لم يرحمه و هو يذيقه من العذاب ألوانا ثم ربطه هو و رجاله و رماهم على الأرصفة كالقمامة .. وهاتف الشرطة .

وقف فارس ورامى أمام مسعد وهما يرمقانه بشماته و قوة من علو .. إنحنى فارس نحوه و قبض على ذقنه بأظافره و قال مستهزءا :
- يا إبنى لو قلبك مات .. ماتجيش على إتنين إخوات .
إبتسم رامى بسخرية و قال بنبرة ماجنة :
- بتقف قدام العوو .. ده عم أى مكان يروحه يا واطى .. يا إبنى المرجلة دى وراثة .. و إنت ما عندكش أصل .
إقترب منهم صبرى و قال و هو يتطلع لمسعد بغضب :
- من النهاردة مالكومش شئ فى المنطقة .. و مش هتدخلها تانى .
إعتدل فارس بوقفته و صاح برجاله قائلا بصوت أجش و بنبرة آمرة :
- على المحل بتاعه .. مش عايز فيه حتة سليمة و جنزروه .. و بيته يبقى كوم تراب .. مفهوم .
تحرك رجال فارس بسرعة .. ونفذوا ما طلب منهم .. بعد قليل جاء فوزى مهرولا و تطلع لحالة إبنه و قال مستعطفا صبرى :
- خلاص يا حاج صبرى كفاية كده .. فكوه و أنا هاخده و همشى من هنا خالص و مش هتشوف وشى تانى .
رد صبرى بإنفعال غاضب :
- سبق و حذرتك .. وإنت ما عرفتش تلمه .. و ولادى لمهولك .. إبقى إستلمه من القسم بقا .
وقف فوزى أمامه و قال راجيا :
- بوليس لأ يا معلم صبرى .. و حياة عيالك .
رفع صبرى كفه و قال بحزم قاطع :
- مات الكلام .
ضرب فوزى رأسه بكلتا يديه و إقترب من إبنه المغمى عليه قائلا بلوم :
_ ليه كده يا إبنى .. عملت فى نفسك و فيا كده ليه .

بعد هدوء الأوضاع نسبيا وصلت الشرطة و بدأت التحقيقات مع العشرات من الشهود .. الذين أكدوا إعتداء مسعد على فارس .. و أنه كان يدافع عن نفسه .. تطلع صبرى بقلق لفارس و قال متمسكا بعكازه بقوة :
- ربنا يستر و تعدى على خير .
ربت فارس على كفه و قال مطمئنا :
- سيبها على الله ..كان نفسى أموته لولا غزل هى اللى نجدته من إيدى .
إقترب أحد ضباط الشرطة من فارس و سأله قائلا بحزم :
- إنت فارس السعيد .
رد فارس بهدوء :
- أيوة يا باشا أنا .
حدجه الشرطى بقوة و تسائل بحدة :
- إيه اللى حصل هنا بالظبط .
أجابه فارس موضحا و هو يشير ناحية مسعد و رجاله أو بالأحرى ما تبقى منهم :
- دول شوية صيع .. و الواد مسعد ده تاجر مخدرات حبوا يعملوا شويتين علينا و يسوق العوء .. و هو اللى بدأ وجر شكلى فاربيته و كومته كده لما تيجى سعادتك .
ضحك الشرطى بسخرية و رفع سبابته بوجه فارس قائلا بصوت متصلب :
- لولا شهادة الشهود كان هيبقى ليا تصرف تانى معاك .. بس مرة تانية مش هتفلت منها .. تمام .
أومأ فارس برأسه و قال بهدوء :
- إن شاء الله مافيش مشاكل تانى .
رفع الشرطى حاجبه بحنق و قال منذرا :
- هعديها المرة دى .. بس بحذرك لو إتكررت مش هيحصلك طيب .. ياريت تبقى تحصلنا على القسم علشان نقفل المحضر .
وتركه و إنصرف .. زفر صبرى براحة و قال و هو يجلس بوهن :
- الحمد لله ربنا ستر .. إطلع لأمك يا فارس طمنها عليك .
طالع فارس قبض رجال الشرطة على رجال مسعد و حملهم لمسعد و وضعه بعربة إسعاف مكبلا من يده بأحد رجال الشرطة ... و أجاب والده بشرود :
- حاضر يا حاج لما الحكومة تمشى هطلع .

إنصرفت الشرطة أخيرا .. فرفع رامى عينيه صوب شرفة ليال .. وجدها تطالعه بقلق .. إبتسم و هز رأسه مستنكرا قلقها ثم دنا من صبرى قائلا بأدب :
- بعد إذنك يا عمى هطلع لليال أطمنها عليا وأطمن عليهم .
أومأ صبرى برأسه متفهما و قال بإيجاز :
- بس ما تتأخرش بقينا نص الليل .
رد رامى مسرعا :
- حاضر يا حاج بعد إذنكم .
إستوقفه فارس قائلا بتوتر :
- إستنى أنا جاى معاك عاوز أطمن عليهم .
إبتسم رامى بمكر و أشار إليه ليتقدمه قائلا :
- وماله تعالى يالا.
لم يهتم فارس بنظراته و صعدا الإثنان لشقة رأفة .. فتحت ليال الباب بلهفة .. و تطلعت لرامى بقلق و قالت :
- إنت كويس يا رامى .
تنهد رامى مطولا و إستند بكتفه على إطار الباب قائلا بهيام :
- ﻷ طبعا مش كويس .. بعد ما سمعت إسمى منك إدمرت على الآخر .
إبتسمت بخجل .. فتنحنح فارس و قال بضيق :
- أنا واقف معاكم على فكرة .. ليال .. هو انا ممكن أدخل لستى .
أجابته ليال بشرود و هى لا ترى و لا تشعر سوى بوجود رامى و فقط قائلة :
- هى صاحية إتفضل إدخل لها .
وزع فارس أنظاره بين ليال و رامى .. و رفع عينيه بملل و تركهم و دلف لشقة الجدة .. إقترب من غرفتها فأوقفته كلمات غزل عنه حيث قالت لجدتها بشغف :
- لأ و إيه يا تيتة كان هيموته .. بس أنا ماقدرتش أمسك نفسى و نزلت السلم جرى و أنا من غير شوز .. و عديت من وسط الرجالة و قعدت أترجاه يبعد عنه .
ثم صمتت قليلا و بعدها قالت بصدق :
_ تعرفى يا تيتة كنت هموت من قلقى عليه .
فسألتها الجدة بخبث :
- قصدك مين فيهم ؟!
ردت غزل ببديهية :
- فارس طبعا .
علت شفتى الجدة إبتسامة مخفية .. لاحظتها غزل فقالت بخجل :
- وخفت كمان على رامى علشان ليال ما تزعلش .
إتسعت إبتسامة الجدة .. فقالت غزل بضحكة خجلة :
- بصراحة بقا أكتر حاجة خفت عليها هو فارس وماتسألنيش ليه علشان أنا مش عارفة .. بس كل لما بقرب منه بحس بحاجة غريبة .. و ببقا مطمنة كده ومش خايفة .
علا وجهها الجميل حزن عميق و قالت بأسى :
_ تعرفى يا تيتة أنا أكتر صديق ليا طول حياتى هو الخوف .. بس مع فارس راح ومش عوزاه يرجع .
إحتضنتها الجدة وملست على ظهرها وقالت :
- ربنا يحميه لشبابه .. العوو جدع طول عمره .
إستنكرت غزل كلماتها و قالت بضيق :
- إسمه فارس يا تيتة مش العوو .. فارس وبس .
إتسعت إبتسامة فارس و عاد للخلف بعض الخطوات و تنحنح قائلا للفت إنتباههم لقدومه :
- إحم إحم .. ستى ... إنتى صاحية .
جلست غزل مسرعة وقالت بلهفة :
- ده فارس .
إبتسمت الجدة على حالتها و صاحت قائلة :
- تعالى يا فارس يا إبنى أنا صاحية إتفضل .
دخل الغرفة وهو مطأطأ رأسه ثم رفع عينيه ناحية رأفة و قال بإبتسامة هادئة :
- كنت جاى أطمن على ليال و غزل .
أجابته الجدة و هى تطالعه بنظرة لوم :
- إنت مش محتاج سبب علشان تجينى أنا ستك يا فارس .
أومأ برأسه و قال بإبتسامة متسعة :
- تسلميلى يا ست الكل .
ثم تطلع لغزل وقال بقلق :
- إنتى كويسة يا غزل .
إقتربت منه بعدما لاحظت الجروح و الكدمات بوجهه فقالت مسرعة :
- إستنانى ثوانى وهرجع .
تطلع إليها فارس بتعجب .. فقالت له الجدة بإمتنان :
- تسلم عافيتك يا فارس البأف اللى إسمه مسعد ده كان لازم يتربى ده ما سابش بنت ولا ست فى الحتة إلا وإترازل عليها .
تنهد فارس مطولا وقال بغضب :
- لولا غزل ياستى كنت قتلته .. لسه ما إتخلقش اللى يفكر يمسها و لو بكلمة و أنا عايش .
وصلت كلماته الصادقة لقلب غزل لا لأذنيها .. فإبتسمت براحة ودلفت للغرفة وهى تحمل حقيبة الإسعافات الأولية .. أجلسته بالقوة على الأريكة و هو يطالعها بتعجب من فعلتها ..

فتحت الحقيبة و أخرجت منها المطهر و القطن و إقتربت منه بعفوية .. و بدأت فى تطهير جروح وجهه و رقبته .. كانت أنفاسها تلفح وجهه بنعومة .. إبتلع ريقه بصعوبة .. بعدما زادت دقات قلبه من قربها و لمساتها الحانية .....
إستنشق عطرها بقوة و ملأ به رئتيه .. متطلعا داخل عينيها الفيروزية الساحرة .. غائصا بأمواجهم العاتية و التى تحمله لعليين و تهبط به لأعماقها الغامضة و المغلقة كصندوق عتيق منذ مئات السنين ....

لاحظ إضطراب أنفاسه فخشى أن تشعر بتخبط مشاعره و نظراته المتفحصة نحوها .. فوقف مبتعدا عنها و قال بصرامة :
- شكرا يا دكتور .. بعد إذنكم تصبحوا على خير .
و خرج مسرعا بأقصى سرعته هربا من مغناطيس عينيها و الذى يجذب ذرات جسده الضعيف أمامها إليها .. جذب رامى من ذراعه و سحبه ورائه قائلا :
_ يالا ... كفاية كده .
تطلع رامى لليال و قال بضيق :
- خلى بالك من نفسك يا عسلية أشوفك بكرة .
ضحكت ليال على هيأته وفارس يسحبه من يده كالطفل الصغير .. و أغلقت الباب و هى شاردة فى كلمات رامى التى تشعرها بأنوثتها و بأهميتها بحياته .. بحياته و فقط .... فمن دونه لا تصلح حياتها لن تستطع الإندماج بمحيطها و الأبسط منه جامعتها .. قد يراه الجميع أنانى و يراها سلبية و لكن أيا كانت نظرت الجميع إليهم فهو .. حبيبها و فقط ....

ظلت غزل على حالتها من التعجب واقفة مشدوهة تتطلع بأثره .... أخذت تروس عقلها فى اللف و الدوران متسائلة لم تركها و وقف مسرعا بهذه الطريقة .. و كأنه لدغته حية ... لاحظت الجدة شرودها فسألتها بمكر :
- مالك يا غزل .. سرحانة فى إيه .
لملمت غزل أشيائها و قالت بغضب :
- مافيش يا تيتة .. أنا هروح أنام علشان شغلى الصبح و الوقت إتأخر .. تصبحى على خير .
و خرجت من غرفة جدتها و دلفت لغرفتها و هى تنفث نارا من أنفها .. ظلت تتحرك فى غرفتها ذهابا و إيابا بضيق ثم توقفت و قد لمعت عيناها و قالت بتوعد :
- ماشى يا فارس ... I didn't do any thing yet .

ظل محدقا بسقف غرفته هائما بعينيها التى تبتسم إليه بإشراق مهلك إستنفذ كل طاقته ... عفويتها و إنطلاقتها و ذكائها المبهر و جمالها الآخذ سلبوه قدرته على النوم لتلك الساعة المتأخرة ... ينتظر و بشوق بزوغ شمس الصباح ليتسنى إليه رؤيتها من جديد و تمضية أكبر وقت ممكن بجوارها ....

تنهد مطولا و هو يعقد ذراعيه أسفل رأسه مبتسما هائما بعينيها الفيروزية و شفتيها الوردية و التى أمرت عينيه بالتوقف عندهما سابحا بجمالهما و رقتهما ... ساعات .. مجرد ساعات جمعتهما و أصبحت حالته يرسى لها ... فماذا لو بقيت أمامه لأيام ... من المؤكد أنها ستأسره و تجعله مجنون جديدا بعالم العشق و الهوى ... مجنون غزل .
ضحك أحمد بخفوت على حالته و إضجع على جانبه الأيمن واضعا كفه الأيمن تحت وجنته و أغمض عينيه مستغفرا عله يتخلص من تلك العينين التى تطالعه بسقيفة غرفته ....

تطلع رامى بساعة معصمه و قال بإرهاق و هو يطالع أشعة الشمس التى أشرقت للتو :
_ الواحد مش حاسس بجسمه .. والظابط كان بيسألنا تقولش تجار مخدرات و لا حرامية .
نفث فارس دخان سيجارته و قال بهدوء :
_ ده شغله .. عادى يعنى .
طالع رامى جروحه و قال بقلق :
_ إنت محتاج تروح المستشفى يا إبنى .. ده غير دراعك اللى ال **** ده فشفشه بالعصايا .
حرك فارس ذراعه بألم و قال بإيماءة مؤكده :
_ عندك حق ... و أهه بالمرة نطمن على بونجا و نروح ننام كام ساعة علشان ترتيبات كتب كتابك يا عريس .
إبتسم رامى بسعادة و قال و هو يصعد سيارته :
_ حلوة يا عريس دى ... طعمها كده حلو ... هون يا رب .
صعد فارس السيارة قائلا بألم :
_ ربنا يهنيك يا صاحبى .. ليال بنت حلال و بتحبك .
أدار رامى السيارة و غمز إليه قائلا :
_ طب نفسك ما إتفتحتش للجواز تانى .
إستند فارس برأسه على مقعد السيارة و ضم ذراعه المجروح بألم و أغمض عينيه قائلا بحدة :
_ شيلنى من دماغك يا رامى مش فايقلك .
تطلع رامى لشاشة هاتفه الصامت و المنير لينبهه بقدوم إتصال .. فإتسعت عينيه قائلا بتلقائية :
_ أمك .
فتح فارس عينيه مسرعا و قبض على ياقة قميصه و عينيه تشع غضبا و هو يهدر بعصبية :
_ بتشتم مين ياض .
رفع رامى الهاتف أمام عينيه و قال مسرعا :
_ أمك بتتصل يا عم إنت ... إبعد إيدك هتخنقنى .
إبتعد عنه قائلا بضيق :
_ إبقى حدد كلامك بعد كده أحسنلك .
مرر رامى أنامله على رقبته متألما و أجاب زينب قائلا بعبوس :
_ السلامو عليكو يا حاجة ....... لأ خلصنا و هنروح المستشفى .
وخزه فارس فى ذراعه على تلقائيته و التى ترجمت فى صراخ زينب بالهاتف فأبعده رامى عن أذنه حتى إنتهت و أجابها قائلا بحدة :
_ إحنا كويسين و زى الفل الحمد لله ... بس هنطمن على بونجا و نيجى على البيت على طول .... لا ما تقلقيش مش هنتأخر ... حاضر .... سلام يا ست الكل .
أغلق الهاتف و أعاده بجيبه و قال بضيق :
_ أمك ... خرمت طبلة ودنى ... أتجوز إزاى دلوقتى .
ضحك فارس و هو يتألم من جروحه على حالة ذلك الجالس بجواره و يعتقد أن الزواج نهاية عشقه السرمدى ... و لا يدرى أنها بداية عشق من نوع آخر سيجمعهما و هو عشق المودة و الرحمة ......

لم يكن رامى بمفرده من ينتظر بلهفة نهاية لإرهاقهما يوميا و هما يشتاقان فى كل ثانية يبعداها عن بعضهما ....
وقفت ليال بنافذتها منتظرة عودته بقلق ... و كلما فتحت كتابا لمذاكرة دروسها ترى وجهه امامها .. فتغلقه مجددا و تعود للوقوف بالنافذة ...
فى الصباح لمحت سيارته فإبتسمت براحة و هى تراه يترجل منها و معه فارس ... و كأنه شعر بها فرفع رأسه ناحيتها و إبتسم إليها بخفوت لطمأنتها ...
وقفت منتظرة بفارغ الصبر حتى فتح نافذته و وقف قبالتها و رفع هاتفه على أذنه و إنتظر حتى أجابته قائلة بقلق :
_ إتأخرت كده ليه ..... أنا كنت هتجنن عليك .
لم يحيد بعينيه عن عينيها و أجابها بلهفة :
_ ده أنا اللى هتجنن خلاص ... يا بت إنتى بتحلوى كده إزاى .
إبتسمت بخجل و سألته بضيق :
_ إنت فايق و رايق على فكرة ... قولى بقا عملتوا إيه فى القسم .
هز كتفيه بهدوء و قال و هو يحك مؤخرة رأسه بإرهاق :
_ عادى إستجوبونا و خرجنا و باعدين روحنا لبونجا المستشفى إطمنا عليه و رجعنا .
_ و هو كويس .
إستند بمرفقه على إطار نافذته و أجابها برقة لا تلائم رجولته الطاغية على الإطلاق :
_ كويس قوى ... كويس بهبل ... و النبى عسل .
هزت ليال رأسها بإستنكار و قالت بحدة لا تليق بأنوثتها الطاغية على الإطلاق :
_ روح نام يا رامى ورانا النهاردة بلاوى لسه .. و انا كمان هحضر الفطار لغزل و هنام فورا .
سبل عينيه و قال بهيام :
_ يا بختها .. تصدقى إنى بقيت أغير من غزل كمان .. نفسى أحبسك فى مصباح زى بتاع علاء الدين و محدش يشوفك فى الدنيا غيرى .
تنحنحت بخجل و قالت بتلعثم :
_ طب ... ااا إتفضل إقفل بقا .
أرسل إليها قبلة بالهواء و قال هامسا :
_ بحبك يا أجمل برطمان عسل فى الدنيا .
ضحكت ضحكة عالية و لوحت له بيدها قائلة :
_ سلام يا حبيبى .
أغلقت الهاتف و توجهت ناحية النافذة و تطلعت إليه قليلا قبل أن تغلقها و تستند عليها بظهرها قائلة بهيام :
_ و أنا كمان بحبك يا رامى ... بحبك قوى .

إستيقظت غزل على رنين منبه هاتفها متثاقلة لكونها لم تأخذ قسطا كافيا من النوم ... جلست على فراشها شارردة متذكرة ذلك الغازى لعقلها و الذى يثير حنقها و غضبها من تصرفاته المتناقضة ....

خرجت من غرفتها فلم تعثر على ليال التى تستقبلها بإبتسامتها العذبة كل يوم .... فطرقت باب غرفتها و دلفت ... رفعت ليال عينيها الحمراويتين عن كتابها و قالت برقة :
_ إنتى صحيتى يا غزل ... ثوانى و هحضرلك الفطار يا قلبى .
إقتربت غزل منها و أغلقت الكتاب بغضب و قالت لها بعصبية :
_ إنتى لسه ما نمتيش يا لولو ... يا بنتى كتب كتابك بكرة و وشك مجهد جدا .
طأطأت ليال أناملها و قالت بإرهاق :
_ كنت بذاكر شوية لغاية ما تصحى و أحضرلك الفطار و أناااااام .
جذبتها غزل من يدها و أوقفتها و سارت بها نحو فراشها و مددتها بالقوة قائلة :
_ و انا مش هعرف أفطر يعنى ... نامى إنتى و إرتاحى و تيتة كمان نايمة و شكلها مش هتصحى دلوقتى .
تثائبت ليال بكسل و أغلقت عينيها قائلة بصوت ناعس :
_ تصبحى على خير يا زولا .
إبتسمت غزل عليها و مالت نحوها و قبلتها بجبهتها و أغلقت الإضائة و تركتها و خرجت ......

ذهبت غزل لعملها براحة بعدما إختفى سبب إزعاجها و باتت تتحرك بالحارة بأريحية .. دلفت للمشفى و إتجهت لغرفتها مباشرة .. رحبت بها سالى قائلة بمداعبة :
- يا مرحبا يا مرحبا نورك يا غزل غطى على الكهربا .
ضحكت غزل و جلست على مكتبها قائلة بسخرية :
- رغم إنها قديمة بس منك زى العسل .. وحشتينى يا سولا .
أجابتها سالى و هى ترتدى مأزرها الخاص بها :
- مشيتى إمبارح قبل ما أقابلك تانى ليه .
ردت غزل معتذرة و هى تفتح حقيبتها و تخرج منها أدواتها :
- آسفة والله بس بكرة كتب كتاب بنت خالتى و إحنا مالناش إلا بعض .. فمشيت بسرعة علشان كنا هنخرج .
إتسعت عينى سالى بفرحة و قالت برجاء :
- الله ... يا بختك ياغزل .. ممكن أبقى أجى النهاردة معاكى نهيص للعروسة و كده .
وقفت غزل و إرتدت مأزرها الأبيض و قالت مؤكدة بإبتسامة شغوفة :
- sure .. ممكن تيجى معايا طبعا .. تعرفى إنتى أول صديقة ليا فى مصر .
إستندت سالى بيديها على مكتب غزل و قالت بهدوء :
- خلاص هستأذن ماما .. و لما هخلص شغل هجيلك هنا و نمشى مع بعض .. تمام .
أومأت غزل برأسها و قالت :
_done .
إتجهت سالى لباب الغرفة فتحته مغادرة لعملها فتفاجأت بأحمد على الباب .. و يقف أمامها بهيئته الجذابة و عطره العصرى المثير .. ففغرت فمها ببلاهة و قالت بهيام :
- هاااه .... دكتور أحمد .. منور الدنيا و الله .
إنتبه أحمد لنظراتها الهيمانة به فقال بإبتسامة يأسة :
- شكرا يا دكتور .. هى غزل موجودة .
أومأت سالى رأسها ببطء و قالت بتنهيدة :
- أيوة جوة .. بنت المحظوظة .
أشارت له بيدها ليدخل قائلة برقة :
_ إتفضل يا دكتور .. بعد إذنك.
و تركته و إنصرفت و هى هائمة .. لاحظ حالتها و نظراتها الملتاعة إليه فزادت إبتسامته الساخرة .. دلف الغرفة لغزل و قال و هو يحدجها بشوق مستمتعا بإبداع ربه بتلك المخلوقة الساحرة :
- صباح الخير يا غزل .
أجابته بعملية و هى تحمل أدواتها :
- صباح النور .. أنا جاهزة يا دكتور .
تطلع لحماسها فقال بإبتسامة هادئة :
_ شكلك مستعجلة على الشقىَ .
هزت رأسها بحدة و قالت بقوة :
_ لما حضرتك المشرف عليا تقول على شغلنا شقى أنا بقا أقول إيه ؟!
ضحك ضحكة عالية ظهرت معها أسنانه المتراصة بدقة و الزاهية البياض ... فأردفت غزل قائلة بثقة :
_ عموما يا دكتور أنا أسعد لحظات حياتى و أنا بشتغل .
كانت نظرات الإعجاب تنطلق من عينيه نحوها و هى تستقبلها ببعض من البلاهة و اللامبالاة .. أشار إليها بيده لتتقدمه و هو فى قمة سعادته .. تقدمته بثقة فعض على شفته و هو يتأمل إيبائها و ترفعها و ثقتها بنفسها و سار خلفها منوما مغناطيسيا ....

بدأ مرورهم اليومى على المرضى الذين كان بعضهم فى إنتظار غزل .. و منهم من أهداها وردا ... و منهم من أمطرها بكلمات المداعبة و الغزل .... و منهم من طالعتها بغيرة و قلق على ذويهن ... و أحمد يشتعل من غضبه و غيرته .... و لا يجد تفسيرا لحالة الضيق التى تمتلكه كلما و قعت عليها عينى أحدهم سوى أنها .. غيرة ...
و رغم ذلك تأكد أحمد من خبرتها و جاهزيتها للعمليات الجراحية ذلك الإختبار الصعب .. و ما أسعده أكثر أنها لم تتأثر بما قيل لها و تعاملت مع الجميع بعملية .... إنتهى هذا الروتين اليومى .. فدونت غزل بمفكرتها معلومات عن آخر مريض كانت عنده ... فسألها أحمد بفضول :
_ هو إنتى ليه بتكتبى دايما عن كل مريض دخلنا ليه رغم إن المستشفى عاملة فايل كامل لكل حالة .
إبتسمت بهدوء و أنهت ما تدونه و أغلقت مفكرتها و وضعتها فى جيب مأزرها و أجابته ببديهية :
_ بس تقرير المستشفى مش مركز على حالة المريض النفسية ... و دى صدقنى بتفرق جدا فى نجاح اى عملية أو إكتمال شفاء المريض ... و لما الطبيب المعالج ياخد باله إن معدل الطاقة الإيجاية للمريض بيقل لازم يتدخل بنفسه أو يكلف طبيب نفسى مختص بمتابعة الحالة .
إرتفع حاجبى أحمد و هو يفكر بوجهة نظرها المقنعة ... بينما أردفت هى لتوضيح فكرتها أكتر :
_ يعنى الحالة الأخيرة دى للمدام اللى داخلة تعمل عملية الزايدة ... أسألتها دايما كانت هركب قسطرة و لا لأ ... هركب درنقة و لا لأ ... العملية هتسيب آثر فى جسمى و هتشوه و لا لأ ... فأنا بقيت أطمنها إنه جسمها هيفضل زى ما هو و إنى هستعين بطبيب تجميل معايا .. و إنه ممكن أخلصها من بعض دهون بطنها و إنها هتخرج من العملية أحلى ... فانسيت قلقها و خوفها و بقت تفكر فى شكلها هيبقى إزاى .. فهمت بقا قصدى .
عقد ذراعيه أمام صدره و قال بتعجب :
_ منكم نستفيد يا دكتور ... إنتى نبهتينى لنقطة مهمة جدا و هشتغل عليها فى نفسى الأيام اللى جاية .
إبتسمت بهدوء و قالت بعملية :
_ أنا معايا نسخة pdf من الماجستير بتاعى و هو فى الموضوع ده ... لو حابب ممكن أبعتلك نسخة إقرأها و ناقشنى فيها .
هز رأسه بالإيجاب و قال متحمسا :
_ طبعا إبعتيهالى على الميل وانا هقولك رأيى فيها بصراحة .
اجابته بثقة :
_ هستنى رأيك ... بعد إذنك .
_ إتفضلى .

عادت لغرفتها مرهقة و خلعت مأزرها .. و جلست على الأريكة و أسندت رأسها بتعب على ذراع الأريكة و أغمضت عيناها .. و سحبتها دوامة إرهاقها و لم تشعر بنفسها فنامت على الفور ..
توالت الحالات على المشفى .. فوقف أحمد و توجه لغرفتها .. طرق الباب فلم ترد عليه .. ففتح الباب و دلف باحثا عنها ليتفاجأ بها نائمة .. تطلع إليها مطولا .. و إقترب منها و هو يتأمل ذلك الملاك النائم و قلبه ينتفض بداخل قفصه الصدرى كأرنب مذعور ... حملته قدميه مقتربا منها أكثر و مسحورا من برائتها و هدوئها .... ولم يشعر بيده و هى تمتد نحو وجهها لملامسته .. إستيقظت غزل فوقعت عيناها على أحمد فإنتفضت جالسة و هى تشعر بذعر و قالت بتلعثم :
- أنااا ... أنا آسفة جدا يا دكتور .. مش هتتكرر تانى .
رفع يديه فى الهواء أمام وجهها و قال مهدئا :
- إهدى .. أنا آسف بس خبطت و إنتى ماردتيش عليا فدخلت .
وقفت مسرعة و عدلت من ملابسها و قالت بجدية :
- طب بس دقيقتين و هاجى لحضرتك المكتب .
أومأ برأسه و قال بهدوء :
- تمام هستناكى .
و تركها و خرج .. أغلق ورائه الباب و إستند على الحائط و تنفس بصعوبة واضعا كفه على قلبه .. لاعنا نفسه و هو يتذكر كيف ضعف بهذه الدرجة البائسة .. لقد كانت على وشك رؤية يده الممدودة ناحيتها .. بما كان سيفسر موقفه وقتها .... تمالك نفسه و عاد لغرفته مسرعا .
غسلت وجهها و طالعت نفسها بمرآة المرحاض ثم جففت وجهها بمحارم ورقية و أعادت تظبيط مكياجها و حجابها و خرجت .. توجهت لغرفة أحمد الذى إرتبك فور رؤيتها و قال مسرعا :
- يالا بينا عندنا شغل كتير .
اومأت برأسها و قالت بهدوء :
- حاضر أنا تحت أمرك .

كان قلمه يدور و يدور على الأوراق بشرود و تخبط .. تحمله مشاعره لعينيها و يعود به عقله لأنه يبالغ بما يشعر به تجاهها ... إنه مجرد حنين لماضى ذهب مع الريح منذ أمد .... ليطرق قلبه معلنا عن وجوده و إنذاره أنه لم تمسه ريح من الأساس و أنها ظلت حبيسة قلبه تلك السنوات العشرون و الآن بعدما تجسدت أمامه و غادرت من داخله طفلة و عادت أميرة متوجة على عرش قلبه الذى لم يمسه ريح إمرأة غيرها حتى ... زوجته الراحلة .... فعن أى مبالغة يتحدث ... من المؤكد أنها لها مكانة خاصة بها و فقط داخله ... مكانة و فقط .....

دلف رامى على مكتب فارس بالوكالة و تأمل شروده و لوحته الفنية الذى يرسمها على تلك الورقة المسكينة و التى ذابت تحت قلمه فقال له بضيق :
_ اللى واخد عقلك .
إنتبه إليه فارس ورفع عينيه قائلا بحدة :
_ الناس الطبيعية اللى إنت مش منهم خالص بيقولوا السلام عليكم أول .
رسم رامى خطا مملا على شفتيه مسمى إبتسامة باهتة و أجابه قائلا بحدة :
_ السلام عليكم ... كده بقيت طبيعى .
ألقى فارس بقلمه على مكتبه و قال بضيق :
_ إصطبحنا و إصطبح المُلك لله ... عاوز إيه بقا ؟!
جلس على طرف مكتبه و قال بنبرة آمرة :
- كلم الناس بتاعت النور يا عوو .. إتأخروا عاوزهم يركبوا الكهارب فى الحارة قبل بالليل .
أومأ فارس برأسه و قال و هو شارد بمطالعة الأوراق أمامه :
- ماشى آهندزة .
لملم رامى الأوراق من أمام فارس و قال بعبوس :
- ما تركز مع أمى .. وده وقت شغل ده و باعدين إنت نمت إمتى وصحيت إمتى .
أجابه ببرود :
_ مالكش فيه ... عاوز حاجة تانية .
زفر رامى بضيق و قال برجاء :
_ آه عاوز ... ركز معايا قولنا هتجوز بكرة يا صاحبى .
ضحك فارس على حالته و قال مازحا :
- هتفتح عكا يا خى .. ما عادى يعنى لا إنت أول و لا آخر المتأهلين .
عبس رامى بضيق ورد عليه مستنكرا ما قاله :
- إصحى كده يا صاحبى وصاحينا .. ده أنا بقالى تسع سنين خاطب .. يعنى تقولى كفارة يا معلم .
زادت ضحكات فارس و وقف و إستدار حول مكتبه و إحتضنه قائلا بحنو :
- مبروك يا حبيبى عقبال الليلة الكبيرة .. و الله لهيتعملك الحلو كله .
إحتضنه رامى بقوة و قال بهدوء :
- حبيبى يا أبو الصحاب ربنا يخليك ليا .
إبتعد عنه فجأة متذكرا شيئا ما قائلا و هو يعد على أنامله :
_ آه إفتكرت كلم بتوع الجاتو ... و الحلويات .. و الشوكولاتة .. و الساقع .. و إحجز الحلاق ... و أكد على الواد سعيد يجيبلى بدلتى .
إبتعد عنه فارس و قال بنبرة محتدة :
- هو أنا هعمل كل حاجة .. وسيادتك هتعمل إيه بقا .
صرخ به رامى و قال موضحا بنفاذ صبر :
- هتجوز .. والله هتجووووووز .
كتم فارس فمه بيده و قال بقوة و هو منهار من الضحك :
- إخرس ياض هتفرج علينا الناس يا أهبل .
أزاح يده عن فمه و قال موافقا :
- تمام ... بس فوق معايا كده ورانا كوارث لسه .
هز فارس رأسه و قال مؤكدا :
_ حاضر ... هخلصلك كل حاجة .. ما هى كده ناس تتجوز و ناس تتدبس .
عاد لمكتبه مجددا و فرد الأوراق أمامه ... فجمعها رامى بحنق و حملها و خرج يتمتم بغضب ... ضرب فارس كفيه ببعضهما بتعجب ... و عاد لوجومه متذكرا ليلة عقد قرانه و بروده وقتها كأنها كانت لشخص آخر غيره .. و زواجه من أخت له و كان عليه أن يعاملها كزوجة ... تنهد بأسى متذكرا مأساته مع إبنة خالته و زوجته و قال بخفوت :
_ الله يرحمك يا هديل ... سامحينى .

إنتهت غزل من عملها .. و عادت لغرفتها و لملمت أشيائها و إنتظرت سالى حتى جائت بشغبها التى دلفت به للغرفة و هى تخلع معطفها و تقول بتأفف :
- أوف بقا رجليا ورمت .. الضغط النهاردة كان صعب .. بقولك إيه عندكم غدا ولا هنتسوح .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت ساخرة :
- don't worry يا طقة هانم دى العروسة بنفسها اللى طبخالك .
أومأت سالى برأسها و قالت و هى تحمل حقيبة يدها :
- طب يالا بينا يا قطة .. عاوزة أروح بدرى .. صحيح يا غزل إنتى ساكنة فين .
ضحكت غزل بمكر و قالت بإبتسامة متسعة :
- لأ دى مفاجأة .
عقدت سالى حاجبيها و تسائلت بفضول :
_ مفاجاة إيه ؟!! هتكونى ساكنة فى كومباوند مثلا .
حكت غزل أسفل أنفها و قالت لها بغموض :
_ لا كومباوند إيه.... حاجة أنقح .
و أشارت لها بيدها قائلة :
_ إتفضلى قدامى .
طالعتها سالى بشك و هزت كتفيها بتسليم و سارت أمامها .

وضعت ليال المنشفة من يدها و قالت بهدوء :
_ لا و الله يا مينو مش هعمل حاجة ... بكرة بقا نبقى نفرح مع بعض .
فسألتها ميناس بتعجب عبر سماعة الهاتف الخارجية :
_ هو صوتك بيبعد و يرجع يقرب ليه يا بنتى .
تذوقت ليال الحساء و أجابتها ببديهية :
_ لأنى بكلمك و أنا بطبخ فافتحة الإسبيكر .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و قالت لائمة :
_ يبقى كتب كتابك بكرة و واقفة تطبخى ... مش كفاية مش هنهيص ليكى .
إستندت ليال بظهرها على رخامة المطبخ و عقدت ذراعيها أمام صدرها و قالت بقلق :
_ أحسن أنا أصلا مش بحب الزحمة و الإختلاط .. و بكرة هيبقى يوم تقيل عليا .
تنهدت ميناس بضيق و قالت لها بحدة :
_ إنتى لازم تروحى لدكتور نفسى يا ليال ...حبستك فى البيت دى عملتلك رَهاب و بقيتى تخافى تكلمى حد غريب و ده خطر .
إعتدلت ليال فى وقفتها و قالت لتغير الحوار :
_ كان نفسى تكونى معايا النهاردة يا مينو ... بس مش مشكلة هشوفك بكرة .
أجابتها ميناس بنبرة حزينة :
_ و أنا كمان يا حبيبتى كان نفسى أبقى جنبك و أقعد أرقص للصبح .
إبتسمت ليال و قالت بمشاغبة :
_ عرفاكى ما بتصدقى تسمعى أغنية و تنطلقى .
إختفى صوت ميناس قليلا و كأنها تحدث شخصا ما و عادت إليها قائلة :
_ ليال هقفل دلوقتى علشان حمزة عاوزنى ... هكلمك تانى إن شاء الله .
حملت ليال هاتفها و قالت بهدوء :
_ تمام يا عمرى .. سلام .
و أغلقت الهاتف و عاودت إتمام وجبتهم بسعادة و إبتسامتها العذبة تزين ثغرها الرقيق مثلها .....

فى السيارة تطلعت سالى للطريق بتعجب و سألت غزل قائلة :
_ إحنا رايحين فين يا بنتى .
إبتسمت غزل بخفوت و قالت بمكر :
_ دى مفاجأة .. إصبرى شوية .
و عادت بعينيها للطريق و فجأة لمعت عينيها و عقلها بفكرة ستسعد ليال جدا.. ففتحت حقيبتها و أخرجت هاتفها و هاتفت فارس .. الذى نظر لشاشة هاتفه متعجبا من هذا الرقم الغريب ثم رد قائلا بحدة :
- ألو .
إضطربت دقات قلبها .. وإبتلعت ريقها قائلة بتوتر :
- إزيك يا فارس .
إبتسمت شفتيه فور ترجمة عقلة لذبذبات صوتها المتوتر .. ثم قال مسرعا ببرود :
- إزيك إنتى يا غزل .
قطبت حاجبيها بتعجب و سألته بفضول :
- عرفت منين إنه أنا غزل .
رد بإقتضاب أصبح يغضبها :
- مش مهم .
رفعت حاجبها بضيق .. ثم قالت فاقدة صبرها :
- عموما .... كنت عايزة منك favor.
رد بجدية هادئة :
- تؤمرينى طبعا .
أغمضت عينيها و هى تستمتع بلين صوته و لو لثوانى ثم قالت برقة تلائمها :
- كنت محتاجة ميناس معانا .. و لو روحت أنا لجوزها همسك فيه فاياريت تقوله إنت يخليها تيجى تبات معانا و بكرة بعد كتب الكتاب ترجعله .
تنهد بألم و هو يتذكر أخوه و الذى تحول لوحش بعد الحادثة و خصوصا مع زوجته .. لاحظت صمته المقلق و إنتظرت رده .. فخرج من صمته قائلا بنبرة حزينة :
- حاضر ساعة بالكتير و تبقى قدامكم .
إتسعت مقلتى غزل من الفرحة و قالت شاكرة .
- Thanks so much .
رد عليها و هو يتخيل فرحتها الطفولية و لمعان محيطى عينيها الغامضتين :
- إنتى بس تؤمرى و أنا عليا التنفيذ .. يالا سلام .
تنهدت مطولا و قالت بهيام :
- سلام .
وأغلقت الهاتف بإبتسامة عذبة .. تطلعت عليها سالى ببلاهة و زمت شفتيها بخبث و قالت متسائلة بفضول :
- مالك يا حاجة .. ومين فارس ده .
إنتبهت غزل لسالى فقالت بإحراج :
- هاه .. ده أخو عريس بنت خالتى .. سيبك ده موضوع عائلى .
وصلوا أخيرا للحارة .. و ترجلوا من السيارة .. وقفت سالى تتطلع للقصر بدهشة و قالت بإعجاب :
- واو .. إيه القصر ده .
أجابتها غزل و هى تتأمله بمشاعر مضطربة :
- ده القصر اللى هتسكن فيه العروسة ... و أختها كمان متجوزة فيه .
غمزت لها سالى بعينها و قالت بتلقائية :
- عقبالك .. وأهه كده فرقتكم تبقى إكتملت فى القصر .
ضحكت غزل عليها و قالت و هى تزفر بضيق مصطنع :
- قدامى يا لمضة .
دلفا للحارة .. تطلعت سالى حولها و قالت بتعجب :
- لأ فجأة أصلى .. إنتى ساكنة فى الحارة دى ... بجد .
أومأت غزل برأسها و قالت بفخر :
- أيوة ساكنة مع تيتة هنا فى الحارة دى .
أومأت سالى بتفهم .. فعادت تكمل حديثها بإبتسامة :
- عقبالك ياغزل .. وعقبالى يا رب براجل زى القمر كده زى الدكتور أحمد .
ضحكت غزل عليها .. ثم إتسعت عيناها بذعر و هى ترى العمال يحاوطون منزلها بأسلاك كهربائية .. فتجهم وجهها و قالت بفزع :
- إيه ده البيت هيقع و لا إيه .
ضحكت سالى بصوت عالى غير مبالية بوجودها فى الشارع و قالت ساخرة:
- دول بيعلقوا نور عالبيت يا هبلة .. مش فيه فرح .
إستدركت غزل مقصدها و قالت براحة :
- يعنى دول بيعلقوا نور .. و الله خفت .. تعالى يالا .
وقف رامى يتابع تركيب الإنارة بنفسه .. حتى إنتبه لغزل فقال بإبتسامة ودودة :
- إزيك يا غزل .. إتأخرتى ليه .. ليال لوحدها .
ردت غزل و هى تتابع بعينيها تعليق الإنارة بشغف :
- ما تقلقش يا عريس .. أحب أبشرك إننا هنهد الحارة دلوقتى من الفرحة .
غمز لها بعينه و قال محمسا :
- أيوة كده .. عاوز ليال تفرح ولو ناقصكم أى حاجة قوليلى فورا تمام.
لاحظ سالى فمد يده إليها لمصافحتها قائلا :
- أهلا وسهلا .
مدت سالى يدها و قالت :
- أهلا بيك .. و ألف مبروك .
أجابها بلباقة :
- الله يبارك فيكى يا فندم .
عرفتهم غزل قائلة :
- دى يا رامى سالى دكتورة زميلتى من المستشفى اللى بشتغل فيها .
رد رامى مسرعا :
- منورة الدنيا يا دكترة .
أجابته سالى بإبتسامة متسعة :
- ده نورك يا عريس .
إستأذنت منه غزل و صعدت الدرج .. أوقفتها سالى أمام باب الشقة و قالت بتبرم :
- إستنى هنا ... إحنا هندخل على العروسة كده من غير شبورة .
زمت غزل شفتيها بعدم فهم و قالت مستفسرة :
- شبورة إيه ؟!
هزت سالى رأسها بيأس و قالت موضحة :
- يعنى نغنى للعروسة و كده و تزغرطى معايا و نلم عليكوا الحارة .
فكرت غزل قليلا و قد إقتنعت بكلمات سالى فقالت بعيون لامعة :
- أنا ما أعرفش أعمل اللى إنتى قولتى عليه ده .. بس أعرف اللى تعمله


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات