رواية تمرد اسيرة القصر الفصل العاشر 10 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل العاشر:
بين السعادة و الحزن خيط ....
و بين الحب و الكره خيط ...
و بين البداية و النهاية خيط ...
و بين الصداقة و العداء خيط .....
و كل هذه الخيوط أوهن من خيط العنكبوت .... و من السهل جدا تمزيقها ليختلط الحابل بالنابل ... و بعدها يسود التخبط و الإضطراب .. و لكن دائما ما تكون خيوط اللعبة بأكملها محاكة بأناملنا و نحركها مثلما نريد كعرائس الماريونت ....
و لكن ...
بأيدينا أيضا أن نحول الصداقة الباهتة لعداء و العداء القوى لصداقة ......
صعدت غزل الدرج و طرقت باب شقة مهجة .. فتحت لها والدة مهجة ... و التى ما أن رأتها حتى تجهم وجهها و صاحت بها بغضب :
- عاوزة إيه تانى .. جاية تضربى بنتى هنا كمان .
أومأت غزل برأسها نافية و قالت بتأدب :
- ﻷ يا أنطى أنا ... .
قاطعتها السيدة و هى ترمقها بغضب قائلة بحدة :
- أنطك .. إيه أنطك دى .
ضحكت سالى بشدة و مالت على غزل قائلة بمشاغبة :
- قوليلها يا طنط أو يا حاجة .
حدجتها غزل بغضب على سخريتها وعادت بعينيها للسيدة و قالت بصرامة:
- إندهيلى بهجة يا حاجة .
إزداد غضب السيدة و وضعت ذراعيها بخصرها و قالت بصوت منفعل :
- برضه هتتريقى عليها يا أوخا .
تعجبت غزل من كلمتها و نظرت لسالى بتجهم و سألتها مستفهمة :
- إيه أوخا ده .... حاجة حلوة و لا بتشتم .
إنهارت سالى من الضحك و إنحنت قليلا و صفعت ركبتيها و قالت بلهاث :
- ﻷ .... دى حاجة حلوة قوى .
خرجت مهجة من غرفتها على صوت والدتها العالى و تسائلت بتعجب :
- فى إيه يا أما بتزعقى لمين .
إشرأبت غزل بعنقها و قالت مسرعة :
- تعالى يا لهجة شوفى مامتك .. أنا عوزاكى ضرورى .
ربتت مهجة على كتف والدتها و قالت بهدوء :
- إدخلى إنتى يا أما إحنا إتصافينا خلاص .
مصمصت أمها شفتيها فى تبرم و حدجت غزل بضيق و تركتهم و إنصرفت .. تطلعت غزل بمهجة و قالت بهدوء :
- عوزاكى معايا يالا ... هنهيص لليال شوية و محتاجين مجهوداتك معانا .. تمام .
أومأت مهجة برأسها و قالت بإبتسامة هادئة :
- معاكى و مجهزة كل حاجة .
إلتفتت داخل شقتها وصاحت قائلة بصوت عالى :
- واد يا أحمد هات السماعات الصب و حصلنا .
خرج أحمد و قال و هو يتطلع لغزل بهيام :
- أوبا ... الموزة عندنا .. ده البيت نور .
إبتسمت غزل و قالت بلوم :
- إنت فين يا إبنى مش قولت هتبقى تزورنى .
رد أحمد بغمزة من عينيه :
- وحشتك يا قمر صح .
ضحكت غزل بصفاء و قالت برقة :
- وحشتنى مووت .. يالا هات السماعات و تعالى ورانا .
تنهد مطولا و قال هامسا :
_ تحت أمرك يا قمر .
هزت غزل رأسها و سألت مهجة بتعجب :
_ أحمد يبقالك إيه .
إتسعت إبتسامة مهجة و أجابتها بفخر ... مبالغ فيه قليلا :
_ إبن أوختشى .
إرتسمت البلاهة على وجه غزل مجددا و سالى منهارة خلفها من الضحك كانها لم تضحك من قبل ... تغاضت غزل عن عدم فهمها لبعض مصطلحات تلك الأسرة و قالت بحزم :
_ عموما ... يالا بسرعة .
وقفوا مجددا أمام باب شقة الجدة فرفعت سالى كفيها و قالت بتخطيط بعدما إتفقوا على كل شئ تقريبا :
- جاهزين يا جماعة ... و إنت يا أحمد زى ما قولتلك .. حفظتى يا غزل و لا هتسوحينا .
أومأ الجميع برأسه .. فطرقت سالى الباب .. بعد قليل فتحت ليال الباب لتتفاجأ بجمعهم ... فقالوا جميعا فى نفس الوقت بحركة من إيد سالى :
- يا ولاد بلدنا يوم الخميس هكتب كتابى وأبقى عريس والدعوة عامة وهتبقى لمة وهيبقى ليا فى البيت ونيس .. يا يا ولاد بلدنا.
فزعت ليال فى البداية و وضعت يدها على قلبها و قالت بإندهاش :
- إيه ده فى إيه ؟!!
أشارت سالى إليهم بإصبعها أن يعاودوا غنائهم مرة أخرى وأحمد يطبل على غطاء بلاستيكى .. فقالوا مجددا بصوت عالى :
- بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة أهها أها هها ها .
إبتسمت ليال و قالت بعدم فهم :
- بتعملوا إيه كده .
زمت سالى شفتيها و قالت ساخرة :
- دى مخها طخين أوى .. بس مزة .. إيه الجمال ده يا عروسة .
تطلعت ليال لغزل ببلاهة .. فقالت غزل موضحة و هى تشير بيدها ناحية قائدتهم :
- دى سالى زميلتى فى الشغل و هى اللى هتحيى الليلة .
تطلعت سالى لمهجة و قالت بنبرة آمرة :
- آنسة بهجة زغاريد .
رفعت مهجة رأسها دلالة على مللها و قالت بضيق :
- إسمى مهجة والله العظيم مهجة .. وإديها زغاريط .
وتعالت زغاريدهم .. رفع رامى رأسه بفرحة ناحية شقة رأفة و قال بحماس :
- أيوة بقا .. هو ده الكلام .
وصل أحمد السماعات و أدارها على الأغانى الشعبى وتعالت الزغاريد والصيحات .. و التصفيق .. و إجتمعت نساء الحارة بشقة رأفة التى خرجت و جلست معهم فى ردهة الشقة .. و هى فى قمة سعادتها .. برؤية أقاربها و جيرانها و سعادة ليال و غزل .. ورغم ذلك بداخلها ثلث صغير حزين لعدم وجود ميناس بينهم .....
ترك فارس الوكالة بعدما إطمأن على كل شئ بخصوص عقد القران و العمل ... و ما أن إقترب من منزله حتى رفع رأسه لمنزل رأفة بتعجب من تلك الموسيقى الصاخبة فإقترب من رامى و سأله بقلق :
- فى إيه .. إيه الأغانى دى .
رفع رامى حاجبه بغضب و قال بنبرة محتدة :
- ده إسمه إيه ده.. يا مريسة هتجوز بكرة .. و الله هتجوووووز .
وضع فارس يده على فمه كاتما صوته العالى و قال بضيق :
- وطى صوتك هتلم علينا الناس يا عم العريس إنت .. بس إيه الدوشة دى .
أجابه رامى بإبتسامة مشرقة :
_ دى غزل و البنات لموا عليهم حريم الحارة و خاربينها فوق زغاريد و رقص و هيصة .
لمعت عينى فارس و إبتسمتا بخفوت فور إستماعه لإسمها .. فغزل دائما ما يأتى بعد إسمها الشغب سواء السعيد أو الحزين ... فسأله رامى بتعجب من حمله لمفتاح سيارته :
- إنت رايح فين كده .. تعالى نتغدى أول .
أجابه فارس وهو يشعل سيجارة :
- ﻷ .. هروح أجيب ميناس وأجى بسرعة .
إبتسم رامى و قال بفرحة :
- أخيرا هتروح عندهم .. ده حمزة هيفرح قوى .
أومأ فارس برأسه ... فأردف رامى قائلا بتحذير :
_ بس ما تتأخرش انا جعان و هستناك نتغدى سوا .
أومأ فارس برأسه و قال و هو ينصرف :
- تمام .. إن شاء الله مش هتأخر .
ركب سيارته و قادها شاردا .. عامين كاملين لم يخطو خطوة واحدة ناحية القصر بعد وفاة زوجته .. البعض قد ظنوا أنه مازال غاضبا من حمزة و لهذا إنقطع عن الذهاب و لكن الحقيقة أنه يهرب من ذكرى هديل المؤلمة بكل ركن بالقصر ... لا يوجد بذكرياتهم أوقات سعيدة كثيرة و لكن ضميره يؤلمه و بشدة لتقصيره معها ...
أعطاها الآمان و الحنان و عاملها دائما بود ... و لكن برودة عاصفة تملكت من علاقتهما ... و بالأدق فالبرود كان من ناحيته هو ... فقلبه لم يرأف بحالها و عشقها له و لم يستطع مبادلتها مشاعرها ....
وقف أمام باب القصر مترددا بمشاعر متخبطة و هو يمنى نفسه بأن يدلف للداخل فيجدها بإنتظاره ... دقائق فقط هى كل ما يحتاجه ليعتذر و يطلب منها العفو على الألم و الحزن و دموعها التى ذرفتها فى آخر لقاء لهما .. عاد بذاكرته لتلك الليلة المشئومة و هى تصرخ بوجهه قائلة بحزن :
_ حرام عليك يا فارس ... إنت ليه بتعاملنى كده .. ليه .
ألقى بسترته على الأرض و إلتفت إليها قائلا بحدة :
_ حرام عليكى إنتى ... غيرى يا هديل ... يعنى نتخانق يوم و نريح يوم ... إنما خناق صبح و ليل كتير قوى .
ضربته بقبضتها بصدره و قالت بغضب :
_ ما سألتش نفسك أنا بتخانق معاك دايما ليه ... مرة واحدة حس بيا ... إنت إيه لوح تلج .
كظم غيظه من تطاول يدها عليه و جذبها لصدره بالقوة و ضمها إليه قائلا بنبرة هادئة :
_ إهدى يا حبيبتى ... خلاص بقا .
دفعته بيديها بالقوة و قالت بحدة :
_ مش عاوزة أسمع حبيبتى دى منك ... بطل تمثيل بقا .. إنت عمرك ما حبتنى ... قلبك مش ليك أصلا علشان تقدر تحبنى بيه .
صرخ فارس بعصبية قائلا بنبرة محتدة :
_ يووووووه .... أنا تعبت و الله تعبت ... إرحمينى و إرحمى نفسك بقا .
إرتعبت قليلا من صراخه و جلست على فراشهما باكية بنحيب ... فرق قلبه إليها و جلس بجوارها و طأطأ رأسه بيأس قائلا :
_ طريقتك دى مش هتقربنا من بعض ... إنتى كده بتبعدينى عنك أكتر .
إقتربت منه و بدأت فى تقبيله بلهفة قائلة بقهر :
_ أنا بعشقك ..... بعشقك يا فارس ... حس بيا .
توالت قبلاتها الساخنة و تحركت يدها و بدأت فى فك أزرار قميصه بشوق ... مددها على ظهرها و حاول جاهدا أن يبادلها مشاعرها متصنعا اللهفة و لكنها كأى إمرأة إلتقطت إشارات نفوره فإبتعدت عنه و طالعته بحزن قائلة بألم :
_ هى زايدة إيه عنى علشان تحبها بالشكل ده .. قولى هى فين و أنا هروح لها و أبوس إيدها علشان تبعد عنك و تسيبك ليا .
ملس بكفه على شعراتها و قال بحنو :
_ هى مين يا مجنونة .. و الله ما فيه فى حياتى حد غيرك .
أشارت بسبابتها على قلبه و قالت بوهن :
_ بس فيه فى قلبك غيرى ... ده إنت بتقوم من نومك مفزوع تنده بإسمها .
لملمت شعراتها و حدجته بقوة و قالت بنبرة مختنقة :
_ و بعد كده تضحك عليا و تقولى دى حاجة قديمة .. و لما هى قديمة عايشة جواك و إنت عايش فيها إزاى .
مرر أنامله على وجهه بضيق و أجابها ببرود :
_ بصى يا بنت الناس انا جبت آخرى معاكى ... و تعبت بقا .
وقفت منتفضة و جذبت حقيبة ملابسها و فتحتها و وضعتها على الفراش و إتجهت لخزانتها و بدأت فى تحويل ملابسها إلى الحقيبة ... تطلع إليها فارس بيأس حتى إنتهت و بدأت فى إرتداء ملابسها و حجابها و جذبت الحقيبة و تركت له الغرفة متوجهة لغرفة مهاب ...
وقف فارس متثاقلا بضيق و سار ورائها ... حتى إستند بكتفه على إطار باب الغرفة يتابع لملمتها لملابس الصغير المنهمك باللعب وسط ألعابه و يطالعهم بإبتسامة بريئة ... خرج صوته جافا و هو يطالعها بحدة قائلا بصرامة :
_ ما فيش خروج من هنا يا هديل ... مش كل يومين نفرج علينا الناس ... مشاكلنا نحلها بينا و بس .
لم تعره إهتماما و أكملت ما بدأته و أغلقت الحقيبة و حملت مهاب على كتفها و جذبت الحقيبة ورائها فقال لها فارس بتحذير غاضب :
_ لو خرجتى من هنا هتبقى طالق .
تنهدت مطولا و خرجت من الغرفة متوجهة لباب جناحهم .. فأوقفها قائلا بصوت بائس :
_ إنتى طالق يا هديل ... طالق .
وقفت متصنمة مكانها و هو يطالعها من ظهرها و وصل لأذنيه صوت شهقتها المصدومة تلاها صوت نحيبها و بعدها إختفت من أمامه تاركة آخر صورة لها بمخيلته .. صورتها بالسيارة المقلوبة سابحة بدمائها ...
مسد جبهته بألم نافضا تلك الذكريات المؤلمة من رأسه .. ثم ضغط بوق السيارة .. ففتح له البوابة حرس القصر الذين إستقبلوه بترحاب كبير .. ليرى القصر أمامه مجددا بشموخه و تحديه للزمن .....
دلف بسيارته و وقف أمام بوابة القصر الكبيرة يتطلع إليه بألم .. ثم ترجل من السيارة و صعد درجات القصر الرخماية و ضغط جرس الباب .. ففتحت له نشوى التى إبتسمت على الفور و قالت مرحبة بشدة :
- نورت القصر يا سيد الناس .. إتفضل إتفضل .
إبتسم إليها فارس بود و قال و هو يدلف للداخل و عينيه تجول المكان بشوق :
- شكرا .. أخبارك إيه يا نشوى .
ردت مسرعة :
- بخير الحمد لله .. منور الدنيا .
فسألها مجددا و هو يطالعها بهدوء :
_ أخبار ولادك إيه و خصوصا العفريت الصغير .
ضحكت بخفوت و أجابته قائلة :
_ كويسين الحمد لله ... و العفريت الصغير بيسأل عليك دايما لما بييجى معايا هنا .
تطلع ناحية الدرج المؤدى للطوابق العليا و هو يتخيل هديل أمامه و تهبط الدرج ناحيته .... فتنهد بأسى و أجاب نشوى قائلا :
_ لما تجبيه تانى خلى حد من السواقين يجيبه الوكالة عندى .
أومأت برأسها و قالت بإمتنان :
_ إن شاء الله يا سيد الناس ... حضرتك عارف بعد ما أبوه مات و هو كان إتعلق بيك جدا .
أجابها مسرعا و عينيه ما زالت متعلقة بالدرج :
_ إنتى و ولادك هتفضلوا فى رقبتى ... و لو إحتاجتى أى حاجة فى أى وقت تعرفينى فورا .
إبتسمت بخفوت و اجابته شاكرة :
_ ربنا يكرمك و يوسع رزقك .. و الله إنت مش مخلينا محتاجين أى حاجة .
إلتفت إليها قائلا بجدية :
- ممكن تدى خبر لحمزة إنى عايزه .. و ميناس كمان .
أومأت برأسها و قالت بإنصياع. :
- حاضر ... بعد إذنك .
توجهت لغرفة حمزة إستأذنته و دلفت .. بعد ثوانى خرج حمزة مسرعا يحرك كرسيه و هو لا يكاد يصدق أن فارس ينتظره بالخارج .. إبتسم براحة و إقترب منه قائلا بفرحة :
- منور الدنيا يا عوو .. إتفضل إقعد .. لما البت قالتلى إنك عايز تشوفنى ما صدقتش والله .. إنت هتفضل واقف إقعد .
أجابه فارس مسرعا بجمود و هو لا يتطلع نحوه :
- أنا مش جايلك أنا جاى آخد ميناس .. كتب كتاب أختها بكرة وعاوزينها معاهم .
نزلت كلمات فارس القاسية كالصخور على رأس حمزة .. فطأطأ رأسه بضيق و أومأ برأسه قائلا بكسرة :
- إنت تؤمر يا فارس .. هخليهم يدوها خبر .
خرجت ميناس من غرفتها مبتسمة بفرحة و صافحت فارس قائلة بهدوء :
- أخبارك إيه يا أبيه فارس .
إبتسم إليها فارس و قال بحنو :
- كويس يا ست البنات .. جهزى نفسك بسرعة هتروحى عند جدتك .. كتب كتاب ليال بكرة و عاوزينك .. وهتباتى معاهم النهاردة .
إتسعت عيناها بفرحة .. ثم تلاشت فرحتها و تطلعت لحمزة بتوجس من ردة فعله .. لاحظ فارس نظرات القلق البادية بعينيها فقال بقوة :
- ما تقلقيش حمزة موافق .
ردت ميناس بفرحة طفولية :
- بجد ... هجهز نفسى بسرعة .. ثوانى بس .
و إنطلقت لغرفتها بسعادة .. و إرتدت ملابسها بسرعة .. تنهد حمزة بضيق و قال قاطعا لحالة الصمت السائدة :
- مش ناوى تسامحنى بقا يا عوو .
قطب فارس ما بين حاجبيه مرددا بصرامة غير قابلة للنقاش :
- ﻷ .. طول ما إنت بتفترى عالغلبانة دى .. عمرى ما هسامحك .
تشنجت تعابير حمزة و قال بضيق :
- دى مراتى و أنا حر معاها .
ضحك فارس بسخرية و تطلع نحوه قائلا بسخط كبير :
- براحتك .. بس صدقنى فى يوم هتندم ندم عمرك كله .
تنهد حمزة بأسى و هو يسأل نفسه بضيق لماذا دائما ما يذكروه أنها ستتركه يوما ما ... فهو يعلم هذا جيدا ... و لا يحتاج لمن يذكره ... فقال له بنبرة ذبيحة :
_ عارف إنها هتسبنى فى يوم ... و مش عارف هى مستحملة اللى بعمله فيها ليه .
طالعه فارس بتعجب و نفور من غبائه أو إدعائه الغباء بينما خرجت ميناس و وقفت أمام فارس و قالت بإبتسامتها المتسعة :
- جاهزة يا أبيه .
أشار إليها فارس لتتقدمه .. فإقتربت من حمزة وقالت له و هى تملأ عينيها بملامحه .. لأنها ستشتاق إليه ... و بشدة :
- تحب أرجع بالليل .. وأبقى أروح لهم الصبح تانى .
رد بصرامة و هو يتجاهلها :
- ﻷ .
كم كانت تتمنى أن يقول لها أنه يريدها معه .. و لكنه كالعادة يقتل أى أمل لها نحوه .. أطرقت رأسها بحزن .. و إتجهت لباب القصر الكبير تتبع فارس .. ثم وقفت و إلتفتت إليه بشوق .. لأنها لم تتركه من قبل منذ زواجهم ..
طالت النظرات بينهما .. لأنه أيضا لا يقل حالا عنها .. لأنه لم يتركها تبتعد عنه من قبل .. تنهدت بأسى و خرجت ....
صعدت السيارة بجوار فارس و قلبها ينبض بعنف .. لأنه لا يقوى على البعاد حتى و لو ليوم .. لاحظ فارس حالتها فسألها بضيق :
- ميناس .. لو عاوزة ترجعى بالليل ممكن أرجعك وأجى أخدك إنتى و هو الصبح .
إبتسمت ميناس بإمتنان و قالت شاكرة :
- يبقى شكرا ليك جدا .. أنا ماكنتش هرتاح لو سبته لواحده .
باغتها فارس بسؤال منطقى جدا :
- بتحبيه يا ميناس ؟!
تنهدت مطولا و زفرته بقوة تخرج معه كل ما يعتمره صدرها من عشق و قالت بشجن :
- أيوة بحبه .. وعمرى ماحبيت ولا هحب غيره مهما عمل فيا .
طالعها فارس بنظرة جادة و قال بحزم :
- بس إنتوا مش متجوزين هو ..... .
إبتلعت ميناس ريقها بصعوبة و قالت بحزن :
- عارفة .. و موافقة أكمل عمرى كله جنبه .
تطلع فارس أمامه و قال بصلابة :
_ لإمتى يا ميناس ... أكيد فى يوم هيبقى نفسك تبقى أم على الأقل و حمزة بعد عمليته الأخيرة لما فشلت و هو مصمم ما يدخلش عمليات تانى ... هتفضلى تضحى بكل حاجة لإمتى .
إبتسمت بخفوت و إلتفتت إليه برأسها و قالت بقوة :
_ حضرتك لسه صغير فى السن و أكيد هتقابل الحب اللى هيخليك مستعد تضحى بكل حاجة .. و أى حاجة ... بس علشان تفضل جنبه و ساعتها هتفهمنى .
طالعها بتعجب من كلماتها و تضحيتها و هو يعلم أن أى كلام معها ... أصبح دون جدوى .. فإنطلق بسيارته فى هدوء .
وصلت ميناس أمام منزل جدتها .. فشكرت فارس و ترجلت من السيارة و ألقت التحية على رامى و صعدت مسرعة .. طرقت الباب فتحت لها ليال التى إتسعت عيناها من الفرحة و إحتضنتها قائلة :
- مينو حبيبة قلبى .. كده أنا فرحتى كملت .
أجابتها ميناس و هى تضمها إليها بشوق :
- مبروك يا أحلى عروسة فى الدنيا .
إبتعدت ليال عنها و طالعتها بحنو و قالت :
_ الله يبارك فيكى يا حبيبتى .. تعالى إدخلى .
دلفت ميناس للشقة و قالت للجميع بإبتسامة مشرقة :
_ السلام عليكم جميعا .
أجابها الجميع من أقاربهم و جيرانهم :
_ و عليكم السلام .
إنتبهت لجلسة رأفة التى تتطلع إليها بشوق فسارت نحوها و إرتمت بحضنها و قالت بمداعبة :
_ وحشتينى موت يا روفة .. زى ما غزل بتقولك .
ضربتها رأفة على كتفها بحنو و قالت بلوم :
_ طب غزل و مش هعرف أقولها لأ .. إنما إنتى يا أوزعة لو قولتيها تانى .. هقصلك لسانك .
إبتعدت ميناس عنها و قالت بنبرة طفولية :
_ طب أهون عليكى يا تيتة .
قبلتها رأفة بجبهتها و قالت بحب :
_ آه تهونى على فكرة و هقصلك لسانك و شعرك اللى إنتى فرحانة بيه ده كمان .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و بدأت السلامات .. فإقتربت سالى من غزل و قالت بتعجب :
- مين الموزة دى كمان .
أجابتها غزل بإبتسامة :
- دى ميناس بنت خالتى وأخت ليال .
زمت سالى شفتيها و قالت بحقد :
- إيه يا بنتى إنتوا كلكم حلوين كده الواحد نفسه جزعت .
إبتسمت عينى غزل بخفوت فها هو قد لبى لها طلبها و أحضر ميناس لتشاركهم فرحتهم .. تأوهت بداخلها مطولا و قالت كلمة واحدة :
_ فارس .
إقتربت ميناس من غزل التى وقفت و إحتضنتها قائلة بسعادة :
_ منورة الدنيا يا مينو .
إبتعدت ميناس عنها قليلا و سحبتها من يدها و خلعت حجابها و عقدته حول خصر غزل قائلة :
_ تعالى بقا ورينا رقصك زى كلامك و لا ده وقع منك ... ما هو يا تعرفى ترقصى بلدى و كده هتبقى مصرية .. يا هتبقى خوجاية .
أشارت غزل لمهجة قائلة بثقة :
_ شغلى أغنية حبيبىي يا عينى ياااا ... يا بهجة .
أومأت مهجة برأسها و أدارتها إليها و بدات غزل فى التمايل برقة و بحرفية .... صفق لها الجميع و شاركها البعض ....
كانت ليلتهم مليئة بالفرحة و السعادة .. فها هو زينة شباب الحارة سيتزوج ست البنات .. إنتهت السهرة بعدما شعر الجميع بالتعب .. وقفت سالى و إستعدت للرحيل .. خرجت معها غزل لإيصالها للطريق لركوب سيارة أجرة و بالفعل إستقلت سالى السيارة بعدما ودعت غزل ..
عادت غزل مرة أخرى لبيتها .. فرأت فارس يقف مع جمع من الرجال .. تطلعت إليه بإعجاب فهيبته وشخصيته القوية لم ترهما على أحد قبله .. رغم وسامته الطاغية ببشرته القمحية و عيناه البنية و شعراته الناعمة إلا إنه شخص شديد الرجولة .. عميق الصوت .. ذو بنيان قوى .. يمتلك عينين ساحرة إبتسمت بإعجاب وصعدت لشقتها .
وقفت فى شرفتها تطالع البحر بحزن .. لم تكن تلك المرة الأولى التى تبوح له بأسرارها ... أو بالأحرى سرها الوحيد و عشقها الأول .. رامى ..
أغمضت عيناها و سحبت نفسا طويلا باردا محمل برائحة يود البحر و هى تعيد بمخيلتها لحظاتهما سويا و طفولتهما و تعلقها به و رؤيته يعشق غيرها بل و يقص لها حكاية عشقه لتلك الذهبية الحقيرة .. ليال ...
رغم أنهما كانتا صديقتين إلا أنها حولت تلك الصداقة الباهتة لعداء ... و كره ... و بغض ... لأنها عاشت طفولتها و مراهقتها تعشق و تحلم و تفكر به هو و فقط .. لتأتى تلك الطفلة الحمقاء و تسلبها سعادتها و حبها ..
ألم أقل لكم أنها خيوط ضعيفة و سهل تمزيقها لتتحول الصداقة تلك المرة .. لعداء ...
فتحت عيناها و قالت بألم :
_ ليه يا رامى ... إزاى ما حستش بحبى ليك .
أتاها صوتا من ورائها يقول بحب :
_ عاليا .... يالا يا عاليا علشان ننام ... هنسافر بدرى يا حبيبتى .
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الصمت .....
الصمت أنواع شتى ....
صمت يسبق ... العاصفة ....
و صمت الإنتظار .. الممل و المؤلم للغاية ...
و صمت الشوق و اللهفة ... أو بالمعنى الغير المهذب .. صمت الرغبة و التملك ....
و صمت خانق .. كاتم .. كابت للمشاعر ... بمعنى أبسط أن يكون قلبك ملكا لشخص و تكون أنت كلك بحياتك .. بمشاعرك ... بجسدك .. ملكا لآخر و الأكثر إيلاما ان يكون ذلك .. الآخر .. عاشقا لكل ذرة بكيانك و يغدق عليك من حنانه و حبه و أيامه بسخاء ....
وقف خلفها يتابع وقفتها اليومية شاردة امام البحر و كأنه بينهما حديث خاص و أسرار لا يعرفها غيرهما ... إبتسم بخفوت و إقترب منها بهدوء و حاوط خصرها بذراعيه و ضمها لصدره و أسند ذقنه على كتفها و قال مداعبا أذنها بأنفاسه :
_ مش سمعانى يا عاليا .. بقالى شوية بنده عليكى .
و كأنها لم تشعر به ... فإستمر حوارها الصامت و المؤلم مع البحر و الذى قد ثار قليلا و بدأت أمواجه فى التلاطم واحدة تلو الآخرى شاعرا بتلك النيران المقتدة بداخل صدرها و حبيبها سيتزوج ممن عشقها ..
أما من عشقها هى يقف خلفها و يضمها لصدره بحنانه المعتاد و صفاء مشاعره و دفئه المطمئن ....
تنهدت عاليا مطولا ... فتطلع معها عامر بالبحر و سألها بمداعبة :
_ تعرفى .. بقيت بغير من البحر علشان بياخدك منى كل يوم بالليل و كأنه بينكم أسرار ... يمكن بتقوليله قد إيه بتحبينى صح .
لو يعلم ان كلماته تخترقها كسهام حادة و مؤلمة ... لصمت للأبد ... فهى فى تلك اللحظة أقصى أحلامها أن تمنع زواج رامى بغيرها و تركض إليه وترتمى بصحراء صدره الواسعة و الحارقة و تصبح له و يصبح لها اخيرا ... و لكنها أجابته بنبرة مختنقة :
_ عاوز إيه يا عامر .
إبتعد عنها قليلا و لفها ناحيته فأصبح وجهها مقابلا لوجهه ... فزم شفتيه بضيق و قال لائما :
_ ده بدل ما تقوليلى و لو بالكذب حتى .. أيوة بقوله إنى بحبك يا حبيبى .
كانت نظراتها ذابلة كوجهها و لكنه كعادته يتغاضى عن برودها و يقرر أن يروى تلك الزهرة الجميلة ... بطريقته و التى دائما ما تفلح معها ...
فإقترب منها و لثم ثغرها برقة و تلاها بقبلات ساخنة .. شغوفة ... و يديه تعبث بجسدها الغص بنعومة ...
شعرت بضعفها و إنسياقها و إستسلامها لمشاعره الصادقة و رغباته المشروعة فإبتعدت عنه بهدوء و قالت بعبوس :
_ عامر ... إحنا لازم ننام بدرى علشان هنصحى بدرى ... بطل دلع بقا .
قبل أنفها برقة داعبتها و جعلت جسدها يجفل قليلا و قال هامسا أمام شفتيها :
_ طب أعمل إيه ... ما هو محدش قالك إبقى حلوة قوى كده .
عادت برأسها للخلف أكثر قائلة بضيق :
_ بس يا عامر ....... .
لم يمهلها وقتا آخر و جذب رأسها ناحيته و عاد لقبلاته المشاغبة مجددا و تلك المرة سحبها لتياره الجارف كالعاصفة التى أثارت موجات البحر أكثر و زادت سرعتها و تلاطمها و سببت الكثير من الدوامات التى إبتلعتها كاملة و قذفتها داخل أحضانه على فراشهما و المدهش .. أنها تستمتع و بشدة ...
كعادته ... جالسا على كرسيه المتحرك يتطلع للحديقة .. بصمت .. ذلك الصمت المؤلم و الممل ... صمت الإنتظار ...
يعلم جيدا أنها لن تأتى اليوم .. و ستحظى بليلة هانئة من دونه .. ربما وجدت راحتها فى بعدها عنه و عن صراخه المتكرر بوجهها و عن يديه الملعونة و التى تسبق عقله دائما و تذيقها الألم و الوجع فتقرر التمرد على قلبها و تركه للأبد ... هز حمزة رأسه بقوة نافيا فكرة انها تستطيع تركه .. فميناس البريئة له و فقط .. فلو ذلك الشعور المريح يسمى أنانية .. فنعم .. هو أنانى بإمتياز مع مرتبة الشرف .....
وقفت نشوى ورائه و قالت بنبرة عالية ليسمعها :
_ حمزة بيه ... العشا جاهز يا فندم .
خرج من شروده على صياح نشوى فإلتفت بكرسيه ناحيتها و قال بغضب :
_ إنتى بتزعقى ليه .
إبتلعت ريقها بتوتر و أجابته بهدوء :
_ مش بزعق .. أنا خبطت على الباب كتير و حضرتك ما سمعتنيش .. باعدين دخلت و نديت على حضرتك و برده ما سمعتنيش فعليت صوتى شوية صغيرين .
هدر بها قائلا بحدة :
_ إخرسى بقا ... هو اللوك لوك كتير ليه .. إتفضلى سبينى لوحدى و إمشى .
تغاضت عن صراخه بها و قالت مجددا بهدوء :
_ يا فندم إسمعنى بس .
ضرب كفيه ببعضهما و قال بعصبية :
_ أسمع إيه و مين ... تكونيش الست أم كلثوم مثلا فأنا لازم أسمعك ... قولت إطلعى بره .
إرتجفت عيناها قليلا و لكنها قالت بإصرار :
_ يا فندم أنا جبت العشا لحضرتك .. و إنت لازم تاكل علشان تاخد العلاج .
رفع عينيه بملل و قال بإهتياج زائد :
_ يعنى سيادتك عوزانى أكل غصب عنى ... تمام أنا هفضيلك الأطباق كلها .. ده حضرتك تؤمرى .
و إندفع بكرسيه نحوها فإبتعدت عنه مسرعة و فتحت له المجال للمرور .. فتقدم ناحية الطاولة و جذب شرشفها بقوة .. فسقطت الأطباق بالطعام على الأرض ..
رفعت نشوى حاجبيها بذعر و إنكمشت بنفسها من صوت تحطيم الأطباق المدوى .. بينما إلتفت هو ناحيتها و قال ببساطة :
_ خلصت .. شيلى الأطباق بقا .
و عاد لشرفته مجددا بعبوس ... تنهدت نشوى بضيق و سارت حتى الأوانى المحطمة و إنحنت و بدات فى لمها بحرص ... شعرت بخيال شخص ما خلفها فإنتصبت واقفة لترى ميناس أمامها تشير لها بسبابتها على فمها الصغير بأن تصمت ...
هزت نشوى رأسها بإنصياع و عادت لعملها .. بينما سارت ميناس ناحية الشرفة و وقفت خلفه تتطلع إليه بشوق ....
إبتسمت شفتيه براحة و إنتصار و قال بهدوء :
_ إيه اللى جابك ... مش قولتوا إنك هتباتى عند ستك .
عقدت حاجبيها بتعجب و هى تستمع لكلماته الموجهة إليها رغم أنه لم يراها بعد ... هل شعر بها مثلا ... و هل هذا الحجر يشعر مثلنا من الأساس .. تنفس حمزة بعمق فأتاه صوتها الرقيق العذب و هى تجيبه ببرائتها الساحرة :
_ أصل أنا طلبت من أبيه فارس قبل ما أمشى يرجعنى ليك بالليل .
لمعت عينيه بشدة مرعبة كنمر جاثى و ينتظر وقتا مناسبا للإنقضاض على فريسته ... و بالفعل إنقض عليها قائلا بتساؤل خبيث :
_ و رجعتى" ليا " ليه ؟!
كم تتمنى أن تجيبه بصراحة و تقول أنها لا تستطيع النوم بعيدة عن محيطه الدافئ و أى مكان لم يكن متواجدا به يعد الغربة و الوحدة بعينيها .. و لكنها قالت بهدوء متزن :
_ لأنك جوزى ... و ما ينفعش أبات بره بيتى .
قصف جبهة ... و إمتلاك صريح و جرئ ... لم ينكر إعجابه بردها و دهائها و جمالها ... فباغتته هى قائلة برفق :
- إتعشيت و لا ﻷ .
إبتسمت شفتيه بإتساع و لكنه دارى إبتسامته بسرعة و إلتفت إليها بكرسي ببطء حتى تلاقت عيناهما .. تطلع إليها مطولا و هو يملأ عينيه بملامحها الملائكية .. ثم قال بجدية :
- ﻷ .
إبتسمت ميناس ببرائة و قالت بحماس :
- وأنا كمان ما قدرتش أكل من غيرك .. هخليهم يحضروا العشا على ما أغير هدومى بسرعة .. تمام .
أومأ برأسه .. فتعمقت غمازتيها مع إتساع إبتسامتها و التى تُسوى قلبه على نار هادئة متلذذا بما تمنحه هى من جمالها الشبيه بحلوى القهوة اللذيذة مثلها ... و بهدوء تركته و خرجت من غرفته .. تنهد مطولا و قال هامسا و قد عادت الحياة لعينيه :
- بحببببك .
وقفت ليال فى شرفتها تهاتف رامى كعادة كل يوم قبل النوم .. و تمر مكالمتهم بصمت غالب على أكثرها ... ذلك الصمت المهيمن عليه الشوق و اللهفة و هو يرجو أيامهم و ساعاتهم أن تمر سريعا و تصبح حبيبته له و بجواره دائما .. يحدثها أنا شاء و يلامسها متى جال بخاطره و يفترش شعراتها الذهبية على وسادته و ينعم بدفء و نعومة جسدها الرقيق ...
لم تكن جاهلة لفك شفرات نظراته الجريئة و الملتاعة عليها .. لتغذى هى رجولته و غروره بأنفاسها المضطربة و صوت دقات قلبها الهادرة و نظراتها الحالمة تجاهه .. فتأثيره عليها ظاهر كضى الشمس ....
و لم لا و هو الرجل الوحيد بحياتها بعد هروب والدها من مسؤلياته و تركهم بمفردهم مع والدتهم ليتحول كل إهتمامها و شغفها لدراسة الصنف الآخر منصبة على الرجل الواقف أمامها و يطالعها بنظرات لم تتغير مع سنواتهم التسع المنصرفة .....
عقد حاجبيه متسائلا بإندهاش هل مرت عليهما حقا تسع سنوات .. كيف و متى ... فإسبوعين فقط هما ما يفصلانهما عن إرتباطهما الأبدى و يحترق شوقا ... ليعود لسؤاله مجددا .. تسع سنوات ... يالا العجب .
صمت ... صمت ... صمت ... أبلغ من الكلمات ....
إرتمت غزل عل فراشها بإرهاق .. دعابت صورة فارس عينيها بهيئته الجذابة و شخصيته المقيتة ... و لكن وفائه بوعده بحضور ميناس جعلها تكتشف جانب جديد بشخصيته الثلجية معها .. هى فقط ... لتكتمل فرحة ليال ..
فإبتسمت بمكر .. و تمددت على جانبها و ثنت ذراعها و وضعت قبضتها أسفل وجنتها و هى تقلب هاتفها على فراشها بيدها الأخرى و صراع قوى قد نشب بين عقلها و قلبها .. فقلبها يطالبها بتقديم الشكر و مهاتفته ... و عقلها يحذرها من إنجرافها وراء طيبة قلبها و أن ذلك المتعجرف سيزداد غرورا و زهوا بنفسه ... ليجيبه قلبها بإبتسامة لعوب زينت ذلك الصغر المثير قائلا بسخونة .. أنه يحق له الغرور و التدلل عليها و على الجميع .
لقد كان جالسا على فراشه شاردا بها أيضا .. و يبدو أن القلوب عند بعضها ... لم يجبره شئ من قبل أن يذهب للقصر منذ عامين و أكثر لتأتى هى و بمنتهى البساطة و اليسر تطلب منه ذلك فيلبى لها طلبها بإنصياع ينذره بالأسوء ... هز رأسه بقوة ليهدأه عقله قائلا برزانة و حكمة أنه طاوعها لأنها فتاة و ذلك من أصول الأدب .. ليرتجف قلبه بقوة قائلا بإعتراض أنها لها مكانتها الكبيرة به منذ أمد بعيد هى و فقط ... تلك الصغيرة و التى كبرت يوما بعد يوما بين ذراعيه بجمالها المهلك رغم صغر حجمها و سنها ....
خرج من شروده على رنين هاتفه .. فحمله بتعجب من ذلك المتطفل و الذى يهاتفه فى تلك الساعة ... و ما أن رأى شاشته حتى لمعت عينيه بشدة و إبتسمت تلك الإبتسامة الساحرة و التى لا ترتقى للوصول لشفتيه و هو يقرأ إسمها .. تنهد مطولا قبل أن يرد قائلا بهدوء :
- ألو .
أجابته غزل بإقتضاب :
- شكرا .
زادت إبتسامته و وصلت لشفتيه أخيرا مع زيادة فى معدل دقات قلبه .. و هو يستمتع بصوتها الساحر و يتخيلها أمامه بشغبها و مرحها و غضبها .. فقال ببروده الثلجى مستمتعا بإغاظتها :
- العفو .
قطبت غزل حاجببها و إعتدلت جالسة بتحفز و قالت بضيق من بروده :
- تصبح على خير .
إتسعت إبتسامته و أجابها محتفظا بتلك النبرة التى تبغضها :
- وإنتى من أهله .
قالها فارس مسرعا .. ليسود صمتا من نوع آخر .. و هو أقصى مراحل الصمت .. صمت ما قبل العاصفة ...
لم يغلقا الهاتف و كأن كل منهما ينتظر أن يجذبه الآخر ناحيته أكتر .. مخترقا عالمه بأحزانه و تفاصيله ..
.. إستمعت غزل لأنفاسه .. و هى تلف خصلة من شعراتها حول سبابتها بضيق متعجبة من بروده القاتل .. و تتسائل بإرهاق لماذا يعاملها بكل هذا الجفاء .. و لماذا تشعر هى بإنجذابها نحوه ..
صكت أسنانها بغضب و أغلقت الهاتف و قذفته بعصبية بجوارها .. وإرتمت بجسدها على الفراش ممددة على ظهرها و هى شاردة بحالتها الغريبة عليها .. و هنا وجب الإستفسار .. هل وقعت بالمحذور و ... أحبته .. أومأت برأسها نافية .. و تمددت على جانبها و أغمضت عيناها بقوة كى تنام .
بينما تمدد فارس على فراشه وهو يضع ذراعه خلف رأسه .. يفكر فى شعوره ناحيتها .. فهل هو تقدير على موقفها القديم معه .. أم أنها مشاعر من نوع آخر .. مشاعر لم تمر عليه من قبل .. رغم زواجه السابق و لكنه لم يكن منجذب لزوجته .. فزادت خلافاتهم وشجارهم اليومى حتى بعد علمه بحملها .. لم يقربهم الطفل من بعضهما .. ولكن ما يشعره ناحية هذه الساحرة و التى سلبت عقله إحساس مختلف و جامح .. فما يخشاه هو نفاذها لقلبه .. أم أنها بداخله الآن وقد فات الأوان .
فى الصباح عادت إليهم ميناس و جاء معها حمزة .. تركته وصعدت منزل جدتها .. إستمرت التحضيرات و الإحتفالات حتى المساء .. تزينت الفتيات .. إرتدت ميناس الثوب الأبيض التى إختارته إليها غزل فبدت به كالملائكة .. أما غزل إرتدت فستان بترولى ضيق حدد منحنياتها الجذابة .. وكانت به ساحرة و ملفتة كعادتها ..
بينما تطلعت ليال لهيأتها بالمرآة بإبتسامة مشرقة .. لأنها كانت جميلة جدا بفستانها الذهبى .. و التى تعمدت غزل إختيارها لهذا اللون لأنه لايناسب أحد سوى ليال الذهبية .. إحتضنتها غزل من الخلف و طالعتها بالمرآة و قالت بإعجاب :
- طالعة زى القمر يا لولو .. ربنا يهنيكى و يسعدك .
تطلعت إليها ليال بالمرآة و قالت بإمتنان :
- مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه .. إنتى بقيتى غالية عندى قوى يا غزل .
تصنعت ميناس الغضب و قالت بطفولية عاقدة حاجبيها :
- وأنا بقا ماليش فى الحضن ده .
ضحكت غزل و ليال عليها .. بينما قالت غزل بمداعبة :
- ﻷ مالكيش يا حقودة .
ضمت ميناس ذراعيها أمام صدرها بغضب و قالت بضيق :
- خلاص أنا زعلت و مش هكلمك .
إقتربتا منها ليال و غزل و إحتضناها الإثنان بقوة .. فتنفست بصعوبة و قالت بوهن :
- مش عوزاكم تحضنونى خلاص حرمت .
تعالت ضحكاتهم ... و غزل تتطلع إليهما بشعور غريب من المسئولية و الحب .....
تطلع رامى لهيأته فى المرآة برضا حتى أتاه صفير حمزة من خلفه و الذى قال غامزا بطرف عينيه :
- أستاذ فى الشياكة و الله يا رامى .
عدل رامى من رابطة عنقه و قال بإرتباك :
- بجد يا حمزة يعنى شكلى حلو .
رد حمزة مؤكدا :
- ده إنت عالمية .. قشطة جدا .
دخل عليهم مهاب و هو يرتدى بدلة مثلهم و قال بفرحة :
- يالا يا رجالة المذأون جه تحت مع جدو .
ضحك رامى و حمزة على نطقه الخاطئ .. فإقترب منه حمزة محركا كرسيه و سأله ساخرا :
- مين اللى جه يا صاحبى .
رد مهاب بتلقائية و ثقة :
- المذأون .. الشيخ اللى هيجوزهم .. عارفه أنا .
كتم حمزة ضحكته و طالع رامى قائلا بتحذير :
- طب إنجز بقا يا رامى لجوازتك طلعلك فيها مذأون .
اغلق أزرار سترته و هو يقول بإصرار :
_ و الله يطلع فيها مذأون أو ملعون ... هتجوزها يعنى هتجوزها .
هز حمزة رأسه بيأس و هو يضحك بشدة .. فإلتفتوا لطرقات على باب الشقة ... فتحت زينب الباب لتتسع عينيها من الفرحة و قالت بلهفة :
- عاليا .. بنتى .. حمد الله على سلامتك يا حبيبة قلبى .
إحتضنتها عليا بقوة و قالت بشوق :
- ماما حبيبتى ... وحشتينى يا ست الكل .
ضربتها زينب على ضهرها مداعبة و قالت بلوم :
- تضحكى عليا وتقوليلى مش هاتيجى غير على الفرح و إنت فى نيتك تيجى ... ماشى .
ضحكت عليا و إبتعدت عنها قليلا و قالت مازحة :
- حبيت أعملك مفاجأة يا ست الكل .. وحشتينى .
إنتبهت زينب لوقفة عامر زوج عليا خلفها ... فابتعدت عنها و صافحته مرحبة به و قالت بأسف :
- لا مؤاخذة با إبنى من فرحتى بيها ما خدتش بالى منك .. عامل إيه يا حبيبى .
صافحها عامر بإبتسامة ودودة و قال :
- كويس الحمد لله .. إزيك إنتى يا حجة أخبارك إيه .
أشارت له بيدها أن يدلف قائلة بفرحة :
- بخير يا إبنى .. نورت الدنيا ... إتفضل .
دلفا للداخل فركض مهاب ناحية عاليا .. فإلتقفته بحضنها و ضمته بقوة ... فقال لها بشوق :
- وحشتنى يا عمتو قوى .
ردت عاليا وهى تقبله فى وجنتيه :
- حبيب قلب عمتو وحشتنى .
خرج فارس من غرفته مرحبا بها بقوة قائلا بحب :
- منورة الدنيا يا عاليا .. ليكى شوقة و الله .
وقفت تتأمل وسامته .. ببنطاله الجينزى الضيق و المهترئ قليلا .. و يعلوه تيشرت أبيض مفتوح قليلا من الصدر و ضيق أظهر عضلات صدره القوية .. و سترة رمادية .. أنهت تأملها له بإبتسامة إعجاب و قالت بمشاغبة :
- هما قالولى إن رامى هو العريس مش إنت .
اجابها مازحا و هو يقترب منها :
- يالا يا بكاشة .. وحشتينى .
إحتضنها بقوة .. فأجابته و هى تستند برأسها على صدره الحنون :
- إنت وحشتنى أكتر يا عوو .
أتاهم صوت حمزة من جوارهم قائلا بلوم :
- إيه .. أنا ما وحشتكيش برضه و لا إيه .
إبتعدت عن فارس و هتفت بسعادة :
- الباشا الكبير بذات نفسه .. وحشتنى مووت يا باش مهندس .
إنحنت نحوه و إحتضنته مسرعة .. فربت على ظهرها و قال بصوت حانى :
- الدنيا من غيرك وحشة قوى يا عاليا .. أنا عارف وافقتى على عامر ليه .
رد عامر زوجها بحنق مصطنع :
- ماشى يا باش مهندس .. إنت نسيت إنك السبب لما شوفتها معاك فى الجامعة و خطبتها وقتى ... قبل ما حد يخطفها منى .
صافحه حمزة قائلا بلوم :
_ و إنت كنت تطول ... دى الملكة بتاعتنا يا أستاذ إنت .
حدجها عامر بقوة و اجابه برقة :
_ و ملكة حياتى أنا كمان .
خرج صبرى من غرفته فعانقته عليا بشوق و رحب هو بها بقوة .. حتى خرج رامى من غرفته .. لاحظ وجودها فقال بإبتسامة هادئة :
- أستاذة عاليا بنفسها .. ده أنا ليا الشرف و الله تسيبى شرم و تجينى مخصوص .
إختفت أنفاسها .. و زادت سرعة دقات قلبها .. و إلتفتت إليه بشوق .. ليتوقف العالم عن الدوران من حولها ...
إبتلعت ريقها بتوتر و هى تملأ عيناها بملامحه الجذابة .. و تطالع وسامته بحزن من تلك السعادة المرتسمة على ملامحه ....
فها هو سيتزوج ممن أحبها قلبه ... فعادت إليها آلامها القديمة و هى تتطلع داخل عينيه لترى غيرها بهما .. تنحنحت بحرج و قالت بهدوء :
- هو أنا عندى أغلى منك .. مبروك يا رامى .
إبتسم بخفوت و أجابها :
_ الله يبارك فيكى يا عاليا .
إنتبه حمزة لنظراتها الملتاعة لرامى .. فطأطأ رأسه بحزن على حالها .. لأنه يعلم مدى عشقها له ... و أنه لا يشعر بها .. و مع ذلك لم يقل حبها مع مرور الوقت و رغم زواجها و إختيارها لزوج من محافظة أخرى لتبتعد عنه و عن ألم قربها منه .
صافح الجميع عامر و أخذهم الحديث حتى قال لهم رامى بنفاذ صبر قاطعا هذه الحالة من السلامات :
- مش يالا يا جماعة المأذون ملطوع تحت من ساعة .. و أنا بصراحة ماعدش عندى صبر .
حاولت عاليا أن تتماسك و رسمت خطا باردا على شفتيها كإبتسامة .. لتوارى حزنها و ألمها فكلماته دون أن يشعر تقتلها .. و أنبت نفسها على حضورها لتعيش ذلك الموقف المؤلم .. و المرهق ...
بينما وقف الجميع و إستند صبرى على عكازه قائلا بحماس :
- يالا يا جماعة الناس بيستنونا .
توجهوا لمنزل رأفة .. فإستقبلتهم ميناس بإبتسامتها العذبة .. و تعالت الزغاريد من حولهم ... فتوجه الرجال جميعا لغرفة الصالون ... و كانت رأفة تجلس فى الردهة تنتظرهم ... فصافحها رامى و قبل كفها .. فربتت على ظهره بحنو و هنأته .... تلاه فارس الذى جذب أنظار الجميع إليه من وسامته و هو يقبل رأسها ...
بينما لم تترك عينى حمزة ميناس و هو يتأملها بإبتسامة شغوفة .. فلقد كانت جميلة و بريئة بشكل أخذ عقله أكثر .. بفستانها الأبيض الضيق حتى صدرها و المنسدل على جسدها بنعومة و يهفو حولها مع حركتها و كأنها طائر يحلق بسعادة .. ليخرج من شروده على دفعة لكرسيه من رامى ....
جلس الرجال فى الصالون من كبار الحارة .. و أصدقاء رامى ... و بدأ المأذون فى إجراءاته و خطبته التى جعلت رامى يهز ساقيه بنفاذ صبر .....
بينما جلست زينب و عاليا مع رأفة و ميناس .. خرجت غزل من غرفة ليال .. فوقفت زينب مسرعة و هى تطالع جمال غزل بفستانها الضيق و الذى أظهر بقوة جمال جسدها المثير .. و إحتضنتها قائلة بود :
- بسم الله ما شاء الله ... زى القمر يا حبيبتى عقبال ليلتك .
إبتسمت غزل إبتسامة ودودة و قالت بإمتنان لتلك السيدة البشوشة :
- شكرا يا أنطى .. مبروك لرامى .
أبعدتها زينب عنها قليلا و تطلعت لجمالها بتمنى قائلة بإعجاب :
- الله يبارك فيكى يا حبيبتى .. عقبالك .
و عرفتها على عاليا التى تعاملت معها بدونية ملفتة .. فوضعتها غزل فى البلاك لست فورا .. و توعدتها فى سرها ....
بدأت مراسم كتب الكتاب .. و كان صبرى وكيل العروسة .. و بعد قليل خرج فارس و أحد كبار الحارة لتوقع ليال على عقد الزواج .. ليتفاجأ بغزل أمامه .. بجمالها الصارخ .. فشهق بداخله قائلا بغضب :
_ نهار إسود و منيل ... هى راشة الفستان ده على جسمها و لا لبسته بزيت ... ماشى يا غزل .
تعلقت عينيه بها فوخزه الرجل بذراعه فأفاق من شروده و قال بعبوس :
- إندهوا لليال علشان تمضى .
دلفت ميناس لليال المرتبكة بشكل سيصيب قلبها بأزمة قلبية إن لم تهدأ .. بينما تطلعت غزل لفارس بإعجاب من هيأته الشبابية الساحرة و عطره الرجولى الساحر .. طالت نظراتهما بصمت و كأنهما فى عالم لوحدهما ..
لاحظت عاليا نظراتهما فزمت شفتيها بضيق و أشاحت بوجهها عنهم قائلة بداخلها بحقد :
_ عيلة زبالة ... حتى البت الخوجاية دى راسمة على فارس .. بس مش هيحصل .
خرجت ليال بهيئتها الذهبية .. و وقعت بهدوء لتتعالى معها أصوات الزغاريد .. إبتسم رامى إبتسامة عريضة و لهفته لرؤيتها تقتله ..
عاد فارس إلى المجلس يحمل الدفتر ليوقع الشهود و دعا لهما المأذون باللهم بارك لهما وبارك عليهما .... و تعالت الزغاريد مجددا لنهاية عقد القران .. إلتقط فارس المنديل الأبيض مسرعا و قال مازحا :
- آسف يا جماعة بس عندى برد .
ليدخل الجميع فى حالة من الضحك .. هنأ الجميع رامى و هو على نار لرؤية ليال لأول مرة بعدما أصبحت زوجته أخيرا .. إنتبه فارس للوعته .. فجذبه من ذراعه من وسط الرجال المحيطين به و خرج معه لتتقابل نظراته بليال الفائقة الجمال .. وقف مكانه متصنم من جمالها المبهر بطلتها الذهبية ...
إرتسمت إبتسامة على طرفى عينيه وهو يحدجها بقوة و يطالع خجلها المحبب لقلبه .. لتتسع إبتسامة شفتيه و هو يقترب منها مسحورا .. لامس كفها بكفه برقة ثم إحتضنه بقوة و رفعه ناحية فمه و طبع عليه قبلة طويلة محملة بشوقه الجارف لها .. ثم قال بفرحة :
- مبروك عليا إنتى يا عسلية .
صكت عاليا أسنانها بغضب و أشاحت بوجهها و هى تسبهما و نيران قلبها تنهشها من غضبها .. لم يصل صوت ليال لأحد غيره .. لأنه الأقرب إليها فلقد قالت بصوت يكاد يكون مسموعا من توترها و خجلها :
- الله يبارك فيك .
كم يتمنى الآن أن يجتذبها لحضنه .. أو أن يتهور أكثر و يجذبها من يدها و يذهب لعشهما الذى حضره بشكل مذهل ليليق بأميرته الذهبية .. و لكنه آسر السلامة و إكتفى بقبلته الرقيقة ...
تنهدت سالى مطولا و مالت على غزل قائلة بهيام :
_ ما فيش عريس تانى عندكم بنفس الأوبشن ده .. إوعدنى يا رب .
حدجتها غزل بتوجس و قالت بحدة :
_ إنتى هتحسديهم و لا إيه ... عموما أنا لو عليا هلفلك رامى ده لفة تورتة و أديهولك هدية ... بس ليال بتحبه بقا هعمل إيه .
مصمصت سالى شفتيها و قالت بضيق :
_ انا مش بحسد طبعا ... بس أهى أمنية .. حتى الأمنية حرام .
ثم ضيقت عينيها و قالت بعفوية :
_ هموت و أعرف أنا شوفت إبن عمه ده فين ... أنا متأكده إنى شوفته قبل كده .
هزت غزل رأسها بيأس و عادت بعيناها لرامى المقترب من زينب و التى هنأته و عانقته قائلة بدموعها :
- ربنا يهنيك يا حبيب قلبى .
إستمتع بحضنها الدافئ و قال بإمتنان شديد :
- ربنا يخليكى ليا يا أمى و ما يحرمنى منك .
إحتضنت وجهه بين راحتيها و قالت بحنو :
_ و لا يحرمنى منك يا حبيبى .. ربنا يهنيك و يرزقك الذرية الصالحة .
أعاده فارس لجلسة الرجال مجددا .. بينما وزعت غزل و ميناس و مهجة الحلويات و المشروبات على السيدات ...
وقفت غزل أمام باب الصالون و أشارت لفارس .. فخرج إليها متعجبا .. فقالت له ببرود :
- خلى حد يبجى ياخد منى الصوانى بالجاتو والكولا .
أغضبه و بشدة كلمة
مِنى
.. لأنها بمنتهى الصفاقة و الجرأة تطلب منه أن يرسل أحد يتعامل معها مباشرة و يأخذ منها الصوانى بفستانها ذاك و هيأتها تلك .. طالعها بغضب و قال بهدوء :
- هاتيهم و أنا هدخلهم .
رفعت حاجبها بتعجب و هى تتخيل أن هذا المغرور سيحمل الصوانى و يقدم الضيافة بنفسه .. حركت كتفيها بتسليم و قالت برقة :
- حاضر .
وأخذت من ميناس الصوانى الممتلئة و أعطته إياها .. حملها و هو يحدجها بقوة و لوم .. و دلف بهم للصالون فوقف رامى بحرج قائلا :
- إنت اللى هتقدم بنفسك يا كبير .
إبتسم فارس بفرحة و قال و هو يقدم بنفسه حرفيا :
- ده يوم المنى يا صاحبى .. إتفضلوا .
إنتهت الجلسة السعيدة و إنصرف الجميع بعدما هنئوا العروسين .. و ودعتهم ميناس منصرفة مع زوجها ... وعادت رأفة لغرفتها و تمددت على فراشها بإرهاق من جلستها الطويلة ....
كان رامى على نار و هو ينتظر ليال بالصالون قاطِعه ذهابا و إيابا .. و إيابا و ذهابا كبندول الساعة .. بعد قليل دخلت عليه .. لتتسارع أنفاسه و يدق قلبه طبول الفرح ...
جلست ليال بحياء دون أن تتحدث معه .. و غلفهم ذلك الصمت المرهق ... إقترب منها رامى و جلس بجوارها .. و أدارها ناحيته و هو يتأمل جمالها ثم لامس وجهها برقة .. فشعر برجفة جسدها من ملامسته لها .. و لكنه لم يكتفى و لم يترفق بحالتها المذرية .. فبدأ بنزع حجابها و هى مندهشة من فعلته الجريئة تلك ..
خلعه عن رأسها و مرر أنامله على شعراتها الذهبية الناعمة .. و جذب رابطة شعرها .. لينسدل على ظهرها بتموجاته الناعمة .. لتصبح فى أزهى صورها و التى يحتفظ بهم جميعا داخل عقله ...
إقترب منها و قال هامسا برقة :
- بقالى خمس سنين ما شوفتش شعرك .. دى لحظة حلمت بيها كتير قوى .. بحبك يا حب عمرى .
توردت وجنتاها بخجل و لم تجيبه .. بل لم تجد صوتها من الأساس .. إحتضن ذقنها بأنامله و أدار وجهها ناحيته .. متأملا جمال عيونها الذهبية التى يذوب بها .. و قال بهدوء :
- بقولك بحبك .. إيه مش ناوية تقوليلى حاجة .
بين السعادة و الحزن خيط ....
و بين الحب و الكره خيط ...
و بين البداية و النهاية خيط ...
و بين الصداقة و العداء خيط .....
و كل هذه الخيوط أوهن من خيط العنكبوت .... و من السهل جدا تمزيقها ليختلط الحابل بالنابل ... و بعدها يسود التخبط و الإضطراب .. و لكن دائما ما تكون خيوط اللعبة بأكملها محاكة بأناملنا و نحركها مثلما نريد كعرائس الماريونت ....
و لكن ...
بأيدينا أيضا أن نحول الصداقة الباهتة لعداء و العداء القوى لصداقة ......
صعدت غزل الدرج و طرقت باب شقة مهجة .. فتحت لها والدة مهجة ... و التى ما أن رأتها حتى تجهم وجهها و صاحت بها بغضب :
- عاوزة إيه تانى .. جاية تضربى بنتى هنا كمان .
أومأت غزل برأسها نافية و قالت بتأدب :
- ﻷ يا أنطى أنا ... .
قاطعتها السيدة و هى ترمقها بغضب قائلة بحدة :
- أنطك .. إيه أنطك دى .
ضحكت سالى بشدة و مالت على غزل قائلة بمشاغبة :
- قوليلها يا طنط أو يا حاجة .
حدجتها غزل بغضب على سخريتها وعادت بعينيها للسيدة و قالت بصرامة:
- إندهيلى بهجة يا حاجة .
إزداد غضب السيدة و وضعت ذراعيها بخصرها و قالت بصوت منفعل :
- برضه هتتريقى عليها يا أوخا .
تعجبت غزل من كلمتها و نظرت لسالى بتجهم و سألتها مستفهمة :
- إيه أوخا ده .... حاجة حلوة و لا بتشتم .
إنهارت سالى من الضحك و إنحنت قليلا و صفعت ركبتيها و قالت بلهاث :
- ﻷ .... دى حاجة حلوة قوى .
خرجت مهجة من غرفتها على صوت والدتها العالى و تسائلت بتعجب :
- فى إيه يا أما بتزعقى لمين .
إشرأبت غزل بعنقها و قالت مسرعة :
- تعالى يا لهجة شوفى مامتك .. أنا عوزاكى ضرورى .
ربتت مهجة على كتف والدتها و قالت بهدوء :
- إدخلى إنتى يا أما إحنا إتصافينا خلاص .
مصمصت أمها شفتيها فى تبرم و حدجت غزل بضيق و تركتهم و إنصرفت .. تطلعت غزل بمهجة و قالت بهدوء :
- عوزاكى معايا يالا ... هنهيص لليال شوية و محتاجين مجهوداتك معانا .. تمام .
أومأت مهجة برأسها و قالت بإبتسامة هادئة :
- معاكى و مجهزة كل حاجة .
إلتفتت داخل شقتها وصاحت قائلة بصوت عالى :
- واد يا أحمد هات السماعات الصب و حصلنا .
خرج أحمد و قال و هو يتطلع لغزل بهيام :
- أوبا ... الموزة عندنا .. ده البيت نور .
إبتسمت غزل و قالت بلوم :
- إنت فين يا إبنى مش قولت هتبقى تزورنى .
رد أحمد بغمزة من عينيه :
- وحشتك يا قمر صح .
ضحكت غزل بصفاء و قالت برقة :
- وحشتنى مووت .. يالا هات السماعات و تعالى ورانا .
تنهد مطولا و قال هامسا :
_ تحت أمرك يا قمر .
هزت غزل رأسها و سألت مهجة بتعجب :
_ أحمد يبقالك إيه .
إتسعت إبتسامة مهجة و أجابتها بفخر ... مبالغ فيه قليلا :
_ إبن أوختشى .
إرتسمت البلاهة على وجه غزل مجددا و سالى منهارة خلفها من الضحك كانها لم تضحك من قبل ... تغاضت غزل عن عدم فهمها لبعض مصطلحات تلك الأسرة و قالت بحزم :
_ عموما ... يالا بسرعة .
وقفوا مجددا أمام باب شقة الجدة فرفعت سالى كفيها و قالت بتخطيط بعدما إتفقوا على كل شئ تقريبا :
- جاهزين يا جماعة ... و إنت يا أحمد زى ما قولتلك .. حفظتى يا غزل و لا هتسوحينا .
أومأ الجميع برأسه .. فطرقت سالى الباب .. بعد قليل فتحت ليال الباب لتتفاجأ بجمعهم ... فقالوا جميعا فى نفس الوقت بحركة من إيد سالى :
- يا ولاد بلدنا يوم الخميس هكتب كتابى وأبقى عريس والدعوة عامة وهتبقى لمة وهيبقى ليا فى البيت ونيس .. يا يا ولاد بلدنا.
فزعت ليال فى البداية و وضعت يدها على قلبها و قالت بإندهاش :
- إيه ده فى إيه ؟!!
أشارت سالى إليهم بإصبعها أن يعاودوا غنائهم مرة أخرى وأحمد يطبل على غطاء بلاستيكى .. فقالوا مجددا بصوت عالى :
- بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة أهها أها هها ها .
إبتسمت ليال و قالت بعدم فهم :
- بتعملوا إيه كده .
زمت سالى شفتيها و قالت ساخرة :
- دى مخها طخين أوى .. بس مزة .. إيه الجمال ده يا عروسة .
تطلعت ليال لغزل ببلاهة .. فقالت غزل موضحة و هى تشير بيدها ناحية قائدتهم :
- دى سالى زميلتى فى الشغل و هى اللى هتحيى الليلة .
تطلعت سالى لمهجة و قالت بنبرة آمرة :
- آنسة بهجة زغاريد .
رفعت مهجة رأسها دلالة على مللها و قالت بضيق :
- إسمى مهجة والله العظيم مهجة .. وإديها زغاريط .
وتعالت زغاريدهم .. رفع رامى رأسه بفرحة ناحية شقة رأفة و قال بحماس :
- أيوة بقا .. هو ده الكلام .
وصل أحمد السماعات و أدارها على الأغانى الشعبى وتعالت الزغاريد والصيحات .. و التصفيق .. و إجتمعت نساء الحارة بشقة رأفة التى خرجت و جلست معهم فى ردهة الشقة .. و هى فى قمة سعادتها .. برؤية أقاربها و جيرانها و سعادة ليال و غزل .. ورغم ذلك بداخلها ثلث صغير حزين لعدم وجود ميناس بينهم .....
ترك فارس الوكالة بعدما إطمأن على كل شئ بخصوص عقد القران و العمل ... و ما أن إقترب من منزله حتى رفع رأسه لمنزل رأفة بتعجب من تلك الموسيقى الصاخبة فإقترب من رامى و سأله بقلق :
- فى إيه .. إيه الأغانى دى .
رفع رامى حاجبه بغضب و قال بنبرة محتدة :
- ده إسمه إيه ده.. يا مريسة هتجوز بكرة .. و الله هتجوووووز .
وضع فارس يده على فمه كاتما صوته العالى و قال بضيق :
- وطى صوتك هتلم علينا الناس يا عم العريس إنت .. بس إيه الدوشة دى .
أجابه رامى بإبتسامة مشرقة :
_ دى غزل و البنات لموا عليهم حريم الحارة و خاربينها فوق زغاريد و رقص و هيصة .
لمعت عينى فارس و إبتسمتا بخفوت فور إستماعه لإسمها .. فغزل دائما ما يأتى بعد إسمها الشغب سواء السعيد أو الحزين ... فسأله رامى بتعجب من حمله لمفتاح سيارته :
- إنت رايح فين كده .. تعالى نتغدى أول .
أجابه فارس وهو يشعل سيجارة :
- ﻷ .. هروح أجيب ميناس وأجى بسرعة .
إبتسم رامى و قال بفرحة :
- أخيرا هتروح عندهم .. ده حمزة هيفرح قوى .
أومأ فارس برأسه ... فأردف رامى قائلا بتحذير :
_ بس ما تتأخرش انا جعان و هستناك نتغدى سوا .
أومأ فارس برأسه و قال و هو ينصرف :
- تمام .. إن شاء الله مش هتأخر .
ركب سيارته و قادها شاردا .. عامين كاملين لم يخطو خطوة واحدة ناحية القصر بعد وفاة زوجته .. البعض قد ظنوا أنه مازال غاضبا من حمزة و لهذا إنقطع عن الذهاب و لكن الحقيقة أنه يهرب من ذكرى هديل المؤلمة بكل ركن بالقصر ... لا يوجد بذكرياتهم أوقات سعيدة كثيرة و لكن ضميره يؤلمه و بشدة لتقصيره معها ...
أعطاها الآمان و الحنان و عاملها دائما بود ... و لكن برودة عاصفة تملكت من علاقتهما ... و بالأدق فالبرود كان من ناحيته هو ... فقلبه لم يرأف بحالها و عشقها له و لم يستطع مبادلتها مشاعرها ....
وقف أمام باب القصر مترددا بمشاعر متخبطة و هو يمنى نفسه بأن يدلف للداخل فيجدها بإنتظاره ... دقائق فقط هى كل ما يحتاجه ليعتذر و يطلب منها العفو على الألم و الحزن و دموعها التى ذرفتها فى آخر لقاء لهما .. عاد بذاكرته لتلك الليلة المشئومة و هى تصرخ بوجهه قائلة بحزن :
_ حرام عليك يا فارس ... إنت ليه بتعاملنى كده .. ليه .
ألقى بسترته على الأرض و إلتفت إليها قائلا بحدة :
_ حرام عليكى إنتى ... غيرى يا هديل ... يعنى نتخانق يوم و نريح يوم ... إنما خناق صبح و ليل كتير قوى .
ضربته بقبضتها بصدره و قالت بغضب :
_ ما سألتش نفسك أنا بتخانق معاك دايما ليه ... مرة واحدة حس بيا ... إنت إيه لوح تلج .
كظم غيظه من تطاول يدها عليه و جذبها لصدره بالقوة و ضمها إليه قائلا بنبرة هادئة :
_ إهدى يا حبيبتى ... خلاص بقا .
دفعته بيديها بالقوة و قالت بحدة :
_ مش عاوزة أسمع حبيبتى دى منك ... بطل تمثيل بقا .. إنت عمرك ما حبتنى ... قلبك مش ليك أصلا علشان تقدر تحبنى بيه .
صرخ فارس بعصبية قائلا بنبرة محتدة :
_ يووووووه .... أنا تعبت و الله تعبت ... إرحمينى و إرحمى نفسك بقا .
إرتعبت قليلا من صراخه و جلست على فراشهما باكية بنحيب ... فرق قلبه إليها و جلس بجوارها و طأطأ رأسه بيأس قائلا :
_ طريقتك دى مش هتقربنا من بعض ... إنتى كده بتبعدينى عنك أكتر .
إقتربت منه و بدأت فى تقبيله بلهفة قائلة بقهر :
_ أنا بعشقك ..... بعشقك يا فارس ... حس بيا .
توالت قبلاتها الساخنة و تحركت يدها و بدأت فى فك أزرار قميصه بشوق ... مددها على ظهرها و حاول جاهدا أن يبادلها مشاعرها متصنعا اللهفة و لكنها كأى إمرأة إلتقطت إشارات نفوره فإبتعدت عنه و طالعته بحزن قائلة بألم :
_ هى زايدة إيه عنى علشان تحبها بالشكل ده .. قولى هى فين و أنا هروح لها و أبوس إيدها علشان تبعد عنك و تسيبك ليا .
ملس بكفه على شعراتها و قال بحنو :
_ هى مين يا مجنونة .. و الله ما فيه فى حياتى حد غيرك .
أشارت بسبابتها على قلبه و قالت بوهن :
_ بس فيه فى قلبك غيرى ... ده إنت بتقوم من نومك مفزوع تنده بإسمها .
لملمت شعراتها و حدجته بقوة و قالت بنبرة مختنقة :
_ و بعد كده تضحك عليا و تقولى دى حاجة قديمة .. و لما هى قديمة عايشة جواك و إنت عايش فيها إزاى .
مرر أنامله على وجهه بضيق و أجابها ببرود :
_ بصى يا بنت الناس انا جبت آخرى معاكى ... و تعبت بقا .
وقفت منتفضة و جذبت حقيبة ملابسها و فتحتها و وضعتها على الفراش و إتجهت لخزانتها و بدأت فى تحويل ملابسها إلى الحقيبة ... تطلع إليها فارس بيأس حتى إنتهت و بدأت فى إرتداء ملابسها و حجابها و جذبت الحقيبة و تركت له الغرفة متوجهة لغرفة مهاب ...
وقف فارس متثاقلا بضيق و سار ورائها ... حتى إستند بكتفه على إطار باب الغرفة يتابع لملمتها لملابس الصغير المنهمك باللعب وسط ألعابه و يطالعهم بإبتسامة بريئة ... خرج صوته جافا و هو يطالعها بحدة قائلا بصرامة :
_ ما فيش خروج من هنا يا هديل ... مش كل يومين نفرج علينا الناس ... مشاكلنا نحلها بينا و بس .
لم تعره إهتماما و أكملت ما بدأته و أغلقت الحقيبة و حملت مهاب على كتفها و جذبت الحقيبة ورائها فقال لها فارس بتحذير غاضب :
_ لو خرجتى من هنا هتبقى طالق .
تنهدت مطولا و خرجت من الغرفة متوجهة لباب جناحهم .. فأوقفها قائلا بصوت بائس :
_ إنتى طالق يا هديل ... طالق .
وقفت متصنمة مكانها و هو يطالعها من ظهرها و وصل لأذنيه صوت شهقتها المصدومة تلاها صوت نحيبها و بعدها إختفت من أمامه تاركة آخر صورة لها بمخيلته .. صورتها بالسيارة المقلوبة سابحة بدمائها ...
مسد جبهته بألم نافضا تلك الذكريات المؤلمة من رأسه .. ثم ضغط بوق السيارة .. ففتح له البوابة حرس القصر الذين إستقبلوه بترحاب كبير .. ليرى القصر أمامه مجددا بشموخه و تحديه للزمن .....
دلف بسيارته و وقف أمام بوابة القصر الكبيرة يتطلع إليه بألم .. ثم ترجل من السيارة و صعد درجات القصر الرخماية و ضغط جرس الباب .. ففتحت له نشوى التى إبتسمت على الفور و قالت مرحبة بشدة :
- نورت القصر يا سيد الناس .. إتفضل إتفضل .
إبتسم إليها فارس بود و قال و هو يدلف للداخل و عينيه تجول المكان بشوق :
- شكرا .. أخبارك إيه يا نشوى .
ردت مسرعة :
- بخير الحمد لله .. منور الدنيا .
فسألها مجددا و هو يطالعها بهدوء :
_ أخبار ولادك إيه و خصوصا العفريت الصغير .
ضحكت بخفوت و أجابته قائلة :
_ كويسين الحمد لله ... و العفريت الصغير بيسأل عليك دايما لما بييجى معايا هنا .
تطلع ناحية الدرج المؤدى للطوابق العليا و هو يتخيل هديل أمامه و تهبط الدرج ناحيته .... فتنهد بأسى و أجاب نشوى قائلا :
_ لما تجبيه تانى خلى حد من السواقين يجيبه الوكالة عندى .
أومأت برأسها و قالت بإمتنان :
_ إن شاء الله يا سيد الناس ... حضرتك عارف بعد ما أبوه مات و هو كان إتعلق بيك جدا .
أجابها مسرعا و عينيه ما زالت متعلقة بالدرج :
_ إنتى و ولادك هتفضلوا فى رقبتى ... و لو إحتاجتى أى حاجة فى أى وقت تعرفينى فورا .
إبتسمت بخفوت و اجابته شاكرة :
_ ربنا يكرمك و يوسع رزقك .. و الله إنت مش مخلينا محتاجين أى حاجة .
إلتفت إليها قائلا بجدية :
- ممكن تدى خبر لحمزة إنى عايزه .. و ميناس كمان .
أومأت برأسها و قالت بإنصياع. :
- حاضر ... بعد إذنك .
توجهت لغرفة حمزة إستأذنته و دلفت .. بعد ثوانى خرج حمزة مسرعا يحرك كرسيه و هو لا يكاد يصدق أن فارس ينتظره بالخارج .. إبتسم براحة و إقترب منه قائلا بفرحة :
- منور الدنيا يا عوو .. إتفضل إقعد .. لما البت قالتلى إنك عايز تشوفنى ما صدقتش والله .. إنت هتفضل واقف إقعد .
أجابه فارس مسرعا بجمود و هو لا يتطلع نحوه :
- أنا مش جايلك أنا جاى آخد ميناس .. كتب كتاب أختها بكرة وعاوزينها معاهم .
نزلت كلمات فارس القاسية كالصخور على رأس حمزة .. فطأطأ رأسه بضيق و أومأ برأسه قائلا بكسرة :
- إنت تؤمر يا فارس .. هخليهم يدوها خبر .
خرجت ميناس من غرفتها مبتسمة بفرحة و صافحت فارس قائلة بهدوء :
- أخبارك إيه يا أبيه فارس .
إبتسم إليها فارس و قال بحنو :
- كويس يا ست البنات .. جهزى نفسك بسرعة هتروحى عند جدتك .. كتب كتاب ليال بكرة و عاوزينك .. وهتباتى معاهم النهاردة .
إتسعت عيناها بفرحة .. ثم تلاشت فرحتها و تطلعت لحمزة بتوجس من ردة فعله .. لاحظ فارس نظرات القلق البادية بعينيها فقال بقوة :
- ما تقلقيش حمزة موافق .
ردت ميناس بفرحة طفولية :
- بجد ... هجهز نفسى بسرعة .. ثوانى بس .
و إنطلقت لغرفتها بسعادة .. و إرتدت ملابسها بسرعة .. تنهد حمزة بضيق و قال قاطعا لحالة الصمت السائدة :
- مش ناوى تسامحنى بقا يا عوو .
قطب فارس ما بين حاجبيه مرددا بصرامة غير قابلة للنقاش :
- ﻷ .. طول ما إنت بتفترى عالغلبانة دى .. عمرى ما هسامحك .
تشنجت تعابير حمزة و قال بضيق :
- دى مراتى و أنا حر معاها .
ضحك فارس بسخرية و تطلع نحوه قائلا بسخط كبير :
- براحتك .. بس صدقنى فى يوم هتندم ندم عمرك كله .
تنهد حمزة بأسى و هو يسأل نفسه بضيق لماذا دائما ما يذكروه أنها ستتركه يوما ما ... فهو يعلم هذا جيدا ... و لا يحتاج لمن يذكره ... فقال له بنبرة ذبيحة :
_ عارف إنها هتسبنى فى يوم ... و مش عارف هى مستحملة اللى بعمله فيها ليه .
طالعه فارس بتعجب و نفور من غبائه أو إدعائه الغباء بينما خرجت ميناس و وقفت أمام فارس و قالت بإبتسامتها المتسعة :
- جاهزة يا أبيه .
أشار إليها فارس لتتقدمه .. فإقتربت من حمزة وقالت له و هى تملأ عينيها بملامحه .. لأنها ستشتاق إليه ... و بشدة :
- تحب أرجع بالليل .. وأبقى أروح لهم الصبح تانى .
رد بصرامة و هو يتجاهلها :
- ﻷ .
كم كانت تتمنى أن يقول لها أنه يريدها معه .. و لكنه كالعادة يقتل أى أمل لها نحوه .. أطرقت رأسها بحزن .. و إتجهت لباب القصر الكبير تتبع فارس .. ثم وقفت و إلتفتت إليه بشوق .. لأنها لم تتركه من قبل منذ زواجهم ..
طالت النظرات بينهما .. لأنه أيضا لا يقل حالا عنها .. لأنه لم يتركها تبتعد عنه من قبل .. تنهدت بأسى و خرجت ....
صعدت السيارة بجوار فارس و قلبها ينبض بعنف .. لأنه لا يقوى على البعاد حتى و لو ليوم .. لاحظ فارس حالتها فسألها بضيق :
- ميناس .. لو عاوزة ترجعى بالليل ممكن أرجعك وأجى أخدك إنتى و هو الصبح .
إبتسمت ميناس بإمتنان و قالت شاكرة :
- يبقى شكرا ليك جدا .. أنا ماكنتش هرتاح لو سبته لواحده .
باغتها فارس بسؤال منطقى جدا :
- بتحبيه يا ميناس ؟!
تنهدت مطولا و زفرته بقوة تخرج معه كل ما يعتمره صدرها من عشق و قالت بشجن :
- أيوة بحبه .. وعمرى ماحبيت ولا هحب غيره مهما عمل فيا .
طالعها فارس بنظرة جادة و قال بحزم :
- بس إنتوا مش متجوزين هو ..... .
إبتلعت ميناس ريقها بصعوبة و قالت بحزن :
- عارفة .. و موافقة أكمل عمرى كله جنبه .
تطلع فارس أمامه و قال بصلابة :
_ لإمتى يا ميناس ... أكيد فى يوم هيبقى نفسك تبقى أم على الأقل و حمزة بعد عمليته الأخيرة لما فشلت و هو مصمم ما يدخلش عمليات تانى ... هتفضلى تضحى بكل حاجة لإمتى .
إبتسمت بخفوت و إلتفتت إليه برأسها و قالت بقوة :
_ حضرتك لسه صغير فى السن و أكيد هتقابل الحب اللى هيخليك مستعد تضحى بكل حاجة .. و أى حاجة ... بس علشان تفضل جنبه و ساعتها هتفهمنى .
طالعها بتعجب من كلماتها و تضحيتها و هو يعلم أن أى كلام معها ... أصبح دون جدوى .. فإنطلق بسيارته فى هدوء .
وصلت ميناس أمام منزل جدتها .. فشكرت فارس و ترجلت من السيارة و ألقت التحية على رامى و صعدت مسرعة .. طرقت الباب فتحت لها ليال التى إتسعت عيناها من الفرحة و إحتضنتها قائلة :
- مينو حبيبة قلبى .. كده أنا فرحتى كملت .
أجابتها ميناس و هى تضمها إليها بشوق :
- مبروك يا أحلى عروسة فى الدنيا .
إبتعدت ليال عنها و طالعتها بحنو و قالت :
_ الله يبارك فيكى يا حبيبتى .. تعالى إدخلى .
دلفت ميناس للشقة و قالت للجميع بإبتسامة مشرقة :
_ السلام عليكم جميعا .
أجابها الجميع من أقاربهم و جيرانهم :
_ و عليكم السلام .
إنتبهت لجلسة رأفة التى تتطلع إليها بشوق فسارت نحوها و إرتمت بحضنها و قالت بمداعبة :
_ وحشتينى موت يا روفة .. زى ما غزل بتقولك .
ضربتها رأفة على كتفها بحنو و قالت بلوم :
_ طب غزل و مش هعرف أقولها لأ .. إنما إنتى يا أوزعة لو قولتيها تانى .. هقصلك لسانك .
إبتعدت ميناس عنها و قالت بنبرة طفولية :
_ طب أهون عليكى يا تيتة .
قبلتها رأفة بجبهتها و قالت بحب :
_ آه تهونى على فكرة و هقصلك لسانك و شعرك اللى إنتى فرحانة بيه ده كمان .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و بدأت السلامات .. فإقتربت سالى من غزل و قالت بتعجب :
- مين الموزة دى كمان .
أجابتها غزل بإبتسامة :
- دى ميناس بنت خالتى وأخت ليال .
زمت سالى شفتيها و قالت بحقد :
- إيه يا بنتى إنتوا كلكم حلوين كده الواحد نفسه جزعت .
إبتسمت عينى غزل بخفوت فها هو قد لبى لها طلبها و أحضر ميناس لتشاركهم فرحتهم .. تأوهت بداخلها مطولا و قالت كلمة واحدة :
_ فارس .
إقتربت ميناس من غزل التى وقفت و إحتضنتها قائلة بسعادة :
_ منورة الدنيا يا مينو .
إبتعدت ميناس عنها قليلا و سحبتها من يدها و خلعت حجابها و عقدته حول خصر غزل قائلة :
_ تعالى بقا ورينا رقصك زى كلامك و لا ده وقع منك ... ما هو يا تعرفى ترقصى بلدى و كده هتبقى مصرية .. يا هتبقى خوجاية .
أشارت غزل لمهجة قائلة بثقة :
_ شغلى أغنية حبيبىي يا عينى ياااا ... يا بهجة .
أومأت مهجة برأسها و أدارتها إليها و بدات غزل فى التمايل برقة و بحرفية .... صفق لها الجميع و شاركها البعض ....
كانت ليلتهم مليئة بالفرحة و السعادة .. فها هو زينة شباب الحارة سيتزوج ست البنات .. إنتهت السهرة بعدما شعر الجميع بالتعب .. وقفت سالى و إستعدت للرحيل .. خرجت معها غزل لإيصالها للطريق لركوب سيارة أجرة و بالفعل إستقلت سالى السيارة بعدما ودعت غزل ..
عادت غزل مرة أخرى لبيتها .. فرأت فارس يقف مع جمع من الرجال .. تطلعت إليه بإعجاب فهيبته وشخصيته القوية لم ترهما على أحد قبله .. رغم وسامته الطاغية ببشرته القمحية و عيناه البنية و شعراته الناعمة إلا إنه شخص شديد الرجولة .. عميق الصوت .. ذو بنيان قوى .. يمتلك عينين ساحرة إبتسمت بإعجاب وصعدت لشقتها .
وقفت فى شرفتها تطالع البحر بحزن .. لم تكن تلك المرة الأولى التى تبوح له بأسرارها ... أو بالأحرى سرها الوحيد و عشقها الأول .. رامى ..
أغمضت عيناها و سحبت نفسا طويلا باردا محمل برائحة يود البحر و هى تعيد بمخيلتها لحظاتهما سويا و طفولتهما و تعلقها به و رؤيته يعشق غيرها بل و يقص لها حكاية عشقه لتلك الذهبية الحقيرة .. ليال ...
رغم أنهما كانتا صديقتين إلا أنها حولت تلك الصداقة الباهتة لعداء ... و كره ... و بغض ... لأنها عاشت طفولتها و مراهقتها تعشق و تحلم و تفكر به هو و فقط .. لتأتى تلك الطفلة الحمقاء و تسلبها سعادتها و حبها ..
ألم أقل لكم أنها خيوط ضعيفة و سهل تمزيقها لتتحول الصداقة تلك المرة .. لعداء ...
فتحت عيناها و قالت بألم :
_ ليه يا رامى ... إزاى ما حستش بحبى ليك .
أتاها صوتا من ورائها يقول بحب :
_ عاليا .... يالا يا عاليا علشان ننام ... هنسافر بدرى يا حبيبتى .
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الصمت .....
الصمت أنواع شتى ....
صمت يسبق ... العاصفة ....
و صمت الإنتظار .. الممل و المؤلم للغاية ...
و صمت الشوق و اللهفة ... أو بالمعنى الغير المهذب .. صمت الرغبة و التملك ....
و صمت خانق .. كاتم .. كابت للمشاعر ... بمعنى أبسط أن يكون قلبك ملكا لشخص و تكون أنت كلك بحياتك .. بمشاعرك ... بجسدك .. ملكا لآخر و الأكثر إيلاما ان يكون ذلك .. الآخر .. عاشقا لكل ذرة بكيانك و يغدق عليك من حنانه و حبه و أيامه بسخاء ....
وقف خلفها يتابع وقفتها اليومية شاردة امام البحر و كأنه بينهما حديث خاص و أسرار لا يعرفها غيرهما ... إبتسم بخفوت و إقترب منها بهدوء و حاوط خصرها بذراعيه و ضمها لصدره و أسند ذقنه على كتفها و قال مداعبا أذنها بأنفاسه :
_ مش سمعانى يا عاليا .. بقالى شوية بنده عليكى .
و كأنها لم تشعر به ... فإستمر حوارها الصامت و المؤلم مع البحر و الذى قد ثار قليلا و بدأت أمواجه فى التلاطم واحدة تلو الآخرى شاعرا بتلك النيران المقتدة بداخل صدرها و حبيبها سيتزوج ممن عشقها ..
أما من عشقها هى يقف خلفها و يضمها لصدره بحنانه المعتاد و صفاء مشاعره و دفئه المطمئن ....
تنهدت عاليا مطولا ... فتطلع معها عامر بالبحر و سألها بمداعبة :
_ تعرفى .. بقيت بغير من البحر علشان بياخدك منى كل يوم بالليل و كأنه بينكم أسرار ... يمكن بتقوليله قد إيه بتحبينى صح .
لو يعلم ان كلماته تخترقها كسهام حادة و مؤلمة ... لصمت للأبد ... فهى فى تلك اللحظة أقصى أحلامها أن تمنع زواج رامى بغيرها و تركض إليه وترتمى بصحراء صدره الواسعة و الحارقة و تصبح له و يصبح لها اخيرا ... و لكنها أجابته بنبرة مختنقة :
_ عاوز إيه يا عامر .
إبتعد عنها قليلا و لفها ناحيته فأصبح وجهها مقابلا لوجهه ... فزم شفتيه بضيق و قال لائما :
_ ده بدل ما تقوليلى و لو بالكذب حتى .. أيوة بقوله إنى بحبك يا حبيبى .
كانت نظراتها ذابلة كوجهها و لكنه كعادته يتغاضى عن برودها و يقرر أن يروى تلك الزهرة الجميلة ... بطريقته و التى دائما ما تفلح معها ...
فإقترب منها و لثم ثغرها برقة و تلاها بقبلات ساخنة .. شغوفة ... و يديه تعبث بجسدها الغص بنعومة ...
شعرت بضعفها و إنسياقها و إستسلامها لمشاعره الصادقة و رغباته المشروعة فإبتعدت عنه بهدوء و قالت بعبوس :
_ عامر ... إحنا لازم ننام بدرى علشان هنصحى بدرى ... بطل دلع بقا .
قبل أنفها برقة داعبتها و جعلت جسدها يجفل قليلا و قال هامسا أمام شفتيها :
_ طب أعمل إيه ... ما هو محدش قالك إبقى حلوة قوى كده .
عادت برأسها للخلف أكثر قائلة بضيق :
_ بس يا عامر ....... .
لم يمهلها وقتا آخر و جذب رأسها ناحيته و عاد لقبلاته المشاغبة مجددا و تلك المرة سحبها لتياره الجارف كالعاصفة التى أثارت موجات البحر أكثر و زادت سرعتها و تلاطمها و سببت الكثير من الدوامات التى إبتلعتها كاملة و قذفتها داخل أحضانه على فراشهما و المدهش .. أنها تستمتع و بشدة ...
كعادته ... جالسا على كرسيه المتحرك يتطلع للحديقة .. بصمت .. ذلك الصمت المؤلم و الممل ... صمت الإنتظار ...
يعلم جيدا أنها لن تأتى اليوم .. و ستحظى بليلة هانئة من دونه .. ربما وجدت راحتها فى بعدها عنه و عن صراخه المتكرر بوجهها و عن يديه الملعونة و التى تسبق عقله دائما و تذيقها الألم و الوجع فتقرر التمرد على قلبها و تركه للأبد ... هز حمزة رأسه بقوة نافيا فكرة انها تستطيع تركه .. فميناس البريئة له و فقط .. فلو ذلك الشعور المريح يسمى أنانية .. فنعم .. هو أنانى بإمتياز مع مرتبة الشرف .....
وقفت نشوى ورائه و قالت بنبرة عالية ليسمعها :
_ حمزة بيه ... العشا جاهز يا فندم .
خرج من شروده على صياح نشوى فإلتفت بكرسيه ناحيتها و قال بغضب :
_ إنتى بتزعقى ليه .
إبتلعت ريقها بتوتر و أجابته بهدوء :
_ مش بزعق .. أنا خبطت على الباب كتير و حضرتك ما سمعتنيش .. باعدين دخلت و نديت على حضرتك و برده ما سمعتنيش فعليت صوتى شوية صغيرين .
هدر بها قائلا بحدة :
_ إخرسى بقا ... هو اللوك لوك كتير ليه .. إتفضلى سبينى لوحدى و إمشى .
تغاضت عن صراخه بها و قالت مجددا بهدوء :
_ يا فندم إسمعنى بس .
ضرب كفيه ببعضهما و قال بعصبية :
_ أسمع إيه و مين ... تكونيش الست أم كلثوم مثلا فأنا لازم أسمعك ... قولت إطلعى بره .
إرتجفت عيناها قليلا و لكنها قالت بإصرار :
_ يا فندم أنا جبت العشا لحضرتك .. و إنت لازم تاكل علشان تاخد العلاج .
رفع عينيه بملل و قال بإهتياج زائد :
_ يعنى سيادتك عوزانى أكل غصب عنى ... تمام أنا هفضيلك الأطباق كلها .. ده حضرتك تؤمرى .
و إندفع بكرسيه نحوها فإبتعدت عنه مسرعة و فتحت له المجال للمرور .. فتقدم ناحية الطاولة و جذب شرشفها بقوة .. فسقطت الأطباق بالطعام على الأرض ..
رفعت نشوى حاجبيها بذعر و إنكمشت بنفسها من صوت تحطيم الأطباق المدوى .. بينما إلتفت هو ناحيتها و قال ببساطة :
_ خلصت .. شيلى الأطباق بقا .
و عاد لشرفته مجددا بعبوس ... تنهدت نشوى بضيق و سارت حتى الأوانى المحطمة و إنحنت و بدات فى لمها بحرص ... شعرت بخيال شخص ما خلفها فإنتصبت واقفة لترى ميناس أمامها تشير لها بسبابتها على فمها الصغير بأن تصمت ...
هزت نشوى رأسها بإنصياع و عادت لعملها .. بينما سارت ميناس ناحية الشرفة و وقفت خلفه تتطلع إليه بشوق ....
إبتسمت شفتيه براحة و إنتصار و قال بهدوء :
_ إيه اللى جابك ... مش قولتوا إنك هتباتى عند ستك .
عقدت حاجبيها بتعجب و هى تستمع لكلماته الموجهة إليها رغم أنه لم يراها بعد ... هل شعر بها مثلا ... و هل هذا الحجر يشعر مثلنا من الأساس .. تنفس حمزة بعمق فأتاه صوتها الرقيق العذب و هى تجيبه ببرائتها الساحرة :
_ أصل أنا طلبت من أبيه فارس قبل ما أمشى يرجعنى ليك بالليل .
لمعت عينيه بشدة مرعبة كنمر جاثى و ينتظر وقتا مناسبا للإنقضاض على فريسته ... و بالفعل إنقض عليها قائلا بتساؤل خبيث :
_ و رجعتى" ليا " ليه ؟!
كم تتمنى أن تجيبه بصراحة و تقول أنها لا تستطيع النوم بعيدة عن محيطه الدافئ و أى مكان لم يكن متواجدا به يعد الغربة و الوحدة بعينيها .. و لكنها قالت بهدوء متزن :
_ لأنك جوزى ... و ما ينفعش أبات بره بيتى .
قصف جبهة ... و إمتلاك صريح و جرئ ... لم ينكر إعجابه بردها و دهائها و جمالها ... فباغتته هى قائلة برفق :
- إتعشيت و لا ﻷ .
إبتسمت شفتيه بإتساع و لكنه دارى إبتسامته بسرعة و إلتفت إليها بكرسي ببطء حتى تلاقت عيناهما .. تطلع إليها مطولا و هو يملأ عينيه بملامحها الملائكية .. ثم قال بجدية :
- ﻷ .
إبتسمت ميناس ببرائة و قالت بحماس :
- وأنا كمان ما قدرتش أكل من غيرك .. هخليهم يحضروا العشا على ما أغير هدومى بسرعة .. تمام .
أومأ برأسه .. فتعمقت غمازتيها مع إتساع إبتسامتها و التى تُسوى قلبه على نار هادئة متلذذا بما تمنحه هى من جمالها الشبيه بحلوى القهوة اللذيذة مثلها ... و بهدوء تركته و خرجت من غرفته .. تنهد مطولا و قال هامسا و قد عادت الحياة لعينيه :
- بحببببك .
وقفت ليال فى شرفتها تهاتف رامى كعادة كل يوم قبل النوم .. و تمر مكالمتهم بصمت غالب على أكثرها ... ذلك الصمت المهيمن عليه الشوق و اللهفة و هو يرجو أيامهم و ساعاتهم أن تمر سريعا و تصبح حبيبته له و بجواره دائما .. يحدثها أنا شاء و يلامسها متى جال بخاطره و يفترش شعراتها الذهبية على وسادته و ينعم بدفء و نعومة جسدها الرقيق ...
لم تكن جاهلة لفك شفرات نظراته الجريئة و الملتاعة عليها .. لتغذى هى رجولته و غروره بأنفاسها المضطربة و صوت دقات قلبها الهادرة و نظراتها الحالمة تجاهه .. فتأثيره عليها ظاهر كضى الشمس ....
و لم لا و هو الرجل الوحيد بحياتها بعد هروب والدها من مسؤلياته و تركهم بمفردهم مع والدتهم ليتحول كل إهتمامها و شغفها لدراسة الصنف الآخر منصبة على الرجل الواقف أمامها و يطالعها بنظرات لم تتغير مع سنواتهم التسع المنصرفة .....
عقد حاجبيه متسائلا بإندهاش هل مرت عليهما حقا تسع سنوات .. كيف و متى ... فإسبوعين فقط هما ما يفصلانهما عن إرتباطهما الأبدى و يحترق شوقا ... ليعود لسؤاله مجددا .. تسع سنوات ... يالا العجب .
صمت ... صمت ... صمت ... أبلغ من الكلمات ....
إرتمت غزل عل فراشها بإرهاق .. دعابت صورة فارس عينيها بهيئته الجذابة و شخصيته المقيتة ... و لكن وفائه بوعده بحضور ميناس جعلها تكتشف جانب جديد بشخصيته الثلجية معها .. هى فقط ... لتكتمل فرحة ليال ..
فإبتسمت بمكر .. و تمددت على جانبها و ثنت ذراعها و وضعت قبضتها أسفل وجنتها و هى تقلب هاتفها على فراشها بيدها الأخرى و صراع قوى قد نشب بين عقلها و قلبها .. فقلبها يطالبها بتقديم الشكر و مهاتفته ... و عقلها يحذرها من إنجرافها وراء طيبة قلبها و أن ذلك المتعجرف سيزداد غرورا و زهوا بنفسه ... ليجيبه قلبها بإبتسامة لعوب زينت ذلك الصغر المثير قائلا بسخونة .. أنه يحق له الغرور و التدلل عليها و على الجميع .
لقد كان جالسا على فراشه شاردا بها أيضا .. و يبدو أن القلوب عند بعضها ... لم يجبره شئ من قبل أن يذهب للقصر منذ عامين و أكثر لتأتى هى و بمنتهى البساطة و اليسر تطلب منه ذلك فيلبى لها طلبها بإنصياع ينذره بالأسوء ... هز رأسه بقوة ليهدأه عقله قائلا برزانة و حكمة أنه طاوعها لأنها فتاة و ذلك من أصول الأدب .. ليرتجف قلبه بقوة قائلا بإعتراض أنها لها مكانتها الكبيرة به منذ أمد بعيد هى و فقط ... تلك الصغيرة و التى كبرت يوما بعد يوما بين ذراعيه بجمالها المهلك رغم صغر حجمها و سنها ....
خرج من شروده على رنين هاتفه .. فحمله بتعجب من ذلك المتطفل و الذى يهاتفه فى تلك الساعة ... و ما أن رأى شاشته حتى لمعت عينيه بشدة و إبتسمت تلك الإبتسامة الساحرة و التى لا ترتقى للوصول لشفتيه و هو يقرأ إسمها .. تنهد مطولا قبل أن يرد قائلا بهدوء :
- ألو .
أجابته غزل بإقتضاب :
- شكرا .
زادت إبتسامته و وصلت لشفتيه أخيرا مع زيادة فى معدل دقات قلبه .. و هو يستمتع بصوتها الساحر و يتخيلها أمامه بشغبها و مرحها و غضبها .. فقال ببروده الثلجى مستمتعا بإغاظتها :
- العفو .
قطبت غزل حاجببها و إعتدلت جالسة بتحفز و قالت بضيق من بروده :
- تصبح على خير .
إتسعت إبتسامته و أجابها محتفظا بتلك النبرة التى تبغضها :
- وإنتى من أهله .
قالها فارس مسرعا .. ليسود صمتا من نوع آخر .. و هو أقصى مراحل الصمت .. صمت ما قبل العاصفة ...
لم يغلقا الهاتف و كأن كل منهما ينتظر أن يجذبه الآخر ناحيته أكتر .. مخترقا عالمه بأحزانه و تفاصيله ..
.. إستمعت غزل لأنفاسه .. و هى تلف خصلة من شعراتها حول سبابتها بضيق متعجبة من بروده القاتل .. و تتسائل بإرهاق لماذا يعاملها بكل هذا الجفاء .. و لماذا تشعر هى بإنجذابها نحوه ..
صكت أسنانها بغضب و أغلقت الهاتف و قذفته بعصبية بجوارها .. وإرتمت بجسدها على الفراش ممددة على ظهرها و هى شاردة بحالتها الغريبة عليها .. و هنا وجب الإستفسار .. هل وقعت بالمحذور و ... أحبته .. أومأت برأسها نافية .. و تمددت على جانبها و أغمضت عيناها بقوة كى تنام .
بينما تمدد فارس على فراشه وهو يضع ذراعه خلف رأسه .. يفكر فى شعوره ناحيتها .. فهل هو تقدير على موقفها القديم معه .. أم أنها مشاعر من نوع آخر .. مشاعر لم تمر عليه من قبل .. رغم زواجه السابق و لكنه لم يكن منجذب لزوجته .. فزادت خلافاتهم وشجارهم اليومى حتى بعد علمه بحملها .. لم يقربهم الطفل من بعضهما .. ولكن ما يشعره ناحية هذه الساحرة و التى سلبت عقله إحساس مختلف و جامح .. فما يخشاه هو نفاذها لقلبه .. أم أنها بداخله الآن وقد فات الأوان .
فى الصباح عادت إليهم ميناس و جاء معها حمزة .. تركته وصعدت منزل جدتها .. إستمرت التحضيرات و الإحتفالات حتى المساء .. تزينت الفتيات .. إرتدت ميناس الثوب الأبيض التى إختارته إليها غزل فبدت به كالملائكة .. أما غزل إرتدت فستان بترولى ضيق حدد منحنياتها الجذابة .. وكانت به ساحرة و ملفتة كعادتها ..
بينما تطلعت ليال لهيأتها بالمرآة بإبتسامة مشرقة .. لأنها كانت جميلة جدا بفستانها الذهبى .. و التى تعمدت غزل إختيارها لهذا اللون لأنه لايناسب أحد سوى ليال الذهبية .. إحتضنتها غزل من الخلف و طالعتها بالمرآة و قالت بإعجاب :
- طالعة زى القمر يا لولو .. ربنا يهنيكى و يسعدك .
تطلعت إليها ليال بالمرآة و قالت بإمتنان :
- مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه .. إنتى بقيتى غالية عندى قوى يا غزل .
تصنعت ميناس الغضب و قالت بطفولية عاقدة حاجبيها :
- وأنا بقا ماليش فى الحضن ده .
ضحكت غزل و ليال عليها .. بينما قالت غزل بمداعبة :
- ﻷ مالكيش يا حقودة .
ضمت ميناس ذراعيها أمام صدرها بغضب و قالت بضيق :
- خلاص أنا زعلت و مش هكلمك .
إقتربتا منها ليال و غزل و إحتضناها الإثنان بقوة .. فتنفست بصعوبة و قالت بوهن :
- مش عوزاكم تحضنونى خلاص حرمت .
تعالت ضحكاتهم ... و غزل تتطلع إليهما بشعور غريب من المسئولية و الحب .....
تطلع رامى لهيأته فى المرآة برضا حتى أتاه صفير حمزة من خلفه و الذى قال غامزا بطرف عينيه :
- أستاذ فى الشياكة و الله يا رامى .
عدل رامى من رابطة عنقه و قال بإرتباك :
- بجد يا حمزة يعنى شكلى حلو .
رد حمزة مؤكدا :
- ده إنت عالمية .. قشطة جدا .
دخل عليهم مهاب و هو يرتدى بدلة مثلهم و قال بفرحة :
- يالا يا رجالة المذأون جه تحت مع جدو .
ضحك رامى و حمزة على نطقه الخاطئ .. فإقترب منه حمزة محركا كرسيه و سأله ساخرا :
- مين اللى جه يا صاحبى .
رد مهاب بتلقائية و ثقة :
- المذأون .. الشيخ اللى هيجوزهم .. عارفه أنا .
كتم حمزة ضحكته و طالع رامى قائلا بتحذير :
- طب إنجز بقا يا رامى لجوازتك طلعلك فيها مذأون .
اغلق أزرار سترته و هو يقول بإصرار :
_ و الله يطلع فيها مذأون أو ملعون ... هتجوزها يعنى هتجوزها .
هز حمزة رأسه بيأس و هو يضحك بشدة .. فإلتفتوا لطرقات على باب الشقة ... فتحت زينب الباب لتتسع عينيها من الفرحة و قالت بلهفة :
- عاليا .. بنتى .. حمد الله على سلامتك يا حبيبة قلبى .
إحتضنتها عليا بقوة و قالت بشوق :
- ماما حبيبتى ... وحشتينى يا ست الكل .
ضربتها زينب على ضهرها مداعبة و قالت بلوم :
- تضحكى عليا وتقوليلى مش هاتيجى غير على الفرح و إنت فى نيتك تيجى ... ماشى .
ضحكت عليا و إبتعدت عنها قليلا و قالت مازحة :
- حبيت أعملك مفاجأة يا ست الكل .. وحشتينى .
إنتبهت زينب لوقفة عامر زوج عليا خلفها ... فابتعدت عنها و صافحته مرحبة به و قالت بأسف :
- لا مؤاخذة با إبنى من فرحتى بيها ما خدتش بالى منك .. عامل إيه يا حبيبى .
صافحها عامر بإبتسامة ودودة و قال :
- كويس الحمد لله .. إزيك إنتى يا حجة أخبارك إيه .
أشارت له بيدها أن يدلف قائلة بفرحة :
- بخير يا إبنى .. نورت الدنيا ... إتفضل .
دلفا للداخل فركض مهاب ناحية عاليا .. فإلتقفته بحضنها و ضمته بقوة ... فقال لها بشوق :
- وحشتنى يا عمتو قوى .
ردت عاليا وهى تقبله فى وجنتيه :
- حبيب قلب عمتو وحشتنى .
خرج فارس من غرفته مرحبا بها بقوة قائلا بحب :
- منورة الدنيا يا عاليا .. ليكى شوقة و الله .
وقفت تتأمل وسامته .. ببنطاله الجينزى الضيق و المهترئ قليلا .. و يعلوه تيشرت أبيض مفتوح قليلا من الصدر و ضيق أظهر عضلات صدره القوية .. و سترة رمادية .. أنهت تأملها له بإبتسامة إعجاب و قالت بمشاغبة :
- هما قالولى إن رامى هو العريس مش إنت .
اجابها مازحا و هو يقترب منها :
- يالا يا بكاشة .. وحشتينى .
إحتضنها بقوة .. فأجابته و هى تستند برأسها على صدره الحنون :
- إنت وحشتنى أكتر يا عوو .
أتاهم صوت حمزة من جوارهم قائلا بلوم :
- إيه .. أنا ما وحشتكيش برضه و لا إيه .
إبتعدت عن فارس و هتفت بسعادة :
- الباشا الكبير بذات نفسه .. وحشتنى مووت يا باش مهندس .
إنحنت نحوه و إحتضنته مسرعة .. فربت على ظهرها و قال بصوت حانى :
- الدنيا من غيرك وحشة قوى يا عاليا .. أنا عارف وافقتى على عامر ليه .
رد عامر زوجها بحنق مصطنع :
- ماشى يا باش مهندس .. إنت نسيت إنك السبب لما شوفتها معاك فى الجامعة و خطبتها وقتى ... قبل ما حد يخطفها منى .
صافحه حمزة قائلا بلوم :
_ و إنت كنت تطول ... دى الملكة بتاعتنا يا أستاذ إنت .
حدجها عامر بقوة و اجابه برقة :
_ و ملكة حياتى أنا كمان .
خرج صبرى من غرفته فعانقته عليا بشوق و رحب هو بها بقوة .. حتى خرج رامى من غرفته .. لاحظ وجودها فقال بإبتسامة هادئة :
- أستاذة عاليا بنفسها .. ده أنا ليا الشرف و الله تسيبى شرم و تجينى مخصوص .
إختفت أنفاسها .. و زادت سرعة دقات قلبها .. و إلتفتت إليه بشوق .. ليتوقف العالم عن الدوران من حولها ...
إبتلعت ريقها بتوتر و هى تملأ عيناها بملامحه الجذابة .. و تطالع وسامته بحزن من تلك السعادة المرتسمة على ملامحه ....
فها هو سيتزوج ممن أحبها قلبه ... فعادت إليها آلامها القديمة و هى تتطلع داخل عينيه لترى غيرها بهما .. تنحنحت بحرج و قالت بهدوء :
- هو أنا عندى أغلى منك .. مبروك يا رامى .
إبتسم بخفوت و أجابها :
_ الله يبارك فيكى يا عاليا .
إنتبه حمزة لنظراتها الملتاعة لرامى .. فطأطأ رأسه بحزن على حالها .. لأنه يعلم مدى عشقها له ... و أنه لا يشعر بها .. و مع ذلك لم يقل حبها مع مرور الوقت و رغم زواجها و إختيارها لزوج من محافظة أخرى لتبتعد عنه و عن ألم قربها منه .
صافح الجميع عامر و أخذهم الحديث حتى قال لهم رامى بنفاذ صبر قاطعا هذه الحالة من السلامات :
- مش يالا يا جماعة المأذون ملطوع تحت من ساعة .. و أنا بصراحة ماعدش عندى صبر .
حاولت عاليا أن تتماسك و رسمت خطا باردا على شفتيها كإبتسامة .. لتوارى حزنها و ألمها فكلماته دون أن يشعر تقتلها .. و أنبت نفسها على حضورها لتعيش ذلك الموقف المؤلم .. و المرهق ...
بينما وقف الجميع و إستند صبرى على عكازه قائلا بحماس :
- يالا يا جماعة الناس بيستنونا .
توجهوا لمنزل رأفة .. فإستقبلتهم ميناس بإبتسامتها العذبة .. و تعالت الزغاريد من حولهم ... فتوجه الرجال جميعا لغرفة الصالون ... و كانت رأفة تجلس فى الردهة تنتظرهم ... فصافحها رامى و قبل كفها .. فربتت على ظهره بحنو و هنأته .... تلاه فارس الذى جذب أنظار الجميع إليه من وسامته و هو يقبل رأسها ...
بينما لم تترك عينى حمزة ميناس و هو يتأملها بإبتسامة شغوفة .. فلقد كانت جميلة و بريئة بشكل أخذ عقله أكثر .. بفستانها الأبيض الضيق حتى صدرها و المنسدل على جسدها بنعومة و يهفو حولها مع حركتها و كأنها طائر يحلق بسعادة .. ليخرج من شروده على دفعة لكرسيه من رامى ....
جلس الرجال فى الصالون من كبار الحارة .. و أصدقاء رامى ... و بدأ المأذون فى إجراءاته و خطبته التى جعلت رامى يهز ساقيه بنفاذ صبر .....
بينما جلست زينب و عاليا مع رأفة و ميناس .. خرجت غزل من غرفة ليال .. فوقفت زينب مسرعة و هى تطالع جمال غزل بفستانها الضيق و الذى أظهر بقوة جمال جسدها المثير .. و إحتضنتها قائلة بود :
- بسم الله ما شاء الله ... زى القمر يا حبيبتى عقبال ليلتك .
إبتسمت غزل إبتسامة ودودة و قالت بإمتنان لتلك السيدة البشوشة :
- شكرا يا أنطى .. مبروك لرامى .
أبعدتها زينب عنها قليلا و تطلعت لجمالها بتمنى قائلة بإعجاب :
- الله يبارك فيكى يا حبيبتى .. عقبالك .
و عرفتها على عاليا التى تعاملت معها بدونية ملفتة .. فوضعتها غزل فى البلاك لست فورا .. و توعدتها فى سرها ....
بدأت مراسم كتب الكتاب .. و كان صبرى وكيل العروسة .. و بعد قليل خرج فارس و أحد كبار الحارة لتوقع ليال على عقد الزواج .. ليتفاجأ بغزل أمامه .. بجمالها الصارخ .. فشهق بداخله قائلا بغضب :
_ نهار إسود و منيل ... هى راشة الفستان ده على جسمها و لا لبسته بزيت ... ماشى يا غزل .
تعلقت عينيه بها فوخزه الرجل بذراعه فأفاق من شروده و قال بعبوس :
- إندهوا لليال علشان تمضى .
دلفت ميناس لليال المرتبكة بشكل سيصيب قلبها بأزمة قلبية إن لم تهدأ .. بينما تطلعت غزل لفارس بإعجاب من هيأته الشبابية الساحرة و عطره الرجولى الساحر .. طالت نظراتهما بصمت و كأنهما فى عالم لوحدهما ..
لاحظت عاليا نظراتهما فزمت شفتيها بضيق و أشاحت بوجهها عنهم قائلة بداخلها بحقد :
_ عيلة زبالة ... حتى البت الخوجاية دى راسمة على فارس .. بس مش هيحصل .
خرجت ليال بهيئتها الذهبية .. و وقعت بهدوء لتتعالى معها أصوات الزغاريد .. إبتسم رامى إبتسامة عريضة و لهفته لرؤيتها تقتله ..
عاد فارس إلى المجلس يحمل الدفتر ليوقع الشهود و دعا لهما المأذون باللهم بارك لهما وبارك عليهما .... و تعالت الزغاريد مجددا لنهاية عقد القران .. إلتقط فارس المنديل الأبيض مسرعا و قال مازحا :
- آسف يا جماعة بس عندى برد .
ليدخل الجميع فى حالة من الضحك .. هنأ الجميع رامى و هو على نار لرؤية ليال لأول مرة بعدما أصبحت زوجته أخيرا .. إنتبه فارس للوعته .. فجذبه من ذراعه من وسط الرجال المحيطين به و خرج معه لتتقابل نظراته بليال الفائقة الجمال .. وقف مكانه متصنم من جمالها المبهر بطلتها الذهبية ...
إرتسمت إبتسامة على طرفى عينيه وهو يحدجها بقوة و يطالع خجلها المحبب لقلبه .. لتتسع إبتسامة شفتيه و هو يقترب منها مسحورا .. لامس كفها بكفه برقة ثم إحتضنه بقوة و رفعه ناحية فمه و طبع عليه قبلة طويلة محملة بشوقه الجارف لها .. ثم قال بفرحة :
- مبروك عليا إنتى يا عسلية .
صكت عاليا أسنانها بغضب و أشاحت بوجهها و هى تسبهما و نيران قلبها تنهشها من غضبها .. لم يصل صوت ليال لأحد غيره .. لأنه الأقرب إليها فلقد قالت بصوت يكاد يكون مسموعا من توترها و خجلها :
- الله يبارك فيك .
كم يتمنى الآن أن يجتذبها لحضنه .. أو أن يتهور أكثر و يجذبها من يدها و يذهب لعشهما الذى حضره بشكل مذهل ليليق بأميرته الذهبية .. و لكنه آسر السلامة و إكتفى بقبلته الرقيقة ...
تنهدت سالى مطولا و مالت على غزل قائلة بهيام :
_ ما فيش عريس تانى عندكم بنفس الأوبشن ده .. إوعدنى يا رب .
حدجتها غزل بتوجس و قالت بحدة :
_ إنتى هتحسديهم و لا إيه ... عموما أنا لو عليا هلفلك رامى ده لفة تورتة و أديهولك هدية ... بس ليال بتحبه بقا هعمل إيه .
مصمصت سالى شفتيها و قالت بضيق :
_ انا مش بحسد طبعا ... بس أهى أمنية .. حتى الأمنية حرام .
ثم ضيقت عينيها و قالت بعفوية :
_ هموت و أعرف أنا شوفت إبن عمه ده فين ... أنا متأكده إنى شوفته قبل كده .
هزت غزل رأسها بيأس و عادت بعيناها لرامى المقترب من زينب و التى هنأته و عانقته قائلة بدموعها :
- ربنا يهنيك يا حبيب قلبى .
إستمتع بحضنها الدافئ و قال بإمتنان شديد :
- ربنا يخليكى ليا يا أمى و ما يحرمنى منك .
إحتضنت وجهه بين راحتيها و قالت بحنو :
_ و لا يحرمنى منك يا حبيبى .. ربنا يهنيك و يرزقك الذرية الصالحة .
أعاده فارس لجلسة الرجال مجددا .. بينما وزعت غزل و ميناس و مهجة الحلويات و المشروبات على السيدات ...
وقفت غزل أمام باب الصالون و أشارت لفارس .. فخرج إليها متعجبا .. فقالت له ببرود :
- خلى حد يبجى ياخد منى الصوانى بالجاتو والكولا .
أغضبه و بشدة كلمة
- هاتيهم و أنا هدخلهم .
رفعت حاجبها بتعجب و هى تتخيل أن هذا المغرور سيحمل الصوانى و يقدم الضيافة بنفسه .. حركت كتفيها بتسليم و قالت برقة :
- حاضر .
وأخذت من ميناس الصوانى الممتلئة و أعطته إياها .. حملها و هو يحدجها بقوة و لوم .. و دلف بهم للصالون فوقف رامى بحرج قائلا :
- إنت اللى هتقدم بنفسك يا كبير .
إبتسم فارس بفرحة و قال و هو يقدم بنفسه حرفيا :
- ده يوم المنى يا صاحبى .. إتفضلوا .
إنتهت الجلسة السعيدة و إنصرف الجميع بعدما هنئوا العروسين .. و ودعتهم ميناس منصرفة مع زوجها ... وعادت رأفة لغرفتها و تمددت على فراشها بإرهاق من جلستها الطويلة ....
كان رامى على نار و هو ينتظر ليال بالصالون قاطِعه ذهابا و إيابا .. و إيابا و ذهابا كبندول الساعة .. بعد قليل دخلت عليه .. لتتسارع أنفاسه و يدق قلبه طبول الفرح ...
جلست ليال بحياء دون أن تتحدث معه .. و غلفهم ذلك الصمت المرهق ... إقترب منها رامى و جلس بجوارها .. و أدارها ناحيته و هو يتأمل جمالها ثم لامس وجهها برقة .. فشعر برجفة جسدها من ملامسته لها .. و لكنه لم يكتفى و لم يترفق بحالتها المذرية .. فبدأ بنزع حجابها و هى مندهشة من فعلته الجريئة تلك ..
خلعه عن رأسها و مرر أنامله على شعراتها الذهبية الناعمة .. و جذب رابطة شعرها .. لينسدل على ظهرها بتموجاته الناعمة .. لتصبح فى أزهى صورها و التى يحتفظ بهم جميعا داخل عقله ...
إقترب منها و قال هامسا برقة :
- بقالى خمس سنين ما شوفتش شعرك .. دى لحظة حلمت بيها كتير قوى .. بحبك يا حب عمرى .
توردت وجنتاها بخجل و لم تجيبه .. بل لم تجد صوتها من الأساس .. إحتضن ذقنها بأنامله و أدار وجهها ناحيته .. متأملا جمال عيونها الذهبية التى يذوب بها .. و قال بهدوء :
- بقولك بحبك .. إيه مش ناوية تقوليلى حاجة .