📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل التاسع 9 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل التاسع 9 بقلم آية احمد عرفة


داية دُروب الحكاية"


ومن هنا تبدأ دروب الحكاية…
دروبٌ لا نعرف أين تمضي، ولا أيّ قلوبٍ ستنكسر في طريقها، ولكنّها تمضي بنا رغمًا عنّا، كأن القدَر يُمسك بأطرافها ويدفعنا لخطواتٍ لم نخترها.

ــــــــــــــــــــــــــ

فتحَ عينيه على صوت الأذان،  متزامنًا مع رنّة المنبّه التي تصدح من هاتفه، فاعتدل في موضعه وأغلقه وهو يردد خلف الأذان نصفه يقظة ونصفه مازال عالقًا في أثر النوم. ألقى نظرة سريعة إلى جواره، حيث كانت هند تغفو بعمق، أنفاسها ثابتة وملامحها هادئة، كأنها تنتمي لعالم آخر لا يعرف القلق.

نهض ببطء، يتمتم بالشهادة في سره، وما إن همَّ بالتحرك حتى اهتزّ جسده بفزع على وقع طرقات قوية ترتطم بباب الغرفة من الخارج.

كانت والدته تقف خلف الباب المقابل له وتطرق بعنف، وصوتها يحمل ارتجاف القلق وهي تنادي باسمه. انتفضت سِكن على أثر الطرقات، فقلق
نومها، لتستمع إلى والدته تقول بفزع:

"براء… براء اصحى! أنا مش لاقيـه أخوك في فرشته."

عادت لسكن آخر لحظة تتذكرها قبل أن ينال منها النعاس… كانت جالسة على السرير تنتظر أن يأتي  لكن يبدو أنه لم يعد قط. نهضت سريعًا وفتحت الباب في نفس اللحظة التي فتح فيها براء باب الغرفة المقابلة، وتلاقت نظراتهما القلقة، بينما وقفت والدتهما تحدق فيهما بدهشة ومرارة. كيف يترك زوجته وحدها في أول ليلة؟ سؤال ارتسم داخل عينيها، لكنه لم يكن الوقت المناسب له؛ فقلبها
يضرب داخله رعبًا على صغيرها.

اقتربت وهي تقول بصوت مكسور:
"أخوك حمزة مش في فرشته… مش جوّا. روحت أصحيه هو ومهاب عشان يصلّوا الفجر، ملقتوش… ملقتهوش يا براء… أول مرة يعملها! دورت عليه في البيت كله… مش موجود!"

خرجت أميرة على الصوت، وعيناها تتسعان خوفًا. حمزة لم يكن يومًا من النوع الذي يخرج دون أن يخبر أحدًا، وهذا زاد قلقها ضعفًا.

أما سِكن فدلفت إلى الداخل بسرعة لتلبس الإسدال، فهي كانت ترتدي منامة، وشعرها منسدل، ولم يكن من اللائق أن يراها أخيه هكذا.

وبراء… شعر كأن عقله تجمَّد، لا يعرف من أين يبدأ. دلف إلى الغرفة، فوجد مهاب ما يزال نائمًا، فتوجّه مباشرة إلى سرير حمزة. كان السرير مرتبًا بعناية، وكأن لم يلمسه طيلة الليل، وهذا وحده كفيل بإشعال الخوف في صدره أكثر.

اقترب وهزّ مهاب برفق:
"مهاب… اصحى يا مهاب."

فتح مهاب عينه بتذمّر:
"في إيه؟"

قال براء بقلق واضح:
"حمزة فين؟"

اتجهت عيناه تلقائيًا إلى فراش حمزة، وما إن وجد المكان خاليًا حتى انتفض جالسًا:
"يعني إيه فين؟ هو مش نام هنا؟"

هز براء رأسه نفيًا:
"لأ… سريره زي ما هو. فين أخوك؟ مقالّكش رايح فين؟"

كاد مهاب أن يرد، لكنه صمت فجأة، وتذكّر حين طلب منه حمزة إطفاء الضوء فرفض، وكيف خرج أخيه بعدها غاضبًا. ظنّ أنه نام على الأريكة بالخارج… ولم يكلّف نفسه أن يبحث عنه.


شعر الذنب يعصر صدره وهو يخبر براء بكل ما حدث، ليحدّق هذا الأخير به بخيبة وغضب، ثم غادر الغرفة، ولحقه مهاب بعد أن ارتدى جاكيته على عجل. مرَّا بأمّهما التي تبكي، وأميرة تحاول تهدئتها، لكن القلق كان يعلو الجميع.

أما سكن فكانت تجلس صامته، لا تدري ماذا تفعل
أو ماذا تقول.

خرج براء من باب الشقة مسرعًا، ولحقه مهاب وهو يقول:
"انت رايح فين؟"

ردّ بحدّة:
"أشوف أخوك يا أستاذ… اللي انت خرّجته من الأوضة!"
1

قالها وهو يهبط الدرجات بسرعة جنونية، بينما مهاب يتبعه وقلبه يتلوّى بالذنب. وقف أمام الباب الخارجي للعمارة، يدور بنظراته في كل اتجاه، لا يعرف أين يتجه. زفر بضيق، ودعا الله بصوتٍ داخلي مخنوق ألا يكون قد أصابه مكروه.

وفجأة تذكّر السطح.

عاد مسرعا إلي الداخل، أتبعه مهاب وصعدا الدرجات بسرعة، كأن كل خطوة تقطع جزءًا من قلقهما. وصل براء يلهث، وما إن دفع باب السطح حتى شعر براحة ثقيلة تهوي فوق صدره… رأى حمزة جالسًا على الأرض، ينظر إلى السماء بعينين بريئتين كأنه
بعالم أخرطط.

كاد مهاب أن يقترب، لكن براء رفع يده بحدّة:
"انزل."

"بس…"

قاطعه بغضب مكتوم:
"عَلَى تحت، طمّن ماما… وانت حسابك معايا بعدين. انزل!"

هز مهاب رأسه غصبًا وغادر، بينما تنفّس براء قليلًا، ثم تقدّم وجلس بجواره، لكن مع مسافة تحفظ خصوصيته؛ فهو يعلم أن حمزة لا يحب التلامس
ولا الاقتراب الشديد، وهو لا يحب أن يوتره.

قال أخيرًا وهو يقطع شروده:
"إيه اللي طلّعك هنا؟"

التفت إليه حمزة، وعيناه، ثم قال براء بصوت يحمل كل الخوف:
"أه يا حمزة… وقعت قلبي عليك. والله كنت زي المجنون بدور عليك ونزلت الشارع. بس في الآخر افتكرت… حمزة بيحب النجوم. والنجوم بتحبه. بس دا مش معناه إنك تطلع فوق لوحدك في وقت زي دا!"

حرّك حمزة يديه بتوتر، يفركهما ببعضهما، وعيناه تهربان منه في كل اتجاه إلا اتجاه أخيه. فهو لا يريد أن يخبره بما فعل مهاب، حتى لا يغضب عليه.

قال كاذبًا:
"مش جالي نوم."

ابتسم براء على براءته، وقد علم الحقيقة من مهاب. ثم نظر إلى السماء وقال بهدوء دافئ:
"انت عارف إيه أحلى حاجة فيك؟"

هز حمزة رأسه مبتسمًا بخفوت:
"إنك أخويا."

ابتسم براء أكثر على ردّه البريء، قبل أن يسترسل حمزة بنبرة خافتة:
"أنت بتعمل معايا اللي بابا نفسه مكنش هيعمله. يمكن أنا وِعيت عليك… كنت الإيد اللي بتسندني، والظل اللي بيحميني من أي حد يحاول يضايقني… انت ظلي يا براء."


ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي براء وأردف بحنان:
"وانت عندي الميزان اللي عمره ما بيميل… ولا هيميل. هتفضل زي ما انت… قلبك الأبيض، انت حقيقي يا حمزة مبتعرفش تخدع ولا تكدب. وأنا عارف إنك بتحبنا… بس مش بتعرف تعبر. لازم تعرف إنك مش أخويا بس… انت ابني اللي ما خلفتوش. زي ما قولت… أنت وِعيت عليا."

ضحك حمزة بخفة وهو ينظر للأمام:
"خليك فاكر كلامك بقى… عشان لما يكون عندك ابن، ما تنساش إني أنا الكبير."

ابتسم براء، ابتسامة تحمل دفئًا وموجعًا في آن. مصحوبة بالألم.

ثم استعاد حمزة الحديث فجأة:
"هي هند… كان قصدها إيه بالكلام اللي قالته امبارح؟ قالت إنها استحملت إنها متخلفش… وانت عارف إني بحلّل كل كلمة. هو اللي وصّلت ليه دا صح؟"

تنفّس براء بعمق، كأن الهم ثِقَل جثم فوق صدره، ثم قال:
"كنت عارف إنك هتوقف عند الكلمة دي… عشان أنت بتدقّق في كل حاجة. بس بلاش تقول لحد حاجة. اعتبر دا أول سر تشيله جواك… وهتبقى قدّه."

هزّ حمزة رأسه بحماس صادق:
"أكيد… ومقولتش لحد ولا هقول. عارف… أنا امبارح حلمتلك حلم جميل أوي."

قالها وهو يشيح بوجهه ليتهرب من النظر المباشر إليه. سأله براء بفضول:
"حلم إيه؟"

ابتسم حمزة:
"إنك كنت شايل طفل… ولما سألتك دا مين، قولتلي دا ابني."

خفق قلب براء بقوة، لكنه أخفى ذلك سريعًا. فمجرد حلم لا يعني شيئًا… رغم أن صوته الداخلي لم يقتنع بهذا تمامًا، فهو يعلم هذا شيئا من المستحيل أن يحقق.

نهض قائلًا ليغيّر مجرى الحديث:
"قوم ننزل… نصلي الفجر. صلاة المسجد فاتتنا، هنصليها جماعة في البيت. وبالنسبة لمهاب… أنا هتكلم معاه. مش هخليه يضايقك تاني."

نهض حمزة معه، ثم قال بابتسامة صغيرة:
"أنت بتتهرب من الحلم اللي قولته… بس بكرة يكون حقيقي. بس خليك فاكر كلامك… أنا ابنك الكبير."

تركه وذهب، وبقي براء واقفًا للحظات، يتأمل أثر كلماته…
يعلم جيدًا أنه لا يوجد "أمل" ليكون هو أبًا…
ولكن قلبه لم يتوقف عن التمنّي رغم ذلك.

ــــــــــــــ

كان يجلس بغرفته، يضم جسده بجانب الحائط، والدموع تتدفق على خديه بلا توقف، بينما يتردد صوت القرآن عالياً من الخارج، والناس تتوافد لتقديم العزاء.

دلف أخيه أيوب إلى الغرفة بوجه متهجم، عابس، ترتسم على ملامحه علامات الغضب الشديد، وبدا أن يرمقه بنظرات لا تبشر بالخير. اقترب منه ببطء
أما عنه كان يخفض نظره إلى الأرض توحي بأنه خائف، يعلم أنه على وشك أن ينهره، وأن كل ما حدث سيصب على كاهله.

قال وهو يصرخ به بغضب:
"مات بابا بسببك!
بابا مش استحمل… أن أواب مات واتصاب بسكته قلبية… وخسرته بسببك!
أنت لعنة علينا!"

أنا عن الآخر كان يضع يده فوق أذنه، عباراته تنهمر على وجنته بلا توقف ويشهق بقوة.
كرر ايوب كلماته القاسية، ملأتها الصفعات على وجه اخيه وجملة واحدة تتردد بلا رحمة:
"انت قاتل!"

كيف يمكن للمرء أن يلقي باللوم على الآخر بسبب قتل عن طريق الخطأ؟! وما الذي دفعه ليصل إلى هذه الدرجة، ليجعل من موت والده بسكتة قلبية ذريعة لتوجيه كل هذا اللوم لأخيه؟ ولماذا لم يفكر في أن هذا البلاء نصيبهم، وأن ما حدث خارج عن إرادته؟ بدل ذلك، كان يضربه ويُلقي عليه كل هذا العبء والاتهام، غير مدرك أن من بين يديه طفل لا يتجاوز عمره الثانية عشرة!
2

فتح عينيه فجأة، يتنفس بعمق، محاولاً استيعاب هذه الحقيقة البشعة. نعم، كل شيء حقيقي، وما حدث ليس كابوساً. لقد صار معه، وكان عليه أن يتحمل هذه الصدمة، تماماً كما توقع عندما توفي أخيه أواب. حينها ظن أن كل شيء سيمر، وأنه سيستوعب الأمر، ويعلم أن ما حدث لم يكن بيده، وأنه فقط كان يحمي نفسه من الرصاصة، ويحاول حماية أخيه أيضا.

لكن موت والده المفاجئ كان جريمة أخرى تُضاف إلى قائمة الاتهامات، ليجد نفسه متورطاً، مكبلًا باللوم على نفسه كأن كل شيء كان نتيجة فعله هو. فقد توفي والده متأثراً بالحزن الشديد، بعدما فشل تحمل وفاة ابنه الصغير، وكأن ذلك وحده لم يكن كافياً… لتُلقَى عليه مسؤولية كل شيء وفاة أخيه ووالده.

تنهد ببطء، وأعاد رأسه إلى الخلف، يغرق في الظلام الداخلي. كان يعتقد أن كل شيء سيمر، لكن ما عاشه بعد ذلك كان أسوأ بكثير مما توقع، أشد وطأة، وأقسى من أي عذاب تصوره قلبه الصغير.

تذكر أمر الفتاة نهض من على السرير وغادر الغرفة، ليستغرب رائحة تفوح في المكان. دلف إلى المطبخ، فإذا بها تقف وتجهز الفطور؛ تقلي البيض وعلى عين أخرى تقلي الطعمية.

لتبتسم وهي تناظره:
"صباح الخير"

هز رأسه على مضض، وهو يرمقها قائلاً:
"خدتي على البيت بسرعة يعني، لسه لغاية امبارح كنتي ضيفة…"
ثم أضاف بتهكم:
" بس ما شاء الله عليكي، واقفة في المطبخ وبتحضري الفطار كمان"

رفعت أنظارها إليه بعد أن أخرجت الطعمية من المقلاة:
"قولت أعمل ليك معروف قبل ما أمشي، زي ما انت عملت ليا معروف امبارح وخبتني منهم… ودلوقتي برده ليك، عشان يكون ذكره تفتكرني بيها، ويكون بينا عيش وطعمية وبيض و…"

قاطعها وهو يتفوه مستنكراً:
"ايه دا كله؟ هي مش عيش وملح؟"

رمقته بنظرات خافتة وقالت:
"نحنا نختلف عن الاخرون"
ــــــــــــــــ

كانوا جميعًا يجلسون حول المائدة، وبراء يترأس المائدة كعادته، غير أنّ المختلف هذه المرّة أنّ سُكن جلست إلى يمينه، بينما كانت هند في الجهة الأخرى كما اعتادت دائمًا.
كانت سُكن تجلس في هدوء، غير أنّ الشرود يتسلّل إلى ملامحها، وكأن الضباب قد حطّ على ذهنها، وكأن هذا المكان لا ينتمي إليها أو لا تنتمي هي إليه، فبدت كروحٍ تبحث عن موضعها بين الغرباء.

قطع شرودها صوته الدافئ، وقد وضع كفّه فوق يدها بلطف ثم قال بنبرة رخيمة:
"مش بتاكلي ليه؟"

رمقت يده الموضوعة فوق يدها بتوتّرٍ خفيف، قبل أن تتدخل أخته بالمزاح قائلة بسخرية لينة:
"تلقيها مكسوفة."

لكنّ حمزة قاطعها فجأة بصوت خافت مباشر:
"لا… هي متوترة وخايفة."

اتجهت الأنظار إليه بعدم فهم، ليكمل حديثه وهو يأكل وكأنه يقرأ صفحة مفتوحة أمامه:
"عنيها بتزوغ في كل مكان… يعني قلقانة. ما ضحكتش لما قولتي إنها مكسوفة، يبقى مش ده السبب. نظرة عينها وتوترها بيقولوا إنها خايفة ومش مرتاحة معانا."

ثم أردف وهو ما زال يحدّق في طبقه دون أن يرفع رأسه، وكأنه يهرب من التواصل البصري:
"متخافيش… احنا مش ديناصورات، احنا بني آدمين عادي."

قالها بنبرة طريفة فأضحك الجميع، وبما فيهم سُكن التي ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، بينما كانت هند تغلي بداخلها، ينمو الحقد في صدرها تجاه سُكن، ويزداد كرهها أضعافًا لهذا "الفيلسوف" كما أطلقت عليه في سرّها.

لم تترك سُكن الفرصة تفوتها، فقالت وهي ترمقه بنبرة فيها شيء من التحدّي اللطيف:
"أنا الدكتورة النفسية على فكرة… مش إنت."

ابتسم حمزة بخفوت ثم نهض ليلتقط حقيبته.
"أنا مش دكتور… أنا هكون مهندس، بس عندي قدرة أقرأ ملاحظات على اللي قدامي."
ثم تابع وهو يسير نحو الباب:
"عن إذنكم… هروح الكلية."

أوقفه براء:
"أوصّلك."

لكن حمزة لوّح بيده رافضًا:
"لا… خليك. لو حصلت مشكلة أكيد هتصل بيك انت."

فتدخلت والدته بدعاء محمّل بالألم:
"ربنا ما يجيب مشاكل… كفاية وجع قلبي وِاللي عملته فيّا."

التفت اليها وضحك حمزة بخفوت وهو يشير إليها بإصبعه بنفي:
"إنتي اللي قلبِك خفيف يا ماما… مش أنا اللي وجعته."

ثم غادر. فنهض مهاب قائلًا:
"هنزل أفتح."

لكن براء أوقفه بنبرة تحمل شيئًا من الرفض ممزوجة بالحدة بعض الشئ:
"عاوز أتكلم معاك."

ثم التفت إلى هند:
"اعملي اتنين شاي وهاتيهم البلكونة."

قالها وغادر، ليتبعه مهاب وهو يعلم تمامًا ما ينتظره… العتاب بسبب ما فعله ما أخيه

وصل الاثنان إلى البلكونة، فتوقّف براء ينظر إلى الأسفل؛ إلى الشارع الذي بدأ يستيقظ على ضوضائه المعتادة. ناسٌ يذهبون إلى أعمالهم، وآخرون يفتحون محالهم، وكلٌّ يسعى في دروب الحياة بما قسمه الله له.
قال بصوت هادئ لكنّه مثقل بالمسؤولية:
"اللي عملته مع أخوك امبارح مزعلني منك… عشان انت عارف طبع حمزة كويس. وبسببك فضِل صاحي طول الليل."

حاول مهاب الدفاع عن نفسه، فهتف سريعًا:
"براء… صدقني مكنتش أقصد ده كله يحصل. افتكرته هينام على الكنبة… أو يرجع ينام في الأوضة."

هزّ براء رأسه ببطء، ثم قال بنبرة لينة تخفّف من وقع العتاب:
"حمزة طول عمره بيتعامل معاملة خاصة. وانت طول عمرك مش عارف تتأقلم مع حالته… وامبارح رفضت تطفي النور عشان ينام، مع إنك عارف نومه بميعاد غير قابل للتغيير. هو شخص روتيني… وبيحب النظام."
ثم تابع بعدما نفد صبره قليلًا:
"معرفتش تحتويه في أول ليلة معاه في الأوضة… وقلتله يخرج لو مش عاجبه."
وأضاف بحزن خفيف:
"وعلى فكرة… حمزة مرداش يقولي الحقيقة عشان ما ازعلش منك. هو ميعرفش إنك اعترفت. فلو سمحت… طلب واحد… اتعامل مع أخوك بِلطف أكتر شوية. ممكن؟ ولا صعب عليك؟"

هزّ مهاب رأسه موافقًا، فتابع براء قائلًا بحزمٍ ممتزج بأخوة صادقة:
"وكمان… يعني ترضي إنه ينام على الكنبة؟ وحريم أخوك في البيت يقولوا إيه؟ افهم بقى… أخوك مش صغير."

لم يستطع مهاب منع نفسه من الضحك عند سماع عبارة حريم أخوك، فهي حقيقة… فبات أخيه زوج الاثنين.
قال معتذرًا بصدق:
"أنا آسف… عندك حق. ولما حمزة يرجع من الكلية هراضيه."

تنفّس براء براحة وقال بخفة:
"ربنا يراضي قلبك."

دلفت هند حينها وهي تحمل صينية الشاي، ناولةً براء أحدهما، بينما أخذ مهاب الآخر وهو يقول:
"هشربه في المحل."

غادر بعدها، فنظرت هند إلى براء قائلة باستياء خفي:
"برضه شايل همهم… ما مهاب أكيد كان هيصالح حمزة. مش لازم تطلب منه."

نظر إليها براء بهدوء ووقار:
"لازم أحنّن قلبه على أخوه على طول… الله أعلم الأيام هتخبّي ليهم إيه."

لوتِ فمها بازدراء؛ تعلم أنها مهما تحدثنت سيظل يكرر: إخواتي… إخواتي.
دلفت إلى الداخل، لكنّها توقفت فجأة وقد شهقت من شدّة الصدمة… كانت مفيدة تسقي العصير لـ فريدة ابنة أميرة.
3

تسمّرت هند في مكانها لا تدري ما تفعل: أتتجاهل؟ أم تتدخّل؟
ظلّ عقلها مترددًا لحظات، قبل أن تحسم أمرها أخيرًا وتتوجه إلى المطبخ. وضعت الصينية بقوة خفيفة فوق الرخامة، وأخذت نفسًا عميقًا، تحدث نفسها بصوت أشبه بالهمس:
"اهدي… انتي ملكيش دعوة بحاجة. أيوه… أنا مكنش في نيتي الطفلة… أنا كنت عاوزة الحية اللي خدت جوزي. بس هسكت… وهشوف إيه اللي هيحصل. مش قدامي غير كده."

قالتها في داخلها،  كأن قلبها كالحجر… الطفلة قد تتأذى بسببها، لكنها اختارت الصمت واتخذت موقف المتفرج، رغم أنها هي السبب.
ـــــــــــــــــ

داخل بيت علوان، خرج أدهم من غرفته لتقابله سندس قائلة:
"رايح فين بدري كده؟"

أجاب بهدوء وهو يحمل دُسّيه بيده:
"رايح أحضر انترفيو… ادعيلي"

كادت أن تذهب، لكنه أمسك يدها بخفة قائلاً:
"مالك يا سندس؟ دا لو سكن موجودة دلوقتي كان زمانها نطت من الفرحة…"

ليتابع بتفهم:
"انتي لسه زعلانة مني عشان اللي عملته مع سكن، صح؟… بس أنا اعتذرت لها كتير… غضبي عِمّاني، صدقيني."

أبعدت يدها عنه قائلة باستنكار:
"إحنا إخواتك يا أدهم… أنا أختك الكبيرة وسكن أختك الصغيرة… كان لازم تعرف إحنا على إيه، وكان لازم تصدقها من أول مرة… سبت إيه للغريب لما كنت زيهم، وأوحش كمان، عارف… الموضوع عامل زي ما حصل معايا… روحت عايرتني بتأخر جوازي زي ما عمتي وخالتي بيعملوا… مع إنك عارف إنها لما بتيجي من الأخ بتوجع أوي… بالذات لما يكون قريب مني."

قالت ذلك، ثم تركته ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب. تنهد بضيق شديد من نفسه، فهو بالفعل قد أخطأ في حقهم كثيرًا.

لينفتح الباب مرة أخرى قائلاً بعبوس:
ــ عمتا… موفق في المقابلة.
1

قالت ذلك، وأغلقت الباب مرة أخرى. ابتسم أدهم على طيبة قلبها، فهو لم يُهن عليها بأن تتركه دون دعوة، حتى لو كانت بادرة بسيطة، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا بداخله.

قلوبنا تعرف الطريق للصفح قبل أن تدركه ألسنتنا،
والبدايات الجديدة تبدأ بخطوة صغيرة… لكن صدقها يملأ الروح دفئًا لا يزول.

ــــــــــــ

داخل بيت الزيني، وداخل الغرفة التي  جمعت بينهما رغم كل ما يحمله كلٌّ منهما من ثِقل الزواج، كان براء يجلس أمام سِكن، يحاول للمرة الأولى أن يفتح ما تراكم بينهما. لقد كان مقرر ليلة البارحة أن يحدثها، ولكن ما آتت الفرصة، ولكن الآن الوقت حان للحديث.

رمقها بنظرات هادئة تحمل أكثر مما تنطق به الكلمات، ثم قال بصوت منخفض يختلط فيه الاعتراف بالتردد:
"شوفي… أنا عارف إنك مكنتيش عايزة الجوازة دي، ولا كنتي حابة الأمور تمشي بالشكل ده. وأنا نفسي مش فاهم إزاي كل ده حصل. أول مقابلة بينا كانت صدفة في المستشفى، وإنك هتابعي حالة حمزة… وبعد كده اكتشفت إنك أخت أدهم صاحب أخويا… وبعدين بقى حكاية الصور اللي نزلت…"

لم تدعه يُكمل. رفعت عينيها نحوه بحدة قاطعة وقالت بسخرية موجوعة:
"بلاش المقدمة دي… أنا أكتر واحدة عارفة إنك أناني"

اتسعت عينيه بدهشة، كأن الكلمة التي نطقتها صدمت شيئًا داخله. أيُّ أنانية تقصد؟ لم يستطع أن يسأل، قبل أن تتابع هي بصوت مختنق وضيق بادٍ على ملامحها:

"أنت استغليت الموقف… وطلبت إيدي عشان عارف إن أدهم هيصدق، وبابا هيوافق… يبقى مش أناني؟
لما تقبل تتجوزني وإنت أصلاً متجوز… يبقى مش أناني؟
بالطريقة دي ظلمتني… وظلمت مراتك.
عملت لك إيه عشان تجرحها بالشكل ده… وتتجوز عليها؟
لا قاعدين في نفس البيت كمان!
قولي… نوعك إيه؟ إيه الجبروت اللي فيك دا؟
أنا عمري ما قابلت حد بالأنانية دي.
لما قابلتك في المستشفى كنت فاكراك راجل محترم… بس واضح…"

رفع إصبعه في وجهها فجأة، قاطعًا كلماتها التي كانت تنفلت كالسكين من شفتيها:
"شوفي… انتي بتقولي إيه الأول… وبعدين اتكلمي!"

كادت أن تردّ بعنف، لكن صراخ "أميرة" أوقف الحديث في حلقها، نهض براء بذعر، يكاد قلبه يقفز من مكانه، واندفع خارج الغرفة بينما تبعته سِكن بخوف لم تستطع إخفاءه.

ولكن قلبه انقبض بعنف حين وقعت عيناه على المشهد أمامه:
فريدة بين ذراعي أخته، جسدها الصغير خامد، وشفتيها ملطختان بآثار دم خفيف… دم غير مفهوم، لكنه كفيل بأن يزلزل كلّ شيء من القلق.

كانت أميرة تبكي بحرقة، تحتضن طفلتها وكأن العالم ينزلق من بين يديها:
"براء… بنتي مالها؟ رد عليا! فريدة مالها؟"

خرجت والدتها من غرفتها على صرخات ابنتها، وجهها متوتر، لا تفهم شيئًا. وعلى الجانب، وقفت "هند" متصنّعة الصدمة بإتقانٍ مرعب، تخفي ارتجافًا نابعًا من خوف كشف سرّها.

اقتربت سِكن لتفحص الصغيرة، وضعت يدها على عنقها، تستمع لأنفاسها، ثم قالت بقلق واضح:
"في نَفَس… بس الدم ده غريب"

انفجرت أميرة بالبكاء أكثر، كلماتها متقاطعة:
"معرفش… فجأة قالت إن بطنها بتوجعها… وفضلت تكح جامد… وفجأة الدم ده ظهر… ووقعت مغمي عليها!"

لتتابع بخوف وهي تتفحص ابنتها بنظراتها:
"هي كويسة صح؟ قولولي إنها كويسة!"

وأخذت تهز ابنتها برفق، تكتم نحيبها:
"فريدة… قومي يا روحي… قومي يا عيوني…"

لم يسمح براء لنفسه بالانهيار. احتوى صدمته، ومدّ ذراعيه ليمسك بفريدة من بين يدي أميرة، وهو يقول بحزم لم يخالطه تردد:
"أنا هاخدها المستشفى دلوقتي"

لم ينتظر ردًّا. حمل الصغيرة واندفع خارج الشقة بخطوات سريعة مضطربة. كادت أميرة تلحق به، لكنها توقفت حين أمسكت سِكن بذراعها قائلة بهدوء:
" تعالي… البسي الأول ونحصله. مش هينفع تخرجي كده"

نظرت أميرة إلى ملابسها البيتية، ثم ركضت إلى غرفتها وهي ترتجف، محاولة تبديل ثيابها بسرعة بينما كان البيت كله يتحرك كخلية نحل مذعورة.

الجميع كان يستعد للّحاق بالمستشفى…

الجميع…
إلا "هند"، التي وقفت ثابتة في مكانها، تتظاهر بالخوف، بينما قلبها يتهوى رعبًا من لحظة قد تنكشف فيها الحقيقة… الحقيقة التي تعلم يقينًا أنها هي سبب كل ما يحدث الآن.

ــــــــــ

داخل شقّة أويس كانت ذاهبة ولكن تختلط مشاعر غريبة بداخله لم يستطع أن يفسرها بعد.

نظرت إليه قائلة بنبرة تجمع بين الدهشة والاعتراف:
"كانت ليلة غريبة… بس مش هنكر إني حسّيت إنها مميّزة"

رمقها أويس بنظرات هادئة، ثابتة، وفي الوقت ذاته تحمل شيئًا مبهمًا لا يُفهم. مدّت يدها نحوه بخفة قائلة:
"شكرًا يا هيرو"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يصافحها برفق:
" العفو… أيتها الهاربة. بس ياريت المرة الجاية لما تيجي تهربي، تبعدي عن الزمالك"

تغيّر وجهها للحظة، عبست وهي ترمقه نظرة فاحصة كأنها تحاول قراءة ما بين كلماته:
" للدرجادي مش مرحّب بيا؟"

قالتها وهي تتحرك ببطء نحو الباب، لكنه أوقفها بصوته يتعقّب خطواتها:
"هو صحيح… إنتي رايحة فين؟ قصدي… إنتي قولتي إن أهلك متوفيين"

أومأت برأسها إيجابًا، دون أن تفقد رباطة جأشها:
"آه… بس أنا مش مقطوعة من شجرة. هروح أقعد عند واحدة صاحبتي، ومحدّش هيقدر يوصلّي هناك… وكمان كلها يومين ويزهقوا بقى"

هز رأسه متفهّمًا، وكأن الحديث فتح أمامه أسئلة أكثر ممّا أغلق:
"عندِك حق"

مدّت يدها نحو المقبض وفتحت الباب، لكن صوته لحق بها مرة أخرى وهو يمد هاتفه باتجاهها:
"سجّلي رقمِك هنا… ولا عندِك مانع؟"

هزّت رأسها نافية بابتسامة صغيرة:
"أبدًا"

أخذت الهاتف وسجّلت رقمها بخفة، ثم أعادته إليه وهي تقول:
" اتفضّل"

أخذه وهو ينظر إلى الشاشة قبل أن يرفع عينيه إليها:
" هكلمِك أكيد"

ابتسمت بالمقابل، وكادت أن تستدير للمغادرة، لكنه استوقفها من جديد، وكأن شيئًا ما يخشى أن يتركه معلّقًا:
"هتمشي كده… بالفستان؟"

أومأت بلا مبالاة:
" آه عادي… هوقف تاكسي يوصلّني"

رفعت يدها بتحية خفيفة:
"باي… هنتظر اتصالك"

غادرت، وصوت خطواتها على السلم يختفي تدريجيًّا بينما عيناه تلاحقانها حتى آخر لحظة. ظل واقفًا عند الباب للحظة طويلة، قبل أن يعود إلى الداخل ويغلقه ببطء.

لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من التسرب إلى وجهه وهو يهمس لنفسه، كأن ما حدث ترك أثرًا أغرب مما توقع:
"مشاغبة"
5

كانت تلك الابتسامة الهائمة على ملامحه  آخر ما كان يجب أن يرتسم على وجهه.

ــــــــــ

داخل بيت الزيني، كان الجميع قد اندفع خلف براء،
كان القلق يعم في أروقة المنزل. وفي تلك اللحظة، قد ذهبت سكن ،واميرة، ومفيدة، وباتت هند وحدها
دلفت إلى المطبخ، خطواتها متوترة رغم محاولتها إخفاء ارتباكها. تقدّمت نحو الحوض وأمسكت بزجاجة العصير التي بقي فيها القليل، ثم سكبت ما تبقّى منها بسرعة، كأنها تتخلّص من دليل جريمة لا تريد لأحدٍ أن يكتشفها.

تنهّدت بعمق، تنفّسًا يشبه الإفلات من ورطة، قبل أن تبدأ في إعداد عصير رمان آخر، ثم وضعته في الزجاجة ذاتها وكأن شيئًا لم يكن. غسلت يديها بعجلة، ومررت أصابعها على شعرها لتبدو ثابته

لكن قلبها كان يعرف الحقيقة… كانت تدرك أن ما فعلته ليس بهذه السهولة، وأن إخفاء الأثر لا يعني النجاة. ورغم محاولتها إقناع نفسها أن الأمر انتهى، ظلّ هاجس ثقيل يطرق داخلها:

مهما اختفت الأدلة…
ومهما انخدع الناس…
يبقى شيء واحد لا يمكن خداعه.

الله يراها…
يراها وهي تسكب… وترتجف… وتكذب.
يراها وهي تظنّ أن الظلام يُخفي ما فعلته.

رفعت الزجاجة بعد أن أعادت ملأها، محاولة أن تثبّت ملامحها، لكن عينيها ظلّتا تحملان خوفًا فاضحًا

لتذهب ل حتي تبدل ثيابها وتكون بجانبهم
في هذه المحنة.

ــــــــــ

توقّف التاكسي أمام العمارة، فهبطت منه ودلفت إلى الداخل، ثم استقلّت المصعد وحدّدت الطابق الرابع. وبعد قليل خرجت منه وتوجّهت نحو الباب، وأخرجت مفتاحًا صغيرًا كانت تخبئه. وضعته في القفل وحركته بخفّة حتى فُتح الباب، فدلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها.

سارت إلى إحدى الغرف، فتحت الدولاب وأخرجت فستانًا ذا لونٍ أزرق داكن، ثم دلفت إلى الحمّام. وبعد لحظات خرجت وهي ترتدي الفستان القصير الذي يصل طوله إلى ما قبل الركبة. توقّفت أمام المرآة، فردّت شعرها، ثم أمسكت بأحمر الشفاه ووضعته برفق على شفتيها.

تركت المستحضرات ونظرت إلى نفسها نظرة أخيرة عبر المرآة، ثم فتحت أحد الأدراج وأخرجت هاتفًا تتصل به على أحدهم، فجاءه الردّ على الفور:

"قولي لي، ماذا فعلتِ يا فتاتي؟"

لتجيب بصوتٍ ثابت:
"كل شيءٍ قد صار حسب الخطة، وقد أوشك أن يقع داخل شباكي"

خرج صوته مصحوبًا بقهقهة عالية:
"ليست قليلة يا راحيل… أخبريني، إلى ماذا توصلتِ؟"

جلست على الأريكة وقالت بثقة:
"لا تقلق يا دافيد، هذا الأجدب سهل الوقوع. سأجعله يقع في فخّ الحب، لنحصل على ما نريده، وسأصحبه إلى عالمنا"
2

جاء صوته مفعمًا بالإعجاب، لكنّه يحمل جانبًا من الحذر:
"إذن اتبعي خطتكِ يا راحيل… كوني رقيقة حتى تُسقطيه، وحين يصبح تابعًا لنا نحكم قبضتنا. أويس نصّار ورقةٌ رابحة… ولكن إيّاكِ، إيّاكِ أن توقِعيه في فخّ الحب ثم تقعي أنتِ في حبّه."

ـــــــــــ

…وهكذا تمضـي دروب الحكاية إلى حيث لا نعلم،
دروبٌ متشابكة، بعضها مضيء، وبعضها يختبئ في الظلال،
لكنّ شيئًا واحدًا يبقى مؤكدًا:
أنّ النهاية لا تشبه البداية،
وأنّ القلوب التي تدخل الطريق
لن تخرج منه كما كانت،



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات